أخر الاخبار
أنت هنا: الرئيسية 2 سينما ومسرح 2 تتكشف الأسرار في «مسرحية سارة».. ويتهاوى الجدار ..

تتكشف الأسرار في «مسرحية سارة».. ويتهاوى الجدار ..

في «مسرحية سارة»… يتهاوى الجدار وتتكشف الأسرار

تصغير الخط تكبير الخط
الجفير- حبيب حيدر

«حين تموت المشاعر في الإنسان لا مجال إلا أن تنطق الجدران، ويلجأ المغبون إلى الجماد ويستنطق «البئر» لكي يقر بالحقيقة والسر المخبوء في داخله» كانت هذه عبارة صغيرة خرجت بها من مشاهدة مسرحية «سارة» التي قدّمها مسرح أوال من إخراج وإعداد محمود إسماعيل، عن مسرحية زهرة من تأليف الكاتب الإماراتي الراحل سالم الحتاوي، شارك في التمثيل كل من الفنانة العمانية سميرة الوهيبي في شخصية الأم سارة والفنانة غادة الفيحاني في شخصية الفتاة منيرة والفنان عبد الله سويد في دور الشرطي، حضر المسرحية جمهور من الفنانين والمهتمين والمثقفين وذلك مساء يومي الخميس والجمعة 15-16 أبريل/ نيسان 2015م على مسرح الصالة الثقافية بالجفير.
ربما تكون قصة مسرحية «سارة» حكاية إنسانية بسيطة جداً، وتتكرر كثيراً في هذا المجتمع الكبير، لكنها دائماً ما تكون بذرة لأحداث تعصف بالناس وتغير واقعهم، وتقودهم إلى تحولات كبيرة، تتلخص قصة المسرحية في حكاية امرأة فقيرة اسمها سارة التي يموت زوجها ويتركها وطفلتها الصغيرة «منيرة» تواجه مستقبلاً غامضاً، حينها يقترح عليها أحد الميسورين «العم عبد الوهاب» الذي لم يرزقه الله بذرية أن يتبنى ابنتها منيرة وينقذها من المصير المجهول، فتوافق على شرط أن تكون قريبة من ابنتها فيقترح عليها أن تعمل خادمة تعاون زوجته في بيته؛ وبهذا تكون قريبة من ابنتها وتطمئن عليها وتتعهد بتربيتها، وفي هذا البيت تكبر الطفلة «منيرة» وهي لا تعرف حقيقة أن أمها هي الخادمة «سارة» التي تربت على كرهها كما علمتها الأم البديلة، زوجة العم عبد الوهاب، كون الأم البديلة تغار من «سارة»، الأم الحقيقية، لعاطفتها على الطفلة، وربما لشفقة الزوج الزائدة عليها رغم أنها خادمة، وبعد أن يموت الأبوان المتبنيان ويتقدم العمر بالأم سارة، وبينما هي تتمنى تزويج ابنتها «منيرة» تكون الأخيرة قد قررت طرد الخادمة التي تكرهها ولا تعلم بحقيقتها ولا تعلم أنها ما عملت في هذا البيت خادمة إلا من أجلها، بل لا تكاد تصدق الأوراق، ولا الجدران حين تتهاوى أمام الحقيقة، ولا البئر حين يبوح بما في قراره من سر، فهي تربّت على أنها ابنة عبد الوهاب الرجل الميسور، والآن تكتشف أنها ابنة الخادمة، فيا ترى كيف ستتصرف؟ وماذا سيكون المآل؟ مآلها ومآل أمها الجديدة مع هذا التحول الجديد.
«تفكيك الحكاية»
الجميل في عرض المسرحية على المستوى الإخراجي أن الفنان محمود إسماعيل لعب في تفكيك أجزاء الحدث المسرحي بتمكن؛ فقدم وآخر، ولم نكتشف الكثير من التفاصيل إلا في نهاية المسرحية حيث بدأ العرض مع النهاية وترك لنا أن نكتشف كيف كانت البداية، ترك للأحداث أن تكشف عن نفسها شيئاً فشيئاً، حيث جعلنا منذ البداية أمام «سارة» وهي تخاطب «البئر» وسط البيت الواسع ولا ندري بم تحدّثه، سوى أنها تتمنى تزويج ابنتها، ثم جعلنا مباشرة أمام سارة في صورة الخادمة في صراعها مع الفتاة منيرة التي تكرهها وتشرع في التمهيد لطردها من البيت، هكذا تركنا المخرج منذ البداية أمام النهاية مباشرة وترك للأحداث التي سبقت أن تتكشف لنا شيئاً فشيئاً ليصنع التشويق الذي يريد، فالفتاة منيرة تكتشف أن الخادمة سارة هي أمها، والأم تضطر بعد هذا المر والألم من الكتمان والصبر الطويل إلى البوح بالسر العميق، الذي هو بداية الحكاية، ودائماً هذه هي أحداث الحياة ما إن نظن أنها انتهت حتى تبدأ من جديد، لتعيدنا إلى ما كانت عليه، أو تنقلنا إلى محطة جديدة، فالفتاة التي اعتقدت أنها بطرد الخادمة ستبدأ حياة جديدة، وجدت نفسها أمام قصة أخرى قديمة ما إن «انتهت لتبدأ» من جديد حيث ستعيد الفتاة اكتشاف الحياة، واكتشاف ذاتها وفق هذه الثيمة الجديدة، فماذا ستفعل، لعل هذا ما سكتت عنه المسرحية لتحرز نهاية مفتوحة ولتؤكد على أن النهاية هي بداية لحكاية أخرى قادمة.
«ثيمة كلاسيكية»
