أخر الاخبار
أنت هنا: الرئيسية 2 حوارات ومقالات 2 حوار مع عباس كيارستمي – أجرى الحوار : ميشال سيمان – و ترجمه عن الفرنسية : صلاح هاشم

حوار مع عباس كيارستمي – أجرى الحوار : ميشال سيمان – و ترجمه عن الفرنسية : صلاح هاشم

عباس 2

صورة كيارستمي في المشهد السينمائي الفرنسي            ( 2 من 2 )

المخرج الايراني الكبير عباس كيارستمي

 

فيلم ” طعم الكرز ” لعباس كيارستمي الفائز بـ ” سعفة مهرجان ” كان ” السينمائي الذهبية

حوار مع عباس كيارستمي

أجرى الحوار : ميشال سيمان

إعداد وترجمة : صلاح هاشم

” ..إن كل الخيوط التي تتشكل منها سينما المخرج الإيراني الكبير عباس كيارستمي – وهو مصور فوتوغرافي رائع أيضا- هي محصلة لذلك الجدل – “الديالكتيك ” -  بين  ” الاحترام ” الموروث الذي يكنه كيارستمي للاضافات الغنية التي حققتها سينما ” الواقعية الجديدة ” في إيطاليا، وبين  “التأمل” الفلسفي العميق، في طبيعة ومعنى الصورة السينمائية.. تقديم : كان عباس كيارستمي يخرج الأفلام منذ 15 عاما- ( كان أول فيلم روائي طويل من اخراجه بعنوان ” المسافر ” عام 1974  ) عندما اكتشفه الغرب حين عرض فيلمه ” أين بيت صديقي في مهرجان لوكارنو السينمائي، وكان الفيلم قبلها بسنة قد عرض في مهرجان القارات الثلاث ( افريقيا.آسيا.أمريكا اللاتينية ) وعندما كتبت أنذاك عن الافلام التي شاركت في مسابقة مهرجان نانت على صدر جريدة ” اللوموند ” الفرنسية،أعلنت عن ظهور مخرج سينمائي كبير جديد وقمت بتحية كيارستمي.. كان في تلك الفترة يبدو متحفظا جدا، خلف نظارته السوداء الخالدة التي لا تفارقه، وشحيحا في تصريحاته، ويعمل حسابا لأقواله، و لاينسى أنه في بلاد الغرب الذي يعتبر عدوا لبلاده إيران.. في العام التالي اي في عام  1990 التقيت من جديد بعباس كيارستامي في إطار مهرجان لوكارنوالسينمائي حيث كان يشارك معي كعضو في لجنة تحكيم في المهرجان كان يترأسها المخرج الايطالي الكبيرناني موريتي، وقد أحببت في كيارستمي حرصه على أن نناقش بجدية ودقة الأعمال التي نشاهدها في اللجنة ، والمطلوب منا أن نحكم عليها.. وبمرور الوقت، وبعد ان تكررت لقاءات اللجنة ومناقشاتها ،وافق كيارستمي أخيرا على مبدأ إجراء حوار طويل ومعمق معه،وبحيث يكون الحوار الاول في سلسلة من الحوارات عن السينما الايرانية ومنهاجه في صنع واخراج الأفلام .. ولم تكن السينما الايرانية في ذلك الوقت معروفة في اوروبا إلا من خلال مخرج إيراني يدعى داريوش مهروج( مخرج فيلم ” البقرة ” و ” الدورة ” ) والمخرج الايراني سوهراب شهيد ساليس المنفي في ألمانيا.ثم سرعان ما  ظهر جيل من المخرجين الايرانيين المتميزين- وعلى رأسهم كيارستمي-  يضم محسن مخملباف وبهرام بيزاي وامير ناديري وجعفر باناهي .. وصار فيلم ” أين بيت صديقي ؟ ( الجزء الاول من ثلاثية فيلمية  لكيارستمي تحكي عن وقوع زلزال أثناء تصوير الفيلم ثم عودة كيارستمي بعد فترة الى نفس المنطقة لمعرفة ماحدث بعد الزلزال لأبطاله وشخصياته، وتصويرهم في فيلم جديد ) الفيلم الثاني في “الثلاثية ” بعنوان ” وتمضي الحياة ” .. ثم عاد كيارستمي وأخرج الجزء الثالث من ” الثلاثية “بعنوان ” عبر شجار الزيتون ” ليناقش فيه العلاقة بين الواقع وعملية الاخراج السينمائي عنده، وتمثله وهضمه لها ، من خلال الإشارة الى فيلمه السابق فيلم” وتمضي الحياة “.. والواقع أن عباس  كيارستمي كان قد عالج من قبل  في فيلمه ” كلوز آب ” من انتاج 1989 موضوع ” الحقيقة ” و ” الكذب ”  والعلاقة بين السينما والواقع، وقد تواجدت كل تلك التساؤلات جميعها وحطت في فيلم ” طعم الكريز ” الذي حصل به على جائزة ” السعفة الذهبية ” في مهرجان ” كان ” السينمائي عام 1997.. إن كل الخيوط المتشابكة وبكل تعقيداتها التي تتشكل منها سينما المخرج الإيراني عباس كيارستمي- وهو مصور فوتوغرافي رائع أيضا- هي نتيجة  لذلك الجدل – “الديالكتيك ” –  بين  ” الاحترام ” الموروث الذي يكنه كيرستامي للاضافات الغنية التي حققها مذهب سينما ” الواقعية الجديدة ” العظيمة التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثاني في إيطالياة، وبين  “التأمل” الفلسفي العميق، في طبيعة ومعنى الصورة السينمائية.. إن اهتمام كيرستامي أيضا بالتكنولوجيا الجديدة والكاميرات الصغيرة الدقيقة كما يظهر في فيلمه ( عشرة . 2002 ) تجعل منه أحد أهم الفنانين السينمائيين المبدعين المثيرين في عصرنا..

