أخر الاخبار
أنت هنا: الرئيسية 2 الإبداع والإختراع 2 يوم كتب الصحفي :عبد الرحيم التوراني..عن رحيل أشهر مستعربة روسية: أولغا أليكساندرفنا ڤلاسوڤا..

يوم كتب الصحفي :عبد الرحيم التوراني..عن رحيل أشهر مستعربة روسية: أولغا أليكساندرفنا ڤلاسوڤا..


Print Friendly, PDF & Email
رحيل أشهر مستعربة روسية: أولغا أليكساندرفنا ڤلاسوڤا

عبد الرحيم التوراني

قبل أيّام، كانت صديقتي أولغا تملأ صفحتي، وهي تتابع منشوراتي الفيسبوكيّة بلايْكاتٍ وقلوبٍ جميلةٍ مشعّةٍ كقلبها المرهف والحنون. وحين تتّصل بي عبر المسينجر، أفرحُ لأنّها تدعوني بـ”العزيز عبد الرحيم،” وأحار بماذا أسمّي هذه المحبّة التي جمعتني بهذه المرأة الروسيّة الطيّبة منذ أوّل يومٍ صادفتُها فيه في بيت صديقنا الراحل محمد زفزاف، الذي أحبّته وأحبَّتْ أدبَه وأصدقاءَه وبلده بكلِّ ما أوتيتْ من إحساسٍ نبيلٍ وشغف. وهو الآخر لم يخفِ حبَّه لها وصداقتَه القويّةَ بها، وقد استوحى أحدَ نصوصِه من علاقتهما، عندما كتب قصّة بعنوان “أن نحلمَ بموسكو.” كانت أولغا هي البطلة؛ بطلةً حفظتْ جيّدًا عنوانَ صديقها الكاتب المغربيّ الذي يقطن في زنقة ليستيريل في حيّ المعاريف بالدار البيضاء. كانت أولغا تنطق العنوانَ بفصحى سليمةٍ وهي تطلب إلى سائق التاكسي أنْ يأخذَها إلى حيث كان يقيم زفزاف.

سيمرُّ الزمنُ كقطارٍ مسرع، انهار خلالها جدارُ برلين، وتلاه السقوطُ المدوّي للاتحاد السوفياتيّ. فندُرتْ زياراتُ أولغا إلى المغرب. لكنْ، لحسن الحظّ، هناك الانترنيت. وفي هذه “القارّة الزرقاء” سألتقيها من جديد. كانت قد مضتْ سنواتٌ على رحيل زفزاف، وما إنْ أخبرتُ أولغا بعزمي على تدوين ذكرياتي عنه، وقرأتِ الصفحاتِ الأولى من المشروع (الغيلم والطاووس)، حتى بادرتْ إلى إرسال بعض الصور التي تظهر فيها معه خلال زياراته إلى موسكو في العهد السوفياتيّ. ثمّ ألححتُ عليها أنْ توافيَني بشهادتها حوله لأضمَّها إلى الكتاب، فبعثتْ إليّ شهادتَها الآسرة.

واستمرّ التواصلُ بيننا. وفي الصيف الأخير قبل رحيلها أخبرتني بانتهائها من ترجمة رواية زفزاف، محاولة عيش، إلى الروسيّة، ومن ترجمة الخبز الحافي لتوأمه الروحيّ محمد شكري، طالبةً إليَّ المساعدةَ في الحصول على حقوق التأليف من ذوي الكاتبيْن، ومن ورثة الفنّان التشكيليّ محمد القاسمي لأنّها اختارت إحدى لوحاته غلافًا لكتاب شكري.

إذًا، منذ الأسبوع الأوّل من يناير غابت أولغا عن الفيس بوك. ظننتُ أنّها تستريح من صُداع الفضاء الأزرق، لكنْ ما لبث أن انتشر نعيُها في صفحات الفيسبوك. لا أحدَ كان يعرف سبب الوفاة المفاجئة، غير أنّ ابنتَها سونيا قالت إنّ والدتها كانت تعاني في الفترة الأخيرة التهابًا حادًّا في القرحة، سرعان ما انتقل إلى الكبد، ما أودى بحياتها.

في إحدى الرسائل الأخيرة بيننا كتبتْ لي أولغا: “انتظر، لديَّ مفاجأة لك.” وأخبرتني بأنّها ستكتبُ رأيها في مجموعتي القصصيّة، نزواتُ غويا.[1] أسعدني اهتمامُها كثيرًا. وبينما كنتُ أنتظر رأيَها، كان للموت رأيٌ أشدُّ بيانًا وأقسى صراحةً، فاختطفها من أسرتها – – أمّها وزوجها وولدها (فيودر) وابنتها (سونيا) – – ومن عائلتها وأصدقائها ومحبّيها في بلدها وعلى امتداد الخريطة العربيّة.