دائماً ما يتبدى لي أن مسرح أوال في كثير من مسرحياته صار يشتغل على مثل هذه الثيمات الكلاسيكية الرصينة وهي الصراع بين الواجب والعاطفة، بين المجتمع والذات، بين الحقيقة والتصور، بين ما يريد الإنسان وما يجب عليه، بين الإرادة والواجب، وهكذا هي مسرحية سارة التي وضعنا مخرجها أمام فتاة تعيش صراعاً بين أن تقبل بالحقيقة وتعود لأمها وتتقبلها رغم كونها في نظرها كانت خادمة إلا أنها أمها الآن، وبين أن لا تصدقها وتطرد هذه الخادمة المدعية وتواصل حياتها كما نشأت، بين أن تكون ابنة العم الثري عبد الوهاب وهو ليس الأب الحقيقي، أو ابنة الخادمة الفقيرة سارة وهي الأم الحقيقية، إنه الصراع بين الحقيقة وبين ما عاشت عليه وتصورته طول الفترة السابقة، وكذلك الأم سارة تعيش صراعاً آخر بين أن تواصل في كتم السر فتقبل أن تُطرد، وبين أن تكشف السر وتهز الصورة التي صنعتها الفتاة لنفسها طوال الفترة السابقة، هكذا نرى أن هذه الثيمة تستمر في اختبار الشخصيات في مثل هذا العمل، وهكذا هو العمل المسرحي الكلاسيكي دائماً ما نراه يستجيب لمثل هذه الثنائيات في صنع الصراع بين شخوصه وهو أساساً صراع داخلي له أثر خارجي على الشخوص وعلى صنع الحدث المسرحي الذي يقود التحولات الصغيرة والكبيرة منها.
«البئر معادل موضوعي»
في المسرحية نرى سارة وهي تخاطب البئر منذ البداية وكذلك في النهاية حين تسقط أمامه وكأنه أحد الشخصيات في العرض، هكذا يتحول البئر إلى معادل موضوعي للذات فهو الذي حمل السر مع الشخصية الرئيسية، ودائماً في الثقافة يقرن البئر بحفظه للسر في قراره المكين، وهناك الكثير من العبارات التي تختزن مثل هذا المعنى في الثقافة الشعبية؛ ففي مصر يقال «سرك في بير ما لوش قرار» ولذلك ليس غريباً توظيفه في هذه الحكاية في هذه المسرحية معادلاً موضوعياً للذات إذ نرى سارة وهي دائماً تخاطبه وتبثه الشكوى كمن يتحدث مع ذاته في أكثر المشاهد مفصلية في العرض وخصوصاً عندما يحتدم الصراع، بل تخاطبه كشخصية حقيقية ومن خلاله تستحضر شخصية العم عبد الوهاب فتروي له ما تروي وكأنه يتحول إلى ممثل أساسي في العرض وحسناً فعل المخرج حين جعله يتوسط المسرح والأحداث تدور حواليه، بل يتحول إلى شخصية اعتبارية بعيداً عن أي شخصية أخرى حين تتهاوى سارة بين يديه وتأمره أن يرد على «منيرة» وتطالبه بكشف السر والبوح بما في قراره من مكنون فهو الوحيد الذي عاش معها كل المراحل ويعرف الحقيقة من الزيف، وبفعل ذي دلالة دقيقة تقوم بإهراق مائه في كل مكان وكأنها بالماء تطهر البيت من الزيف وتنظفه من المشاعر السلبية التي تكاد تحرقه في ضراوة الصراع واشتداد حرارته.
«السينوغرافيا»
وبالإضافة إلى دور البئر كمعادل موضوعي أو شخصية رابعة من شخوص العرض ومحوريته في تكريس السنوغرافيا، ثمة أمر آخر ذو دلالة أيضاً احتوى عليه العرض وهو ما يحسب للمخرج أيضاً على مستوى السينوغرافيا وهو تهاوي الجدار تمهيداً لكشف ما وراءه من أسرار، فحين دخل الفنان عبد الله سويد في دور الشرطي للدار القديمة، ليخرج منها ورقة الوصية أو ورقة التبني بدأ جدار الدار يتهاوى، دفعة واحدة وكأنه شاهد على ما خلفه من أسرار، وأن هذه المشاعر السلبية التي أبدتها البنت منيرة تجاه أمها أمر تكاد منه الجدران أن تتهاوى، ويبدو أن هذا الأمر وهو حضور الجدار في العرض لم يكن جزافاً بل كانت بذوره موجودة حتى على مستوى النص حين قالت منيرة لسارة «سممت كل حجر في هالبيت» وكأن المخرج التفت إلى هذه المقولة وجعل الجدار يكشف عكسها فهاهو يتهاوى ويكشف عما يخبئه من أسرار.
يحسب للمخرج قدرته على الاختزال والتحكم في النص حيث اقتصر في عرضه على شخصيتين أساسيتين هما سارة ومنيرة، وبقية الشخوص استحضرهم من خلال السينوغرافيا كالبئر في شخصية العم عبد الوهاب، أو حتى الجدار، إلا أن دخول شخصية الشرطي عبد الله سويد ربما كانت تحتاج لشيء من التمهيد أو إعادة حبكها في الحكاية بأن يكون على صلة ما بإحدى الشخصيات حيث بدا أن دخوله كان فيه شيء من المفاجأة أو التسرع أو الإقحام غير المبرر، حيث دخل وسط العرض سريعاً وخرج كذلك من غير أن يكرس دوره، رغم توقيته المفصلي في كشف السر وطلبه التوافق بين الشخصيتين بدل الصراع حيث تكشفت الحقيقة المكتومة.
صحيفة الوسط البحرينية –

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*