ميشيل سيمان لوكارنو . اغسطس 1990

حوار مع عباس كيارستمي

بدأت حياتك بدراسة الفنون الجميلة، حدثني عن بداياتك وتكوينك  .. بدأت أرسم أولا، ثم اخرجت عدة افلام قصيرة دعائية، ثم انجزت بالرسوم المتحركة عناوين بعض الأفلام الروائية الطويلة في فترة الستينيات،.وكان ابي يعمل دهانا- مبيض حيطان – ولم أجد أثرا لأية ثقافة أو اهتمام بالثقافة لدى أسرتي، كما اني لا أتذكر أي حياة ثقافية من أي نوع في الأسرة، كان يمكن أن تكون باعثا لي على دراسة الفنون الجميلة أو العمل في السينما .. في صغري تعودت أنا وأصدقائي أنا نذهب معا الى المسرح، ولا أجد سببا محددا لكوني اصبحت مخرجا، لأن اصدقائي في تلك الفترةصاروا هم أيضا وبلا سبب مهندسين ومحامين وأطباء. كل ما أتذكره هو اني تأثرت جدا في شبابي بأفلام ” الواقعية الجديدة” الإيطالية ..

لابد أن يكون هناك سببا في رأيي دفعك الى ولوج عالم الإخراج، والعمل في السينما .. لابد أن يكون السبب هو عملي في بداية حياتي العملية بفن الجرافيك. اشتغلت رسام جرافيك  وفي وكالات الدعاية الاعلان ومصورا لكتب الأطفال، ثم اقترح علي أحدهم أن أخرج فيلما للأطفال، لأني على صلة بعالمهم وعالم الصورأيضا، وكان أول فيلم  اخرجته للأطفال يحكي عن طفل ذهب ليشتري الخبز ثم عاد الى بيته فوجد كلبا يقف ويسد عليه الباب. يخاف الطفل من الكلب وينتظر أن ينجده أحدهم ويخرجه من ورطة الكلب. لكن لايصل أحد. يمر الطفل الصغير هكذا وحده بتجربة مواجهة  “الخطر” لأول مرة في حياته. يعبر الطفل من أمام الكلب ولايحدث شييء. عندما يكون الطفل في البيت يحاول الكلب الذي يسير خلفه  الدخول أيضا، فتغلق أخت الطفل الصغير الباب في وجهه. يستلقي الكلب على عتبة البيت وينظر الى أول الحارة ويرى طفلا صغيرا  جديدا قادما ويسير في  إتجاه الكلب.. وأتذكر ان فيلمي الأول هذا شهد أول  حديث لي مع مدير تصوير سينمائي فقد كنت أريد أن يصور الطفل والكلب في لقطة واحدة، ولما كان من الصعب تصوير اللقطة  بهذا الشكل اقترح علي استخدام لقطة INSERTS داخل اللقطة ولم أكن أعرف ماذا يعني هذا المصطلح التقني ، فرفضت وفضلت الانتظار.. بعدها بأربعين يوما نجحنا في جمع الطفل والكلب في لقطة واحدة ، وفي أن ينظر الكلب الى الجهة التي أريد. والآن فقط  أدرك بعد إشتغالي بالسينما أن مدير التصوير كان أيضا على حق، حيث يمكنك أيضا أثناء عملية المونتاج الحصول على ماتريد، لأن السينما أيضا هي فن المونتاج..لكني أثق دوما باللقطة الطويلة، وقد اعتمدت على اللقطات الطويلة في أفلامي طوال حياتي ..

حسنا ..لكن ،من دفع تكاليف التصوير لمدة اربعين يوما نظيرتصوير لقطة واحدة فقط في الفيلم ؟  دفعها  “مكتب التنمية العقلية للاطفال وصغار المراهقين في إيران “..كنت أعمل في ذلك المكتب،وكانوا متفهمين جدا، ورضخوا لمطلبي. تصل مدة عرض الفيلم الى  12 دقيقة، واشترته القناة السابعة – قناة آرتيه- في فرنسا، وأخرجت الفيلم عام 1969.. n     هل تعتقد ان تكوينك الفني الجرافيكي هو الذي مهد لعملك بالاخراج ؟ نعم..واعتقد أن فن الجرافيك هو أصل كل الفنون، لأنك عندما تعمل على إنجاز عمل جرافي سواء كان أفيشا أو اعلانا، فانك تعمل في حدود معين، لايمكنك تجاوزها، ولاتخرج عن إطار تحدده بنفسك،وبحيث يشتمل  الاعلان على كل المعلومات والمعطيات الخاصة بالسلعة لتوصيل ” رسالة “ما.وهنا عليك أن تبذل كل مافي وسعك لإنجاز ” الطلب “، وتحقيق رغبة الزبون، والحصول على  أجرك. ولاشك أن طريقة التفكيرهذه، أعني التفكير في كافة الوسائل التي من شأنها مساعدتك في تحقيق وإنجاز إعلان ناجح، قد ساعدتني في شق طريقي في السينما، كما اني استفدت من كل الأخطاء والمعوقات التي صادفتني في عملي الجرافيكي، ووظفتها لكي يكتمل تحققي على مستوى الاخراج -

هل عملت بمهنة تصميم الاعلانات لفترة طويلة ؟ نعم عملت بمهنة تصميم الاعلانات والأفيشات في الفترة من 1960  الى 1975 ..رسمت فيها وصممت عددا كبيرا جدامن الأفيشات لأفلام السينما الإيرانية، ومازلت أقوم ولحد الآن بتصميم  أفيشات الأفلام،  وبخاصة أفيشات أفلامي.. -

حدثنا عن معهد التنمية العقلية للأطفال والمراهقين الصغار في إيران .. تأسس المعهد عام 1965،  وبدأ بإنشاء مكتبات للأطفال في جميع أنحاء إيران، وامتدت نشاطاته لتشمل عمل ورش للرسم، وإنشاء مدارس مسرحية، ثم بدأ ينشر كتبا وينتج افلاما للاطفال، وبدأ بانتاج الافلام القصيرة وكنا حوالي 6 أو 7 مخرجين يعملون بالمكتب قبل الثورة، ثم سافر زملائي بعدها الى أوروبا الشرقية وأمريكا ،ولم  يتبقى في المكتب سواي.ثم انضم الى المكتب بعض الموظفين الجدد لكن لم يتحقق ومنذ ذلك الوقت أي شييء جاد أو يستحق الذكر، وعن نفسي أخرجت 14  فيلما قصيرا للأطفال .. -         المدهش أن بعض الأفلام التي أخرجتها للمعهد، مثل فيلم ” أين بيت صديقي “، لايخاطب الأطفال فحسب، بل يخاطب أيضا الكبار ؟ أجل .أنا مدرك لمسألة أن أغلبية الأفلام التي أخرجتها للأطفال من نوع الكوميديا أو الرسوم المتحركة. في بلادي نحاول أن نصنع أفلاما عن الأطفال.. وليس للأطفال، لأنها تكون عندئذ أنفع وأهم وأجدى. إن مثل تلك أفلام تساعد على التفاهم بشكل عام بين الكبار البالغين،وبين الأطفال ووالديهم وذويهم بشكل خاص ولهذا السبب اخرجت فيلمي ” أين بيت صديقي ” لإزالة سوء الفهم بين العالمين،عالم الأطفال وعالم الكبار.. غير اني حين أفكر مليا في الفيلم أجد أنه لا يتحدث فقط عن كل أشكال سوء الفهم التي يحكي عنها بل يناقش أيضا سوء الفهم الذي يقع مع  كبار السن العواجيز الشيوخ بل ويحكي أيضا عن سوء الفهم – في  الداخل الباطن – داخل الشخصيات ذاتها .. -

