العودة   منتديات المفتاح > المفتاح الثقافي و الأدبي > مفتاح الكتب الألكترونية ( العلمية والأدبية والفنية والتاريخية ) > الكتب السياســــية

الكتب السياســــية السياسة المتنفس والممارســـــــة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 04-30-2010, 11:49 PM
الهادي الزغيدي الهادي الزغيدي غير متواجد حالياً
عضو
 





افتراضي الأبعاد الفكريّة والعلميّة -التقنيّة للصراع العربي الصهيوني


الأبعاد الفكريّة والعلميّة -التقنيّة للصراع العربي -الصهيوني

- د.خلف محمد الجراد-

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2000
مقدمة
الفصل الأول المرتكزات العنصريّة للفكر الصهيوني، وتجلياتها الإرهابيّة
* الاستيطان الصهيوني ونظرية "أرض بلا شعب" العنصرية
الفصل الثاني: مراكز الأبحاث والمؤسّسات العاملة في خدمة التطبيع والاستراتيجية الصهيونية
<A href="http://www.awu-dam.org/book/00/study00/4-H-J/book00-sd005.htm">إضافة إلى مئات من المحاضرات والملتقيات والندوات، التي تدور في إطار هذه الخطّة الاستراتيجية الصهيونية، الرامية إلى تهويد تاريخ مصر وثقافتها وحضارتها، وترسيخ المزاعم الصهيونية، التي تحاول إقناع العالم "بدور اليهود... وتأثيرهم‏
الفصل الثالث: الأمن القومي العربي والتحدّي العلمي - التقني(*)
الفصل الرابع : الخيار النووي، وبناء قاعدة عربيّة للبحث العلمي والتكنولوجيا(*)
ونشير أيضاً إلى الدور الهام الذي تقوم به "وكالة الفضاء الإسرائيلية". إذ أن إسرائيل هي البلد الثامن في العالم الذي طوّر قمره الاصطناعي الخاص، وأطلقه إلى الفضاء بوساطة منصة إطلاق أقمار اصطناعية إسرائيلية(37). فالبُنى التحتية‏

 

 

الموضوع الأصلي - الأبعاد الفكريّة والعلميّة -التقنيّة للصراع العربي الصهيوني = المصدر الحقيقي - منتديات المفتاح

توقيع : الهادي الزغيدي

إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بدّ أن يستجيب القــــدر
و لا بــــدّ لليــل أن ينجلــي
و لا بـــدّ للقيــد أن ينكسـر
رد مع اقتباس
قديم 04-30-2010, 11:52 PM   رقم المشاركة : 2
الهادي الزغيدي
عضو





الهادي الزغيدي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: الأبعاد الفكريّة والعلميّة -التقنيّة للصراع العربي الصهيوني

مقدمة
قامت إسرائيل على العنصرية والاستيطان والإرهاب والإجلاء، واعتمدت في إنشائها وصيرورتها وتوسّعها وعدوانيتها على الدعم المباشر والمطلق من العالم الغربي عامّة والقوى الكبرى خاصّة. ولذلك فهي مُرتبطة عضويّاً واستراتيجياً راهناً ومصيراً بمصالح تلك الدول والقوى العالميّة. وقد يكفي هنا التذكير بآخر خطاب للسيّد ساندي بيرغر مستشار الرئيس الأمريكي للأمن القومي (الذي ألقاه في الحادي والعشرين من تشرين الأول /أكتوبر 1999 في "منبر السياسة الإسرائيلية" في واشنطن) حول الأهمية الاستراتيجية الكبرى لمنطقة الشرق الأوسط، والذي قال فيه بالحرف الواحد: "الشرق الأوسط هو أيضاً موطن إسرائيل، وهي من أقرب حلفائنا إلينا، ودولة تربطنا بها علاقة خاصّة تضرب بجذورها في التاريخ، وتتميز بمصالح مشتركة وتدعمها قيم مشتركة بيننا. إنّ حماية أمن إسرائيل هو بمثابة "حماية أمننا نحن".‏
وتشكيل العقدة الصهيونية بتيّاراتها وألوانها المختلفة، كالصهيونيّة الروحيّة، الصهيونية العمليّة، الصهيونيّة العمّالية، الصهيونيّة التوفيقيّة، الصهيونية التنقيحية، الصهيونية الدينيّة، الصهيونية الكولونياليّة، الصهيونيّة الإصلاحيّة والصهيونيّة السياسيّة.. الخ، تشكّل الأبعاد الفكرية- الثقافية والتاريخيّة الزائفة، أو الخلفية النظريّة والقاعدة الارتكازية لإسرائيل‏
(أو "الأساطير المؤسّسة للسياسة الإسرائيلية") تبعاً لتسمية المفكّر الفرنسي روجيه غارودي).‏
وقد كرسنا الفصل الأول من هذا الكتاب لتتبّع نشوء التيارات والاتجاهات الصهيونية، وأبرز مُنّظّريها و"آبائها الروحيّين" ودُعاتها، والأفكار والمكوّنات الفلسفيّة -اللاّهوتية الناظمة لأنشطتها وتحرّكاتها وأساليبها، بما في ذلك تنظيماتها وأعمالها الإرهابية ضد القرى والبلدات والمدنيّين الآمنين من عرب فلسطين، والتي نفّذتها بوحشية غير مسبوقة جماعات "الأرغون" وعصابات "الهاغاناه" و"شتيرن" حيث تفاخر بها قادتهم وزعماؤهم المعاصرون، مثل: بيغن وشامير وغولدامائير ودايان ورابين وغيرهم. مُظهرين التأثيرات الفكريّة للعنصريّة الصهيونيّة في تكوّن أنماط محدّدة من الشخصية العدوانية الإسرائيلية، التي تتسّم (وفق دراسات وأبحاث ميدانية أشرنا إلى مصادرها ونتائجها) بجملة من المآزق النفسيّة والاجتماعية والعصبيّة والأخلاقيّة، كمفرزات سلوكيّة للحركة الصهيونيّة، و"التربية" الإسرائيلية العدوانية على مدى حوالي قرن من الزمن. وهو ما دفع الباحث الأمريكي (اليهودي) باري بلخمان لوصف "الانتقامات الإسرائيلية بأنها "سلوك قومي إسرائيلي".‏
ولكن في المقابل بدأت في إسرائيل (بعد اتفاقات كامب ديفيد) تتبلور حركة جديدة للتغلغل السلمي (ثقافياً وعلمياً) في الجسد العربي، ضمن استراتيجية مدروسة لزعزعة ثوابت الوجدان القومي ومكوّنات الذاكرة الجماعيّة لأمّتنا، بغية هزّ قناعات الأجيال الجديدة، واختراق المرتكزات والقناعات التاريخية والدينية والقومية والحضارية لهذه الأجيال، ومن ثم تحطيم إرادتها في البقاء والوجود المستقل، تمهيداً للإجهاز النهائي على هويّتها وشخصيّتها ومستقبلها برمّته، فقامت بالتخطيط والتنفيذ الدقيق والمبرمج مجموعة كبيرة من مراكز البحوث العلميّة والمعاهد والهيئات والجامعات الإسرائيلية في البلدان العربية، التي وقعت اتفاقات سلام مع إسرائيل. وقد تحدّث الفصل الثاني حول الأنشطة التجسسيّة والتخريبية لمراكز الأبحاث والمؤسّسات الإسرائيلية، خدمة للتطبيع والاستراتيجية الصهيونية. حيث تناولنا بالتفصيل واستناداً إلى أدقّ الوثائق والمصادر ما قامت وتقوم به الهيئات والمؤسّسات الأكاديمية‏
الإسرائيلية، "كالمركز اليهودي- العربي في جامعة حيفا"، و"معهد العلاقات الإنسانية" (في جامعة حيفا)، و"قسم الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية في الجامعة العبرية" ومركز يافي للدراسات الاستراتيجية في جامعة تل أبيب" و"المركز الدولي للسلام في الشرق الأوسط" و"المركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة" وغيرها من المراكز والمؤسّسات البحثيّة -الاستخبارية الإسرائيلية.‏
والحقيقة فإنّ هذه الدراسة من حيث مصادرها ومراجعها وتوثيقها وأهدافها، وكذلك استنتاجاتها تتقاطع مع عدد من المؤلّفات الجادّة والنادرة، التي نشرها باحثون عرب نعتزّ بوطنيتهم وغيرتهم وعلمهم وموضوعيتهم.. ونخصّ منهم في هذا المجال: الأستاذ مدحت أبو بكر وكتابه "محاولات تهويد الإنسان المصري" (مصر العربيّة للنشر والتوزيع، 1987)، والأستاذ عرفة عبده علي وكتابه "تهويد عقل مصر" (دار سينا للنشر، 1989)، والدكتور رفعت سيّد أحمد وكتابه الهام "علماء وجواسيس: التغلغل الأمريكي- الإسرائيلي في مصر"، وكتابه الوثائقي للملفّات السريّة "للمركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة" والصادر تحت عنوان "وكر الجواسيس في مصر المحروسة" (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1995)، وغير ذلك من مصادر أشارت إليها الدراسة بالتفصيل.‏
أما الفصل الثالث فنناقش فيه تأثيرات التحدّي العلمي - التقني على الأمن القومي العربي، التي توظّفها إسرائيل في سياق استراتيجيتها العدوانيّة التوسّعية الشاملة في هذه المنطقة وما يتاخمها من أقاليم وبلدان ومناطق.‏
وقد توقّفت الدراسة عند تحليل الأرقام والإحصاءات المتصلة بمراكز الأبحاث والتطوير، وأعداد الباحثين وتخصّصاتهم وإنتاجهم العلمي في البلدان العربية، مع مقارنتها بالأرقام العالمية والإسرائيلية على وجه التحديد. كما عرّجنا على مسألة في غاية الأهمية والخطورة، وتتمثّل في هجرة الأدمغة العربية، وما يقابلها من استقطاب إسرائيلي لأعداد ضخمة من الكفاءات والخبراء وأفضل الباحثين في العالم، ولا سيّما من دول وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق. وحاولت الدراسة تقديم تصوّرات واقعية لمواجهة المخاطر والتحدّيات التي تواجه أمننا القومي في المجال العلمي- التقني.‏
أمّا الفصل الرابع والأخير فقد كرّس لمناقشة مسألة الخيار النووي، وبناء قاعدة عربية للبحث العلمي والتكنولوجيا. حيث استعرضنا عدداً من الآراء والاتجاهات العربيّة فيما يخصّ مسألة الخيار النووي. والتي يجمع معظمها على أنّ أمننا القومي لا يتحقق إلاّ عن طريق امتلاك القوّة الذاتية الرادعة، مع العمل الحثيث على نزع أسلحة الدمار الشامل من المنطقة. وإذا كنّا مع الاتجاه القائل بأنّ الاعتماد على الذات هو خيار استراتيجي لا نملك التخلّي عنه، إلا أنّنا في الوقت نفسه قمنا (في هذا الفصل) بتحليل واقعي وتفصيلي (استناداً إلى أحداث الأرقام والمعطيات المتوافرة) للقدرات الإسرائيلية والعربية، المستخدمة في ميدان العلم والتكنولوجيا. وفي هذا السياق جرى استعراض للمراحل والتطوّرات التي مرّت بها مؤسّسات الأبحاث الإسرائيلية بدءاً من عشرينيات هذا القرن (قبل قيام الدولة الصهيونية بأكثر من ربع قرن) وصولاً إلى الوضع الحالي، الذي يتميزّ بامتلاك إسرائيل للأسلحة النووية، والأسلحة الصاروخيّة. البالستية وأقمار التجسّس وأبحاث الفضاء، والصناعات الإلكترونية المعقدة وعالية التقانة. كما قدّمت الدراسة آخر الإحصاءات المتعلّقة بنفقات إسرائيل على البحث العلمي والتطوير في المجالات المختلفة، ومقارنة ذلك كلّه بما تخصّصه الأقطار العربية في هذا الميدان. ويتبيّن لنا من خلال هذه المقارنات حجم التحدّيات، التي سوف يحملها لنا القرن المقبل في حال تحقّق السلام مع إسرائيل. فالمواجهة العلميّة- التكنولوجية والاقتصادية لزمن السلم قد تكون أصعب بكثير من المواجهة في زمن الحرب. وإنه للوصول إلى هذه الغاية، لا بدّ من مراجعة شاملة وجدّية لإمكاناتنا وقدراتنا المبعثرة حالياً، والمفتقرة إلى التجميع والتنظيم العقلاني والتخطيط العلمي، والرؤية الاستراتيجية المستقبلية لأهمية وخطورة الأبعاد الفكريّة -الثقافية.. والعلميّة- التقنيّة في صراعنا المستمر مع الصهيونيّة وتجلّياتها العدوانيّة الإسرائيليّة.‏
علماً أنه لا يمكن لأي صورة من الصور تحقيق الأمن الوطني الكامل لأية دولة عربيّة بمعزل عن الأمن القومي للدول العربية الأخرى.‏
فلا خلاص لقطر عربي مهما كانت قوّته الاقتصادية أو العسكرية أو العلميّة بمعزل عن الأقطار الأخرى، وإن بلغ دخله السنوي مئات المليارات. لأنّ إقامة البُنية الاجتماعيّة -الاقتصادية والعلميّة والحضارية تحتاج إلى معونة وجهود وطاقات العرب كلّهم، الذين يشكّلون قوّة متكاملة -وإن كانت غير متحقّقة حالياً -ذات أبعاد جيو- استراتيجية شامية إقليمياً ودولياً وإنّ إعادة الاعتبار للعمل العربي المشترك (في المجالات كافة) من شأنه تمهيد الطريق لنهضة عربيّة كبيرة في الميادين الاقتصادية والعلميّة والتقنيّة، وبذلك نواجه التحدّيات العلميّة والعسكرية والتقنية الإسرائيلية كجزء من صراعنا الوجودي الشامل.‏
دمشق: أوائل تشرين الثاني/ نوفمبر 1999‏
خلف الجراد‏




