أخر الاخبار
أنت هنا: الرئيسية 2 تربية وتعليم 2 الروائي النيجيري وولي سوينكا في أبوظبي: ويحلم بخلاص أفريقيا.- مشاركة:هشام أحناش

الروائي النيجيري وولي سوينكا في أبوظبي: ويحلم بخلاص أفريقيا.- مشاركة:هشام أحناش

وولي سوينكا

وولي سوينكا في أبوظبي: أحلم بخلاص أفريقيا
20 فبراير 2020
هشام أحناش (الاتحاد)

85 دقيقة من السحر والتدفق الإبداعي هي المدة التي خاطب فيها الروائي النيجيري وولي سوينكا قاعة ضاجة بالحاضرين في العاصمة أبوظبي أمس الأول، وبطلاقة روحية مدهشة حاول ابن الخامسة والثمانين اختصار مسيرته الفنية الحافلة؛ هو الفنان متعدد المواهب، الكاتب المسرحي والروائي والشاعر والمؤلف الموسيقي وهو قبل كل شيء الحالم بنهضة أفريقيا ووحدتها، حكى عن مدى تأثير ثقافة «اليوربا» عليه منذ طفولته، معتبراً إياها ثقافة غنية قادرة على البقاء والحياة في مختلف الأمكنة، مدللاً على رأيه بوجودها القوي خارج أفريقيا وخصوصاً في البرازيل والكاريبي بسبب الشتات الأفريقي وتجارة العبيد.
«الاتحاد» كانت هناك وسجلت محاضرته في جامعة نيويورك أبوظبي، والتي حملت عنوان «حوار مع وولي سوينكا»، وتناولت رؤيته للأدب والتقاليد، ومواطن الإبداع والقوة في كتاباته، بالإضافة إلى حيويته وطريقة سير العملية الفنية، والأهم موضوع «عصر النهضة في المرة القادمة؟ أفريقيا عند مفترق طرق» في محاولة لاستكشاف المواضيع المتعلقة بالأثر الذي أحدثه العالم في أفريقيا وأثر أفريقيا في العالم.
لعل خلفيته الثقافية المتعددة، هي التي منحت سوينكا هذه القدرة على المزج بين مواهب فنية عديدة. فالروحانيات الشفافة ومظاهر التصوف الأفريقي حاضرة في مجمل حديثه. بفضل السنوات التي قضاها في أميركا وأوربا، هارباً من الحروب والظلم في بلده نيجيريا، تفاعل سوينكا مؤثراً ومتأثراً بعدد من الكتاب، وخاطب في الجامعات وعلى خشبات المسارح الوطنية والقومية بأميركا وأوروبا، جماهير كثيرة. ومن يعرف الرجل، يعلم أن النقد الاجتماعي والسياسي حاضر بقوة في كتاباته، هذا الرجل الذي طالما حلم بنهضة أفريقيا وبأن يكون لها عقد اجتماعي خاص بها ينقلها من عصر الاستبداد والحروب والفقر إلى عهد الديمقراطية والحرية، كما قال.

قوة الفنون
في حديثه الممتع، يبوح سوينكا بتقديره لأعمال الكاتب الغاني (آيي كوي آرما) صاحب كتاب «الجميلون لم يولدوا بعد». ويعترف بأن التحولات الاجتماعية التي شهدتها أفريقيا خلال الاستعمار الأوروبي وبعد «الاستقلال» الذي لا يعتبره مكتملاً، وخلال الحروب الأهلية الأفريقية وفترات تنازع السلطة بين القوى المدنية والعسكر في أفريقيا، هي مصدر إلهامه وإبداعاته.
يؤمن سوينكا – كما قال في المحاضرة – بقوة الفنون الشعبية ويستعين بالفنون المحلية في مسرحياته من قبيل التمثيل الصامت وتقنية «الفلاش باك» والترانيم الطقوسية الشعائرية واستحضار شخصيات الأسلاف بهدف إضفاء أثر عقلي بمسحة عاطفية على مسرحياته. كما يجعل التضحية الاختيارية واحدة من الثيمات المتكررة في أعماله. علاوة على أنه يستلهم بعض شخوصه من قصص القرآن والإنجيل والتوراة، وخصوصاً القصص المشتركة المحكية بمتون مختلفة.
ويعتبر سوينكا الفن تأملاً واعياً في المسؤوليات والالتزامات اليومية، كما يعد الفن القديم أكثر رشاقة وأسمى من الفن المعاصر الذي لا يجد غضاضة في التطبع مع الظواهر العنيفة.