هل تجري عروض سينمائية اختبارية بحضور الأطفال لمعرفة ردود أفعالهم قبل عرض الفيلم على جمهور من الشباب والكبار . .. أجرينا عروضا اختبارية، لكنها لم تأت بنتائج طيبة، فعندما يحضر الأطفال لمشاهدة الفيلم معا يفضلون  عادة مشاهدة أفلام المغامرات، والأفلام التي تحركهم و تثيرهم، وعندما حضروا مباشرة من المدرسة الى قاعة العرض لمشاهدة فيلم ” أين بيت صديقي “، لم يعجب أي طفل بالفيلم ، لكنهم اعجبوا به جدا، عندما حضروا لمشاهدته مع أفراد أسرتهم،  حتى صار الفيلم ” ظاهرة ” يتحدث عنها الناس..  واتذكر أنه أثناء عرض الفيلم ذات مرة أن خرج رجل في الخمسين من عمره يبدو عليه أنه مثقف، وأخذ يصرخ في طوابير الناس أمام شباك التذاكر ويقول ان الفيلم سييء و رديء ولايستحق المشاهدة .كانت زوجته تحاول تهدئته ليكف عن صياحه من دون جدوى.في حين كانت طفلة في الرابعة من عمرها قد شاهدت الفيلم أكثر من ثلاث مرات وفهمته وأحبته .. هذا يعني أن مسألة تقسيم الجمهور حسب السن، حتى ولو كان قانونيا يتجاهل مسألة أن الفيلم يتواصل مع كل إنسان،صغيرا كان أم كبيرا، بشكل مختلف. مسألة السن لادخل لها بفهم الاعمال السينمائية وتذوقها، ولا يمكن في رأيي أن يحدد المرء مسبقا نوع وسن المتفرج الذي سوف يعجب بفيلم ما، كما لايمكن صنع أفلام أو أعمال فنية تستطيع أن تتواصل مع كل الناس والبشر.. ان عملية فهم وتذوق الأعمال الفنية والسينمائية تخضع لصيغة مكونة من الفيلم ذاته ومن خيال المتفرج. وأحيانا تأتي ردود أفعال الجمهور عكس مايمكن أن تتوقعه أو تتخيله، حتى أني أجد صعوبة أحيانا في التعرف على الفيلم الذي صنعت، من خلال ردود أفعال الجمهور تجاهه، حتى لو  كانت تلك الردود إيجابية، مع وفي صالح الفيلم ..

-         هل مدة عرض الفيلم واحدة في كل أفلامك ؟ كلا ، تتراوح مدة العرض في أفلامي من 12 الى 45 دقيقة، وقد اخرجت أيضا أفلام متوسطة الطول يستغرق عرض الفيلم منها أكثر من ساعة .. -

هل يساعدك أحد في كتابة السيناريو ؟ كلا، أنا أكتب وحتى هذه اللحظة كل سيناريوهات أفلامي بنفسي ..

-         ماهي الأفلام التي تحبها من ضمن أفلامك القصيرة ؟ كل أفلامي تحكي عن تجارب شخصية عشتها بنفسي ومن ضمن أفلامي القصيرة التي أحبها فيلما يحكي عن تنظيف الأسنان بفرشاة أسنان. طلب مني أبني ذات مرة أن أسمح له أن ينام من دون تنظيف أسنانه كالعادة، فسألت نفسي هل هي مشكلتي أن يتوجه الى فراشه مباشرة من دون أن ينظف أسنانه أم مشكلته، وقررت أن أصنع فيلما أشرح فيه أهمية وضرورة تنظيف الأسنان بفرشاة قبل النوم . ولما عرض الفيلم- مدة العرض45 دقيقة – في التلفزيون ،ارتفعت مبيعات معاجين الأسنان في إيران،وأصبح كل الأطفال يحرصون على غسيل أسنانهم قبل النوم..لكن اوقف التلفزيون بعدها عرض الفيلم ،بعد أن تلقى شكاوي من قبل الأباء بخصوص هذا الأمر الذي صار يزعجهم كثير وبخاصة بعد الحاح و رغبة كل طفل في أن تكون له فرشاته الخاصة .احب هذا الفيلم جدا على الرغم من أنه يناقش مشكلة بسيطة. وأنا عادة  وفي ما يخص كل الأفلام التي صنعت، لا أحب كل الفيلم ، لا أحبه في ” كليته ” الفنية إن صح التعبير، بل أحب اجزاء منه فقط . أجزاء معينة فقط في الفيلم ترضيني..

