أخر الاخبار
أنت هنا: الرئيسية 2 تشكيل وتصوير 2 ترجمة وإعداد : رنده القاسم..عن الفنان فان كوخ… المنتصر في حربه ضد الجنون ..مجلة الحياة التشكيلية.

ترجمة وإعداد : رنده القاسم..عن الفنان فان كوخ… المنتصر في حربه ضد الجنون ..مجلة الحياة التشكيلية.


سعد القاسم




+13رنده القاسم

فان كوخ… المنتصر في حربه ضد الجنون
مجلة الحياة التشكيلية
ترجمة و إعداد رنده القاسم
مع التطور التكنولوجي نالت لوحاته اهتماما جديداً واسعاً بأشكال جديدة، ما يزال أكثرها تأثيراً معرض لوحاته ثلاثي الأبعاد الذي تنقل بين بلدان عدة ومدن كثيرة من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، واضعاً زواره في قلب الصور المتحركة واسعة النطاق للوحاته الشهيرة التي يتم عرضها على الجدران والسقوف والأرضيات، في معرض كبير أو ساحة مستودع. بحيث أمكن لعشرات الالاف من عشاق فنه التقاط صور تذكارية أمام لوحاته العملاقة، وكأنهم جزء من هذه اللوحات.
تطلب العرض الثلاثي الأبعاد 98جهاز عرض، و46452 متراً مربعاً من الإسقاطات، و118800 إطار فيديو. وتبلغ مساحة سطوح العرض 76154 متراً مربعاً، أي حوالي ملعب ونصف لكرة القدم. حددت أماكن الوقوف ضمن دوائر متباعدة اجتماعيًا موضحة باللون الأبيض. وفي بعض العروض احتوت كل دائرة على كرسيين أو ثلاثة، أو مقعد، وبقي بعضها فارغاً بحيث يمكن للزوار الوقوف أو الجلوس على الأرض أو الاستلقاء. يستمر العرض الواحد حوالي 35 دقيقة ويتم تكراره. ويمكن للزائر البقاء لعدة عروض. كما يمكنه الانتقال إلى دائرة جديدة في الأمام أو الخلف، أو إلى الجانب الآخر من الغرفة للحصول على زوايا رؤية مختلفة. اختيرت للعرض مجموعة من أشهر أعمال فان جوخ يمكن التعرف عليها مجتمعة، او في التفاصيل. من هذه اللوحات: ليلة النجوم (ليلة مرصعة بالنجوم)، عباّد الشمس، زهرة السوسن، الخشخاش، غرفة النوم، إزهار شجرة اللوز، شجرة التوت، مقهى الليل، وأكلوا البطاطا.
“إن ما يدفع الجماهير لمحبة فنسنت فان كوخ هو شعور بالدَّين الجماعي لهذا الفنان الذي عاش حياته فقيرا ووحيدا ومعذبا ولم يشهد كيف أصبح -هو نفسه – أحد رموز الفن المعاصر، وأصبحت لوحاته أيقونات عالمية”، كلمات وردت بقلم المفكرة الفرنسية المعاصرة ناتالي إينيك في كتابها (سوسيولوجيا الفن) وأضافت إن غزارة الدراسات التي تناولت فان كوخ وفنه تعزز الفكرة الشائعة بين المعجبين بأن نهايته المأساوية كانت نتيجة عدم الفهم الذي تعرضت له أعماله.
ومما أكد اهتمام الناس بشخص فان كوخ، هو ذاك الطابور الطويل من البشر الذي انتظروا ساعات طويلة ليتمكنوا من الدخول إلى معرض أقيم في العاصمة البريطانية لندن وضمت رسائل للفنان الهولندي الشهير.
في الثاني من أيار (مايو) عام 1889، كتب فنسنت فان كوخ رسالة لأخيه (ثيو) من مشفى في (أرليس) الفرنسية ليكشف عن نية لا تحتمل. إذ قرر، ولأسباب عدة، بأن أكثر ما يناسبه هو الانضمام للجيش. وأعرب فنسنت عن قلقه من رفض محاولته بسبب ما أسماه (الحادث) وبالتأكيد هذا ما كان.
أما الحادث فهو ما وقع خلال فترة أعياد الميلاد في السنة السابقة، إذ عانى من أزمته الشهيرة وبلغ الأمر ذروته مع قطعه لأذنه. وبعد ذلك أصابته سلسلة من الانهيارات العقلية وكان من بين أعراضها الهلوسة السمعية والخوف من أن جيرانه يحاولون تسميمه، وأمضى معظم السنة مع مراقبة طبية.