التوقيع

إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بدّ أن يستجيب القــــدر
و لا بــــدّ لليــل أن ينجلــي
و لا بـــدّ للقيــد أن ينكسـر
رد مع اقتباس
قديم 04-30-2010, 11:54 PM   رقم المشاركة : 3
الهادي الزغيدي
عضو





الهادي الزغيدي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: الأبعاد الفكريّة والعلميّة -التقنيّة للصراع العربي الصهيوني

الفصل الأول المرتكزات العنصريّة للفكر الصهيوني، وتجلياتها الإرهابيّة
الصهيونية دعوة وحركة عنصرية - دينية استيطانية إجلائية، مرتبطة نشأة وواقعاً ومصيراً بالإمبريالية العالمية، تطالب بإعادة توطين اليهود وتجميعهم وإقامة دولة خاصة بهم في فلسطين بواسطة الهجرة والغزو والعنف كحلّ "للمسألة اليهودية".‏
والكلمة نسبة إلى صهيون، اشتقها ناتان برنباوم (1890) ليصف بها تحوّل تعلّق اليهود بجبل صهيون وأرض فلسطين من البُعد الديني "الماشيحاني" القديم إلى برنامج سياسي استعماري إقليمي يستهدف "عودة الشعب اليهودي" إلى فلسطين.‏
تأثر العديد من المفكرين اليهود بالنزعة القومية العنصرية التوسعية التي سادت أوروبا في القرن التاسع عشر، مثل هيرش كالبشر (1795-1874) في كتابه "البحث عن صهيون" وموسى هس (1812-1875) في كتابه "روما والقدس" وليوبينسكر (1821-1891) في كتابه "التحرير الذاتي" وتيودور هرتزل (1860-1904) في كتابه "الدولة اليهودية".‏
لا يدخل في عداد هذا البحث التأريخ للحركة الصهيونية وإنما تسليط الضوء على المرتكزات والمكوّنات العنصرية- العقيدية للفكر الصهيوني، والممارسات الإرهابية التي تستقي مفرداتها وأساليبها من تلك المنابع، أو المتفرعة عنها، كنماذج من شأنها إبراز الطبيعة العدوانية- الفاشية لهذه الأيديولوجيا (1)، وخطورة أعمالها وسياساتها الاستيطانية، الإحلالية -الحاقدة، ليس على الشعب العربي وحسب، بل على شعوب كثيرة في العالم. فالصهيونية بدلاً من أن تحلّ ما سُمّي بـ "المشكلة اليهودية" خلقت ما يمكن تسميته "المسألة الإسرائيلية"، التي أصبحت تشكّل عبئاً ماديّاً ومعنوياً ونفسياً كبيراً على اليهود. ونشير في هذا السياق إلى قرار الأمم المتحدة الصادر في العاشر من تشرين الثاني 1975 باعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، وضرورة معاملتها العالمية"، ودعا في نهاية السبعينيات إلى التخلّي عن الصهيونية كحلّ للمشكلة الإسرائيلية(2).‏
فالصهيونية أكثر من قضية سياسية أو ثقافية، إنّها أيديولوجية استغلت الأفكار الدينية، الأفكار الراسخة في العقل الجمعي والمخيال العام لليهود، ومن السهل تحريكهم عن طريق ذلك الموروث. حيث ثبت عملياً أنّ القوى الصهيونية بتياراتها وفرقها المختلفة أدركت أهمية العقيدة الدينية، واستثمرت عناصرها لأبعد الحدود. فالدين هنا يساهم في تدعيم البنية الروحية -الذهنية لعامة الناس، وأداة لخدمة الاستراتيجية الصهيونية الشاملة.‏
وعند صدور قرار الأمم المتحدة، الذي يدين الصهيونية بوصفها شكلاً من أشكال العنصرية، هبّ زعماء اليهود في مختلف أنحاء العالم لمجابهته، مدّعين بأنه "إعلان للحرب من جانب الأمم المتحدة على الشعب اليهودي واليهودية".‏
وممّا قالوه فيه: "إنه ليس موجّهاً ضدّ الصهيونية وحدها. إنه موجّه ضد الشعب اليهودي، ضد اليهودية، لأنه ليس هناك من فرق بين الصهيونية وبين اليهودية"(3).‏
فالواقع أنّ اليهود بغالبيتهم يعتقدون، كما يقول الكاتب اليهودي المعروف نعوم تشومسكي، بأنه "لا يمكن أن تكون هناك أمّة، أو دولة إسرائيل، بمعزل عن الشعب اليهودي. لأن الشعب اليهودي يتألف من اليهود المقيمين في إسرائيل، ومن يهود المنفى أيضاً"(4).‏
ونشر المؤتمر اليهود الأميركي إعلاناً في صحيفة "نيويورك تايمز"، تضمّن عبارات من مثل: "نحن فخورون بأننا يهود. نحن فخورون بأننا صهيونيون"(5).‏
ثم عقد مؤتمر "مؤتمر أورشليم لوحدة الشعب اليهودي" يوم 3/12/1975 في "الكنيست الإسرائيلي"، شارك فيه 170 من زعماء اليهود في العالم، ألقى فيه رئيس "دولة إسرائيل" أفرايم كاتسير، كلمة قال فيها: "إنّ هذا المؤتمر يشكّل رمزاً لوحدة إسرائيل واليهود والصهيونية"(6).‏
وقبل ثلاثة عقود كان الحاخام يهودا ماغنس (7) قد أشار إلى هذه الوحدة في معرض تعليقه على جرائم الإرهابيين الصهاينة في الأيام الأولى من عمر الكيان الصهيوني، بقوله: "من السهل طبعاً أن نتهم الصهيونيين الإرهابيين بأنهم وحدهم المسؤولون عن هذه الجرائم الوحشية التي ارتكبت في الأرض المقدّسة. ولكن من هو المسؤول عن هؤلاء الإرهابيين؟ إنّ كلّ يهودي منّا يحمل نصيباً من المسؤولية. فمن السهل أن يتبرّأ كل يهودي من الصهيونية عند اللزوم، لكن كل يهودي في الواقع يُعَدّ مسؤولاً عن وجود الصهيونية نفسها". وأضاف ماغنس: "كيف نعفي من المسؤولية اليهود الذين يشتركون في خمسة آلاف جمعية يهودية في الولايات المتحدة، وكلّها تجمع التبرعات لإسرائيل؟ كيف نعفي من المسؤولية يهود العالم الذي لا يقولون كلمة واحدة ضد الصهيونية، ولا يبذلون أي مجهود حقيقي لمحاربتها؟ وأنهى تعليقه بقوله: "إنّ اليهودي الصهيوني، واليهودي الذي يسكت عن الصهيونية، هما شيء واحد، أشبه ما يكون بالعملة النقدية ذات الوجهين"(8).‏
وبرأي بن غوريون، فإن "الصهيوني هو اليهودي الذي يحسّ ويعترف بأنه يعيش في منفى، إذا كان من مواطني أي بلد غير إسرائيل، ولذلك يقرّر العودة إلى جبل صهيون" (9).‏
والواقع أنّ كلّ يهودي أو غير يهودي يؤمن بضرورة استمرار وجود "دولة إسرائيل"، ويساعدها بأي شكل من أشكال المساعدة، هو صهيوني، حتى وإن بقي في بلده: انجليزياً كان أم فرنسياً أم ألمانياً أم أمريكياً.. الخ.‏
كما أنّ هناك ترابطاً عضوياً لا تنفصم عراه بين كلّ من اليهود والصهيونيّة وإسرائيل. فاليهود يعدّون أنّ كلّ يهودي في العالم هو جزء منهم، وأن لا فرق من الناحية القومية، بين اليهود الذين يعيشون في إسرائيل، وبين اليهود في أمريكا أو روسيا مثلاً، فالدين اليهودي بالنسبة إليهم يُعَدّ عنصراً أساسياً في القومية، خلافاً لكلّ النظريات والدراسات والأبحاث، التي أجمع عليها العالم كلّه في هذا السياق.‏
والصهيونية تهدف إلى تطبيق التعاليم اليهودية، وتلتزم بالطابع الديني للدولة اليهودية، وتؤمن عموماً بأنّ الدين هو الدافع الأول لخلق الدولة اليهودية.‏
فالدين في نظر المفكرين اليهود والصهاينة، "هو الأساس الذي تقوم عليه الأيديولوجية أو القومية اليهودية" (10) كما يقول البروفسور إسرائيل شاحاك- وهو القاسم المشترك بين اليهود، الذين يضمن "نقاءهم العنصري وولاءهم القومي" الأمر الذي عبّر عنه البروفسور يعقوب تالمون، أستاذ التاريخ في الجامعة العبرية، بقوله: "إنّ الكنيس اليهودي هو وحده محور الهويّة الذاتية في دول الغرب" (11).‏
وإسرائيل تربط كيانها السياسي بالدين، وتجعل من الدين أساساً لوجودها وحجّة في اغتصاب الأرض ومن ثم استملاكها. فقد حُدّدت أهداف الدولة في "إعلان الاستقلال" بما يلي:‏
"دولة إسرائيل ستكون مفتوحة أمام الهجرة اليهودية ولجمع الشتات وستعمل على تطوير البلاد لصالح كافة سكانها". كما جاء في البند الأول من "قانون العودة" لسنة 1950 ما يلي: "يحقّ لكلّ يهودي أن يهاجر إلى إسرائيل وأن يستقرّ بها". فالهدف الرئيس من إقامة إسرائيل هو جعلها دولة لليهود المقيمين فيها أو في أي مكان آخر في العالم، ولكل يهودي في العالم الحق في المجيء إلى إسرائيل ونيل الجنسية الإسرائيلية. وقد ألغى القانون الأول الذي أصدره مجلس الدولة جميع الأنظمة التي كانت تحدّ من دخول اليهود واستيطانهم في فلسطين، وأعطيت المواطنة الشرعية لكل يهودي داخل فلسطين قبل قيام "إسرائيل"، وفتحت أبواب فلسطين لدخول اليهود، وألغيت جميع القيود القانونية على تملكهم الأرض الفلسطينية. وقد فرضت هذه القوانين على جميع المناطق الفلسطينية التي سقطت تحت الاحتلال، بما فيها المناطق الخارجية عن حدود الدولة اليهودية المبينة في خريطة التقسيم.‏