-احد هذه الأفلام يحمل عنوانا غريبا ” حلان أثنان لمشكلة واحدة فقط ” .. كان الفيلم يناقش مشكلة واجهها أحد أبنائي في طريقه الى مدرسته، فقد اقترض أحد الأطفال  في المدرسة كتابا من زميل له، وعندما رده له في اليوم التالي ،وجد  صاحب الكتاب صفحة مقطوعة من الكتاب ، فأصر أن ينتزع بالمثل صفحة من كتاب زميله، فرد الزميل بكسر قلمه   لينتقم منه،واشتبكا الاثنان في عراك ،وكاد أحدهم يهشم رأس الآخر. العراك هنا هو حل لمشكلة الصفحة المنتزعة لكن هناك حل ثان آخر لنفس المشكلة. أن يقوم التلميذ الذي اقترض الكتاب بشرح الموقف لزميله، ثم يقوم الاثنان معا بلصق الصفحة المنتزعة ولصقها في مكانها ، وأردت أن يكشف الفيلم للأطفال عن أن هناك أكثر من ” خيار ”  لحل مشكلة ما.. لو سمحتم ، لا تصفوا أفلامنا بأنها بسيطة وساذجة، وتحكموا عليها  هكذا بمعاييركم، ففي هذا الجزء من العالم، في هذا البلد الذي أعيش فيه، ومنه جئت ، مازالت هناك حاجة الى التربية والتعليم، وأمامنا ..سكة طويلة.. في فيلم آخر من ضمن أفلامي التي تعجبني، ناقشت مشكلة المرور. الفيلم بعنوان ” بالترتيب ومن دون ترتيب، بنظام أو بفوضى ” حاولت أن أشرح فيه لماذا يجب أن ينتبه المرء، ولايحاول عندما تكون إشارة المرور حمراء أن يتجاوزها بسيارته، وتكون لة الأولوية في المرور..فصورت لقطتين للسيارات التي تستعد للدخول الى نفق للسيارات، ووضعت كرونومترا لأحسبها.في اللقطة الأولى، عنما تصبح إشارة المرور خضراء يدير الجميع مفاتيح محركات سياراتهم في نفس الوقت ، وخلال دقيقة  وبسبب الفوضى ورغبة كل سائق سيارة في أن تكون له الأولوية تدخل 16 سيارة فقط النفق.في اللقطة الثانية عندما يعمل كل سائق سيارة حسابا لجاره تستطيع 80 سيارة – بسبب المرور بنظام – أن تدخل النفق خلال دقيقة..في فيلم آخر بعنوان ” البذلة “- حلة جديدة –  ناقشت مشكلة الحاح ورغبة بعض الأطفار الصغار في أن تكون لهم بذلة  أو حلة جديدة لحضور احتفالات الزواج والأعياد ..

-         هل الأطفال  الذين يمثلون في أفلامك لديهم خبرات سينمائية ؟ ليس لديهم أغلب الوقت أية خبرات سينمائية، ولا حتي خبرات في المشاهدة كمتفرجين . مثلا الأطفال الصغار في فيلم ” أين بيت صديقي ” ، لم يشاهدوا في حياتهم إلا فيلما واحدا  لشارلي شابلن، و قد شاهدوه فقط عندما سافروا الى المدينة لأول مرة في حياتهم، وحيث انه لاتوجد تليفزيونات في قراهم فانهم  لم يشاهدوا شيئا آخر، وقد مثلوا في الفيلم بشكل طبيعي جدا لأنهم لم يتأثروا بالأعمال التليفزيونية الرديئة التي تعرض على الشاشة الصغيرة ..

-         كيف تعد هؤلاء الأطفال للتمثيل قبل التصوير ؟ هل تحكي لهم مثلا قصة الفيلم ؟ هل تجري معهم “بروفات” قبل  تصوير مشاهد الفيلم..؟ لا احكي لهم ابدا قصة الفيلم كلها . أحكي قصة  جديدة للأطفال لكل لقطة . هناك لحظة في فيلم ” أين بيت صديقي ؟ ” يتذكر فيها الطفل انه أخذ عن طريق الخطأ كتابا لزميله وليس كتابه هو . لم أقل للطفل بطل الفيلم الآن اقعد وفكر ما العمل . كلا . قلت له لقد بدا لي انك شاطر في الحساب . حسنا ساعطيك كم مسألة حساب لتجلس وتحلها، فجلس وراح يحاول حل المسائل ورحت أثناء ذلك أصوره. وعندما نراه في الفيلم طبعا نراه يفكر مستغرقا في  أمرالكتاب الذي أخذه عن طريق الخطأ .جميع الأطفال الذين مثلوا في أفلامي لم يعرفوا على الإطلاق خلال فترة تصوير الفيلم، أية تفاصيل عن القصة التي يحكيها، والتي كانوا يمثلونها في الفيلم ..

- هل تتفادي إعادة تصوير اللقطة أكثر من مرة ، لكي يحافظ الاطفال على تلقائيتهم ..براءتها وطزاجتها.؟ افضل لقطة عندي دائما من تمثيل الأطفال هي اول لقطة ، لأنها تمسك بالقدر الأكبر من تلك التلقائية وطبيعية التمثيل عندهم، ولا أجد بعدها ضرورة لإعادة تصوير اللقطة، واحيانا اعيد تصوير اللقطة كنوع من الأمان  فقط ، خوفا من أن يفقد أو يفسد نيجاتيف اللقطة في المعامل . مثلا أم الطفل بطل فيلم ” أين بيت صديقي ؟ ” وتدعى مدام أواري لم تكن تفهم ابدا لماذا يتحتم علينا أن نعيد تصوير لقطة ما  حتى أن مساعدي في التصوير كان يطلق عليها مدام اليزابث أواري، لأن الممثلة الأمريكية النجمة اليزابيث تايلور كانت تطلب دوما تصوير اللقطة مرة ثانية أثناء تصوير أفلامها.عندما  كانت مدام اليزابيث اواري تغسل قميصا ثم تعلقه على الحبل ونطلب منها إعادة تصوير اللقطة كانت تقول لنا أن القميص قد صار نظيفا الآن على الحبل ، فكنت أطلب من مساعدي إسقاطه على الأرض ليتسخ من جديد من دون علمها ثم نطلب منها من جديد أن تغسل القميص، فتقبل  ذلك عن طواعية ،فنروح نصور معها اللقطة مرة ثانية من جديد. كانت هذه هي الطريقة الوحيدة التي  تجعلنا ننجح في  إقناعها بإعادة تصوير اللقطة..

-         معنى ذلك أنك تعتبر  أن العمل في مونتاج الفيلم يبدأ من عند تصوير مشاهده، يبدأ في الكاميرا ؟ اجل، هذه هي طريقتي في العمل. أنا اختار عدسات التصوير بمايتواءم مع قدرات الممثل . عندما  يتحرك الممثل كثيرا استخدم عدسات من نوع LOMGUES FOCALES العدسة المغيرة للمقاسات، بعض المخرجين يطلب من الممثل أن  يقترب أو يبتعد أو أن يتحرك الى اتجاه ما ثم يقف ويقول النص. وأنا لا أستطيع ذلك مع الممثلين في أفلامي لأنهم لن يفهموا ذلك. لماذا أطلب منهم أن يتحركوا هكذا . لكن بإستخدام هذا النوع من العدسات يستطيع الممثل أن يتحرك كيفما شاء براحته ونحن نتعقبه ونسجل الصوت في نفس الوقت. ان هذا يشبه لعبة الجولف حيث تضرب كرة الجولف أولا ثم تروح  في مابعد تركض خلفها وأنت تأمل أن تسقط في الحفرة التي قصدتها.سألني أحدهم مرة : كيف تختار أهدافك في أفلامك ؟ فأجبته اختار أهداف أفلامي بإتجاه العدالة.. بما يحقق العدل.. مثلا تلك الفتاة التي حضرت وهى تحمل لنا بعض المشاريب في الشرفة منذ قليل، لو أردت أن اصورها لاستخدمت عدسة 35 مم، ولو أردت أن ادعوها على كأس قهوة معي لصورتها بعدسة 50، ولو اأردت أن اقترب منها أكثر وأكثر، لاستخدمت عدسات تصوير من عند عدسة 85 وحتى عدسة 90  .هذا هو العدل..