ولكن الغموض والمفارقة في قضية فان كوخ، وهي الأشهر في تاريخ الفن، تكمنان في أنه خلال الأشهر التي أدت لهذه الكارثة بل وحتى بعد وقوعها باستثناء فترة المعاناة الحادة، استمر بالعمل ورسم روائع فنية تعتبر الأشهر عالميا مثل (كرسي فنسنت) و (كرسي غوغان) وكلاهما في تشرين الثاني (نوفمبر) 1888.
إذن ما هي مشكلة فان كوخ؟ وهل ساعدته أم أعاقته؟ بكلمة أخرى هل كانت مشاكله العقلية مكملة لموهبته أم أنها واحدة من المشاكل الكثيرة التي عانى منها؟ ولكنها بالتأكيد كانت السبب في رفض الفيلق الخارجي الفرنسي رغبته بالانضمام له، وكان فان كوخ قلقا من أن تعتبر رغبته هذه تصرفا مجنونا أو محاولة للتضحية بالذات، وأشار بحزن إلى إرادته العيش في بيئة تجبره على إتباع القواعد كما في المشفى أو الجيش فعندها فقط سيشعر بالهدوء.
وبعد أقل من أسبوع من كتابته لرسالته، أي في 8 أيار، سمح له وفقا لرغبته بالدخول إلى مشفى الأمراض العقلية وبقي هناك لأكثر من سنة وغادر ليعيش شمال باريس تحت إشراف الطبيب، وهناك أطلق بنفسه رصاصة على صدره في 27 تموز (يوليو) 1890 ومات بعد يومين وهو في السابعة والثلاثين من عمره.
التراجيديا الحادة التي غلفت حياته خلقت صورتين متناقضتين عن فان كوخ. فالعامة تراه فنانا بدائيا مجنونا، يعمل وفقا لنوبات من الإلهام ويشرب المسكرات حتى الثمالة ويتصرف بغرابة. ومن جهة أخرى يفضل مؤرخو الفن التأكيد على فان كوخ آخر: مفكر وقوي الملاحظة أعماله نتيجة لتخطيط حذر هذا عدا أن رسائله تكشف النقاب عن إنسان ذكي وفصيح.
والواقع أن الصورتين تحملان شيئا من الحقيقة. لأن فان كوخ قام بأفعال غريبة ولكن غير مؤذية وفقا لشهادات جيرانه في أرليس، وكان سكيرا وهو نفسه تحدث عن ذلك واعترف بأنه وصل لدرجة الأصفر الفاقع بخلط قهوة مع كحول. ولكنه كان يعمل بسرعة مدهشة وتباهى بأنه خلال ساعة فقط رسم السيدة جينوكس زوجة صاحب مقهى وذلك بداية تشرين الثاني عام 1888.
غير أنه طالما اشتكى من الشعور بأن دماغه أثناء الرسم يبذل جهدا كبيرا في الحسابات الجافة لأجل الموازنة بين الألوان، كحال ممثل يؤدي دورا صعبا على خشبة المسرح، حيث عليك التفكير بآلاف الأشياء في وقت واحد خلال نصف ساعة ولكن الشيء الوحيد الذي كان يعزيه ويلهيه الخمر أو الكثير من التبغ ” وكل ذلك قد يبدو تصرفات بوهيمية، ولكن، وفقا لرسائله واسكيتشاته، كان فان كوخ يفكر مسبقا بكثير من الوضوح. فالسيدة جينوكس عملت لأشهر في الفندق الذي أقام به وبلا شك قدمت له الكثير من المشروب، ما يعني أنه امتلك الكثير من الوقت للتفكير بكيفية رسمها قبل القيام بذلك فعليا وسط نوبة من الطاقة.
والأكثر من ذلك أن فان كوخ كان قارئا ويفكر بعمق وكان شرها في قراءة الروايات والجرائد وبشكل عام يميل مؤرخو الفن إلى اعتبار مشاكل فان كوخ العقلية غير ذات صلة وركزوا على أعماله وكلماته، فمن الصعوبة بمكان تشخيص حالة رجل مات قبل أكثر من مائة عام. ولكن هذا لم يحول دون محاولات كثيرة نتج عنها افتراضات متفاوتة مثل: تسمم بالرصاص، الهلوسة، داء مينيير (اضطراب في الأذن الداخلية)، ضربة شمس حادة، شيزوفرنيا، الزهري، الصرع، عدم توازن في الهرمونات أو اضطراب في الشخصية. ولكن هل من طريقة لضحد هذه الافتراضات الطبية؟ ربما، ولكن لا يمكن أن ننكر وجود مشكلة راسخة ومستمرة أتعبت فان كوخ كما قال هو نفسه.
وبالمقاييس التقليدية، كانت حياته غريبة الأطوار، ولد في قرية هولندية عام 1853 من أسرة فقيرة يعيلها والده الكاهن، وكان فنسنت أكبر إخوته الستة، ومنذ طفولته بدا ميالاً إلى العزلة محباً للطبيعة، متمسكاً بالقيم الروحية.
