أخر الاخبار
أنت هنا: الرئيسية 2 تربية وتعليم 2 كتبت مها فجال ..هل يساعدنا المشي على الإبداع والتفكير؟..

كتبت مها فجال ..هل يساعدنا المشي على الإبداع والتفكير؟..

كيف يساعدنا المشي على الإبداع والتفكير؟

كيف يساعدنا المشي على الإبداع والتفكير؟

مها فجال

“المشي، في أفضل حالته، هو تلك الحالة التي يندمج فيها العقل والجسد والعالم، وكأنهم ثلاثة أشخاص يتحاورون أخيرا، ثلاث نعمات اجتمعت، وفجأة، شكلت مقطوعة. المشي يسمح لأجسادنا أن تكون في العالم دون أن تنشغل به، يمنحنا الحرية لنفكر دون أن نضيع تماما داخل أفكارنا”.

(ريبيكا سولنيت، تاريخ المشي)

في اللحظة التي انتصبت فيها قامتنا، لنقف على قدمينا للمرة الأولى، ثم تعلمنا أن نضع كل قدم أمام الأخرى، وأخذنا أولى خطواتنا، وُلِدَت في أجسادنا واحدة من مُتع الحياة التي سترافقنا طوال إقامتنا على هذه الأرض. كانت لحظة رائعة تلك التي تعلمنا فيها المشي، تحررت أجسادنا الصغيرة من قيود الرقاد في مكان واحد، وأخذت أقدامنا تحملنا في كل الاتجاهات، تابعة في ذلك رغبتنا العارمة للاستكشاف، محاولة أن تُشبع فضولنا النهم لمعرفة كل ما حولنا عن كثب.

لكن الأيام تَمُر، والأجساد تكبر، لتجد أن الكراسي التي يُفرَض الجلوس عليها طوال ساعات الدراسة، ثم المكاتب التي تربطها وتمنعها عن الحراك طوال ساعات العمل، تكبح فيها رغبة المشي. يخطف إيقاع الحياة اللاهث منها متعة الخطوات المُتمهّلة، وتعلمها الحياة العملية تقديس الدقائق، فترى في كل فعل لا يساهم في زيادة الإنتاجية، أو يعود علينا بمنفعة مباشرة، وقتا ضائعا. يندمج هذا المنظور مع قيمة السرعة في حياة اليوم، وينفيان معا المشي إلى حيّز ما لا جدوى من ورائه.

صار المشي هكذا غير عملي، أبطأ مما تسمح به سرعة الحياة الآن، ولنواكب تلك السرعة، استبدلنا أقدامنا بالسيارات، ضامنين بهذا أن نصل في أسرع وقت ممكن حيثما نريد، لكن مضيعين ما وفرته خُطانا من متعة استكشاف المكان. فمن نافذة سيارة مُسرعة، يتحوّل الأفق لبقعة غير مميزة الملامح، إلى دوامة من الأشكال العابرة والألوان.  وهذا ليس الشيء الوحيد الذي نفقده بتوقفنا عن المشي، هنالك ببساطة متع متعددة وعوالم أخرى تفتحها لنا خطى أقدامنا عندما تترك الطريق المعتاد، وتذهب بعيدا عن سعيها الرتيب وراء قضاء مصالح الحياة. فكل طريق جديد نسير فيه بعيدا عن فلك اليومي والمعتاد، يفتح ممرا مقابلا لدواخل أرواحنا، وتحفر أفكارنا ممرات موازية داخل العقل. فباتساع رقعة السير تتسع النفس. وقد خاض الكثير من المفكرين والمبدعين والأدباء تلك الرحلة التي حملتهم فيها خطاهم لعوالم أخرى، وحتى نأخذ لمحة عن تلك العوالم وما تحمله من متعة، سنقتفي آثار سيرهم إليها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*