-          كيف انتقلت من صنع الأفلام التسجيلية القصيرة الى اخراج أولى أفلامك الروائية الطويلة مثل فيلم ” مسافر ” وفيلم ” تقرير ” ، هل تشعر بأن الأفلام القصيرة مثلا تعوق عن الإنطلاق ؟ في البداية لم يخطر على بالي عمل أفلام روائية طويلة، وذات يوم شجعني البروفيسور التشيكي بروسيل، وكان تعود زيارة طهران،على عمل هذا النوع من الأفلام. فاعترفت له بأني أخاف. قال ان عمل أفلام روائية طويلة ليس مشكلة، وأن المسألة تتعلق فقط  بتجميع عددا أكبر من المشاهد،واضافتها الى الفيلم. وهكذا وجدتني عام 1975 أعثر على موضوع  مناسب لاخراج فيلم روائي طويل ،واخرجت فيلم ” المسافر ” ثم فيلم ” التقرير “..  فيلم ” التقرير ” يحكي عن تجربة شخصية عشتها. يحكي الفيلم عن نزاع بين رجل وزوجته وعن المشاكل التي يتعرض لها بسبب ذلك النزاع في عمله . جمعت في الفيلم – حسب متطلبات الفيلم الروائي- جمعت بين مشاكل عائلتين،كنت تعرفت على حياتهما من قبل، لكني حرصت على اختيار ممثلين غير محترفين للفيلم. . ولذاحقق الفيلم نجاحا كبيرا. وكنت اخترت أن يكون إسم الفيلم ” التقرير ” لأنه  يقدم تقريرا عن الحياة في طهران، خلال تلك السنوات التي سبقت قيام الثورة الاسلامية، ويحكي عن تلك الضغوطات الغريبة التي كان أهل طهران يعيشونها ومشاكلهم المالية والعمل الأسود- العمل السري غير المعلن – الذي كان يمارس أنذاك في الخفاء.

-          فيلمك الروائي الثالث بعنوان ” تلاميذ الفصول الابتدائية ” تأخرت كثيرا في إخراجه. كونك لم تخرجه إلا عام 1985 ، أي بعد مرور 9 سنوات على نجاح فيلم ” التقرير “. ماسبب ذلك ؟  السبب هو أنه لم يخطر ابدا على بالي أن أستمر دوما في اخراج الأفلام، أو أن  يكون لي فيلما جديدا كل سنة . كان اخراج الأفلام عندي يخضع لأمرين: لحال بلدي إيران وأحواله، ولظروفي الخاصة والأوضاع التي أعيشها. وخلال تلك السنوات التسع التي لم أنجز فيها أي فيلم، قامت الثورة الإسلامية في إيران، وعمليا لم يقم أحد وقتذاك بإخراج أي فيلم..  الفيلم الذي تحكي عنه هو فيلم تسجيلي يعرض لحياة أطفال المدارس الابتدائية الصغار – في سن السادسة –في إيران، ويشتمل على خيط درامي سردي، يظل ممتدا من أول الى آخر لقطة في الفيلم، ويضم الفيلم كذلك مجموعة من الحوارت والريبورتاجات من داخل المدرسة الابتدائية التي عرضنا لها ..

-ما هو نوع الأفلام التسجيلية التي تنجزها باستخدام كاميرات بعينها، والتصوير بكاميرات خفيفة ، وميكروفونات،  وأجهزة تسجيل صوت، خفية ؟ أثبتت تجاربي في العمل مع الأطفال، أنهم بعد التعود على رؤية الكاميرا،يتصرفون ويمثلون بشكل طبيعي، ولذا نحرص على أن نضع الكاميرا في الفصول ومنذ أول يوم في بداية العام الدراسي، وهكذا عندما يصل التلاميذ الى أول فصل ابتدائي دراسي في حياتهم، يجدون سبورة سوداء ومكتبا للمدرس وعدة مقاعد وكاميرا، فيعتبرون الكاميرا جزءا أساسيا من مكونات وأثاث الفصل، وقد تعودنا على أن لا نمنعهم من لمس الكاميرا أو التطلع من خلال منظارها  حتى لاتصير شيئا مهما يجذبهم اليها، ولاشك اك لاحظت أن الأطفال في فيلم ” أين بيت صديقي ؟ ”  مثلا ينظرون الكاميرا، لكنهم لايثبتون انظارهم عليها ، وسرعان ماينشغلوا بالنظر الى شييء آخر، بعدما  تعودوا أن يكون المصور خلف الكاميرا ، كما هو المدرس أمام السبورة ، كما هم  ذاتهم على مقاعد الدرس، وهذا هو- في تصورهم – الوضع الطبيعي في الفصل .. ولو كانت اللحظة التي يعيشها الناس أمام الكاميرا من أهم اللحظات في حياتهم ، فان الأمر ينتهي بهم الى نسيانها تماما . تستطيع ان تضع عشرات الكاميرات أمام الاشخاص الذين يقفون في طابور أمام قنصلية ما للحصول على تأشيرة دخول – فيزا – وثق انهم لن يرونها بالمرة.. كما لايرى الكاميرا مصارعان في حلبة وقد اشتبكا في مباراة ..

