أخر الاخبار
أنت هنا: الرئيسية 2 موسيقى وغناء 2 تعرف على الموسيقارمحمد عبد الكريم أمير البزق ( 1905 ـ 1989 ) – فريد ظفور – صميم الشريف

تعرف على الموسيقارمحمد عبد الكريم أمير البزق ( 1905 ـ 1989 ) – فريد ظفور – صميم الشريف

 

في مدينة حمص السورية ولد محمد عبد الكريم، عام 1905، لأسرة غجرية، وكعادة الغجر وجد الصغير نفسه في بيئة فنية، تتكسّب من العزف والرقص والغناء…فتفتحّت حواسّه على الفن ونمت ذائقته الموسيقية معه، وكان أوّل شيء عمله، أنه جلب قطعة خشب وثبّت عليها مسمارين وشدّ أوتاراً وراح يعزف هواجس الطفل عليها، مقلّداً والده علي المرعي الذي كان من أمهر عازفي العود والبزق وشقيقه سليم وكانا يعزفان لعماشة، والدته صاحبة الصوت الصاخب وقد أصابت الفرقة شهرة في حي الخضر الشعبي والأحياء المجاورة، بسبب جودة العزف والغناء الجميل.
أصيب محمد عبد 
الكريم وهو في الرابعة عشرة من عمره إصابة بليغة في ظهره إثر حادث تصادم عنيف، سبّب له عاهة دائمة، احدودب ظهره نتيجة لها، وتوقّف نمو جذعه.
أتقن محمد في يفاعته العزف على البزق، وانضم بذلك إلى الفرقة الصغيرة ، بعد أن تحوّل أخوه إلى العود، واشتهرت الفرقة في كل مدينة حمص فصارت تحيي الأفراح والأعراس، وطاب السهر في ليالي الميماس على الصوت الصافي واللحن المجنون. ومنها انطلقت الفرقة إلى المدن السورية تعزف وتغني وترقص في حفلات خاصّة، وفي فترة الشباب تعرّف محمد عبد الكريم على نادي دوحة الميماس الموسيقي، فانتسب إليه وصار عضواً رئيساً بين عازفيه، وفي هذه الفترة سافر إلى بيروت برفقة عازف الكمان الشهير “سامي الشوّا” وهناك التقى بأشهر العازفين والفنانين الذين أعجبوا بأدائه وأثنوا عليه. ثم زار مدينة دمشق وتعرَّف فيها على الشاعر فخري البارودي الذي سُحر بأدائه وقدّمه على أنه أعجوبة عصره، وهكذا كان.
لم يكن محمد عبد الكريم عازفاً بارعاً على 
البزق فحسب، بل كان يحسّ بأن هذه الآلة تملك إمكانات غير محدودة وبحاجة إلى تطوير دائم، لذلك عمل على زيادة عدد الأربطة التي تلف على الزند، فعدّل فيها وطوّرها لتلبّي احتياجاته وعطشه إلى أنغام تستطيع أن تعبّر عن إمكاناته غير المحدودة ليواكب الآلات الموسيقية الأخرى أثناء العزف. ( زاد في عدد الأربطة من 17 إلى 38 ديستاناً ) 
ويعود الفضل إليه في أنه أوّل من أدخل “التانغو والسيراناد” على البزق وأضاف إليه أوتاراً جديدة، لذلك كان يقال فيه: “وزاد في الطنبور نغماً”. لقد أصبحت آلة البزقشغله الشاغل، وكان همّه الأكبر أن يجعل منها آلة محترمة، كما كان يردّد دائماً، وتجلت براعته عليها في قدرته الفائقة على عزف أية مقطوعة موسيقية في أقل وقت ممكن. ولم تكن مهارته مقتصرة على آلة البزق وإنما على العود الكبير والعود الصغير “نشأة كار” وجميع الآلات الوترية التي تعتمد على الريشة في العزف. 