وفي الأعوام الأولى لقيامها، سنّت إسرائيل القوانين اللازمة لتثبيت كيانها وخدمة أهداف الحركة الصهيونية والهجرة اليهودية، ونزع ملكية العرب الذي غادروا البلاد وأصبحوا لاجئين، وتقليص ملكية العرب الذين صمدوا في أرضهم تحت الاحتلال. ومن أهم هذه القوانين: قانون العودة لسنة 1950، قانون أملاك الغائبين لسنة 1950، قانون أملاك الدولة لسنة 1951، قانون الجنسية لسنة 1952.‏
وبمرور السنين، تقلّصت وأبطلت القوانين العثمانية والانكليزية (الانتدابية)،وازداد الاعتماد على مفاهيم و"تقاليد""الشرائع" اليهودية القديمة(12).‏
وبناء عليه، فإنّ إسرائيل هي تجسيد جزئي للمشروع الصهيوني، الذي لم يستكمل بناءه الذاتي النهائي، ولم تصل إلى حدودها "التوراتية" المزعومة بعد وفي تصريح لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو حول هذه المسألة قال "إنّ حدودنا النهائية حيث يقف الجنود الإسرائيليون ومنابع المياه". من هنا فإنّ إسرائيل كيان سياسي استيطاني- عنصري، بجميع الخصائص والسمات الجوهرية لمعنى الاستيطان العدواني والعنصرية الشوفينية. ولأنّ الصهيونية طرحت نفسها بصفة "حركة تحرر قومي" لما أسمته "الشعب اليهودي"، فصنيعتها أو ثمرتها -إسرائيل- ورثت هذا الدور والأيديولوجيا، وبالتالي حدّدت نفسها "دولة يهودية" في "إعلان الاستقلال" (4 أيّار مايو 1948). وبهذه الصفة، وعلى أرضية الواقع اليهودي القائم، فإنّ إسرائيل، وعلى أرضية الواقع اليهودي القائم، فإنّ إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي لا تنظر إلى نفسها، بحسبانها ممثّلة للمستوطنين فيها فقط، وإنّما بوصفها دولة الشعب العربي كلّه، في بقاع العالم بأسرها. ووفق "قانون العودة" الإسرائيلي، يمكن لأيّ يهودي اكتساب الجنسية في إسرائيل بمجرّد الهجرة إليها بنيّة الاستيطان. ولأنها تمنح هذا الحقّ لليهود حصراً، وتحجبه عن سواهم، بمن فيهم أهل البلد الأصليون -الفلسطينيون- وتميز ضدّ من وقع منهم تحت احتلالها، فإنّ إسرائيل تُعدّ في الأعراف الدولية السائدة دولة عنصريّة، الأمر الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم 3379 (لعام 1975)، الذي يحدّد صراحة "أنّ الصهيونية هي شكل من العنصرية والتمييز العرقي" فالتزام إسرائيل بالصهيونية، وبالتالي بيهودية الدولة، وعليه بالتمييز العنصري ضد غير اليهود فيها، راسخ إلى درجة منع طرحه للمناقشة في المؤسّسة الإسرائيلية الحاكمة، وذلك بموجب قانون أقرّه "الكنيست" (البرلمان) سنة 1985، يحظر طرح مشاريع قوانين "تنفي وجود إسرائيل كدولة للشعب اليهودي". وانطلاقاً من المبادئ الصهيونية التي تعتمدها إسرائيل، يعدّ الحكمُ فيها الأرضَ ملكاً جماعياً لما يسمّيه "الشعب اليهودي" وصاية الدولة أو "الصندوق القومي اليهودي"، وهما معاً يسيطران على نحو 92% من الأراضي الفلسطينية التي تم الاستيلاء عليها حتى نهاية 1948. وحكومة إسرائيل الأولى (المؤقتة التي ألفت فور إعلان الاستقلال سنة 1948)، لم تكن سوى "الوكالة اليهودية" (فرع فلسطين) بمختلف مؤسّساتها، مع تعدّد التسميات والعناوين.‏
والكيان اليهودي الذي أقامه الصهاينة في أرض فلسطين يستند واقعاً وديماغوجياً (دعاويّاً، تضليلياً) إلى مجموعة من المرتكزات الدينية والعنصرية، والتزييف التاريخي الصريح والمكشوف. فهذا الكيان تجمعه رابطة أساسية هي الديانة اليهودية بفرقها وطوائفها ومذاهبها المختلفة، ويوحّده اعتقاد اليهود بأنهم يشكلون عنصراً جنسياً متميزاً. أمّا التاريخ فقد "أعادوا كتابته" لينسجم مع تلك الأكاذيب والأضاليل، بحيث يسهم في ترسيخ القناعات بأنهم إنّما ينفذون ما أملته عليهم الأحداث، وبذلك "يستعيدون حقوقهم التاريخية" التي سلبها "الأغيار". وهذه العوامل أو المرتكزات الثلاثة مترابطة، فعنصرهم "المتميّز" حدا بالإله "اليهودي "يهوه" كي يختارهم شعباً خاصاً به فهو "إلههم" وحدهم، وهو الذي حدّد لهم شريعتهم" وطقوسهم وخرافاتهم وفحشهم وعدوانيتهم، وهو الذي جعل من نصيبهم "أرض الميعاد"!!‏
والواقع أنّ الولاء للدين والطقوس و"الشريعة" هي العناصر التي تجمع بين اليهود، في الظاهر على الأقل، وحجّة الآخذين بهذا الرأي تقوم على العناصر التالية (14):‏
1-إنّ الحقّ التاريخي الذي يخوّل اليهود الاستيلاء على فلسطين، يستمدّ مقوماته الجوهرية من الديانة اليهودية.‏
2-نّ البقاء اليهودي عبر العصور هو أشبه بالمعجزة، أو الأعجوبة، التي لا يمكن تفسيرها إلا على أساس الدين، الذي يُنظر إليه وكأنه قادر على التعويض عن غياب جميع العوامل الأخرى لحفظ التلاحم "القومي" اليهودي. وبهذا الصدد يقول أحاد هاعام: "لقد كنّا يهوداً لمدة ثلاثة آلاف سنة لأنه لم يكن بوسعنا أن نكون شيئاً آخر، ولأنّ قوة جبارة تربطنا بالديانة اليهودية وتفرض نفسها على قلوبنا، ولأنّ الديانة اليهودية تعيش فينا جنباً إلى جنب مع جميع الغرائز الطبيعية التي تنمو في الإنسان منذ ساعة ولادته("15).‏
3-إنّ مبرّر وجود إسرائيل، لا بل "حقها في الوجود" يزعمون أنه مُستَمدٌّ من الدين (16). وإذا ما كانت إسرائيل قد أسّست من أجل يهود العالم. وإذا ما كانت غايتها لم شمل اليهود الذين تنتظمهم ديانة مشتركة، فهل يمكن فصل فكرة الوطن اليهودي عن الدين اليهودي؟"(17)، كما يتساءل أوري أفنيري.‏
والحقيقة أنّ اليهود لا يشكّلون أمة واحدة، ولا يُكوّنون مجموعة قومية أو عرقية، وليس هناك تركيبة اثنية يهودية، ولا وجود لجنس يهودي متميّز، وإنّما هم عناصر بشرية تنتمي إلى جميع الأجناس، من أوروبا إلى أمريكا إلى آسيا وافريقيا. وليس لهم لغة واحدة، بل يتكلمون لغات الشعوب التي يعيشون بين ظهرانيها. وليس لليهود عادات مشتركة وتاريخ مشترك، فسلوكهم يعكس تقاليد وعادات المجتمعات في أوطانهم الأصليّة. و"الدولة اليهودية" القديمة، التي يشيرون إليها باستمرار لم تدم أكثر من 78 عاماً في عهدي داود وسليمان، وفي رقعة لا تتجاوز عشرة أميال مربعة (18). علماً أنه ظهرت في الآونة الأخيرة دراسات وأبحاث لمؤرخين إسرائيليين تشكّلت جذرياً بصحة تلك المزاعم.‏
وكان قد عبّر عن هذا الرأي الوزير اليهودي في الحكومة البريطانية، السير أدوين مونتاجو، في مذكرة رسمية قدّمها إلى حكومته بعد إصدارها تصريح بلفور، بقوله: "لا توجد أمة يهودية. إنّ أفراد أسرتي مثلاً الذين عاشوا في هذا البلد (بريطانيا) عدّة أجيال، لا يربطهم بأيّ أسرة يهودية في أي بلد آخر أي اتفاق في رأي أو رغبة. ولا يجمعهم بها أي شيء آخر أكثر من كونهم يعتنقون بدرجات متفاوتة الديانة نفسها. ولا يصح القول إنّ اليهودي في إنجلترا واليهودي في المغرب ينتميان لأمة واحدة. كما لا يصح القول إنّ المسيحي في إنجلترا والمسيحي في فرنسا ينتميان لأمة واحدة. كما لا يصح القول إنّ المسيحي في إنجلترا والمسيحي في فرنسا ينتميان لأمة واحدة" (19).‏
فالكيان الصهيوني، الذي أوجدته القوى الاستعمارية الكبرى في أرض فلسطين، يحمل في تركيبته الأثنية- القومية كل الخلافات العرقية. فما الذي يجمع قومياً اليهودي الروسي والألماني واليهودي المغربي واليهودي الأمريكي واليهودي الأثيوبي مع اليهودي الفرنسي.. الخ؟!‏
الصهيونية بأحابيلها ودسائسها وتضليلها ومزاعمها ساقت الأفراد اليهود باسم "العودة إلى أرض الميعاد"، وباسم "الخلاص" و"التحرّر" من الاضطهاد وأوضاع "الجيتو" وتحت عنوان الهروب من "العداء للسامية" والتمييز العنصري إلى فلسطين بدعم مباشر من الدول الغربية الكبرى.. فجلبت إلى هذه الأرض العربية ملايين اليهود، الذين يتحدرون من مائة وخمسين بلداً، وينتمون إلى أكثر من ثمانين شعباً ولغة. ويتوزعون على اتجاهات فكرية وثقافية تتجاوز خمسين اتجاهاً متناحراً.‏
واليوم بلغت الصراعات ذروتها، كالصراع بين الدينيّن والعلمانيّين، والصراع الطائفي والثقافي بين "الاشكنازيم" و"السفارديم" والمهاجرين الروس والإثيوبيين والصراع بين العقائد والتقاليد المبنية على الأساطير والموروث الجماعي من جهة، والتيارات والقوى السياسية البراغماتية من جهة أخرى، والصراع بين "مركزية الشتات" و"مركزية إسرائيل"، وغيرها. حيث أدّت هذه الصراعات إلى تفتت البُنية الاجتماعية -الثقافية والسياسية الإسرائيلية بين ثقافات وطوائف وقوميات ومواقف واتجاهات وقوى متصارعة حول ماهية "هويّة الدولة": هل هي كنعانية؟ أم يهودية دينيّة؟ أم يهودية علمانيّة؟ أم صهيونية؟ أم إسرائيلية؟ أم "صبّارية" عبرانية؟.. فإسرائيل المصطنعة تعيش إشكالية "اليوم السابع"، إشكالية الهوية التي لم تحسم بعد، ولن تحسم في المدى الزمني المنظور(20).‏