-         كيف تنظر الى ”  دور ” المونتاج في أفلامك التسجيلية ؟ بداية يجب أن تعرف اننا في إيران لانعمل 8 ساعات في اليوم. عندما نشتغل على مونتاج – تقطيع وتركيب – فيلم ما ، فاننا نشتغل أمام طاولة المونتاج 24 ساعة في اليوم، و7 أيام في الإسبوع ، ولانتوقف عن العمل إلا عند الإنتهاء من مونتاج الفيلم ، ولذا ننجز مونتاج الأفلام في وقت قصير نسبيا.. وكانت مشكلة فيلم ” تلاميذ المدرسة الابتدائية ” انني صورته من دون استخدام  لوحة الأرقام-  اللوحة التي يقرعها عامل الكلاكيت بعد ترديد رقم اللقطة ثم الخروج  من مجال الصورة سريعا – حتى لايفقد الأطفال في الفصل قدرتهم على التركيز، فكانت النتيجة ان استغرقنا وقتا طويلا في عمل  ” التزامن ”  بين فلم الصوت وفلم الصورة،  بسبب اللبس الاضطراب الذي وقع، نتيجة العمل مع هواة في التمثيل من الأطفال..لكن الشيء الايجابي- من ناحية ثانية – أنهم هواة صحيح، عندما يمثلون يمثلون بجد ..!.

-          هل هناك ” فريق عمل ” يشتغل معك بشكل منتظم ؟ أنا أشتغل دوما مع نفس الفريق من المساعدين والمتعاونين لأنهم  تعودوا على وعرفوا طريقتي في العمل. لا أريد  مدير تصوير يقترح علي دائما أبسط الحلول لتصوير لقطة ما ..

-         كيف حققت فيلمك التالي، فيلم ” أين بيت صديقي ؟ ..  قصة الفيلم مستوحاة من مصدرين : من قصة كتبها مدرس ، وحادث تعرض له إبني  وهو في سن بطل الفيلم . كان أحد اصدقائي استقبلناه للغداء عندي في البيت وأحتاج أن يدخن فأرسلت ابني لشراء سجائر له، فخرج ابني وغاب لفترة طويلة، واكتشفنا انه دار في مسافة 6 كيلومترات في ليل طهران، بحثا عن سجائر، وكان قد قرر أن لايعود إلا بعد أن يكون اشترى السجائر لضيفنا، وجعلنا ننتظرعودته، ونحن على أحر من الجمر. . هذا الإحساس بالمسئوليةهو الذي جعلني أفكر في عمل  هذا الفيلم  وهو أيضا موضوع الفيلم،أما القصة التي كتبها المدرس فهي عن فتاة قامت بعمل واجب زميلها المدرسي..

-         وأين صورت الفيلم ؟ صورته في قرية مازانداران التي تقع على بعد 400 كيلومترا من طهران بالقرب من بحر قزوين الذي كان مركزا لسلسلة من الزلازل التي وقعت في المنطقة. معظم أفلامي تدور أحداثها خارج العاصمة طهران ولايقتصر الأمر من بين المخرجين الايرانيين علي وحدي. نحن نصور افلامنا خارج طهران أغلب الوقت لأنه يمنحنا الفرصة للهروب من التلوث وزحام المواصلات واختناقات حركة المرور والعلاقات السيئة مع أهلها وكلها أشياء تتميز بها العاصمة طهران..كما أن التصوير خارج العاصمة يتيح لنا فرصة الجمع بين العمل والاجازة، وقد اخترت تلك القرية التي صورنا فيها الفيلم بالذات لأنها تقع في عمق  أحد الأودية ولذا لا يصلها البث التلفزيوني، كما أن اللهجة التي يتحدث بها سكان القرية  يسهل على معظم الايرانيين فهمها ..

-         كيف عثرت على هذا الطفل الذي يحتل الشاشة طوال مدة عرض الفيلم تقريبا..  كان يلزم أن تظهر شخصية الطفل في الفيلم مهمومة وقلقة طوال الوقت، وأن ينعكس ذلك القلق في نظراتها، واتذكر أنه أثناء الاستعاد لتصوير الفيلم اني شاهدت بعض الأشخاص في القرية يحملون نعشا في ما يشبه فاترينة، وكانوا في طريقهم لوضعها  على مقبرة. كان النعش ثقيلا جدا ، وكانوا يحاولون وقد استجمعوا كل قواهم وضع ذلك العبء الثقيل  على الأرض. وكان هناك  حولهم جمع من الأطفال يلعبون ولا يهتمون أو يعبأون بما يحدث في ماعدا طفل واحد فقط ظهرت فجأة على وجهه مشاعر القلق، فوجدت أن هذا الطفل هو بالضبط الطفل الذي أبحث عنه واحتاجه ليضطلع ببطولة الفيلم ..

-         في فيلمك التالي ” واجب المساء ” عدت من جديد الى  الأفلام التسجيلية . لماذا ؟ هذا الفيلم يعالج أيضا مشكلة شخصية، فقد كنت إنفصلت عن زوجتي وأعيش مع إبناي منذ عدة سنوات . وكان علي أن اقوم بخدمتهما في المنزل واساعدهما في دروسهما، لكن كان هذا الأمر تزداد صعوبته علي يوما بعد آخر بسبب المناهج الدراسية الجديدة التي تم اعتمادها حديثا في المدارس، وبخاصة في علم الرياضيات .. كنت أعود الى البيت تعبا منهكا، ولا استطيع أن استجيب لطلباتهما ، وكنت أحيانا أضربهما، وأريد أن أعرف كيف يتصرف الآباء حيال تلك المشكلة الصعبة وشرعت بالفعل في عمل تحقيق بالكاميرا عن الواجبات المنزلية .. في  البداية نرى الأطفال في طريقهم الى المدرسة ويقترب أحدهم مني ويسالني لماذا أصور هذا الفيلم . ثم اني أكشف بعد ذلك من خلال المشاهد التالية عن الاطفال وهم يذاكرون في بيوتهم وعلاقتهم بأهاليهم وكيف يحاول الأهالي مساعدتهم في واجباتهم، واعتقد ان هذا الفيلم يعد شهادة مأسوية مريرة على فشل البيت الايراني في مساعدة الابناء في دراستهم..  ولأن الآباء لم يتلقوا دروسا أو تعليما يساعدهم في تلك المهمة ، كما أن عدد التلاميذ في ارتفاع مستمر بينما ينخفض عدد المعلمين ولاتوجد أماكن بقدر كاف، كما أن المدرسين لايجدون وقتا للاهتمام بالتلاميذ كما ينبغي وهكذا يقع جزء من مهمة المعلمين على عاتق الآباء من غير المؤهلين لمساعدة ابنائهم في دراستهم. ولذا تجد آلاف المشاكل التي يعاني منها الكبار عبر ذلك الحاجز الذي يفصل بين معسكرين: معسكر المعلمين ومعسكر الآباء . والنتيجة أن الأطفال هم الذين يقعون ضحية لقسوة الكبار ، وهم الذين يعاقبون في المعسكرين معسكر المدرسة ومعسكر البيت، وكل كبير هنا يتنصل من مسئوليته ومشاكله ويضعها على ظهر الأطفال، وقد اتبعت في اخراج هذا الفيلم نفس المنهج والأسلوب الذي اتبعته في فيلم ” تلاميذ المدراس الابتدائية “، ولذلك  تجد أن الأطفال يمثلون براحتهم أمام الكاميرا وهم يشعرون بعزة وكرامة ويتكلمون بصدق وصراحة ولايفشون ابدا أسرار عائلاتهم، والدليل على ذلك اني شجعت ابني على أن يعترف مثلا في الفيلم بأني ضربته، لكنه رفض ولم يرغب مطلقا في أن إفشاء سرعائلي كهذا ..