عزف بأصابع القدمين
زار الفنان الشاب مدينة حلب، وقد استضافه فيها الفنان (كميل شمبير) عدّة أشهر، تعرف خلالها على عدد كبير من الفنانين والملحنين ووجوه الطرب والغناء، بينهم عمر البطش وبكري الكردي، وهناك وضع أوّل لحن له لأغنيته (ليه الدلال)، وقد طلبتها منه أم كلثوم في القاهرة عندما سافر إليها مع صديقه كميل شمبير، حيث عزف معه في أرقى صالونات الأدب والفن، ولقي ترحيباً حاراً فيها. وقد عزف في دار الأوبرا المصرية بأصابع قدميه على أوتار البزق، وصفق الحضور له بشكل منقطع النظير. سافر بعدها إلى مدن وعواصم كثيرة عربية وأوروبية، وقد منحه الملك فيصل لقب “أمير البزق” في إحدى زياراته إلى بغداد، بعد أن سمع عزفه وأعجب به. وقد عزف الأمير مع أشهر عازفي عصره، مثل: عمر النقشبندي ومحمد العقاد وسامي الشوّا … وكان يدهش الجميع ببراعته وسرعة أدائه ومهارته الفنية. سافر في عام 1928 إلى ألمانيا واتصل بشركة (أوديون) التي أقامت لـه العديد من الحفلات وسجلت لـه خمس

أسطوانات وعزف في باريس في الكونسرفتوار، كما عزف ألحان “النابوليتان” الشعبية الإيطالية في روما، ثم عاد بعدها إلى مصر وتعرّف فيها على أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، سافر بعدها إلى القدس ليشتغل في إذاعة الشرق الأدنى الـ B.B.C اليوم، وبعد أربع سنوات سافر إلى إنكلترا وسجل للإذاعة كثيراً من المقطوعات والارتجالات الموسيقية بما فيها شعار المحطة الذي كانت تقدمه قبل الافتتاح الرسمي، ثم عاد إلى القدس ليرأس الفرقة الموسيقية في الإذاعة. وعندما افتتحت إذاعة دمشق رجع إلى وطنه ليستقر في دمشق ويعمل في إذاعتها عازفاً وملحناً طوال حياته، وقد أغنى مكتبتها بكثير من الألحان والأغاني الشرقية الأصيلة الخالدة. 
بين التانغو والمونولوج …
ألف محمد عبد الكريم في كل المقامات الموسيقية وأبدع مقاماً موسيقياً جديداً، أطلق عليه اسم “المريوما” لم يكن معروفاً في الموسيقا الشرقية قبلاً. ولحنّ لعدد كبير من الفنانين والفنانات، وكانت ألحانه لهم سبباً في شهرتهم، ومنهم على سبيل المثال “فايزة أحمد، محمد عبد المطلب، نجاح سلام، صالح عبد الحي” وقد وضع أكثر من مئة أغنية في مواضيع عديدة، كان أشهرها “رقة حسنك وسمارك” التي غنّتها المطربة نجاح سلام بعد أن لحنها لها. ومن أعماله الأخرى، أغنية “جارتي ليلى” التي وضعها للفنانة ماري عكاوي، وغنتها فيما بعد فايزة 
أحمد بصوتها وغدا هذا التانغو من الألحان السائرة، وغدت مثالاً يحتذى به في فن صياغة المونولوج الشاعري، وغنت له سعاد محمّد عدداً من الأغاني جعلت اسمها معروفاً في عالم الطرب، كما لحن لها أشهر أغانيها “مظلومة يا ناس” التي سارت زمناً على شفاه الناس سنوات طويلة .
ومن أشهر الذين غنّوا للأمير “أسمهان، صباح فخري، ماري جبران، كروان، ليلى حلمي، سهام رفقي، محمد عبد المطلب، صالح عبد الحي”. أمّا أشهر أعماله الموسيقية، فكانت: “بين أشجار الصنوبر، رقصة الشيطان، تحت العريشة، ساعة الوداع، في قصور الأندلس، رقصة الحب، عروس الصحراء، آلام الطير، رقصة الصبايا، البنفسجة الذابلة، ليالي ديك الجن، حكاية عيون، وغيرها كثير. وفي إذاعة دمشق أرشيف كامل عن الأمير وعن أعماله الموسيقية والغنائية، إضافة إلى العديد من البرامج التي أعدت لأجله.
