من طرائف الشاعر العربي أبو نواس
المستحمة ( المتجردة ) لأبي نواس

– خليف محفوظ..

تنزيل


ابو نواس:
نضت عنها القميص للصب الماء … فورد وجهها فرط الحياء 
وقابلت الهواء و قد تعرت … بمعتدل أرق من الهواء 
و مدت راحة كالماء منها … إلى ماء معد في إناء
فلما أن قضت وطرا وهمت … على عجل إلى أخذ الرداء
رأت شخص الرقيب على التداني … فأسبلت الظلام على الضياء
فغاب الصبح منها تحت ليل … وظل الماء يقطر على الماء 
فسبحان الإله وقد براها … كأحسن ما يكون من النساء
*****
في تراثنا الأدبي نصوص نادرة ظلت مدفونة في بطون الكتب ، لم يتح لها أن تذاع و تشيع بين عامة القراء ، ربما لحساسية مواضيعها . لا سيما ما اتصل بالدين و الجنس ، وإن كنا نقرأ في الشعر الجاهلي ،و شعر عمر بن أبي ربيعة و قصص ألف ليلة وغيرها في أحايين كثيرة أدبا مكشوفا .
من هذه النصوص المغمورة ، والتي تدخل في ” الكثير غير المقروء ” بتعبير مارجريت كوهين قصيدة لأبي نواس بعنوان ” المستحمة ” كما اقترحه لها حنا الفاخوري في محتاراته .
تبادر إلى ذهني و أنا أقف على عنوانها أنني بصدد وصف تقليدي لأمرأة متجردة كتلك التي وصفها النابغة الذبياني وصفا فاضحا في داليته :
سقط النصيف ، ولم ترد إسقاطه ….. فتناولته ، واتقتنا باليد
أين حشد الأوصاف الحسية للمرأة كما ينتجها الخيال و الذوق العربيين ، و تبعه الشعراء العرب في تصويرهم الحسي لمفاتن المرأة ينهلون من مخيال واحد ، أوصاف نمطية تتكرر عند امرئ القيس و النابغة وعمر بن أبي ربيعة … حتى الجواهري المعاصر في وصفه لأفروديت متجردة لم يبعد كثيرا عن النابغة ، بل اقتفى أثره في وصف ما يستهجن وصفه تلميحا بله تصريحا .
لكني مع أبي نواس في متجردته لم أجد شيئا من هذا القبيل ، وجدت المعنى العميق و الذوق الرفيع ، الرقة و الأنوار و الظلال ، الإيماء و الإيماض ، التماهي و الإغماض حين يكون السكوت أفصح من النطق .
القصيدة تقوم على مفارقة ، إذ تصف جسد مستحمة ، لكن الجسد غائب تماما ، هذه المرأة ما أن تخلع ثوبها للاستحمام حتى يشف الجسم و يختفي من مشهد القصيدة متامهيا مع الماء و الهواء و الضياء في اتحاد عجيب . ماء يجري نحو ماء ، و هواء يسري نحو هواء ، و ضياء يتوهج ليتلاشى في الظلام حين تكتشف المستحمة أن هناك من يراقبها من عين المفتاح .
يبدو لي أن أبا نواس تجنب هنا الوصف الحسي الذي درج عليه سائر الشعراء العرب نشدانا لحقيقة كونية أعمق . إنه يعدد في هذه القطعة العناصر الأربعة للوجود عند القدامى : الماء ، الهواء ، النار ، التراب .
فقد تكرر عنصر الماء خمس مرات ، و الهواء مرتين ، و النار مرتين في لفظتي ” الضياء ، الصبح ” ، أما التراب فهو أصل الجسد الموصوف الذي يشغل القصيدة كلها .
هذه العناصر الأربعة تتجاذب و تتلاحم لتشكل هذه التحفة الجمالية ” المستحمة ” .لهذا نراه في ختام القصيدة ينحو بالموضوع منحى خشوع و إجلال على أن الموصوف آية كونية 
فسبحان الإله و قد براها … كأحسن ما يكون من النساء .
وإليك القصيدة تحدثك عن نفسها :
نضت عنها القميص للصب الماء … فورد وجهها فرط الحياء 
وقابلت الهواء و قد تعرت … بمعتدل أرق من الهواء 
و مدت راحة كالماء منها … إلى ماء معد في إناء
فلما أن قضت وطرا وهمت … على عجل إلى أخذ الرداء
رأت شخص الرقيب على التداني … فأسبلت الظلام على الضياء
فغاب الصبح منها تحت ليل … وظل الماء يقطر على الماء 
فسبحانالإله وقد براها … كأحسن ما يكون من النساء

من almooftah

اترك تعليقاً