الثقافة المسروقة
لكل فن قوة وتأثير، بما في ذلك الطبول الأفريقية التي لا يتوقف قرعها والمنحوتات اليوربية التي يتأسف سوينكا على سرقة وتهريب الكثير منها، من قبل أوروبيين، كانوا يقطنون في دول أفريقية خلال الفترة الاستعمارية، ليضعوها في متاحف ومعارض دون «شعور بالذنب أو العار» جراء سرقاتهم وأخذ ما ليس لهم. وإذا كانت السرقة المادية فعلاً مجرَّماً ويعاقب عليه القانون، فإن سرقة الممارسات الثقافية والمواد الرمزية للوجود الثقافي لأمة أو مجتمع هي أخطر بكثير. ومن هذا المنطلق، يرى سوينكا أن الفنون الأفريقية تحتاج إلى نوع من الاستصلاح لإعادة الاعتبار لها بعد الذي طالها من حيف وتحريف ونهب، ولتستعيد دورها التنويري في المجتمع.
وبصوت متحسر على أحوال البلدان الأفريقية بعد الاستقلال، يقول سوينكا إن هذه البلدان بدل أن تمارس التحرر والتمكين للمبدعين والموهوبين، مارست القمع وغاصت في حروب استنزاف أهلية دفعت كثيراً من الأدباء والمبدعين الأفارقة إلى المنفى الاختياري أو القسري، وألزمت آخرين بالصمت، وسببت للباقين العجز والكبت الثقافي، مما انعكس سلباً على مجتمعاتهم التي تداعت الواحد تلو الآخر.
يستحضر سوينكا أيضاً تاريخ أفريقيا خلال الحقبة الاستعمارية، ويشيد بالمحاربين الأسود الذين وقفوا ضد المستعمر، لكنه يعاتب المستبدين الأفارقة الذين جثموا على مصائر شعوبهم ورهنوا ثروات بلادهم المادية والبشرية بمصالحهم الخاصة، وجعلوا شعوبهم تعيش أشكالاً مختلفة من الأبارتايد الاقتصادي.
ويفتخر سوينكا بأنه ليس كاتباً ملتزماً ولا مدافعاً عن أي أيديولوجيا. لكنه يسخر من الساسة الذين يقضون أوقاتاً طويلة جداً في مناقشة مشاريع قوانين بالية سالبة للحريات الفردية والحقوق، ويدعوهم بدلاً من ذلك إلى مناقشة الظواهر الأخطر التي تعصف بشباب القارة السمراء، وعلى رأسها التطرف الديني الذي يستهدف الأطفال في المدارس والشباب الباحثين عن عمل. فالمتطرفون الدينيون في بلده يستهدفون المدارس ويقتلون طلبتها أو يجبرونهم على قتل من يخالفهم دينهم. مما جعل الطفولة الأفريقية منتهكة وضائعة في بلدان عدة، للأسف.