بعد هذا العطاء الفني الكبير، اعتزل محمد عبد الكريم الحياة الفنية، وآثر أن يعيش وحيداً، عازفاً عن الدنيا وما فيها، وفي الثلاثين من كانون الثاني، عام 1989، عزف الموت بأصابعه الباردة قصة حياة أمير البزق محمد عبد الكريم وختمها بتوقف قلبه في أحد مشافي دمشق … لقد رحل الأمير بعد أن ترك لنا حياة حافلة وإرثا موسيقياً خالداً. عاش غجرياً متمّرداً على كل القوانين، واستطاع أن يبرهن بقامته الصغيرة النحيلة على أن الإمارة يمكن أن تؤخذ بجدارة. ولم يجد شيئاً ليكون أميراً عليه سوى بزقه الذي احتضنه وأحبه كل حياته.

الموسيقارمحمد عبد الكريم أمير البزق (1905ـ1989 )
الفنان “محمد عبد الكريم” هو من أكبر فناني الوطن العربي على الإطلاق، أمام عبقريته وعلمه الموسيقي تتضاءل علوم الآخرين، وأمام تجربته الفنية العريقة التي تزيد على الستين عاماً تخجل وتتقزم تجارب الآخرين، فهو أكبر خبير موسيقي في قطرنا العربي السوري في علم المقامات الدقيق الذي يقف أمامه كبار العاملين في الموسيقا عاجزين عن سبر أغواره والتأليف في ضروبه وألوانه.
ولد “محمد عبد الكريم” الملقب بأمير البزق في حي الخضر الشعبي في حمص، كان والده “علي مرعي” من أمهر عازفي العود والبزق، وهو الذي غرس فيه حب الموسيقا، وعندما توفى الأب عام 1913، قام أخوه بتربيته، فألحقه بمدرسة ابتدائية في “باب السباع”، وعكف في الوقت نفسه على تعليمه العزف على البزق حتى برع فيه، وصار يرافق أخاه إلى الحفلات والسهرات فيعزف هو على البزق، وأخوه على العود، حتى اشتهرا في كل حمص.
أصيب محمد عبد الكريم وهو بعد فتى في الرابعة عشرة من عمره، إصابة بليغة في ظهره اثر حادث تصادم عنيف، سبب له عاهة دائمة، احدودب ظهره نتيجة لها، وتوقف نمو جذعه، ومنذ ذلك التاريخ هجر المدرسة واهتم بالعزف على البزق اهتماماً خاصاً حتى غدا عازفاً لا يجارى، وغدت سهرات أهل الطرب في حمص وأفراح بيوتاتها لا تستقيم إلا بعزفه الخلاق.
ولكن حمص، لم تكن هي حلم محمد عبد الكريم، فطموحاته غدت بعد أن أصبح يجيد العزف على العود وعلى “النشأة كار” ـ العود الصغير ـ لا تتسع لها مدينة حمص، فرحل إلى حلب ليذهلها بعزفه ثم إلى دمشق التي انحنت له صاغرة وأطلقت عليه لقب “أمير البزق” ليغلب هذا اللقب حتى على اسمه.
قبل نشوب الثورة السورية عام 1925 بأشهر قلائل، سافر إلى مصر، يحدوه فيها أمل كبير، فمكث فيها مدة عامين، التقى خلالها بأهل الفن والأدب في صالون الثري المعروف، الوجيه “حسن باشا رفعت” الذي كان يعزف على العود عزفاً عادياً، فتعرف عنده على الدكتور يوسف جوهر، وعلى توفيق الالايلي، ومحمد القصبجي وزكريا أحمد وداود حسني. وكان إذا عزف استكان المكان إلى شيطان ارتجالاته المبهرة، وسيطر الإعجاب والذهول على الحاضرين. وذات يوم استمع إليه وكيل شركة أوديون الألمانية للاسطوانات “ليتو باروخ” فعرض عليه أن يسجل له بعض الاسطوانات، ولكنه رفض بدعوى السفر إلى ألمانيا، وعند ذاك أعطاه “باروخ” إلى مركز الشركة في برلين تفويضاً بالتسجيل فيها.