فالرابطة الدينية بقيت وحدها التي تجمع، أو تحاول أن تجمع، في ما بين اليهود. مع أنّ ساحة الدين اليهودي، خصوصاً في إسرائيل أصبحت هي الأخرى في وضع صراعي محتدم، لا يقلّ تنافراً ومواجهات واتهامات متبادلة عن الساحتين الاجتماعية والسياسية -الثقافية (21).‏
وإذا كان الصهيونيون المتدينّون لم يتمكنوا بعد من إقامة الدولة اليهودية الدينية، كما كانوا يأملون ويسعون، حيث أنّ أكثرية يهود إسرائيل هم من العلمانيين، لكنهم استطاعوا تثبيت قاعدة من مفاهيمهم وتصرّفاتهم وطقوسهم في واقع الصهاينة والإسرائيليين وفي وعيهم، حتى وإن لم يكونوا معتقدين بتلك الشعائر والمفاهيم. ويبرز هذا التأثير قوياً في مجالات التربية والتعليم والثقافة على الأقل. ومن أبرز تلك المفاهيم، القول بـ "العلاقة التاريخية بين اليهود وبين أرض إسرائيل"، الذي أصبح جزءاً لا يتجزأ من الوعي الصهيوني، متديناً كان أم علمانياً، ونقطة الانطلاق العقائدي الصهيوني المحورية التي لا تقبل المناقشة.‏
ومن الواضح أن ترسيخ مثل هذه المفاهيم يلعب دوراً بالغ الأهميّة، في دعم التطرف والتصلب والإرهاب الصهيوني. وهم يزعمون - في هذا المنحى - أنّه إذا كانت "أرض إسرائيل" "ملكاً" لليهود، وعلاقتهم بها "تاريخية" و"أزلية" و"ربّانية"، مستمدة من اللّه والتوراة، فلا يجوز مطالبتهم بالانسحاب من أجزاء منها. وبالتالي فإنّ كل مطلب من هذا القبيل، هو -بحسب أضاليلهم- عمل "غير أخلاقي" (22).‏
فالتراث اليهودي يشكّل المنبع الرئيس لمكوّنات الوجدان الصهيوني المعاصر، الذي تأثر به تأثراً عميقاً، ووظّفه مفكّرو الصهيونية وروّادها وقادتها ليصبّ في أهدافهم العنصرية الكبرى. ولذا فإنّ العلاقة بين اليهودية والصهيونية علاقة عضوية. حيث أنّ الاهتمام الصهيوني- الإسرائيلي باليهودية لا يعني البحث الحقيقي عن مُثل أو قيم روحية- أخلاقية قد توجد في هذا التراث، وإنما يعني الاهتمام بمدى تعبير اليهودية عن "الذات القومية"، التي يريدون لها "الانبعاث" في "أرض الميعاد".‏
فالمعتقدات اليهودية تنطوي على انغلاق شوفيني وتعصّب عرقي وعنصرية حاقدة وأهداف سياسية خطيرة. حيث أنّ الفلسفة العنصرية تشكّل معيناً ينهل منها الصهاينة جميعاً، أفراداً وأحزاباً وتيّارات ومؤسّسات، فكراً وممارسة.‏
وهذه العنصرية هي التي تقبع خلف المواقف والاتجاهات والأحزاب والسياسات المختلفة. وما الأفراد الصهاينة والجماعات الصهيونية غير تجليّات متنوعة لجوهر واحد، هو العنصرية.‏
والخطورة تكمن في أنّ اليهود يؤمنون بدرجات ونسب متفاوتة، أنّهم عندما يبنون "دولة إسرائيل"، فإنما يحقّقون بذلك استرجاع الدولة اليهودية القديمة، التي تستوجب "إعادة" بناء هيكل سليمان. كما يعتقدون بأنّ "الربّ اختار بنفسه "صهيون" لتكون مسكناً له. فهي ليست عاصمة داود السياسية فحسب، وإنما هي العاصمة الدينية التي لا يمكن للإله أن يستقر، أو يسكن، أو يُعبَد، إلاّ فيها "الربّ اختار صهيون، اشتهاها مسكناً له" (مزمو ز132).‏
والذات اليهودية مجبولة من مجموعة اعتقادات خلاصتها أنّ اليهود "يمثّلون دونما أدنى ريب، أنقى عرق وأعرق أمّة بين جميع الأمم‏
المتمدّنة" (23).‏
فالنفسية اليهودية مبنيّة على فكرة أسطورية بتفوّق اليهود، وتساميهم على الآخرين. "واليهود يشعرون بأنهم متفوقون أخلاقياً على جميع الأمم. وهذا الشعور يجسّد ذاته في فكرة الشعب المختار" (24) -كما يقول أحاد هاعام-. "وهذا الشعب يقول ناحوم غولدمان - هو شعب فريد في التاريخ. والشعور بالتفرد يستتبع الشعور بالتفوق على شعوب أخرى. ولا غرو فمفهوم "الشعب المختار" يشكل جانباً أساسيّاً من الدين اليهودي" (25).‏
هذا الشعور التفوّقي متأصّلّ في وجدانهم وعقلهم الجمعي المشترك كشعب "مختار". فهم يؤمنون بخصوصيتهم وتفرّدهم وتفوّقهم على سائر الشعوب، لأنهم "خاصّة" الإله، وأقرب الناس إلى فؤاده. والزعم بالاختيار والتفوّق راسخ في نفوسهم بفعل نصوص التوراة "العهد القديم" التي يتشرّبها الطفل اليهودي مع نشأته في أحضان البيت والمدرسة والمعبد. وكتاب التوراة يزخر بالنصوص التي تضفي على عنصرهم صفات القداسة والتميّز. مثلاً قول "إلههم" لهم: "وأتخذكم لي شعباً وأكون لكم إلهاً" (الخروج، الأصحاح السادس: 7)، و".. تكونون لي خاصّة من بين جميع الشعوب.. وأنتم تكونون لي مملكة كهنة وأمّة مقدّسة" (الخروج، الأصحاح التاسع عشر: 5-69)، و"لأنّك أنتَ شعبُ مقدّس للرب إلهك. إياك قد اختار الربّ إلهك لتكون له شعباً أخصّ من جميع الشعوب الذين على وجه الأرض" (تثنية، الأصحاح السادس: 6).‏
وكتبَ أحبارُهم على لسان "إلههم" (يهوه) مخاطباً "ابنته" - إسرائيل: "وبنو الغريب يبنون أسوارك وملوكهم يخدمونك.. ليُؤتى إليكِ بغنى الأمم وتُقاد ملوكهم.. وبنو الذين قهروك يسيرون إليك خاضعين وكلّ الذين أهانوك يسجدون لدى باطن قدميك.. وترضعين لبن الأمم وترضعين ثدي ملوكِ وتعرفين أنّي أنا الرب مخلصك.." (أشعياء، الأصحاح الستون: 10-16).‏
وكتبوا على لسان (يهوه) مُخاطباً "شعبه المختار": "ويقف الأجانب ويرعون غنمكم ويكون بنو الغريب حرّاثيكم وكرّاميكم. أمّا أنتم فتّدعون كهنة الرب تُسَمّون خدام إلهنا. تأكلون ثروة الأمم وعلى مجدهم تتأمّرون (أشعيا، الأصحاح الحادي والستون: 5-6).‏
هذه نماذج مما تحفل به "توراة اليهود" وهي كتابهم "المقدّس" غُرست عميقاً جداً في ذهنية اليهود، في وعيهم وفي عقلهم الجمعي، وموروثهم المتداول عبر آلاف السنين، فنبتت في نفوسهم وعقولهم ووجدانهم وغريزتهم وسلوكهم أفكارُ التميز ومشاعر التفوق والاختيار، والإيمان المطلق بالانتصار على الشعوب الأخرى، والنظر إليها نظرة استعلائية، عنصرية، احتقارية، نظرة الطاهر إلى أنجاس، نظرة السيّد إلى العبيد والخدم، والمقدّس إلى الأشرار. ورسّخت عصور الهزائم والضياع والنبذ جذور الانعزالية والتعصب العنصري، والشكّ بكلّ الأمم والشعوب، وشكّلت، بتقسيمها العالم إلى قسمين: الشعب اليهودي (المختار) والشعوب غير اليهودية (الأغيار)، شكلت المرتكزات الأساسية للذهنية العنصرية، المتداخلة مع قراءات منتقاة لنصوص مُعيّنة من دينهم اليهودي.‏
ومن تلك النصوص والتفسيرات والاجتهادات انبثقت جملة من المقولات العنصرية، التي ترفعها الصهيونية شعارات "مقدّسة" لا تقبل التشكيك أو المناقشة، مثل مقولات الشعب المختار، الشعب المميّز، ورثة أمجاد الرّب، أرباب العهود مع اللّه، أمّة الكهنة والقديسين، "أنقى جنس خلقه اللّه" (26)، و"المخلوق الفريد" (27)، "المُحاط بهالة من أشعّة الأمجاد" (28) وغيرها وغيرها من مخزون الاستعلائية، الصهيونية الكريهة.‏
فالقومية الصهيونية لا تنفصل بتاتاً عن العقيدة اليهودية ومفرداتها ومفاهيمها وتعاليمها، ومقولاتها، التي تنص صراحة على أنّ اليهود يشكلون عنصراً مميزاً على سائر العناصر البشرية، وشعباً متميزاً على الشعوب كافة، بخصائصه وفرادته، و"اختياره" من قبل "الربّ" ذاته. وهي بذلك تجعل من نظرّية الجنس، أو العرق، أساساً جوهرياً لها. وعلى هذا الأساس تقوم النظرية العنصرية في اليهودية -الصهيونية.‏
يقول يئير بار إيلان زعيم منظمة "مزراحي" الصهيونية: "إنّ شعبنا وعقيدتنا الدينية يختلفان تماماً عن جميع الشعوب والأديان الأخرى" (29).‏
ويقول ناحوم غولدمان: "إنّ محاولة وصف الشعب اليهودي بأنه جماعة تتميّز بالجنس والديانة، أو بالوحدة الثقافية والقومية، يُعدّ موضوعاً غير ذي أهمية. فتاريخه الفريد قد خلق وحدة جماعية فريدة". ويضيف: "إنّ الشعب اليهودي هو ظاهرة تاريخية فريدة. وهو في الوقت نفسه أمّة، ووحدة دينية كاملة، وعرق. وما من فكرة عن أمة أو شعب أو دين قادرة، إن لم تكن يهودية، على أن تشرح بدقة هذه الظاهرة التاريخية الفريدة. فنحن أمة عالمية تمثّل مجتمعاً خاصاً لا شبيه له في تاريخ الإنسانية" (30).‏