تأخر الديمقراطية الأفريقية
ويتساءل سوينكا عن الشباب الأفارقة الذين خرجوا يحتجون في الشوارع بعد أن ضاقوا ذرعاً بعقود الإذلال الذي تعرض له آباؤهم، وعن أسباب تأخر الديمقراطية في أفريقيا، ويعزو ذلك جزئياً إلى الفساد ولكن أيضاً إلى غياب التنوير السياسي ونقص التعليم، داعياً إلى استنهاض الهمم وجعل كل يوم طريقاً للنهضة الأفريقية. ويقول إن توقه للنهضة الأفريقية والوحدة الأفريقية دفعه إلى العودة إلى بلده ورفض البقاء في الغرب، رغم أنه لا يعتبر نفسه من أفراد جيل النهضة الأفريقية. مع ذلك يظل متشككاً متسائلاً حول سبب تأخر الإقلاع الديمقراطي التنموي في أفريقيا إلى درجة أنه يتساءل: «هل النهضة في أفريقيا قضية خاسرة؟ ولا يخفي سوينكا لومه للمستعمر القديم الذي يقول عنه إنه أساء سرد تاريخ أفريقيا وأساء توصيف المخاضات الانعتاقية التي كانت تخوضها للتحرر الحقيقي من ربقة الاستبداد. فالغرب طالما وصف تلك المخاضات بحروب قبلية محلية، في حين أن جذورها كانت أعمق من ذلك وتعود في بعضها إلى التركة الاستعمارية.
حضور المزاج الصافي مهم للكاتب، لكن الأهم هو أن يعيش في سلام داخلي ويصغي لذاته السحيقة. وهذه الحالة الشعورية كانت ملازمة لسوينكا خلال نظم قصائد مجموعاته الشعرية الأربع. ويعترف سوينكا لجمهور أبوظبي بأنه أضاع الكثير من القصائد لأنه كان يكتب جزءاً منها في كل مكان حل به وشعر بالأبيات تتدفق إلى خياله، والأمر ينطبق كذلك على إبداعاته الأخرى في المسرح والرواية والقصص القصيرة.
يؤمن سوينكا بأن المجتمع البشري في حاجة مستمرة للخلاص من ذاته ويعتبر أن الخلاص فعل ذاتي وليس جماهيريا جمعياً، ومن ثم فإن خلاص المجتمع يتحقق فقط بعد ممارسة الإرادة الفردية. ولذلك فهذه الإرادة الفردية ثمينة ويجب أن تتاح لها فرصة الممارسة الحرة، وأي شكل من أشكال قمعها يعد إخماداً لهذه الإرادة الفردية، وسحق إرادة الفرد هو سحق لقوى الحياة ذاتها. ولذلك فإن ديدنه وحلمه القديم الجديد هو تحقيق الخلاص لقارته المحبوبة: أفريقيا.

سرقة رمزية أخطر
إذا كانت السرقة المادية فعلاً مجرَّماً ويعاقب عليه القانون، فإن سرقة الممارسات الثقافية والمواد الرمزية للوجود الثقافي لأمة أو مجتمع هو أخطر بكثير. ومن هذا المنطلق، تحتاج الفنون الأفريقية إلى نوع من الاستصلاح لإعادة الاعتبار لها بعدما طالها من حيف وتحريف ونهب، ولتستعيد دورها التنويري في المجتمع.

المعهد في سطور
تأسس معهد جامعة نيويورك أبوظبي عام 2008، ويعتبر مركزاً للأبحاث والعلوم المتطورة والأنشطة الإبداعية في أبوظبي ودولة الإمارات العربية المتحدة، والعالم. وينظم المعهد مؤتمرات أكاديمية متميزة تعتبر بمثابة منصات علمية لأعضاء الهيئة التدريسية في جامعة نيويورك أبوظبي، لمناقشة واستعراض أبحاثهم المبتكرة وأنشطتهم الإبداعية. ويمتاز برنامجه العام والمتنوع من المحاضرات والندوات وعروض الأفلام والمعارض بحضور متميز من العلماء والباحثين.

ليس أيديولوجياً لكنه ساخر
يفتخر سوينكا أنه ليس كاتباً ملتزماً ولا مدافعاً عن أي أيديولوجيا.. لكنه يسخر من الساسة الذين يقضون أوقاتاً طويلة جداً في مناقشة مشاريع قوانين بالية سالبة للحريات الفردية والحقوق، ويدعوهم بدلاً من ذلك إلى مناقشة الظواهر الأخطر التي تعصف بشباب القارة السمراء، وعلى رأسها التطرف الديني.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*