عاد محمد عبد الكريم إلى دمشق في نهاية العام 1927، فوجدها مازالت تلملم جراح ما خلفته الثورة من آلام، فلم يمكث فيها سوى بضعة أشهر، ثم حزم حقائبه بعد أن أقنعه أصدقاؤه بالسفر إلى أوروبا للمعالجة ولعرض فنه على شعوبها.
وهكذا سافر في العام 1928 إلى ألمانيا، فعرض نفسه في برلين على الأطباء الذين أكدوا له ألا فائدة ترجى من وضعه الصحي بالنسبة لظهره، وان عليه أن يتعود ويتلاءم مع هذا الوضع. وكان محمد عبد الكريم يدرك في قرارته هذه الحقيقة قبل مغادرته لدمشق، لذا نجده يتصل بشركة “أوديون” التي رحبت به، وأقامت له العديد من الحفلات التي أذهلت الألمان، ثم سجل لشركة “أوديون” خمس اسطوانات، تضمنت العديد من الارتجالات ـ التقاسيم ـ والمقطوعات الموسيقية.
وفي مطلع العام 1929 غادر ألمانيا إلى فرنسا، فأقام في باريس بعض الوقت محاطاً برعاية الجالية العربية السورية فيها، وأقام نزولاً عند رغبتها بعض الحفلات التي لفتت انتباه بعض المختصين بالآلات الموسيقية، الذين طلبوا منه تأخير سفره لمساعدتهم في أبحاثهم ودراستهم عنها.
لم تطل إقامة محمد عبد الكريم في فرنسا، إذ ما لبث أن غادرها إلى ايطاليا في نفس العام، فأقام في روما ثم في نابولي، فميلانو عدداً من الحفلات ليثير وراءه عاصفة حقيقية من الإعجاب بعزفه المبهر وبخاصة عندما عزف على بزقه ألحان النابوليتان الشعبية، التي اعتاد الإيطاليون الاستماع إليها من الماندولين والبانجو والغيتار، حتى لقبوه ببغانيني البزق.
ويمكن القول عن رحلة محمد عبد الكريم، قياساً على رحلة “سامي الشوا” إلى إيطاليا، وعزفه الذي قوبل بالفتور والاستهجان، أن محمد عبد الكريم تمكن من خلق هالة حوله من وراء عزفه بسبب استخدامه الفذ للمقامات الشرقية التي لا تتنافى والمقامات الغربية ثم المقامات التي تحفل بأرباع الصوت بأسلوب ذكي جعل المستمعين الايطاليين يقبلون عليها وهم مدهوشين من هذه الآلة الصغيرة الحجم ذات الصندوق الصغير والزند الطويل والوترين اليتيمين، التي تحدث بين أنامل عازفها كل هذا الإعجاز.
إن فشل “سامي الشوا” يعود إلى أسلوب العزف الشرقي على الكمان الذي لم يألفه الإيطاليون الذين اعتادوا على أسلوب العزف الغربي، ومن هنا فان تباين الأسلوبين “الشرقي والغربي” في العزف جعل عزف “الشوا” يبدو عند استخدامه لأرباع الصوت في المقامات الشرقية، نشازاً لدى الإيطاليين الذين اعتادوا الاستماع إلى أعلام العازفين الأوروبيين.
