أخر الاخبار
أنت هنا: الرئيسية 2 تشكيل وتصوير 2 الناقد “طلال معلا” والتشكيلي السوري والعالمي وكاتب أغنية وشاعر من بانياس بالساحل السوري .. . لوحاته وجوه ترصد مرايا الذات – كمال شاهين….

الناقد “طلال معلا” والتشكيلي السوري والعالمي وكاتب أغنية وشاعر من بانياس بالساحل السوري .. . لوحاته وجوه ترصد مرايا الذات – كمال شاهين….

 

“طلال معلا”.. وجوه ترصد مرايا الذات

 

 كمال شاهين

بانياس الساحل

اسم بارز في الفن التشكيلي السوري والعالمي، ناقد محترف، وكاتب أغنى المكتبة العربية بقراءاته البصرية للفنون والإبداع، يكتب الشعر والقصيدة ويرسم اللوحة كعاشق أزلي لها.

تكبير الصورة

في مدينة “اللاذقية” عام 1952 ولد الفنان “طلال جودت معلا” لعائلة “معلا” المعروفة في مدينة “بانياس” الساحلية، الأم فيها “رسامة من غير لوحة”، والأب “شاعرٌ من غير قصيدة”، تخرج ابنها البكر “طلال” في كلية الآداب بجامعة “تشرين” قسم اللغة العربية، قبل أن يتابع دراسة خاصة بتاريخ الفن المعاصر في “إيطاليا”، وينعطف باتجاه الفن التشكيلي والكتابة بشكل كامل بعد عودته من روما.

لم تكن اللوحة عند الفنان “طلال معلا” مجرد انعكاس لما في داخله، فهي مرآته منذ عقود يقرأ فيها وجهه وأفكاره ومواقفه، ويضيف الفنان في حديث لمدونة وطن “eSyria” بتاريخ 26 تشرين الثاني 2013: «أقرأ في اللوحة أشعاري وذاكرتي وما أستشفه من مستقبلي وحرارة دمي وقدرتي على الرؤية، وفيها أتلمس انكساراتي مهما صغرت أو عظمت دون أن تؤثر “الغباشات” في تحملي ووعيي بالتجاوز، ودون أن أفقد ما تحدثه اللوحة من إنجازات لها شهيقها وزفيرها الخاص الذي يجعلني مشدوداً إليها باستمرار».

في معارضه الأولى اختار أن يرسم “الوجوه الإنسانية” بحالاتها القاسية، فعمد إلى تشويه الوجه بشكل قاس جداً ونشر وقتها مجموعة كبيرة من الأعمال في مجلة (الناقد) التي تعامل معها لسنوات طويلة في لندن، فكان يرسم الموتيفات التي تتعرض للوجه الإنساني بشكل مختلف عن السائد، وأقام الكثير من المعارض بهذا الأسلوب، ولكن كما يقول الفنان «كان الجمهور ضدي دائماً».

هذه العلاقة المتضادة مع الجمهور دفعته ليبدأ بحثاً لا يهدأ عن مناطق فنية جديدة يجسد فيها حلمه الإنساني عبر لوحة مختلفة، يقول فيها الفنان “معلا”: «لوحة تكون مرآة تجسد اختياري لتصوير الوجوه في شعرية صمتها، وشعائرية تحققها باعتبار كل هذه الوجوه وجهي، فلطالما تأملتها ككيان متوحد بفرديتي وعوالمي السرية التي ترفض التفسير أو إضفاء المؤثرات التي تتكئ عليه الوجوه، وهي تتفرس مخترقة نترات الفضة كمادة مرآتية تخلق الانعكاس وتجتذب العقل وتلغي فعل العين في مواجهة انعكاسها ووظيفتها في توليد الحياة».

في هذا التجسد للوحة تتجرأ اللوحة فتأخذ مكانة المرآة، و«تستبدل 

تكبير الصورة
الفنان مع إحدى لوحاته في مرسمه

الوجود الانعكاسي المؤقت بوجود أزلي يصل إلى حدود تحدي الموت باعتبارها كائناً حياً لا تجمد موجوداته بمجرد رحيل الأشخاص من أمامه أو رحيل المشاعر مع غياب المعالم وأوهامها عن صقالة سطحها البارد».

وفي علاقته الفنية مع المرايا يعقد الفنان دوماً المقارنة بينه وبينها وبين الضوء المنعكس في بريقها، والضوء الداخلي لألوان لوحاته ولشخوصها التواقة لرؤية بهائها القلبي الإنساني، وهي تملأ الكادر الإنساني بجاذبيتها المحيرة والمولدة للدهشة، إنها كما يقول “معلا”: « الانقلاب على جنوني لاستثمار عمري في مراحله المختلفة ووجهي في تقلبه الفكري وتقلب الأحوال من حوله، وكل ما يجعل الصدأ يمتد إلى البصيرة التي تأخذ من البصر حروفه ومن التشرد في أنحاء الخيال، صدقية الخدعة الأزلية للمرايا التي تعيش في بلاهات الفراغ، ما دمنا نقصيها عن أعماق بصائرنا وكل ما تستبدله من أقنعة لوجهنا في مواجهة حقيقته».