و"الشعب اليهودي - يقول شموئيل أتينغر- احتفظ بتفرده التاريخي والثقافي والديني(31). لأنه "شعب يعيش وحده وبمفرده" (32) كما يقول بن غوريون وكان تيودور هرتزل يردّد دائماً: "إنّ اليهود بقوا شعباً واحداً وجنساً متميزاً" (33).‏
من هنا فإنّ دراسة الصهيونية ومرتكزاتها العنصرية، تقتضي دراسة مقولات ومفاهيم العقيدة اليهودية، لأنها المنبع الرئيس، الذي تستمدّ الصهيونية منها توجهاتها وقيمها وديماغوجيتها العنصرية، الشوفينية، ومنه استقت الحركات والجماعات الصهيونية الإرهابية، المتطرفة بغضها للعرب وحقدها على الفلسطينيين وعلى الشعوب والأمم الأخرى.‏
ولسنا من "اخترعوا" هذه العلاقة العنصرية - الجدليّة بين اليهودية والصهيونية، فقد أشرنا (ولو بصورة موجزة لأنّ المجال لا يسمح بالتوسّع والتفصيل) إلى آراء أبرز الشخصيات الصهيونية، ومفايهم مؤسّسي هذه الحركة العنصرية- الإرهابية حول التداخل، الذي لا ينفصم عراه بين الصهيونية والدين والتراث اليهودي- الأمر الذي يعني أنّ الصهيونية هي الوجه السياسي- الفكري والأيديولوجي لليهودية، كما أن اليهودية هي المرتكز الديني للصهيونية. أما "إسرائيل" فهي التجسيد العملي والسياسي والكياني للظاهرتين معاً. وفي هذا الإطار يقول الكاتب الصهيوني هيرمان ووك في كتابه "هذا هو إلهي": "إنّ دولة إسرائيل، التي هي أحدث تحقيق لأقدم حلم ديني في الأرض، وضع مُخَطّطها مؤسّس لا ديني، وأوجدها رجال هم بالأغلب لا يراعون أحكام العقيدة. ومع ذلك فإنّ الصهيونية التي ازدهرت حالياً في إسرائيل تقع بالتأكيد ضمن مجال النظر البعيد للديانة اليهودية" (34).‏
من هنا لا تُفرّق أغلبية اليهود بين دينها وقوميتها. إنهما وجهان لأيديولوجية شاملة. فكلمة "يهودي" تشير إلى دين. وكلمة "صهيوني" تشير إلى أرض. وعليه فهناك وضع تلاحمي -تكاملي بين النواحي الدينية والقومية والأيديولوجية في فكر الصهاينة وممارساتهم العدوانية- الإرهابية. وهذا الحاخام الأكبر لتل أبيب، شلومو غوريون، يعلن أنه "لا يمكن الفصل بين أرض إسرائيل وبين تعاليم اليهودية، وإنّ فصل قيم التوراة عن وصايا استيطان البلد هو بمثابة فصل الروح عن الجسد" (35).‏
وكان بن غوريون يرى أنّ أهم ركن من أركان الدين اليهودي هو الارتباط بالأرض "أرض الميعاد"، وأن تعلّق اليهودي "بأرض الميعاد" ناتج عن الصبغة القومية والإقليمية في الدين اليهودي. وأنّ اليهودي الحقيق هو الذي "يرجع إلى هذه الأرض. أمّا من يرفض "العودة" والاستيطان في فلسطين فيُعَد برأي بن غوريون خارجاً على الدين، تاركاً للّه، لأنّ الإله "يهوه" ظهر مرتبطاً بالأرض. أما موسى هس فكان يرى "أنّ الدين اليهودي هو المسوّغ الأول لولادة القومية اليهودية.. وأن المعتقدات اليهودية هي قبل كل شيء عقائد قومية ووطنية وكل من يدين بها هو قومي وطني" (36).‏
وكان الحاخام أبراهام كوك (1865-1935) يرى أنّ "فصل الجانب الديني عن الجانب القومي في الروح اليهودية من المستحيلات المطلقة، لأنّ روح إسرائيل، على حد قوله، ملتصقة بروح الله، لدرجة أن أي قومي يهودي، بغض النظر عن مقدار علمانيّته، يجد النور والقدسية في الروح القومي" (37).‏
وفي المؤتمر الصهيوني الثامن والعشرين، الذي عقد في القدس المحتلة، أعلن مناحيم بيغن أنه "لا يمكن الفصل بين القومية وبين الدين في‏
اليهودية" (38).‏
الصهيونية في جوهرها عقيدة متطرفة، استمدت أصولها من مفاهيم الديانة اليهودية وأساطير تعود إلى ثلاثة آلاف سنة، والتي تنصّ على أنّ إله اليهود "يهوه" قد وعد شعبه الخاص -بني إسرائيل، بأرض فلسطين، ملكاً أبدياً.. وخصّهم بها ميراثاً أزلياً. وجاءت الحركة الصهيونية فوظّفت تلك القصص والحكايات والأساطير، وتبنّت -وفق خطة استراتيجية متغيرة، متجدّدة -تحقق تلك التنبؤات والأحلام، القائمة في جذور الديانة اليهودية، وفي أعماق العقل الجمعي اليهودي. وبذلك أصبحت الحركة اليهودية، التجسيد العملي والواقعي للرؤى اليهودية. وهذا ما عبّر عنه بن غوريون بقوله: "إنّ الصهيونية تستمدّ وجودها وحيويتها وقوتها من مصدر عميق، عاطفي، دائم، مستقل عن الزمان والمكان، وقديم قدم الشعب اليهودي، هذا المصدر هو الوعد الإلهي، والأمل بالعودة" 039).‏
ويُفهم من كلام معظم قادة الصهيونية أنّ هذه الحركة أقامت (بالتعاون الوثيق مع الدول الغربية الكبرى) "دولة إسرائيل في أرض فلسطين، استناداً إلى أساطير وتنبؤات "العهد القديم". ويُفهم أيضاً أن الصهيونية حركة قومية، عنصرية، إرهابية، لها جذورها العميقة في الديانة اليهودية. فلا صهيونية من دون يهودية، لأن الصهيونية ما فتئت تعمل، بجهود هائلة وأساليب شديدة التنويع والمكر، على تحويل التنبؤات والرؤى والأساطير والوعود إلى حقائق واقعية. وقد اتخذ قادة الصهيونية ومفكّروها من عقيدة "العودة" إلى "أرض الميعاد" وسيلة لإثارة حماس اليهود الديني والعاطفي، وتحشيدهم، ومن ثم استغلال ذلك كلّه لاقتلاع اليهود من مواطنهم الأصليّة، وشحنهم إلى فلسطين.‏
ولهذا لا يمكن فهم أبعاد العنصرية الصهيونية، والتطرّف والإرهاب الإسرائيلي، ما لم تتم العودة إلى المنابع والمصادر والمرتكزات التي تقوم عليها وبها العنصرية الصهيونية، تلك القائمة على الروح العنصرية والتمايز العنصري والعقلية الاستعلائية الحاقدة. إذ أن عقليتهم الحاضرة، تضرب عميقاً في التراث الديني والتاريخي اليهودي، وتتعذّى من نزعة التفوق والشعور بالتميّز عن الآخرين، والتفرّد والاختيار.‏
والتوراة هي الكتاب "المقدّس" الأول لدى اليهود، وهو المرآة التي أسقط عليها اليهود أخلاقهم ورؤيتهم وتطلعاتهم. وقد وضع عددٌ من الكتّاب مؤلفات وبحوث ودراسات، تحلّل الصلة الروحية والنفسيّة والذهنية بين نصوص التوراة وتصرفات اليهود الحاليين، والإرهاب الذي تمارسه الصهيونية، سواء في فلسطين والأراضي العربية المحتلة، أو في أنحاء العالم الأخرى. لكنّ الذي يعنينا هنا التأكيد على فكرة الترابط العضوي والتكاملي بين اليهودية والصهيونية والكيان الإسرائيلي من جهة، وبين الفلسفة العنصرية اليهودية -التراثية، وتجلياتها العديدة في الفكر الصهيوني الحديث والمعاصر، كأفراد أو مؤسّسات أو حركات وجماعات من جهة أخرى.‏
فمن يستطيع محو الاعتقاد اليهودي بأنّ الإله "يهوه" هو الذي حذّرهم من مخالطة الشعوب، أو قطع العهود معها. ومن بإمكانه إلغاء الإيمان اليهودي المتوارث منذ آلاف السنين، بأنّ الربّ هو من فرض عليهم إبادة الشعوب المجاورة أو طردها. كقوله (أو قول قادتهم على لسان الربّ): "متى أتى بك الربّ إلهك إلى الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها، وطرد شعوباً كثيرة من أمامك الحثيين والجرجاشيين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحوريين واليبوسيين. سبع شعوب أكثر وأعظم منك ودفعهم الربّ إلهك أمامك وضربتهم فإنك تحرّمهم. لا تقطع لهم عهداً ولا تشفق عليهم" (تثنية، الأصحاح السابع:‏
1-2). وقوله (أو بالأصحّ قول قادتهم):" وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الربّ إلهك نصيباً فلا تستبق منها نسمة ما، بل تحرّمها تحريماً" (تثنية، الأصحاح العشرون: 16) ومئات غيرها من "الوصايا" و"التعاليم"، التي تنفجر حقداً وعنصرية ورُعْباً.‏
ومن يقدر على إقناع اليهودي العاديّ أنّ الإله "يهوه" لن ينصرهم على "الأعداء"، ويمكّن "شعبه الخاص" من الاستيلاء على أراضي الشعوب ومدنها ومزارعها ومياهها. أليسوا مؤمنين بأنّ "يهوه" مقاتل باطش، مرعب، حقود، متنقم، يسير أمام المحاربين (اليهود) لأنه ربّ الجنود وهو الذي "أمرهم" بتدمير المدن وتذبيح البشر في هجمات وحشية صاعقة، كاسحة.‏
ومنذ اتخذ بنو إسرائيل "يهوه" إلهاً لهم، جعلوه إلهاً غاضباً، ظالماً، قاسياً، متعطشاً لدماء الضحايا، حقوداً. فهو يأمر "شعبه المختار" بإبادة "كلّ ما في المدينة من رجل وامرأة، من طفل وشيخ، حتى البقر والغنم والحمير بحدّ السيف" (يشوع: الأصحاح السادس: 21).‏
فهل يمكن للإله الرحيم أن يقول: "واقتل رجلاً وامرأة، طفلاً ورضيعاً، بقراً وغنماً، جملاً وحماراً" (سفر صموئيل الأول، الأصحاح الخامس‏
عشر: 3)؟! وهل غير "ربّ اليهود" "يهوه" يمكن أن يأمر بقتل الأطفال والرضّع والحيوانات المسكينة؟!!‏

