أخر الاخبار
أنت هنا: الرئيسية 2 الإبداع والإختراع 2 كاتب ومسرحية من ليبيا – بقلم / تيسير بن موسى ..ليبيا مائة عام من المسرح -2-60

كاتب ومسرحية من ليبيا – بقلم / تيسير بن موسى ..ليبيا مائة عام من المسرح -2-60

 ​​​​​
ليبيا مائة عام من المسرح”1908م- 2008م”أوهكذا تكلم المسرحيون -2-60 – نوري عبدالدائم
*****************​​​​*********************​​​

كاتب ومسرحية من ليبيا
بقلم / تيسير بن موسى
كاتبنا في هذا العدد “عبد الرحمن حقيق” كاتب وفنان ولد ونشأ في أسرة عشقت الفن وأعطته جهدها ووقتها
وكان رائدها الفنان المرحوم “محمد حقيق” والد “عبد الرحمن” الذي مازالت بصماته في مجالات الفن المختلفة مصدر
الهام للكثير من فناني أجيالنا الحاضرة.
التحق كاتبنا مباشرة بميدان الفن بعد حصوله على الثانوية العامة وأوفد لمدة سنتين إلى “بريطانيا” لدراسة فن
السيناريو كما التحق بعد ذلك بدوره في الإخراج في العاصمة السورية “دمشق” وكانت أولى محاولاته في الكتابة
المسرحية، مسرحية “قلب من حجارة” نشرت بمجلة الإذاعة عام 1973 وفي بداية السبعينيات أيضا ألف مسرحية – التي
سنعرضها بعد قليل- “الزنجي الأبيض” التي صدرت مطبوعة في كتاب عام 1976 كما عُرضت على خشبات المسرح مرات عديدة
وقد شغلته الكتابة للإذاعة المرئية عن انجاز أعمال مسرحية أخرى وإن كان الآن – كما أخبرنى – بصدد الإنتهاء من
مسرحية جديدة بعنوان “أصل ومفصل” ولكن أعماله التي قدمها للإذاعة المرئية تحمل الروح المسرحية ونكهتها وكانت
بداياته في الإذاعة المرئية بتمثيلية “بنت بوها” في عام 1976 ومن أعماله الأخرى “عايدة” و”مكالمة هاتفية”
و”سويلمه” و”صويلح” و”من وسط الناس” و”زهرة على الطريق” و”الكادح” و”أوراق الأمل” .. وغيرها.
تعتبر مسرحية “الزنجي الأبيض” عملاً متميزاً لعبد الرحمن حقيق فقد ناقش من خلال مسرحيته قضية إنسانية كبرى وهي ”
التمييز العنصري” الذي يمارسه الأبيض الغربي على الشعوب الملونة كاشفاً ومعرياً الأساليب الخبيثة الخسيسة التي
يقترفها الأبيض بحق الأسود وهو الذي يدعي الحضارة والتمدن والرقي ويقول الكاتب المسرحي المعروف “ألفريد فرج”
الذي كتب مقدمة هذه المسرحية المنشورة في الكتاب (تتميز مسرحية “الزنجي الأبيض” في المحل الأول بأن نظرتها
شاملة لهذا العالم الذي نعيش مأساته بين الأبيض والأسود وبراعة المؤلف تتبدّى في نسجه الموضوع العنصري مضفوراً
في المشكلة الاستعمارية على نحو واع والذي لفت نظر الأستاذ “ألفريد” ذلك الحوار الذي اعتمد فيه المؤلف
الطريقة الانكليزية في النطق والإصطلاح اللغوي، ومهما يكن رأي علماء اللغة العربية الذين يعترضون على استعمال
اصطلاحات الآخرين اللغوية على حساب لغتنا العربية أقول إن لجوء “عبد الرحمن حقيق” إلى ذلك الأسلوب في الكتابة
قد جعل القارئ أو المشاهد يعيش المناخ الإنكليزى رغم أن الشخصيات الانكليزية في المسرحية كانت تتكلم العربية.