عاد محمد عبد الكريم إلى القطر العربي السوري في نهاية العام 1929، وأخذ يتنقل بين مختلف المدن السورية واللبنانية، ويحتك بمشاهير العازفين والملحنين من أمثال عازف الطنبور الشهير “محي الدين بعيون” ويتردد على الأندية والمعاهد الموسيقية، ويجود على طلاب العزف بما يعرف، إلى أن قرر القيام برحلة ثانية إلى مصر، فزار في طريقه القدس، وتعرف فيها على كبار الموسيقيين والمطربين من أمثال يوسف بتروني ويحيى السعودي وروحي الخماش، وعلى المطرب الناشئ آنذاك “محمد غازي”. وعندما حط رحاله في مصر، توافد عليه الموسيقيون والفنانون الذين عرفوه في زيارته الأولى، ووضعوا له برنامجاً كاملاً من اللقاءات فقدم في الإذاعة المصرية لوحدة فاصلاً من العزف على البزق، وفاصلاً آخر بالاشتراك مع الدكتور يوسف جوهر على الطنبور وتوفيق الالايلي على الجميش وزار صديقه الثري “حسن باشا رفعت” الذي بقي مكرساً بيته للأصدقاء من الموسيقيين والأدباء، وعند هذا الصديق تعرف على أم كلثوم التي نعمت بعزفه ونكاته و”قفشاته” الساخنة.
دخل محمد عبد الكريم في الندوات والجلسات الموسيقية الخاصة في مساجلات حامية مع أهل الطرب وكبار العازفين، وفي معارك أخرى في العزف على آلات البزق والعود، فلم يصمد أمامه أحد، ولكن هذا عاد عليه بالأحقاد، فاضطر للعودة إلى دمشق عند اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939.
وفي العام 1940 وجهت إليه إذاعة القدس دعوة رسمية ليساهم بفنه في افتتاح إذاعة القدس بصورة رسمية. وفي القدس وجد في استقباله كل من “يوسف بتروني” و”يحيى السعودي” و”روحي الخماش” الذين تولوا في الإذاعة مديريات الموسيقا الحديثة والموسيقا الشرقية. وبعد الافتتاح الرسمي، وانبهار مدير الإذاعة البريطاني بعزف محمد عبد الكريم، طلب إليه البقاء في القدس والعمل في إذاعتها لقاء راتب مغري.
وأثناء إقامته التي امتدت أربع سنوات، انصرف إلى التلحين، فوضع للمطربة الشابة “ماري عكاوي” أجمل ألحانه، تانغو “يا جارتي ليلى” التي نظمها الشاعر “جلال زريق” ليغدو هذا التانغو الذي غنته فيما بعد المطربة الراحلة “فايزة أحمد” من الألحان السائرة.
في العام 1944 تعاقدت معه إذاعة الشرق الأدنى ـ لندن اليوم ـ لتسجيل بعضاً من مقطوعاته وارتجالاته الموسيقية، فسافر إلى لندن، وسجل لإذاعتها حتى شعار المحطة الذي كانت تقدمه قبل الافتتاح الرسمي.
عاد محمد عبد الكريم إلى القدس ثانية، وانصرف خلال إقامته إلى دراسة التدوين الموسيقي الذي كان يجهله حتى ذلك التاريخ على يدي الأستاذ المعلم يوسف بتروني. وقدم ألحاناً أخرى لمحمد غازي ولماري عكاوي، ثم شعر بالحنين إلى دمشق، فعاد إليها ليستأنف نشاطه في إذاعة دمشق التي أنشأها الفرنسيون، وفي نادي دمشق للموسيقا الذي كان يرأسه الفنان “تيسير عقيل”، ولكنه ما لبث أن قصر نشاطه على الأندية الموسيقية مع بداية الاضطرابات التي اندلعت في العام 1945 وانتهت بضرب دمشق والمجلس النيابي، ثم بجلاء المستعمر الفرنسي عن سورية.
شارك محمد عبد الكريم في احتفالات العيد الأول للجلاء أسوة بالفنانين الآخرين، فعزف في الحفلات التي أقيمت ابتهاجاً بتحرر الوطن.
