Announcement

Collapse
No announcement yet.

في براغ الشاعر محمد مهدي الجواهري

Collapse
X
 
  • Filter
  • Time
  • Show
Clear All
new posts

  • في براغ الشاعر محمد مهدي الجواهري



    الجواهري
    عن بعض سبعينات الجواهري في براغ، وحولها..


    رُواء جواد الجصاني
    لم يرح الجواهري ركابه، كما وعد في قصيدة العودة "1968" وبقي حتى سنوات عشر تالية يجيء البلاد زائراً أو مقيماً مؤقتاً، ليعود الى براغ حيث شقته - او شقَيْقَتهِ كما كان يصطلح عليها -والى اجوائه الخاصة التى الفها وتعود عليها منذ عام 1961 حين راح مغتربا ًعن الديار التي لم تكفل له داراً بها...
    وقد أُبقيّ حق الاقامة الدائمة ممنوحاً له رسمياً في براغ، بدور مباشرمن ممثلي الحزب الشيوعي العراقي،اذ من المعروف في تلكم الاوقات، ان لا توافق الجهات الرسمية هناك على تلك الاقامة بدون تدخل، وتأثير من حزب سياسي حليف لها. وذلكم " فضل" لم ينكره الجواهري يوماً ما، بل وكان يحرص على ادامته، ويخشى احياناً فقدان مثل ذلك الامتياز، ولربما جامل بسببه حتى.
    وفي ضوء تلكم الاقامتين، في بغداد وبراغ، كان الجواهري مطمئناً ومسروراً، حيث البديل قائم وان تعددت واختلفت الظروف. وقد بقيّ يحسب الحساب لهذا الواقع بكل جدية، وبذل منتهى الحرص لتجاوز أي اجراء او قصور قد يؤدي لخسارة حق الاقامة الدائمة في بلاد التشيك ...
    ...كان البرنامج اليومي لحياة الجواهري في مستقره البراغي خلال فترة السبعينات تقليدياً الى حدود بعيدة. ومن بعضه اعداد طعامه بشكل شخصي والتمشي، وسماع الاخبار من الاذاعات بشكل خاص، دون التلفزيون الذي لم يكن ذا ود ٍ معه، على أقل وصف، وطيلة حياته. ... فضلاً عن القراءة طبعاً، وارتياد مقاه ٍ محددة من أبرزها "سلافيا "المرتكن على نهر الفلتافا البراغي،
    "سلوفنسكي دوم" الذي كتب فيه " وفّى بها نذراً فوافى ..."، ومقهى "اوبسني دوم" الذي كان يسميه بـ "الحضرة"، وصالونا فندقي "يالطا" و"الكرون".... اما وجبات الطعام، وخاصة في فترة الغداء، فكان يتناولها في البيت بشكل عام، وعند الضرورة في المطاعم والحانات الشعبية والبسيطة، ووقوفاً بعض الأحيان.