العديد من الأدباء العرب يعرفون قيمةَ أولغا الأدبيّة والإنسانيّة. “لقد انتزع الموت إنسانًا جميلَ الروح والعقل والضمير،” قال الأديب المصريّ المعروف أحمد الخميسي في نعيها. وتابع: “توفّيتْ في موسكو شقيقةُ روحي، أختي الروسيّة، أولغا ڤلاسوڤا، المستعربة الطاهرة القلب، التي عشقت الأدبَ العربيّ، والمغربيّ خاصّةً، وترجمتْ منه الكثيرَ إلى الروسيّة؛ أولغا الغالية التي لم تبخلْ بعلمها وقلبها على أحد.”

العديد من الأدباء العرب يعرفون قيمةَ أولغا الأدبيّة والإنسانيّة

ومثل العديد من محبّيها، صُعق الأديبُ والمترجمُ المغربيّ إدريس الملياني بوفاتها. وقد استعاد قصيدةً كتبها تحيّةً لها، وكان قد نشرها ضمن ديوانه، زهرة الثلج (1989)، بعنوان “بيت أولغا.” وممّا جاء فيها:

عندما تُذكرين

أرى بيتَ أولغا يشعّ ضياءً

كشمسِ الأصيل

يشعّ عليّ بيتُها المغربيّ

بيتُها المغربيّ الجميل

بيتُها الدافئ العائليّ

نقطة للعبور إلى كلّ ركنٍ قصيّ

من الأرض يبحر مركبةً في الفضاء

ويحطّ مساء

على ضفة المغرب الذهبيّ الغروب.

وفي غابةٍ من نخيل

يشعّ كشمس الأصيل

بيتُها الموسكفيّ

بيتُها الموسكفيّ الجميل

بيتُها الدافئ العائلي.

وعن كثبٍ في البعيد

يشعّ عليّ كلُّ وجه حبيب

يشعّ عليّ

كنافورةٍ من ضياء

دافقًا

بالصداقة بين الشعوب…

أمّا صديقها الكاتب والمترجم السوريّ الدكتور نوفل نيّوف، فوصفها بـ”امرأة نادرة المثال، أمًّا وصديقةً، إنسانًا وأستاذةً، باحثةً ومترجمة.” وأضاف: “كانت، بمعزلٍ عن جنسيّتها، أوّلًا وأخيرًا وقبل كلِّ شيء، أولغا ڤلاسوڤا الفريدة بتفانيها وإخلاصها وزهدها بالأشياء.”

ولم يجانب الأديبُ المصريّ الراحل جمال الغيطانيّ الحقيقةَ حين وصفها، وقد التقى بها أوَّلَ مرّةٍ في الاتحاد السوفياتيّ سنة 1987، بأنّها “مُستعربة متمكِّنة من العربيّة، لطيفة، رهيفة الحضور.”[2]

كانت أولغا مترجمةً ومستشرقةً وباحثةً سوفييتيّة – روسيّة. وُلدتْ في 20/12/1958، وتوفّيتْ في 24/1/2020. عملتْ طويلًا مستشارةً ومسؤولةً في العلاقات الخارجيّة لاتحاد الكتاب السوفييت، ومن ثم باحثةً في أدب بلدان آسيا وإفريقيا. صدر لها عدد كبير من المؤلَّفات والدراسات، منها: تاريخ الأدب الوطنيّ المغاربيّ، مسرح سعد الله ونّوس، ملامح تطوّر الرواية المغاربيّة، عودة الطائر (ترجمة أشعار لمعين بسيسو)، اسألْ حلمَك (حكايات وقصائد وقصص للأطفال)، مختارات من الأدب السعوديّ: وراء الكثبان الرمليّة.

تعلّمتْ أولغا اللغةَ العربيّة بمجهودها الذاتيّ. فعندما كانت طالبةً تدْرس اللغةَ الفرنسيّة في كلّيّة اللغات في موسكو، عرضتْ عليها الكلّيّةُ أنْ تختارَ الإقامةَ شهرًا في فرنسا أو في الجزائر لتطوير لغتها الفرنسيّة. ففضّلت الجزائرَ على باريس. كانت غايتُها، كما أسرّتْ إلى صديق، أنْ “أصطاد عصفوريْن بحجر، فأحقّقَ حلمي الغامض بتعلّم اللغة العربيّة.” وحقّقتْ أولغا حلمَها وأكثر، إذ صارت أشهرَ مترجمةٍ للأدب العربيّ إلى اللغة الروسيّة، وأصبح الأدبُ العربيّ المغاربيّ مجالَ حبّها وعملها الذي وهبتْه حياتها كلّها.