قرر أبوه أن يعمل ابنه الأكبر فنسنت في تجارة الفن غير أنه ترك هذه المهنة واتبع خط أبيه، ولكنه لم يكمل محاولته بتعلم اللاهوت وعوضا عن ذلك أضحى واعظا في مناجم الفحم البلجيكية ولم يكن يملك المؤهلات في المدرسة التبشيرية ورغم ذلك تابع الوعظ إلى أن تم طرده. واستمر بالعمل التطوعي إلى أن قرر أخيرا أن يغدو رساما. والمذهل أنه خلال السنوات العشر الأولى رغم بدايته غير المستقرة والمفتقدة للتدريب أبدع أعمالا تعتبر من الأهم في الفن الغربي.
وإلى حد ما لملم الفن شتاته ويمكن القول بأن الجهود اليومية للفت انتباهه للواقع، على سبيل المثال رسمه للكرسي، كانت عملية علاجية حتى وإن كان الأمر ينتهي به إلى زجاجة الخمر. واستمر فان كوخ ببذل الجهود باستثناء الأوقات التي كانت حالته العقلية في الحضيض. وهنا نتحدث عن جانب آخر في مشكلته وهي أنها كانت متقطعة فبعد أيام من الأزمات الحادة يعود لإنجاز روائعه. وهذا الأمر قد يفترض إصابته بالاكتئاب المهووس أو ما يسمى هذه الأيام بالاضطراب ثنائي القطب. إذ كان يمر بفترات اكتئاب يتلوها فترات من الطاقة والابتهاج.
ولكن يبقى الشيء الأكيد بان المشاعر التي كان يرى فيها الأشياء العادية ويصورها تعبر عن حالة من اليأس مع محاولات لربط نفسه بالواقع.
ويمكن القول إن فان كوخ لم يكن فنانا مجنونا بل كان رساما عظيما جدا خاض حربا داخلية ضد الجنون، لقد كانت حياة فان كوخ الدراماتيكية القصيرة، وأعماله الفنية المتميزة التي أثرت في تطور المدارس الفنية التي تلت وفاته كفيلة بجعل هذا الفنان شخصية تاريخية عالمية، وصورة نمطية ومثالية للفنان المتمرد، فقد أنتجت أفلام سينمائية عن حياته، وتوزعت لوحاته في أكبر المتاحف العالمية، ولاسيما متحف فان كوخ في أمستردام، ويحتفل العالم كل عام بذكرى ولادته ووفاته، ووصلت أسعار لوحاته اليوم إلى مبالغ خيالية.
وفي عام 2021 قامت مجموعة ليغو الدانماركية بتحويل لوحة (ليلة مرصعة بالنجوم) إلى لعبة (ليغو) ثلاثية الأبعاد، بحيث يمكن إعادة بناء لوحة المبدع فان كوخ اعتماد على التقنية ثلاثية الأبعاد وقال مصمم اللعبة، ترومان تشينغ، والذي يعتبر نفسه أحد عشاق المبدع الهولندي الراحل: “كثيرا ما حلمت بإعادة بناء أحد أعمال فان كوخ منذ طفولتي بوصفي أحد عشاقه، وقد حان الوقت لتحقيق حلمي الصغير”.. وأوضح ترومان أن الفكرة حصلت على إعجاب وموافقة نحو عشرة آلاف شخص طرحت عليهم الفكرة في استفتاء أجرته الشركة. واللعبة مكونة من نحو 1،552 قطعة وعليك تجميعها وإعادة النسيج الإبداعي لها مرة أخرى.
الغريب أنه خلال حياته رسم فنسنت فان كوخ أكثر من 1500 لوحة فنية لم يبع منها سوى لوحة واحدة، وعرف فشلا ذريعا في الترويج لأعماله وعاش الفقر، أما سبب شهرته بعد رحيله، فهو معرض أقيم عام 1901 في باريس وضم سبعين من لوحاته، ولم يكن فان جوخ الذي مات قبل ذلك المعرض بإحدى عشر عاما ليعلم أن أعماله سوف تحوز على إعجاب عالمي كبير، وليكون هذا المعرض بداية شهرة واسعة له ولأعماله التي أصبحت تباع بمبالغ ضخمة، مثل لوحة عباد الشمس، التي حققت مبلغ أربعين مليون دولار في مزاد عام 1987.
وربما نجد نفسنا نكرر ما قلنا في البداية، وهو أن حبنا للفنان لفنسنت فان كوخ قد يكون نتيجة تعاطف جماعي أو ربما إحساس موروث بالذنب تجاه إنسان عاش مقهورا، ولم يشهد قلبه الحزين تحوله هو نفسه إلى أيقونة إنسانية وفنية عالمية.
للمزيد من صور أعمال الفنان فان كوخ:
https://www.facebook.com/photo/?fbid…98400687016233

*************************************

Eyad Albelal، وممدوح قشلان

سعد القاسم

اضف رد