في العام 1948 عين عازفاً على البزق في إذاعة دمشق، وكان يقدم كل يوم جمعة ربع ساعة من عزفه الرائع الذي كان ينتظره المستمعون من أسبوع لأسبوع. وقد عرضت عليه الإذاعة السورية أن يشرف على الأعمال الموسيقية ولكنه آثر أن يظل عازفاً.
الذي يستمع إلى آلة البزق وهي تشدو بين أنامل العازفين يستطيع بسهولة أن يكتشف عزف محمد عبد الكريم من بين العازفين الآخرين، وسبب هذا يعود إلى شخصيته الفنية المتفردة، التي تطبع كل أعماله في العزف على مختلف الآلات وفي التلحين والتأليف بطابعها. ومهارة محمد عبد الكريم في العزف، لا تقتصر على آلة البزق، وإنما على العود الكبير، والعود الصغير “نشأة كار” وجميع الآلات الوترية التي تعتمد على “الريشة” في العزف. في أوائل الخمسينيات زار القطر العربي السوري عازف على “القانون الصغير” هو الفنان التركي “اسماعيل شنشيلر” الذي استضافته الإذاعة السورية، وكرست له عازفيها الكبار ليشاركوه في أداء التسجيلات المتفق عليها، فلم يصمد أمامه سوى قلة، إذ كانت موهبته وأسلوب عزفه الأكاديمي خارقاً للغاية، وعجز كبار العازفين عن مجاراته، عدا الفنان محمد عبد الكريم الذي استدعاه مدير الإذاعة السورية آنذاك الأستاذ “أحمد عسه” وطلب إليه مجاراة العازف التركي في عزفه والتسجيل معه.
وأستطيع القول عن تلك الأيام التي شهدتها أنه تفوق على التركي “شنشيلر” عزفاً وأسلوباً، وتشهد التسجيلات المحفوظة في مكتبة الإذاعة على ما ذهبت إليه. محمد عبد الكريم لم يعزف مع العازف شنشيلر على البزق فحسب، وإنما على العود أيضاً، وقد أغنى الثلاثي الكبير محمد عبد الكريم واسماعيل شنشيلر، وضارب الإيقاع الراحل محمد العاقل مكتبة الإذاعة الموسيقية بما سجلوه من أعمال ارتجالية، وأخرى تراثية خارقة للغاية، منها لونغا “شهناز” ولونغا “حجي عرفي بك” وفوكس تروت “سداد بك” وغيرها.
مؤلفاته الموسيقية:
ألف محمد عبد الكريم في كل المقامات الموسيقية عدداً كبيراً من المؤلفات في قوالب التراث (سماعي ولونغا) تعتبر من أجمل وأكمل المقطوعات، وهو لم يكتف في التأليف فيها، بل وبإبداع مقام موسيقي جديد لم يكن معروفاً في الموسيقا الشرقية قبلاً، وقد أطلق على هذا المقام اسم “المريوما”.
ومحمد عبد الكريم كواحد من المجددين، لم يلجأ إلى التجديد، إلا بعد حفظ التراث ونادى به، فهو يقول:
التجديد ينبع من التراث، وكل تجديد لا يأتي من التراث مصيره إلى زوال. وإذا كان أحمد الأوبري أول من استخدم إيقاعات التانغو في القطر، فان محمد عبد الكريم نقل إلينا فن “السريناد ـ Serenade” الغربي، وألف فيه روائع تشهد له بالنبوغ والتجديد.
أفكاره الموسيقية كانت تنافس موهبته وطموحاته في التجديد، ومقطوعته الموسيقية الشهيرة “المعركة الموسيقية” خير دليل على ذلك، وهي تختلف عن سائر مؤلفاته الأخرى من كل النواحي وبخاصة التكنيكية منها، لأن عزفها يتطلب مهارة خاصة وفائقة من العازفين، وهي على الرغم من مرور ما يزيد عن الثلاثين عاماً على تأليفها، مازالت تتحدث بلغة العصر، وهذا يعني أن محمد عبد الكريم عندما ألفها سبق زمنه، وإذا عرفنا أن المقطوعة المذكورة خضعت للعلوم الموسيقية الغربية في التوافق “هارموني” أدركنا مدى اهتمام محمد عبد الكريم بمواكبة العلم الموسيقي السائد في العالم.