عرض مسرحية “الزنجي الأبيض”
تتألف المسرحية من ثلاثة فصول تجري أحداثها كلها في مكتب الحاكم الانكليزي العام لإحدى المستعمرات البريطانية
في أفريقيا.
يبدأ الفصل الأول بحوار بين الحاكم البريطاني وأحد الصحفيين الانكليز واسمه “تشارلي” وهو يصدر صحيفة “اليوم”
في هذه المستعمرة ومن خلال الحوار نفهم ان هناك ثلاثة زنوج قد قتلوا في أحد شوارع المدينة الرئيسية وحفظت
القضية ضد مجهول.
وأن الصحفي الذي يُبدى تعاطفاً مع السود سكان البلاد الأصليين يخبر الحاكم أن لديه شهوداً يعرفون القاتل وأن ذلك
الأمر الذي نشره في صحيفته قد أثارت حفيظة الحاكم فناداه إلى مكتبه ليوبخه ويعلمه بأنه أصبح شخصاً غير مرغوب
فيه وعليه العودة إلى بريطانيا واقفال صحيفته. ويهدده الصحفي بأنه حين يصل لندن سيثير هذه القضية بين صفوف
المعارضة التي تنتظر فرصة للنيل من حزب المحافظين الحاكم لكن الحاكم لايعير ذلك التهديد التفاتاً وينهي
المقابلة بضرورة مغادرة الصحفي المستعمرة خلال 24 ساعة وبعد أن يخرج تشارلي الصحفي يطلب الحاكم من أحد
مساعديه تزويده بقائمة تضم جميع أسماء الذين هم على اتصال بالصحفي من الزنوج والبيض على السواء وفي هذه
الأثناء تدخل “سوزى” وهي ابنة الحاكم الشابة والطالبة في جامعة المستعمرة كما يدخل خادم الحاكم ليخبره بأن
هناك مظاهرة طلابية أمام قصره وحين يطلب من مساعده اسماء زعماء ومحرضي هؤلاء الطلاب المتظاهرين تتدخل ابنته
سوزي لتخبره بأنه لالزوم لتلك الاسماء لأنها أي سوزي ستكون في رأس القائمة وأنها هي التي قادت المظاهرة التي
نظمت احتجاجا على تصرف عنصري مشين من قبل مدير الجامعة حيث أنه سلم الجوائز وصافح كل الفائزين في احدي
المسابقات الجامعية ورفض مصافحة وتسليم الجائزة لاحد الفائزين السود وقد استنكر الطلاب بمن فيهم سوزي ابنة
الحاكم هذا التصرف وتظاهروا مطالبين باعتذار المدير للطالب وتسليمه جائزته أو إقالته من منصبه ويشعر الحاكم
بالإحراج لكنه يبلغ ابنته بأنه سيهتم بهذا الموضوع وسيتصل بالمدير لإصلاح موقفه وطلب من ابنته دعوة الطلاب لوقف
اضرابهم والعودة للدراسة وتفرح سوزي ظانة ان أباها قد حقق ما طلبه المتظاهرون وما أن تنفض المظاهرة ويشعر
الحاكم بالارتياح حتى يدخل عليه ابنه “جون” وهو ضابط في كتيبة المستعمرة ومعه اثنان من زملائه الضباط ويطلب ”
جون” من والده نقله وزميليه إلى موقع اخر لأنهم لم يعودوا يتحملون ان يكون رئيسهم قائد الكتيبة- من الزنوج
وهو الضابط “جومو” ويحاول الحاكم اقناع ابنه ان ” جومو” هذا هو خريج الكلية العسكرية في بريطانيا وزميل لابنه
“جون” وقد نجح المسؤولون البريطانيون في غسل دماغه وجعله يقف إلى جانبهم ضد بني قومه السود في المستعمر لكن
ذلك لم يقنع “جون” فيخرج من مكتب والده غاضبا وقررّ وزميلاه مراجعة القائد العسكري العام وبعد خروج الضباط