الأديب التونسيّ يوسف رزوقة نافس محمد زفزاف، وجعل من أولغا إحدى بطلات روايته، مسمار تشيخوف (2014)، وسمّاها باسمها الحقيقي: أولغا ڤلاسوڤا. وقد نعاها بالكلمات الآتية: “صديقة كبيرة، عرفتُها عن قرب وترجمتني إلى الروسيّة. زرتُها في منزلها بموسكو مرارًا، وتعرّفتُ إلى أبيها ألكسندر… كم كانت مضيافةً ومتعاونةً أيّامَ دراستي في موسكو سنة 1984 وما بعدها…” فإلى جانب مرافقتها وترجماتها لأهمّ المبدعين العرب في الحقبة السوفيتيّة، لم تبخلْ أولغا يومًا بجهدها على أحد، فعملتْ على تقديم المساعدة إلى عددٍ من الطلبة العرب في موسكو. من بين هؤلاء الصحافيُّ السوريّ المعروف أكرم خُزام، الذي صُدم لخبر وفاتها المفاجئة، وهو الذي تعرّف إليها عام 1986 عندما بدأ دراسةَ الإخراج المسرحيّ في موسكو، وقد أنجزتْ أولغا ترجمةَ أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه في الفنون المسرحيّة بأكاديميّة غيتيس سنة 1993.

الشاعر السوريّ د. أيمن أبو الشعر أيضًا كان من أصدقاء أولغا خلال دراسته وإقامته في الاتحاد السوفياتيّ، حيث عمل في مجال الترجمة الأدبيّة في موسكو لصالح دار التقدّم ودار رادوغا. فقد نادى الراحلةَ راثيًا بـ”أيّتها النحلة الرائعة،” وأضاف: “أولغا ليست اسمًا عابرًا على الإطلاق. كانت أولغا صديقةَ المبدعين العرب بكلّ جوارحها، وصديقةً لقضايا العرب بصدقٍ وتفانٍ. وكانت عادةً تنسّق معي حين يزور بعضُ الأدباء العرب موسكو، فنرتّب سهرةً إبداعيّةً في غرفتي المتواضعة في مبنى الدراسات العليا، بمن فيهم سميح القاسم والطاهر وطّار وسعدي يوسف وفرحان بلبل ومحمّد عمران وآخرون. وكنّا في كثير من الأحيان نلتقي ببساطة في مقهى اتحاد الكتّاب السوفييت الذي كان، كما أذكر، في القبو، و’نستغيب‘ كلَّ العظماء بما يليق بهم من ألقٍ ومودّة!”

كانت أولغا تخاف كوارثَ الطيران، وتخاف أكثر على طفليْها الصغيريْن، فيدور وسونيا، وبخاصّةٍ أنّ فيدور وُلد مصابًا بالتوحّد، وهو ما جعلها تزيد من الاهتمام به، بل أصدرتْ مجلةً خاصّةً بمرضى التوحّد.

فازت أولغا مؤخّرًا بجائزة الشيخ حمد للترجمة (دورة ديسمبر 2019) عن ترجمتها رواية الحوّات والقصر، للروائيّ الجزائريّ الكبير الطاهر وطّار، الذي تقول إنّه من أفضل الكتّاب لديها، إلى جانب زفزاف وسعد الله ونّوس ويوسف رزّوقة. وقبل وفاتها تركتْ في الأدراج كنوزًا من الأعمال الأدبيّة المغاربيّة، ظهر منها إلى النور مؤخّرًا: الطيّبون لمبارك ربيع. وستنزل قريبا ترجماتُها لـ الخبز الحافي، والحوّات والقصر، والمرأة والوردة. “جهود فردية، ونشرٌ من دون مقابلٍ مادّيٍّ عمليًّا، ومن دون أيّ دعم من جهات أو مؤسّسات أو اتحادات كتّاب، ومن دون نفش ريش،” يقول الدكتور نوفل نيّوف. وهي ترجمات مميّزة اختيارًا ونوعيّةً، وتعبّر عن التفاني ونكران الذات.

وداعًا صديقتنا الغالية، وأحرّ العزاء لأهلها ولأصدقائها ومحبّيها في كلّ مكان.

بيروت

[1] عبد الرحيم التوراني، نزوات غويا (بيروت: دار رياض الريس، 2018).

[2] ساعات (القاهرة: دار الشروق، 2010).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*