عنده غير “المعركة الموسيقية” عشرات المقطوعات التي حفلت بالإيقاعات الغربية الراقصة من “فالزات وتانجو ورومبا وباسودوبل” وغيرها من المقطوعات والارتجالات ـ تقاسيم ـ الموسيقية التي تعتبر بحق ثروة حقيقية، وهي محفوظة في عشرات الأشرطة في مكتبة الإذاعة العربية السورية.
مؤلفاته الغنائية:
تعود علاقة محمد عبد الكريم في تلحين الشعر والأزجال إلى أواخر الثلاثينيات، وهو وإن لم يعطها كل وقته، إنما خصها بأجمل ما عنده، وعندما غزا فن “المونولوغ” الغناء العربي بأنواعه كافة، أقبل محمد عبد الكريم على هذه الخطوة بحماس الفنان العالم المجدد الذي يعرف ما يريد، فلحن أول ما لحن رائعته “يا جارتي ليلى” و”تانجو الحنان” لماري عكاوي على إيقاع التانغو، لتغدو مثالاً يحتذى في فن صياغة المونولوغ الشاعري.
وتدفقت بعد ذلك ألحانه للمطربين والمطربات السوريين كافة، فغنوا من ألحانه العديد من الأغنيات التي اشتهرت في حينها وجلها من الشعر، وأبرز هذه الأغاني قصائد “يا زهرة زانت أعالي البطاح”، “سعاد”، “قمر العاشق”، “آلام الطير”، “غرد على الأغصان”.
في الخمسينيات طلبت منه المطربة الكبيرة “سعاد محمد” أن يلحن لها بعض الأغنيات فلم يبخل عليها، وأسهم مع الفنان محمد محسن بإعطائها عدداً من الأغاني التي جعلت من سعاد محمد اسماً معروفاً في عالم الطرب. وتعتبر أغنية “محتارة يا ناس” التي لحنها لها واحدة من أجمل الأغاني التي سارت زمناً في الحياة الفنية، ورددتها شفاه الناس سنوات طويلة قبل أن تحتل غيرها من الأغاني مكانتها الزمنية من دون الفنية. كذلك أعطى المطربة “نجاح سلام” أغنية “رقة حسنك ودلالك” التي ساعدت على شهرتها.
وبعد، فإن محمد عبد الكريم الذي أعطى في كل فنون الموسيقا التراثية والحديثة والأغنية العربية ما أعطاه، اعتزل الحياة الفنية لوحده، وهو رغم مرحه المأثور عنه، آثر أن يعيش وحيداً، عازفاً عن الدنيا وما فيها، إلا من النزهات اليومية التي دأب على القيام بها كل أمسية، والذي كان يمر من أمام بيته في حي “عين الكرش” في آخر الليل، لابد أن يجذبه إليه، ذلك الشدو الساحر الذي ينبعث من أنامله وهو يعابث آلته المفضلة “البزق” ولابد له أن يقف طويلاً وهو يصيح لتلك الأنغام التي تلم إليه عند الفجر أسراب العصافير، التي لا تأخذ في الشدو نيابة عنه إلا عندما ما يهدأ الشجو الذي ترسله أنامله.
ومنذ رحل محمد عبد الكريم عام 1989 عن الدنيا، رحلت معه أسراب العصافير ولم يعد يسمع سوى ترجيع اليمام الذي لم يفارق نافذته. إن محمد عبد الكريم، عبقرية موسيقية قل أن يجود التاريخ بمثلها، وما أبخل التاريخ بجوده.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1]استقيت كل المعلومات الواردة في البحث من الفنان محمد عبد الكريم بالذات.
صميم الشريف -الموسيقا في سورية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>