الثلاثة، يصل مدير الجامعة الذي يطلب منه الحاكم إبلاغ طلابه بأنه ستعتذر للطالب الأسود وسيسلمه الجائزة بنفسه
وحين يحتج المدير يبلغه الحاكم بخبث بأن الطالب المذكور سيغيب عن الجامعة إلى الأبد لان الحاكم لفق له تهمة
التآمر على الحكم وأدرج اسمه ضمن قائمة تضم عددا من الزنوج غير المرغوب فيهم لنشاطهم الوطني ضد الاستعمار
الانكليزي، وفي أسلوب رخيص يعمد الحاكم إلى جعل “جومو” الضابط الأسود المغسول الدماغ يتبنى ملاحقة هؤلاء السود
المتهمين وإلقاء القبض عليهم وتعذيبهم ويتحمس “جومو” لهذه المهمة القذرة التي كلفه بها الحاكم وبعد أن يخرج
“جومو” من مكتب الحاكم يسأل قائد الجيش الذي كان في زيارة للحاكم ان كان “جومو” سيفطن يوما ما بأن مخه مغسول
فيجيبه الحاكم بأنه من السهل عليه عندها اتهامه بخيانة شعبه وان كل المصائب التي انصبت على أصحاب المستعمرة
السود هي من تدبير وتنفيذ “جومو” وأن الشعب سيصدق الحاكم ويمزق جومو إربا لان كل الأعمال الخسيسة التي يخطط
لها البريطانيون ضد السود ينفذها جومو لذا فهو في نظر جميع مواطنيه الزنوج الجلاد الأول.
وفي الفصل الثاني تبدأ لجنة تحقيق جاءت من لندن في البحث عن أسباب مقتل الزنوج الثلاثة فقد نجح تشارلي الصحفي
في إثارة زوبعة صحفية حول هذه القضية عندما عاد إلى بريطانيا وتضم لجنة التحقيق عدداً من البريطانيين من
بينهم تشارلي نفسه، ويحضر الجميع إلى مكتب الحاكم ويكون النقيب الأسود “جومو” موجودا ضمن الحضور ويعلن الصحفي
أمام الجميع بأن لديه شهودا يشهدون بأن من قتل الزنوج الثلاثة هو “جون” ابن الحاكم ويحاول الحاكم تبرئة ابنه
وبأن ما قاله الصحفي شارلي يصلح لان يكون تحقيقا صحفيا مسليا، ويقدم الصحفي اسماء الشهود ويتبين أنهم جميعا
قد أدرجهم الحاكم ضمن قائمة المشبوه بهم في المؤامرة المزعومة وقد اختلق هذا الحاكم تلك المؤامرة ليتخلص من
جميع أصدقاء الصحفي وكذلك طالب الجامعة ويطلب من جومو الذهاب إلى السجن واحضار الشهود وحين يحاول الصحفي
التشكيك، في نزاهة هذا الضابط الأسود يقترح الحاكم ان يتولى احد أعضاء اللجنة مرافقة جومو للسجن لجلب الشهود،
ويحضر الشهود الأربعة فإذا بهم ينكرون أية صلة لابن الحاكم بمقتل الزنوج الثلاثة حتى أنهم لم يروا تشارلي
الصحفي ولا تحادثوا معه مطلقا ويتبين ان جومو هو وراء تغيير هؤلاء الشهود لإفاداتهم إذ عرضهم لعذاب شديد ثم
خيرهم بين وقف هذا العذاب.
ومنحهم حريتهم إذا نفوا التهمة عن ابن الحاكم أو يستمر سجنهم وعذابهم فاختاروا حريتهم حتى ولو كان ذلك على
حساب الضمير والحقيقة والعدل وبعد أن اسقط في يد الصحفي كان لابد من إلقاء القبض عليه بتهمة الادعاء الكاذب
والوقوف ضد السلطات الحاكمة وحين يحاول عدد من رجال الأمن التقدم منه لاعتقاله يقفز فوق مكتب الحاكم مشهراً
مسدساً وينجح في اختراق الحصار المفروض حوله والفرار خارج قصر الحاكم.