* النزعة الفاشية -العنصرية في الفكر الصهيوني الاستيطاني‏
ليس من أهداف هذا البحث التأريخ المفصل لآراء المفكرين الصهاينة أو الحركات الصهيونية، في إطار ما يُسمّى بالصهيونية السياسية، والتي نشأت في أواخر القرن الماضي، وأوائل القرن العشرين، وقد جسّد دعاواها ووضع الخطوط الأساسية لمشروعها مؤتمر "بال" 1897م، لسنا بحاجة إلى هذا الغرض لأنّ المكتبة العربية عامرة في هذا الجانب، وكذلك في ما يتّصل بالجذور الدينية (التوراتية والتلمودية) للفكر الصهيوني.‏
إنّ ما يعنينا هنا الفلسفة العدوانية، والروح الحاقدة، والنزعة المتطرّفة والفوقية والإرهابية لعدد من مفكّري ومنظرّي الصهيونية من الاتجاهات والتّيارات المختلفة. كما هو معروف فإنّ الأغلبية الساحقة من هؤلاء الفلاسفة والمفكرين والدعاة (ولا سيما الأوائل) عاشوا في أوروبا الشرقية، التي كانت تغلي بالثورة، وتصاعد المدّ الاشتراكي والفكر الثوري، ونشاط الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي بوجه خاص. ولذلك فقد لبس معظمهم الأقنعة الثورية، وادّعى الانتماء لليسار والاشتراكية بل وللماركسية، لمداراة حقيقة فكرهم وانتمائهم للصهيونية الشوفينية، وجوهرها المعادي للإنسانية، وأهدافها العدوانية، وروحها العنصرية -التدميرية. وقد لجؤوا لتحقيق غرضهم هذا إلى المخاتلة والمناورة والتلفيق في الفكر، والمواقف حتى يجمعوا بين عرقيتهم الاستعلائية البغيضة ونزعتهم الشوفينية، ودعاواهم "الاشتراكية و"الاندماجية" و"الاصلاحية" و"التحررية". وذلك من أجل جذب وخداع الشباب اليهودي، الذي انخرط بغالبيته في النضال التحرري الديمقراطي والاشتراكي، وفي الحركات الثورية التي كانت تغطّي الساحة السياسية الأوروبية حينذاك(40).‏
وقد أسفرت الصهيونية كما أسفرت الحركات الرجعية السوداء في أوروبا، عن حقيقتها- من خلال بروز تيار فاشي صريح- لا يتخفى وراء أقنعة أو شعارات اشتراكية زائفة، وهو ما يُدعى بالتيار "التنقيحي" بزعامة "فلاديمير جابوتنسكي" (1880-1940). وهو زعيم صهيوني متطرّف وقائد حركة "الصهيونيّين التنقيحيّين". ولد في روسيا من عائلة تنتمي إلى الطبقة الوسطى. شارك في المؤتمرات الصهيونية في مطلع القرن العشرين وانتقل إلى استانبول، حيث تولى مسؤولية الصحافة الصهيونية (1909-1911)، وعمل على المشاركة في تأسيس الصندوق القومي اليهودي والفيلق اليهودي. شارك مع وحدات "الهاغاناه" في ضرب المظاهرات العربية في القدس عام 1920. في عام 1921 أصبح عضواً في اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية العالمية، وعمل على محاربة البلاشفة بصفته الرسمية آنذاك. استقال في عام 1923 وأسّس حركة "بيتار" (أو بيطار) وفي عام 1925 أسّس اتحاداً عالمياً للتنقيحيّين، نظراً لخلافه مع القيادة الصهيونية، واتهامه لها بالتخاذل وعدم الحسم. كما أسس في الثلاثينيات منظمة صهيونية للعمّال تنافس الهستدروت، ومن مواقع مؤيدة للرأسمالية لإقامة مجتمع صهيوني رأسمالي. اشتهر جابوتنسكي بميوله الإرهابية وتمجيد العنف والقوّة، وقلّد الفاشية في الثلاثينيات وشجّع تهريب اليهود إلى فلسطين، ودعا صراحةً وعلانيةً إلى سياسة الإرهاب والقوّة والطرد والسحق للعرب، بغية إجبارهم على الاعتراف بالوجود الصهيوني، وبذلك يُعَدّ "رائداً" للفكر العنصري -الشوفيني، الذي تبنّته المؤسّسة العسكرية الإسرائيلية فيما بعد(41). وكان هذا التيّار، كما كشفت الأحداث اللاّحقة هو المعبّر الأصدق والأكثر أمانة وصراحة عن الفلسفة الصهيونية وأهدافها العدوانية -الاستيطانية. لقد كان الخلاف بين التيارين المتطرّف و"المعتدل" (بزعامة وايزمان والعناصر الاشتراكية -الصهيونية) خلافاً في التكتيك وفي أساليب العمل، ووسائل تحقيق المشروع الصهيوني، في إطار الظروف العالمية والإقليمية والمحلية السائدة في كل مرحلة. ففريق وايزمان والقيادة الصهيونية تصرّف وفق سياسة حاذفة، "سياسة الخطوة خطوة" في تنفيذ مشروع ما زال يحبو في المهد، ولا يعلن عن أهدافه الحقيقية، بل هو ينكرها أو يستنكرها أحياناً، في حين أعلن جابوتنسكي على الملأ دون لفّ و دوران الأهداف الاستيطانية -الإفنائية الحقيقية والبعيدة، والوسائل الإرهابية والعدوانية، التي ينبغي سلوكها مع العرب، أصحاب الأرض الأصليين.. للوصول إلى تلك الأهداف. فدعا صراحة ودون مواربة إلى تطبيق الأساليب الفاشية إزاء العرب. وهو بذلك يكاد يكون المفكّر والداعية الساسي الصهيوني الأوّل، الذي أفصح عن فلسفته العرقية والفاشية- الاستعلائية، مباشرة وصراحة، على غير عادة الجمهرة من هؤلاء المفكرين والمنظّرين، الذين كانوا يزعمون الانتماء للقوميات الأوربية الصاعدة، أو للحركات الديمقراطية والاشتراكية واليسارية ذات النزعة الإنسانية الأممية.‏
وعلى خلاف وايزمان وقادة المنظمة الصهيونية، الذين يتهمهم بالضعف، كان جابوتنسكي يؤمن أنّ العسكرة وسياسة الأمر الواقع في تنفيذ الهجرة المكثفة على حساب السكّان العرب.. هي الاستراتيجية التي يجب أن يتبعها الصهاينة لتنفيذ أهدافهم التوسّعية- الاستيطانية. أمّا بن جوريون والقادة "الاشتراكيون" فلم يكونوا يعارضون تشكيل فرق القتل والإرهاب، ولكنهم كانوا يفضّلون التصرف بحذر خشية إثارة العرب قبل استكمال الاستعدادات.‏
كان جابوتنسكي يطالب بكلّ فلسطين لليهود، كما طالب بضم أراضي شرق الأردن، "لأنها جزءٌ لا ينفصل عن فلسطين" (كما كان يؤكّد)، وأن تدخل في إطار الاستيطان اليهودي. هذا هو مفهومه عن "الوطن القومي" الوارد في وعد بلفور وفي صك الانتداب: دولة مستقلة يهودية على كل أرض فلسطين وشرق الأردن.‏
وكان جابوتنسكي يرد على الآراء، التي ترى أنه لا يجوز الإعلان عن أهداف الصهيونية صراحة، بالقول: إنّ العرب قد اطلعوا على "الدولة اليهودية" بحسب هرتزل (1860-1904)، ويعرفون هدف اليهود الحقيقي، أما سياسات التآمر وإخفاء الأهداف الحقيقية للصهيونية، فإنها لا تخدع سوى أصدقاء الصهيونية، لا أعدائها، ولتوفير الأغلبية اليهودية لا بدّ من الهجرة بأعداد كافية، ونشر الاستيطان إلى شرق الأردن. أما عداوة العرب للصهيونية، وللاستيطان اليهودي، فهي أمر طبيعي ولا مندوحة عنه، وبما أنّ اليهود هم الذين "تهددهم الكارثة في أوروبا" فإن طلبهم الأمان "في وطنهم القومي" هو قضية عادلة تماماً وأخلاقية! ولا محل للتساهل أو التفاهم مع العرب في هذا الأمر، ولا مجال للتأخير أو الانتظار، لأن العرب سيستمرون في معارضتهم هذه، حتى يُفرض عليهم الأمر الواقع بالقوّة، وحتى يدركوا أن ليس هناك إمكانية لتدمير إسرائيل، وأنه لم يعد أمامهم سوى أنْ يتقبلوا العيش مع الأغلبية اليهودية، ومن هنا فإن وجود جيش يهودي هو الضرورة العاجلة، كما كان يصرّح دائماً وفي مناسبات كثيرة (42).‏
إن جابوتنسكي يستمد عناصر فلسفته الصهيونية من نظريات "التفوق العرقي" والصورة المثالية "للأمة المطلقة" و"الشعب المختار" و"الأفكار والآراء والنماذج الفاشية والقومية المتعصبة في أوروبا. وقد تجلّت فلسفته العنصرية في كتاباته السياسية والأيديولوجية، وفي روايته "روما والقدس" (على لسان بطل الرواية شمشون)، وفي مقالاته حول منظمة "بيتار" "الشبابية -الصهيونية المتطرفة. وتتّسم فلسفته العنصرية -العدوانية بالانفعال والديماغوجية ومخاطية الغرائز، وإيقاظ مشاعر الكره والحقد والتعصّب. والواقع أنّ هذه السمات كلها تنطبق بشكل دقيق على البرنامج الصهيوني في مجموعة، وعلى الحركة الصهيونية بكل أحزابها وتفرعاتها، ولكنها أوضح وأصرح ما يكون في برنامج جابوتنسكي "التنقيحي" الذي لخّصه في جولة له في بلاد البلطيق في‏
عام 1924 قائلاً:‏
"برنامجنا ليس معقداً، فهدف الصهيونية خلق دولة يهودية، حدودها ضفتا الأردن، ونظامها: استيطان مكثّف ومشاكلها المالية تحل من خلال قرض قومي. هذه المبادئ الأربعة لا تتحقق دون قبول دولي، ولذا فإن شعار الساعة هو حملة عالمية جديدة، وعسكرة الشباب اليهودي في أرض إسرائيل وفي الدياسبورا" (43).‏
والواقع أنّ جابوتنسكي وزملاءه في الحركة الصهيونية بتياراتها وتفرّعاتها المختلفة، يستمدون فلسفتهم العنصرية والإرهابية- العدوانية من تراثهم وعقلية الحقد والكراهية، التي ترعرعوا في محيطها، بل من كتبهم، التي (يقدسونها) ويلتزمون بتعاليمها، ومن "إلههم" القبلي، الذي ابتدعوه، ليتناسب مع نفسياتهم وأطماعهم وعجرفتهم.‏
