Announcement

Collapse
No announcement yet.

الفن....والفانتازية الأدبية

Collapse
X
 
  • Filter
  • Time
  • Show
Clear All
new posts

  • الفن....والفانتازية الأدبية


    الفن....والفانتازية الأدبية


    فانتازية الفن والأدب ، بأبسط العبارات ، تعني إنشاء معادل خيالي للواقع ، أو إنْ شاء القارئ القيام بإنتاج عالم خيالي بمفرداته وأحداثه وشخوصه .... دون أن ْيخطر بالبال ، ولو للحظة ، أنّ الفانتازيا مجرّد هلوسة ، أو أنّها انثيال متدفق من الصور الخيالية المدهشة والغرائبية المنفلتة من أيّة ضوابط ، كما يحدث عادة في عالم الأحلام ( المنامات ) غير الإرادي . فانتازية الفن عموماً ، و الأدب خصوصاً ، قوامها إنتاج الأحلام بصورة واعية وإرادية ، وفق بنية خاصة لها منطقها الداخلي المتماسك ، الذي يعتني بالممكن ، وبما ينبغي أن يكون. نعم ، قد تكون هذه الأحلام مدهشة ومفاجئة ، ولكنّها محكومة بإرادة الفنان ووعيه ورؤيته ورؤياه ، الخاصة به والمميزة له . لذلك تبقى الفانتازيا في الفن والأدب ، رغم الخيال الجامح الذي يصنعها ، قابلة للتصديق والفهم ، وقابلة للتمعني والبحث عن المغزى ، مما يساعد في زيادة الوعي بالواقع ( ويا للمفارقة ) ، لأنّ ما تقدمه الأعمال الفانتازية ، وإنْ كان غير واقعي ، ليس أضغاث أحلام ، وإنّما يمثل أحد وجوه الممكن . أو فلنقل إنّه يمثل الواقع بعد أنْ يتم التلاعب المقصود في إحداثياته ومواقع عناصره الفاعلة ؛ وهذا التلاعب (الخبيث أحياناً ) هو الذي يربط الفانتازيا بالواقع المعطى ، وهو الذي يجعلها قابلة للانتقال إلى هذا الواقع ، والسكن فيه بعد تغيير بعض الإحداثيات ، ضمن الشروط الممكنة التي يقترحها صانع الفانتازيا ، الذي ينبغي ألاّ ينسى أنّ الواقع هو الإطار المرجعي الذي ينطلق منه( ويعود إليه ) عمله في نهاية المطاف . الفانتازيا في الفن والأدب ، إذن ، هي المعادل الفني للعالم الواقعي ، ويتم بناء هذا العالم انطلاقاً من رؤية المبدع ، ومن المسلمات والأفكار والمبادئ التي يؤمن بها ... وسوء التواصل مع بعض المتلقين يعود في كثير من الحالات إلى اختلافهم مع تلك المسلمات ، واختلافهم مع رؤية الفنان أو الأديب الذي أنتج الفانتازيا ؛ دون أن يغيب عن الذهن أن سوء التواصل قد يرجع إلى تمسّك بعض المتلقين بالواقع وإحداثياته ، تحت ضغوط ما يؤمنون به من أيديولوجيات تعد الفن من البنى الفوقية التي ينبغي أن تكون انعكاساً للواقع ، ويعدون أي خروج على الواقع وإحداثياته ، وأي انزياح عنها ، تشويهاً وضلالاً ، بل خيانة للعقل وللواقع معاً ، ويعدون الفانتازيا نكوصاً عن المواجهة ، وهروباً جباناً من تحمل المسؤولية وتحمل تبعات تلك المواجهة ؛ وينسى هؤلاء أنّ الفن شجاع دائماً ( أقصد الفن والأدب الحقيقيان ) ، وأنّه لم يتهرب من تحمل المسؤولية في يوم من الأيام ، وأنّ ما يخلقه من عوالم فانتازية ليس إلا محاولة لإعادة صنع العالم الواقعي على نحو يكون فيه أكثر جمالاً ومتعة وعدلاً ... وأقل قبحاً وشقاءً وظلماً ، بحيث تتاح الفرصة لهذا المخلوق( البائس ) لأنْ يعيش ، ولو للحظات ، حيث يشتهي أنْ يعيش ، بعيداً عنْ إشراطات وجوده التي حاصره بها الأقوياء ومن يلوذ بهم من الفاسدين والمفسدين ...ذلك أنّ الأعمال الفانتازية تقترح عليه إشراطات أخرى ، وتدعوه لإبراء الجراح ، وللنقاهة الروحية ..... ولكن حذار ، فقد تحمل بعض الدعوات السم الزعاف ، الذي يقضي على البقية الباقية من الكرامة الإنسانية ، ويقوّض روح المقاومة النبيلة ، التي تطالب بالحقوق المسلوبة .. فبعض الأعمال الفانتازية لا تعدو عن كونها وصفة مخدرة ، تصرف المتلقي عن الوعي بالواقع الفاسد ، وعن الوعي بأسباب الأزمات التي تثقل كاهله . وأخيراً أقول : إن الفانتازيا الحقيقية وسيلة للتشخيص ، وأسلوب لاقتراح الحلول العلاجية الممكنة ، وليست وسيلة للاستجمام الكسول ، في عالم من الأحلام الوردية
Working...
X