    كما كان الجواهري يشارك حضوراً أو شعراً في عدد من الأمسيات والفعاليات الرسمية أو الاحتفالية العربية والعراقية التي تقام بهذه المناسبة الوطنية او الاجتماعية أو تلك، الى جانب تلبية دعوات الاصدقاء، وان كانت " ثقيلة " في بعض الاحيان، بحسب تعبيره ..
    ويشير "نجاح" النجل الثالث للجواهري، والمقيم في براغ منذ عام 1960 بهذا السياق الى ان معارف والده وأصدقاءه المقربين في براغ خلال السبعينات، بعد ان عاد من عاد منهم الى العراق، كانوا محدودين جداً، وفي مقدمتهم الراحل موسى اسد الكريم الذي كان عاشقاً للجواهري شاعراً وانساناً وصديقاً، وعدد من الممثلين السياسيين العراقيين والعرب في مجلة قضايا السلم والاشتراكية واتحاد النقابات العالمي واتحاد الطلاب العالمي والذين كانوا يتغيرون بين فترة وأخرى.
    ويضيف نجاح "لقد كان الوالد يميل الى مداراة نفسه بنفسه، ويركن في الغالب الى اصدقاء محدودين، وحتى الى واحد فقط، في بعض الاحيان، وبما ينسجم ومزاجه. وكان يعتمد في تلك الفترة عليَّ، وعلى ابن اخته "رجاء الجصاني" في انجاز ما لا يستطيع انجازه منفرداً، كمعاملات السفر والترحال ومتطلبات الاقامة وغيرها من الشؤون الشخصية".
    وفي جلسات خاصة مع كاتب هذه السطور، كان الجواهري يستذكر باهتمام كيف كانت براغ في الستينات، حيث كان للمرء اكثر من اختيار، مشيراً بهذا الشأن الى الراحلين فيصل السامر وزكي خيري وقاسم حسن وعبد اللطيف الشواف، والى الاساتذة آرا خاجادور وعزيز الحاج ونوري عبد الرزاق ومهدي الحافظ وعادل حبة وأقرانهم....واستناداً لاستذكارات الجواهري، فان زيارات وسفرات المثقفين والشعراء والسياسيين العراقيين والعرب، الشخصية والرسمية الى براغ، لا تكتمل ما لم "يداهمونني في البيت او المقهى سواء شئت ذلك أم كرهت" ... .
    وفي عودة لبعض الارشيف المتوفر لدينا، في مركز الجواهري ببراغ، نجد ما يوثق للكثير، ومنه على سبيل المثال، ما كتبته الشاعرة لميعة عباس عمارة في صحيفة "الشرق الأوسط" اللندنية "4/9/1996": "كان آخر لقاء لي مع الجواهري في براغ خلال السبعينات. لم يتغيّر، ظل ذلك الرشيق، الأنيق، الوسيم، الظريف، الصعب. وبقيت أنا تلك المعجبة السعيدة لأنها تنفست من هواء غرفة ضمته، وجلست يوماً مجلسه"... وبالمناسبة، سبق للجواهري ان قال حول الشاعرة ذاتها في حوار نشرته صحيفة الجمهورية البغدادية بتاريخ 8/11/1975 "انها أحسن من كثير من الشعراء... والحقيقة ان شعرها رقيق، وهي "بنت طيبة"... ان الشاعر لا يمكن ان يكون كريهاً أو خبيثاً أو لئيماً وبغيضاً... ولميعة تنطبق عليها الميزات الجيدة، فهي وديعة ورقيقة وانسانة".
    وفي السبعينات أيضاً، وتحديداً في أوائل تشرين الثاني "نوفمبر" من سنة 1970، وكذلك في صيف 1975 يزور الجواهري في براغ، المترجم والكاتب سليم طه التكريتي الذي يتحدث عن تينك الزيارتين في كتابه "محمد مهدي الجواهري" الصادر عن دار الساقي اللندنية 1989 عن مدى اهتمام الشاعر الكبير به في براغ. ولكن التكريتي يختلق ويتصيّد أيضاً ما أشبع رغبته ودوافعه، أسوة بما جاء بمجمل الكتاب. وقد علّق الجواهري حول ذلك ببساطة، واستغراب، وتسامح "جازاه الله... ذلك الأعمى، ناكر الجميل، سليم طه".
    كما تشير بعض الأوراق والوثائق الشخصية لدينا الى زيارة الشاعر مظفر النواب لبراغ عام 1970 والى لقاءات عديدة حصلت بين الشاعرين، وامتدت لسهرات مشتركة كان من حصيلة احداها سبعة أبيات للجواهري "يؤرخ" فيها لحوار جرى بين النواب، الشاعر والرسام، واحدى جميلات التشيك - وما أكثرهن".
    كما يشير د. زاهد محمد في كتابه "الجواهري صناجة الشعر العربي في القرن العشرين" "ص 55"، الى زيارته براغ عام 1971 ولقائه مع الجواهري وتطرقهما للحديث عن الأوضاع في العراق..
    وفي السياق ذاته تجدر الاشارة الى حرارة ترحاب الجواهري بالكاتب والصحفي العراقي الراحل شمران الياسري "ابو كاطع" خلال اقامته في براغ اواسط السبعينات، والتي وصلت الى حد اعارته شقته "شقة الجواهري" ليسكن فيها ابو كاطع فترة غير قصيرة وهو أمر نادر ما يكرره الشاعر الكبير، إلا استثناء.
    وفي عام 1973 يحدث ان يزور الشاعر الفلسطيني سميح القاسم براغ ويلتقيه الجواهري -وهو من محبيه- أكثر من مرة، وتجمعه والضيف الزائر سهرة في مغنى "كاسكادا" الشهير وسط العاصمة التشيكية، وتلك دليل مودة متميزة من الجواهري. ومن وحيّ تلك السهرة يكتب الجواهري قصيدة غزل متفرّدة بعنوان "يا بنت شيطان" ...
    وهكذا تختلف الزيارات، اللقاءآت، النشاطات، ويوميات الجواهري في براغ خلال السبعينات، وهي اذ تتنوع مضمونا وشكلاً، إلا انها تبقى جميعها في اطار حياة شاعر متنوع الرغبات والارادات والأمزجة والمواقف والرؤى، وذلك بعض من تفرّده.
    ولربما من المناسب هنا، رداً على تقولات البعض من جهة، ولتوثيق الاحداث والوقائع،من جهة اخرى، وذلك هو الأهم، نشير الى ان مستقر الجواهري البراغي خلال السبعينات لم يكن سوى شقة اعتيادية الموقع والبناء والأثاث، في منطقة براغ السادسة، حيّ بترشيني، تتكون من غرفتي نوم، وصالون استقبال متواضع، ومطبخ ومرافق صحية، تقع في عمارة تقليدية، أثاثها أكثر من بسيط ...ولكن تلك الشقة التي قضى فيها الجواهري زهاء ثلاثة عقود، نظم فيها الشاعر العديد من قصائده البارزة، وحدد فيها مواقفه الأهم. كما ان تلك الشقة ذات 60-70 متراً - لا غيرها - شهدت لقاءات واستضافات الجواهري لعشرات المفكرين، الأدباء، والمثقفين والمسؤولين السياسيين والرسميين العراقيين والعرب، وحتى بعض الأجانب.


Working...
X