لن نطيل في هذه النقطة، التي شكّلت مادّة ضخمة لآلاف الدراسات والتحليلات والمقارنات، ويكفي هنا الإشارة السريعة إلى أن روح العنف والحقد والأنانية التي سيطرت على هذه الجماعة، أُلصقت بإلهها الخاص "يهوه". فإذا به إله قاس، مرعب، حقود، منتقم، غيور، طمّاع، وصاحب نفسية متعالية، تشتعل بالثأر والانتقام. يسير أمام القتلة لأنه "رب الجنود"، ويأمر بتدمير المدن، وذبح البشر، في هجمات وحشية ساحقة، دونما شعور بشفقة أو حنان.‏
و"يهوه" يحثّ أتباعه على الإغارة على المدن الكنعانية العامرة بالحضارة الإنسانية، لتدميرها وإفناء ساكنيها. فهو يقول لموسى: "إنّ ملاكي يسير أمامك، ويجيء بك إلى الأموريين والحثّيين والفرزيين والكنعانيين والحويّين واليبوسيين، فأبيدهم.. أرسل هيبتي أمامك وازعج جميع الشعوب الذين تأتي عليهم وأعطيك جميع أعدائك مدبرين. وأرسل أمامك الزنابير. فتطرد الحويين والكنعانيين والحثّيين من أمامك لا أطردهم من أماكن في سنة واحدة لئلا تصير الأرض خربة فتكثر عليك وحوش البرية قليلاً قليلاً أطردهم من أمامك إلى أن تُثمر وتملك الأرض. وأجعل تخومك من بحر سوف إلى بحر فلسطين ومن البرية إلى النهر. فإني أدفع إلى أيديكم سكان الأرض فتطردهم من أمامك" (خروج 23: 23-32).‏
والواقع أن جابوتنسكي استمدّ عناصر فلسفته الإرهابية- العدوانية من عقيدة العنصرية والكراهية والتطرف، التي زرعها أحبارُهم في كلّ عبارة من عبارات "التوراة" و"التلمود" ومن الروح "الجيتوية" الحاقدة على الشعوب المتحضّرة المنفتحة، وأيضاً من تحزّبه الصريح للفاشية الإيطالية، التي عايشها زمناً (في إيطاليا) إبان صعود الفاشية واستيلائها على السلطة. وقد عبّر عن هذه النزعة من خلال جملة من المقالات والخُطب النارية، كمقالة "الإنسان ذئب الإنسان" وفكرة البيتار (أو البيطار) و"عرض تاريخ اليهود" حيث يبشّر بالعرقية الشوفينية، مؤكداً أن اليهود، وليس غيرهم، هم العرق المتفوّق على الأعراق والأمم كلها.‏
إنّ أهميّة جابوتنسكي في الحقيقة تتمثّل في طرحه لصهيونية عارية، بلا تجميل أو "رتوش" عناصرها ومقوماتها هي المرتكزات الجوهرية للصهيونية في مجموعها، برغم كل الصراعات الظاهرة والعنيفة التي فرّقت بينه وبين الأحزاب الأخرى، وخصوصاً الصهيونية العمّالية والاشتراكية. وهو لا يخفي مصادر فلسفته أو يزيّفها، فلا هي من ماركس ولا إنجلز ولا هيغل، ولا من الحركة الاشتراكية أو الفكر الليبرالي، بل من أسفار "التوراة" وكتب التلمود، ومن موسوليني والنازية. ففلسفته المتطرفة تتغذّى مباشرة وبلا مواربة من المنابع المسمومة، التي عاشت عليها أحياء اليهود المنعزلة، الحاقدة، ومن الأيديولوجيات القومية- الفاشية، التي سيطرت على أوروبا في العقود الأربعة الأولى من القرن الحالي.‏
وكان أشمير Achmeir مُنظّر "الحركة الصهيونية التنقيحية" في فلسطين يرى أن موسوليني أكبر عبقرية سياسية عرفها عصره.‏
وجاراه في هذه النزعة الفاشية "شاعر الصهيونية التنقيحية" زفي جرنبرج، الذي كان يرى في الحركة الاشتراكية العالمية العدو الأكبر، وأعلن صراحة أن كل نظام جديد في التاريخ ثبت نفسه انطلاقاً من تدمير أعدائه، ومعيار التغيير الوحيد هو كمية الدم المراق(44).‏
وقد جسّد "الصهاينة التنقيحيون" بزعامة جابوتنسكي توجّهاتهم الفاشية- الإرهابية بتشكيل "منظمة الشباب التنقيحي" (بيتار أو بيطار) في عام 1923، لإعداد الشبيبة الصهيونية للحياة الجديدة في فلسطين، والتدرّب على العمل الزراعي والقتالي، وتعلّم العبرية، وتلقينها أيديولوجية فاشية تحت شعار "الغلبة أو الموت" وسبيلها إلى ذلك خلق الأساطير: "العودة، الدم والحديد.. "ملكوت إسرائيل".. الخ والشبه بين شعاراتها وشعارات الشبيبة الفاشستيّة في العشرينات والثلاثينيات لا يخفى.‏
ولقد رفع جابوتنسكي الاستعراضات و"المارشات" العسكرية والروح الاحتفالية الشائعة في ذلك الحين بين الحركات الفاشيّة والقومية المتعصبة في أوروبا، إلى مستوى المبدأ الأعلى.‏
استقلت منظمة "بيتار" في الثلاثينيات بقيادة جابوتنسكي عن المؤسسة الصهيونية الرسمية، لتصبح نواة "المنظمة الصهيونية الجديدة"، وهي المنظمة الأم لعصابة "الأرغون" الإرهابية، وهي التي أسّسها بيغن على خطى "معلّمه" وزميله و"مثله الأعلى" جابوتنسكي.‏
ومع أنّ أعمال هذه المنظمة الإرهابية في فلسطين العربية معروفة للقاصي والداني، لكن لا بأس من التذكير بأنّ "أرغون" هو الاسم المختصر للمنظمة الصهيونية الإرهابية: "أرغون تسفاي لئمي بآرتس يسرائيل"، أي "المنظمة العسكرية القومية في أرض إسرائيل" تأسست هذه المنظّمة بالاشتراك مع جماعة مسلحة من "الهاغاناه". وكان جابوتنسكي هو الأب الروحي لهذه المنظمة، ودافيد رازيل القائد العسكري لها. بينما مثّل أبراهام شيترن قيادتها السياسية. وكان شعار المنظمة يداً تمسك بندقية مكتوباً تحتها "هكذا فقط". تعاونت مع المخابرات البريطانية بزعامة مناحيم بيغن الذي أخذ ينسق مع "الهاغاناه" أيضاً. لعبت هذه المنظمة دوراً كبيراً في تهجير اليهود إلى فلسطين والتجسّس على العرب. ولجأت إلى إرهاب العرب لإجبارهم على مغادرة البلاد، فهاجمت المدنيّين والسيارات العربية، وقامت بتنفيذ مذبحة دير ياسين بتنسيق سرّي مع "الهاغاناه". وبعد عام 1948 أُدمجت في الجيش الإسرائيلي، وأسّسَ بيغن حزب "حيروت" الذي حمل الأيديولوجية العنصرية الإرهابية نفسها. وفي عام 1968 كرّم رئيس الدولة الصهيونية قيادات "الأرغون" "لدورهم الكبير في خلق دولة إسرائيل" (45).‏
أمّا مناحيم بيغن (المولود في عام 1913) فهو الزعيم الإرهابي الصهيوني ورئيس حزب "حيروت" الفاشي وتحالف "ليكود" والقائد السابق لمنظمة "الأرغون" الإرهابية، ورئيس وزراء الكيان الصهيوني السابق‏
(1977-1983). بولندي المولد. انضم إلى منظمة "بيتار" (1929)، التي كان هدفها إعداد الشبيبة للهجرة إلى فلسطين والقتال في سبيل الصهيونية. واتّباع الإرهاب والعنف وسفك الدماء وطرد العرب وسحقهم وتشريدهم، كوسائل لتحقيق أهداف "الصهيونية التنقيحية" التي كان يبشّر بها جابوتنسكي، الموجّه العقائدي لـ "بيتار"، ومُلهِمَ بيغن ومنظمته الإرهابية "أرغون".‏
اعتقلت السلطات السوفييتية بيغن سنة 1940 بتهمة التجسّس لحساب بريطانيا، وأطلقت سراحه بعد عام. ولدى وصوله إلى فلسطين بدأ نشاطه في الصفوف الصهيونية المتطرّفة. وتولى قيادة "المنظمة العسكرية القومية أرغون تسفاي ليئومي" الإرهابية عام 1943. وفي الفترة ما بين 1943-1948 مارس بيغن الإرهاب بأنواعه كافة ضد عرب فلسطين، وضد القوات والإدارة البريطانية (الجلد بالسياط وتفجير الأماكن العامة والقتل الجماعي.. الخ)، وكان ذلك بالتنسيق في غالب الأحيان مع القيادة الصهيونية و"الوكالة اليهودية". أما أشهر أعماله الإرهابية فكانت نسف فندق الملك داوود، مقر حكومة الانتداب، ومذبحة دير ياسين الرهيبة، التي نفّذتها قوات أرغون بالتعاون مع قيادة عصابات "الهاغاناه" في 9/4/1948 ضد أهالي قرية دير ياسين العربية، الواقعة على أطراف مدينة القدس، وأسفرت عن ذبح 250 عربياً وجرح عدد مماثل معظمهم من الأطفال والنساء والشيوخ العُزّل من السلاح. أما من لم يقتل من أهالي القرية فقد اقتيد في سيارات نقلتهم إلى الأحياء من القدس، حيث استعرضوا أمام الجمهور الصهيوني المتعطّش للقتل وسفك الدماء، حيث رماهم بالحجارة وكال لهم أقذع الشتائم والإهانات. وفي المؤتمر الصحفي المُغلق الذي عقدته قيادة "الأرغون" أُعلن أنّ مذبحة دير ياسين، تشكّل بداية تنفيذ المخطط الصهيوني للاستيلاء على فلسطين وشرقي الأردن. وكانت الأوساط الصهيونية حاولت في فترة من الزمن التقليل من أهمية واقعة المذبحة وعدد ضحاياها، وإظهارها كعمل قامت به مجموعة إرهابية "غير مسؤولة" لكنّ الكاتب والصحفي الإسرائيلي إيلان هاليفي، كشف في مؤلّفه الوثائقي -"إسرائيل من الإرهاب إلى المجزرة" (46) أنّ مذبحة دير ياسين نفّذتها بتنسيق سابق وحدتان تابعتان لتنظيمين سياسيّين -عسكريين، هما "منظمة الأرغون تسفاي ليئومي" أو "المنظمة العسكرية القومية" التي كان يرأسها مناحيم بيغن، و"منظمة ليهي" التي أطلق عليها اسم "لوهامي حيروت إسرائيل" أي "المقاتلين لتحرير إسرائيل"، والمعروفة أكثر في الغرب باسم مجموعة "شتيرن" (النجمة)، والرجل الثاني فيها كان هو إسحق شامير. وقد أورد هاليفي نصّ المقابلة، التي نشرتها الصحيفة الإسرائيلية (يديعوت أحرونوت) في الرابع من نيسان عام 1972 مع العقيد مائير بايل ضابط الاحتياط وأستاذ التاريخ العسكري في "جامعة تل أبيب"، حيث بيّن بالوثائق والقصص التي تحدّث بها المشاركون في المذبحة (من التنظيمين الإرهابيّين) كيف أنها نُفّذت بأوامر مباشرة من بيغن وشامير، اللّذين كان بن غوريون يُطلق عليهما لسنوات عديدة لقب "الفاشيّين".‏