-         فيلمك الطويل التالي ” كلوز آب ” يجمع بين الفيلم الوثائقي والفيلم الروائي، ويقدم مزيجا من النوعين .. عندما انتهيت من فيلم  ” واجب المساء ” كنت على وشك إخراج فيلم بعنوان ” مصروف الجيب ” عن موضوع يخص الأطفال أيضا،وتقع أحداث الفيلم في نفس المدرسة التي صورت فيها ” واجب المساء “. بعد قيام الثورة الإسلامية صارت المدراس تستقبل تلاميذ من كافة الطبقات الاجتماعية المختلفة، واصبحنا نجد ان مصروف جيب تلميذ ما في إسبوع يمكن ان يكون مصروف جيب تلميذ آخر في سنة كاملة وفكرت ان هذا الأمر يصلح لأن يكون موضوعا لفيلم مثير للاهتمام ..وكنت على وشك البدء في تصوي هذا الفيلم حين قرأت في باب الحوادث  في جريدة عن تلك الحادثة التي أصبحت موضوعا لفيلم ” كلوز آب ” وقد كان الكاتب الكولومبي الكبير جابرييل جارثيا ماركيز على حق حين قال أن العمل هو الذي يختار الكاتب وليس الكانب هو الذي يختار العمل، فاتصلت بمنتج فيلم ” مصروف الجيب على الفور ” وحدثته عن رغبتي في تغيير موضوع الفيلم وعن تلك الحادثة التي استحوذت على كل كياني وكانت تقع في نفس اللحظة ومستمرة ولم تنتهي بعد، ولذا يجب أن نشرع فورا في التصوير اثناء وقوعها وليس بعد، ولانتأخر .. ثم ذهبت واخذت طاقم العمل في الفيلم  من المدرسة التي كنا نصور فيها فيلم ” واجب المساء ” وتوجهنا الى السجن  وصورت  هذا المشهد  الأول الذي يصور اللقاء مع المتهم في السجن بكاميرا خفية، وكانت مشاهد المحاكمة أيضل تسجيلية، لكني غيرت فيها بعض الأشياء للاقتراب أكثر من شخصية المتهم،فقد كانت لديه أشياء لايمكن أن تقال ولم تذكر أثناء المحاكمة، لذلك كان علي استخراج هذه الأشياء من داخله لكي تقال وتصاغ في كلمات، وأن  تسجل أيضا في مشاهد ،على شكل أقوال للمتهم ثم يتم ضمها لمشاهد المحاكمة في الفيلم .. احيانا قد يدعو الوصول الى الحقيقة خيانة الواقع، وكنت تحدثت بشأن هذا الأمر مع المتهم والقاضي أثناء فترة الاستراحة من المحاكمة وشرحت لهما قصدي، ولذا استغرقت تلك المحاكمة ست ساعات بدلا من ساعة فقط كالمعتاد .. -         ألم تجد صعوبة في أن توافق مؤسسة القضاء المختصة في إيران على التعاون معك لإنجاز الفيلم ؟ .. لقد حدث وقتذاك شييء إيجابي للغاية في إيران الا وهو اكتشاف السينما. اكتشاف السينما بواسطة من كانوا يجهلون دورها ويتجاهلونها، ويهملونها ولا يحبونها أو يترددون على  قاعاتها.كانت السينما في الماضي ممنوعة بإسم الدين، واليوم يبدو الأمر كما لو أن السينما تعود الى أصلها ونشأتها وجذورها الأولى. ولذا عندما قلنا وقتها  اننا سنصور فيلما يحكي عن السينما، وجدنا لدى المسئولين بما في ذلك الجهات القضائية آذانا صاغية. وصرحوا لنا بأن نصور أينما شئنا .واتذكر انني كنت اتناقش مع القاضي الذي يظهر في الفيلم اثناء المحاكمة في تقنيات اللقطة القريبة واللقطة البعيدة واللقطة الكلوز آب المكبرة وكان يبدو واعيا ومتفهما لمصطلحات اللغة السينمائية أثناء مداخلاته ..

-         ما الذي جذبك في شخصية المتهم سابزيان الذي إنتحل شخصية المخرج السينمائي الإيراني محسن مخملباف ؟ اتذكر انه قال بعد القبض عليه : ”  أنا مثل قطعة من اللحم خذوني الى الجزار واطلبو منه أن يصنعه منها ماشئتم “..وقد خيل الي انه يتحدث الي ..ويخاطبني بكلامه كما لو كنت الجمهور ويجب أن أصنع شيئا ما. وقد اكتشفت انه لم يكن مجرما ، وأردت بالفعل أن أعرف من يكون ، وعرفت انه عاطل عن الأمل ومفلس ويائس، واردت الاقتراب منه والتعرف أكثر على شخصيته.و هكذا كنت مع كل يوم اثناء التصوير اقترب منه أكثر واتعرف على ملامح جديدة في شخصيته،وفهمت اثنار سير المحاكمة انه كذب بالفعل على أفراد الأسرة ، لكني أدركت أيضا انه كانت لدي تلك الإسرة الرغبة في أن يكذب عليها. وهي مسألة قد تدعونا الى استنباط النتيجة التالية: أن الحاكم الديكتاتور لايريد فقط أن يمارس سلطته على الناس،  بل أن الناس أحيانا يريدون أن يستعبدهم الديكتاتور ويمارس عليهم سلطته. وقد  توصلت ايضا الى ملاحظة مهمة في بحثي عن العلاقة بين الواقع والحقيقة في الفيلم التي تحثت عنها آنفا، فعندما توجهت الى بيت العائلة الثرية لاعادة تمثيل واقعة القبض على سابزيان ، قال لابن العائلة انه لم يكذب عليهم حين ذكر أنه سيعود الى البيت مع  فريق تصوير وهذ ما حدث الفعل . وقد تأثرت بذلك الأمر جدا، فقد كان يكذب عليهم، لكنها كانت الحقيقة في نفس الوقت، حيث وصلت  مع فريق تصوير سينمائي بالفعل بعد اربعين يوما من تعرفه على العائلة،وحضرت مع الكاميرات ومعدات الاضاءة وافراد طاقم العمل في الفيلم وكنا بالفعل في خدمته، وكان هذا أيضا، ليس فيلمنا، بل فيلمه .. مع سابزيان عرفت بالفعل مدى سلطة الحب ، فعندما يحب المرء شيئا ما كما أحب سابزيان السينما – يمنحه  الحب شجاعة  خرافية وقدرات لاتصدق ،  ويؤكد الفيلم أيضا على حقائق اخرى من ضمنها أن أكثر ما يحتاجه المرء بعد الاكسجين الذي نتنفسه هو الكرامة واحترام الناس له .. هذا الانسان الذي كان يعرف انه يمكن القبض علي بنسبة 80 في المائة،  لم يلجأ الى الفرار، بل واجه أمر اعتقاله بشجاعة محافظا على كرامته، وسلم نفسه عند حضور الشرطة ..