وفي الفصل الثالث والأخير: يتقدم “جومو” الذي رقى إلى رتبة أعلى من الحاكم طالبا يد ابنته “سوزي” ويفاجأ
الحاكم الانكليزي بطلب “جومو” ويحاول التملص من هذا الطلب المستحيل إذ كيف سيزوج ابنته البيضاء الشقراء إلى
زنجي حتى ولو كان بإخلاص وتفان “جومو” للعرش والاستعمار البريطاني، ويسمع بطلب “جومو” يد سوزي أخوها “جون”
الذي يكن عداوة عميقة لكل الزنوج وينتهر والده الحاكم لأنه سمح لذلك القرد الأسود بالتطاول على أسياده البيض
ولم يعد الحاكم قادراً على إخفاء مشاعره الحقيقية تجاه “جومو” فيصيح به اذهب إلى الجحيم أيها القرد، ويصعق ”
جومو” ويستمر الحاكم في شتمه وأهانته غير أن الذي يحسم هذا الموضوع “سوزي” نفسها التي تدخل مكتب أبيها وهي
ممزقة الثياب دامية الوجه فقد أعلن السود في المستعمرة الثورة وانضمت هي إليهم واعتدى عليها الجنود البيض
بسبب موقفها النبيل هذا .. وما أن تسمع بأن “جومو” يطلبها للزواج حتى تقلب شفتيها اشمئزازاً واحتقاراً فهي –
كما قالت – تحتقر البيض فكيف الحال إذا كان زنجيا أبيض مثل “جومو” يخون شعبه وعرقه إرضاء لأسياده البيض ولكن
هذا الأخير بعد أن اكتشف حقيقة رأي الحاكم الانكليزي فيه وانه مجرد ممسحة يمسح بها جرائمه بحق من يستعمرهم من
الزنوج يُعلن بأنه قد سحب طلبه بالزواج من “سوزي” وحين تخرج هي لتلتحق بالثوار يهرع والدها للحاق بها لإرجاعها
خوفاً عليها ونفهم من حديث الخادم بالهاتف أن جماهير السود جسد ذلك الحاكم الثعلب كما يتضح أن الخادم كان على
وفاق مع تشارلي الصحفي الذي كان يتزعم حركة من شباب المستعمرة السود وأن مواقفه السابقة المناهضة للحاكم لم
تكن إلا ستاراً ليخفى طموحه بأن يصبح سيد هذه المستعمرة بتأييد السود أنفسهم ويدخل هذا الصحفي حجرة الحاكم
ليمارس صلاحياته وحين يعلن بأنه سيكون حاكماً شرعياً للمستعمرة يقتحم المكتب الضابط الأسود “جومو” وهو يحمل
رشاشا وخلفه مجموعة من الضباط السود ويسأل هذا الضابط تشارلي بشيء من السخرية :”عن أي شرعية تتحدث يا سيد
شارلي” ثم يشير إلى زملائه الضابط السود قائلا:”إن الشرعية ستكون لهؤلاء منذ الآن”.
ويسقط في يد تشارلي والخادم ويخرج الأول من جيبه حبة سامة لينتحر بها بدلاً من أن يقتله “جومو” ورجاله ويسرع
الخادم أيضا ليخطف الحبة من يد “تشارلي” فقد قرر هو الآخر ان يموت بيده لابيد الزنوج وحين يحاول أحد الزنوج
وحين يحاول أحد زملاء جومو من الضباط السود التدخل بين تشارلي والخادم يوقفه “جومو” وهو يقول ساخرا:”دع..
دعمها يتقاسمان الموت”.
وبهذا المشهد المثير الجميل يسدل الستار عن مسرحية “الزنجي الابيض”.. واعتقد ان المؤلف – ان لم يخطئ التقدير-
أراد بجعل “جومو” المشكل والمكون انكليزيا يتسلم مقادير الحكم في بلاده الإشارة إلى عدد من الحكام الأفارقة
السود الذين تولوا الحكم في بلادهم بعد خروج المستعمر منها فكانوا فعلا من الزنوج البيض وكانت تطلعاتهم
وميولهم مرتبطة بالرجل الأبيض كما أن أساليب حكمهم لبني وطنهم لاتختلف من حيث الشكل والجوهر عن سياسة
مستعمريهم البيض السابقين ان لم تكن أدهى وأشد قسوة.

اضف رد