ظلت الوجوه طوال تجربة الفنان “معلا” هاجسه الأساسي في عديد تحولاتها الإنسانية، وظل يحفر في فن الوجوه، فبدأ منذ سنوات سلسلة معارض حملت اسم “صمت” كان آخرها “صمت10” أقامه في غاليري “تجليات” بـ”دمشق” عام 2011، يعتبر الفنان هذه الثيمات من قلب تجربته ولكنه يرفض أن تؤطره كرسام للوجوه، وهنا أضاف بالقول: «لا شك أن المنعكس في لوحتي هو الغياب الفادح للفعل في ملامح الوجوه إلا أن ذلك لا ينفي أنها الشاهد على ما يحدث حولنا وعلى الصورة الداخلية للممسوسين الذين لا يعلمون أن ما يرونه في مراياهم لا يراهم رغم أنه يشبههم في كل شيء. ليس من المنطق أن تختبر المرآة في كل مواجهة لها لكن هذا مطلوب في مواجهة اللوحة وعماء بياضها لأن التجربة تختبر حياتها وتختبر إمكاناتها للمضي في المغامرة المعرفية وهو ما أحاول أن أقوم به اليوم على الرغم من السواد الذي يفصلنا عن الرؤية».

خلال هذه الرحلة التي شملت تقديم عشرات المعارض الفردية والمشاركات الجماعية كان للفنان “معلا” الوقت الكافي لتأسيس وإدارة العديد من المشاريع الفنية 

تكبير الصورة
كتابه “عزف منفرد على الطبل”

والثقافية، حيث ساهم في تأسيس أهم ملتقى فني على صعيد العالم العربي وأداره بنجاح لافت، “المركز العربي للفنون” في “الشارقة” ثمرة من ثمار تعبه وجهده لسنوات طويلة، كما أسهم بشكل كبير في التأسيس لبينالي “الشارقة للفنون التشكيلية” وهو اليوم واحد من أهم الفعاليات التشكيلية في العالم العربي. 

في رحلة الكتابة قدم الفنان “معلا” عدداً من الكتب والدراسات الفنية والبصرية تعتبر اليوم حجر الأساس في المكتبة البصرية العربية، منها “عزف منفرد على الطبل” (نص) “دمشق” 2000، و”أوهام الصورة” (نصوص تشكيلية) “الشارقة” 2001، “مبدعون من الشام” دبي 2005، وغيرها الكثير.

لم يتوقف عطاء الفنان “طلال معلا” عند حدود القلم والكتابة كمشارك عن بُعد، بل واصل ركضه في كل السبل التي تخدم الفنون البصرية فكان مدير تحرير مجلة (الرافد) الثقافية من عام 1993 إلى 1997 وأشرف على إصدار مجلة “الصورة” ويعمل منسق الندوة الدولية الموازية لبينالي “الشارقة” والمقرر العام فيه (الشعرية البصرية 1997) ومشرفاً على معهد “الشارقة” للفنون، كما أعد مجموعة من الأفلام الوثائقية، وكان من أبرز من قدم البرامج المتعلقة بالفنون البصرية عبر تلفزيون الشارقة منها: (تأملات جمالية) (عيون عربية) (قضية للتشكيل) (دعوة للتشكيل).

هذه النماذج من عطاءات الفنان “طلال معلا” منحته الكثير من التكريم، كما منح عضوية العديد من المؤسسات العالمية والعربية فهو عضو هيئة الإياب اليونسكو اتحاد الفنانين العالمي (باريس) وعضو اتحاد التشكيليين العرب، وعضو منظمة النقد العالمي (الآيكا باريس) وعضو نقابة الفنون الجميلة في “سورية”، إضافة إلى عضوية مجموعة من اللجان والاتحادات الأخرى.

اليوم بلغ الفنان “طلال معلا” من العمر الستين ومازال في ذروة عطائه وإبداعه، حين سألته ماذا تحلم بعد أن وصلت إلى ما وصلت إليه، قال الفنان بتواضعه الجم: «مازلت حتى اليوم أحدق في لوحتي على أنها مرآتي التي أستسلم لها بوداعة وتراني أكثر وأعمق مما أراها، تتنفسني وتثبت خطواتي في رحلة باتت تنزع من بين أصابعي ريشي وألواني، لقد كان ومازال الوجه الإنساني 

تكبير الصورة
من لوحاته

الجزء الأساس في لوحتي منذ سبعينيات القرن الماضي وهي الفترة التي تذكرني بما يجري اليوم من قساوة تعبيرية وتشويه درامي يعكس نبض وصورة المتحولات».

قيل في فنه الكثير، نقتطف من الناقد” محمد الجزائري” قوله: “إنه يقدم في دفتر المدونات وجوهاً غير معروفة يجعلها معروفة في انتمائها إلى فنه، لذا يخرجها من النسيان ليعيد تدوينها في حضورها الفني، مكتفية بذاتها نصاً بصرياً رديف الشعر”.

الإعلامي الأردني “عمر شبانه ” قال عنه في مقال : «يجسد إطلالة الإنسان على الدنيا من خلال وجهه، وإطلالة الدنيا على هذا الإنسان من خلال هذا الوجه أيضاً، وهي للحق ليست مجرد إطلالة معمقة وكاشفة ومكثفة وجارحة، بل إطلالة على أعماق الكائن البشري وتفاصيله وملامحه».

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*