-         هل أنت صديق المخرج مخملباف الذي إنتحل سابزيان شخصيته . كلا ، لقد التقيته للمرة الأولي بمناسبة تصوير الفيلم، وطلبت منه أن يلعب دوره الحقيقي في الفيلم فوافق ، وعندما خرج سابزيان من السجن صورنا المشهد بكاميرا خفية ، ولم يكن سابزيان  يعلم انه سيجد عند الافراج عنه و خروجه من السجن سيجد مخملباف أمامه ..

-         هل لك علاقة ببعض المخرجين السينمائيين الايرانيين ؟ أنا بطبعي أحب الوحدة والفردية وأميل الى حياة العزلة، لكن هذا لايعني اني لا أرغب في  الاتصال بزملائي من السينمائيين الذين تربطني بهم صداقة، وتجدني أسعد بوجودهم عندما التقيهم في مناسبة ما أو سهرة، و اعتقد بأن الفنان هو انسان  منفرد وحيد، كما تجدني لا احب المشاركة في الحياة الاجتماعية  بسبب مشاكل عائلية خاصة جدا ..

-          ماذا عن مشروع فيلمك القادم .. ؟ شاهدت بعد وقوع زلزال ان الخريطة التي تظهر للمكان في التلفزيون هي خريطة للمكان الذي صورت فيه فيلمي ” أين بيت صديقي ”  وكانت القرية التي صورت فيها الفيلم تقع على سطح مركز بؤرة الزلزال  الذي راح ضحيته أكثر من 90 في المائة من أهالي القرية، فقررت أن أسافر الى هناك للاطمئنان على الأطفال الذين صورتهم في الفيلم ، وكانت كل الطرق مسدودة  للوصول الى القرية التي وصلتها بصعوبة ، وكان لدي الاحساس في اليوم الذي وصلت فيه بأن القرية قد دمرت عن آخرها وصارت اطلالا ولم ينجو أحد من أهلها ،، وشعرت بالحزن العميق لكن حدثت أشياء غريبة في نفس الوقت فقد وجدت اناسا يغسلون ملاءات وسجاجيد  ويضعونها على الأشجار كي تجف، وشعرت  بغريزة حب البقاء تتسامق  وبشكل رائع فوق الانقاض. كان هناك عجوز تحاول وحدها أن تسحب سجادة من تحت أربعة أمتار من تراب الأنقاض، وعندما قلت لها ان احدا لايستطيع أن يساعدها قالت أن زوجها وابنها دفنا تحت الانقاض ، ثم اني توجهت للبحث عن فريق انقاذ لمساعدتها ، ولما عدت وجدتها قد اشعلت نارا وشرعت تعد لي  كوبا من الشاي، ، ولما أدرت النظر في أنحاء المكان كان هناك  تفاصيل تدل على الرغبة في الحياة ومقاومة الفناء والموت ،  واردت أن اصنع فيلما روائيا يحكي عن هذا: أن الرغبة في الحياة أقوى من الخوف والموت ، ووأن يكون الزلزال هو القاعدة التي يتأسس عليها أساس الفيلم ، وفي نهاية الفيلم نرى أشار الزيتون والنهر الذي تجري مياهه، والجبال  وغروب الشمس والاهالي الذين  رفضوا أن يستلسموا ..

-         هل واجهت مشاكل خاصة مع الرقابة  اثناء فترة الثورة الاسلامية  ؟ اعتقد انه يجب ان نضع الرقابة في الاعتبار وأن نقبل بها  . نحن ننتمي الى طبقة المثقفين ويجب أن يكون لدينا علما بنوع الحكومة التي تحكمنا ونوع الجمهور الذي نعمل له، ولا يمكن أن تقارن مايحدث في بلدنا بما يحدث في بلدك . نحن في الشرق الأوسط في العالم الثالث ، وربما صرنا الى نفس الظروف التي تعيشونها الآن بعد  خمسمائة عام. نحن نريد أن نتقدم خطوة خطوة،  ومن العبث أن يفكر المرء في أنه يستطيع أن يغير العالم بفيلم ، ومن العبث ايضا أن يصنع المرء فيلما وهو يعلم مسبقا بان الرقابة سوف ترفضه وتمنع عرضه. يجب ان يعمل الفنان في حدود المساحة التي يسمح بها له مجتمعه.ان الفيلم الذي يمنع من العرض هو فيلم لا وجود له وكأنه لم يصنع . ولذا يجب أن يعرف المرء مدي وحدود سلطة الحكومة، ولهذا تجدني اؤمن بالافلام البسيطة التي أصنع، لأني اعرف انها  تعمل شيئا فشيئا على خلق مستقبل أفضل في هذا الوطن ..

أجرى الحوار : ميشال سيمان

ترجمه عن الفرنسية : صلاح هاشم -

- عن جريدة ” القاهرة ” العدد الصادر يوم الثلاثاء الموافق 26 يوليو 2016 Publié par سينما ايزيس في باريس à l’adresse

Cheap Offers: http://bit.ly/gadgets_cheap

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>