وقد دعّم شهادة بايل إسرائيليون آخرون، كمورخ "الأرغون" يهوشا أوفير في كتابه "المعاقل". واللافت للانتباه أن رؤساء هذين التنظيمين أصبحوا فيما بعد مؤسّسي "دولة إسرائيل"، وكانوا يشكّلون المعارضة البرلمانية قبل أن يتعاقبوا على رئاسة الوزراء(47).‏
وبعد سرده لتفاصيل المذبحة، وطبيعة المناقشات التي دارت بين القادة الميدانيين الذين أشرفوا مباشرة على تنفيذها يقول مائير بايل: "إنّ الهجوم على دير ياسين وصمة عار سوداء في تاريخ الشعب اليهودي والمجتمع‏
الإنساني"(48).‏
وعودة إلى الاتهامات المتبادلة بين التنظيمات الإرهابية الصهيونية، في ما يخصّ الجهة التي قامت بالعملية، فإننا نقرأ في وثيقة "الليهي" الصادرة في شهر نيسان عام 1948 "رداً على إعلان الهاغاناه" (القطري /ضابط الارتباط) إلى قيادة هذين التنظيمين، والذي يشير إلى الأعمال التي قاموا بارتكابها، وجاء فيها: "إنكم عزمتم مهاجمة دير ياسين.. ضمن خطتنا العامة، وليس لدي أي اعتراض حول ما كلفتهم به من مهمة شرط إنشاء قوة كافية لمهاجمة القرية بعد أن تتم العملية.." (49).‏
وكان لهذه المجزرة الأثر الكبير في هرب السكّان العرب من بيوتهم وقراهم، خصوصاً أنّ جهل الإعلام العربي الداخلي، أغفل ما للتركيز على نشر تفاصيل المذبحة من أثر نفسي سلبي خطير باتجاه تشجيع النزوح، والإسهام في تنفيذ الخطة الصهيونية العنصرية في هذا المجال، حيث قامت عصابات الهاغاناه والأرغون وشتيرن وبالماخ بتطبيق استراتيجيتها الكبرى، القائمة على طرد أكبر عدد من السكان العرب وإبادة من يرفض النزوح، وإقامة سلسلة من المستعمرات الاستيطانية اليهودية على امتداد الأراضي العربية المحتلة، وإذا كانت الأوساط الصهيونية حاولت في وقت إغفال حقيقة انضمام تلك المجموعات إلى كيان الجيش الإسرائيلي، إلاّ أنّ "الدولة الإسرائيلية" كرّمت تلك المجموعات الإجرامية بعد حوالي عشرين سنة من المذبحة، وأعادت تقييمها على أساس أنها "عمليات لا بدّ منها"، وأنّ الذين نفذوها "يستحقون الأوسمة والتكريم"، وفي مقدمتهم المجرمان مناحيم بيغن وإسحق شامير، اللّذان أسندت إليهما رئاسة الحكومة الإسرائيلية بعد حوالي ثلاثين عاماً من تلك المجازر الفظيعة.‏
والواقع أنّ بيغن وشامير ورابين ودايان- ككلّ الصهاينة من مفكرين وعسكريين وساسة- كانوا دائماً منسجمين مع أيديولوجيتهم العنصرية والفاشية والإرهابية، عندما كانوا -وما يزالون- يمارسون القتل والعنف وذبح الأبرياء وتهجيرهم، وإزالة بلدات وقرىً ومزارع عربية من الوجود نهائياً.‏
وهم لا يخفون تلك الوقائع الإجرامية، وإنما -على العكس من ذلك- يتفاخرون بها، بحسبانها "بطولات وتضحيات عظيمة" في سبيل إنشاء الكيان الصهيوني، وتحقيق أهدافه الاستراتيجية الكبرى. والدليل على ذلك مذكّراتهم ومؤلّفاتهم ومقالاتهم، المتداولة على نطاق واسع في الأوساط الإسرائيلية والصهيونية العالمية.‏
وعلى سبيل المثال فإنّ بيغن كتب كثيراً من المقالات السياسية، التي تدافع بحرارة وتعصّب عن كلّ عمل إجرامي قامت به عصابات "الأرغون"، التي كان يقودها. وله "مذكرات" حول قيام هذه المنظمة الإرهابية ونشوئها والأعمال القذرة التي مارستها، وذلك تحت عنوان "الثورة". كما نشر كتاباً تناول فيه فترة اعتقاله (بتهمة التجسّس) في روسيا أسماه "الليالي البيضاء". وفيهما ما يكشف فلسفته العنصرية ومزاجه الإرهابي- العدواني. حيث يعترف مباشرة أنّ "الاستيلاء على دير ياسين والتمسّك بها، كانت واحدة من إحدى مراحل المخطط العام، وأن المجزرة قد تم تنفيذها "بعلم الهاغاناه وبموافقة قائدها"، بالرغم من الغضب الكاذب، الذي عبّر عنه المسؤولون في "الوكالة اليهودية" آنذاك، والمتحدثون الصهاينة إرضاءً للرأي العام العالمي.‏
وعندما قام حاكم مصر أنور السادات بزيارته الشهيرة للقدس المحتلّة، وألقى خطابه المعروف أمام "الكنيست" ردّ عليه بيغن بعجرفة بالغة وحقد وعنصرية كريهة. وبالرغم من كلّ التنازلات التي قدّمها له حاكم مصر في "كامب ديفيد"، فإنه لم يتراجع خطوة واحدة عن مواقفه الصهيونية الحاقدة، لا بل استفاد من هذه التنازلات لتحقيق مكاسب إعلامية، كان أبرزها منحه مناصفة مع السادات "جائزة نوبل للسلام" وسط احتجاج واسع ضدّ هذا الإرهابي العنصري المفضوح.‏
وقد أصبحت مذبحة "دير ياسين" نموذجاً نمطياً لعدد من المذابح الصهيونية الأخرى "الناجحة". فلقد ذكر يتشاكي في جريدة "يديعوت أحرونوت" الصادرة في 14 نيسان /أبريل عام 1972، أمثلة كثيرة لـ "دير ياسين" وقعت في عام 1948.‏
واختار يتشاكي ما حدث في "اللّد" على أنه أشهر عملية قامت بها قوات "البالماخ" وقد تم تنفيذ عملية "اللّد"، المعروفة بـ "حملة داني"، لإخماد انتفاضة عربية شعبية قامت في تموز /يوليو عام 1948 ضد الاحتلال الإسرائيلي. فقد صدرت تعليمات بإطلاق الرصاص على أي شخص عربي يتحرّك في الشارع، وفتح جنود البالماخ نيران مدافعهم الثقيلة على جميع المشاة، وأخمدوا، بوحشية، هذا العصيان العفوي خلال ساعات قليلة، وأخذوا يتنقلون من منزل إلى آخر، يطلقون النار على أي هدف متحرّك ونتيجة لذلك لقي 250 عربياً مصرعهم (وفقاً لتقرير قائد اللواء). وذكر كينيت بيلبي، مراسل جريدة "الهيرالد تريبيون" الذي دخل "اللّد" يوم 12 تموز /يوليو، أنّ موشي دايان قاد طابوراً من سيارات الجيب، التي تقلّ عدداً من الجنود المسلحين بالبنادق والرشاشات من طراز ستين والمدافع الرشاشة ذات الكثافة النارية الكبيرة. وسار طابور العربات الجيب في الشوارع الرئيسية، يطلق النيران على كل شيء يتحرك، ولقد تناثرت جثث العرب، رجالاً ونساءً، بل وحتى جثث الأطفال في الشوارع.‏
في أعقاب هذا الهجوم (50). وعندما تمّ الاستيلاء على "رام الله" في اليوم التالي، ألقي القبض على جميع من بلغوا سنّ التجنيد من العرب، وأودعوا في معتقلات خاصّة (51). ومرّة أخرى تجوّلت العربات في المدينتين، وأخذت تعلن، من خلال مكبرات الصوت، التحذيرات المعتادة، وفي يوم 13 تموز يوليو أصدرت مكبرات الصوت أوامر نهائية، حددت فيها أسماء جسور مُعينّة طريقاً للخروج(52).‏
وقد علّق حاييم وايزمان على نتائج الإرهاب والمكر الصهيونيين قائلاً: إنّ خروج العرب بشكل جماعي كان تبسيطاً لمهمة إسرائيل ونجاحاً مزدوجاً: انتصار إقليمي، وحل ديموغرافي نهائي (53)، إنّ الأرض، بعد تفريغها من سكانها، أصبحت بلا شعب حتى يأتي الشعب الذي لا أرض له(54).‏
ويعد عام 1948 أصبحت الفظائع الصهيونية والإرهاب الرسمي والقتل الجماعي والإبادة المنظمة، استراتيجية ثابتة اتّبعها الكيان الصهيوني ضد عرب الأراضي المحتلة، وضدّ الشعب اللبناني (مجازر صبرا وشاتيلا وتهجير القرويين جماعياً.. ومجزرة قانا)، وضد أبناء الجولان وغيرها من الأراضي العربية، الرازحة تحت نير الاحتلال، أو محاذية لقوّاته ذات الطابع العدواني- الإرهابي. (وهناك دراسات ووثائق حول هذه الفظائع، لذلك لن نتوقف عندها في بحثنا هذا). بل بلغت انتهاكات الصهاينة وجرائمهم وإرهابهم دولاً وشعوباً ليس لها حدود مشتركة معهم، مثل تونس وأوغندة والعراق وغيرها من الدول، ناهيك عن أعمال "الموساد"، التي شملت معظم أنحاء العالم، والحديث عنها يتطلّب دراسات خاصة. وقد كتب حول هذه الأعمال الإرهابية عشرات المؤلفات ومئات الوثائق والأدلّة القاطعة.‏




التوقيع

إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بدّ أن يستجيب القــــدر
و لا بــــدّ لليــل أن ينجلــي
و لا بـــدّ للقيــد أن ينكسـر
رد مع اقتباس
قديم 04-30-2010, 11:55 PM   رقم المشاركة : 4
الهادي الزغيدي
عضو





الهادي الزغيدي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: الأبعاد الفكريّة والعلميّة -التقنيّة للصراع العربي الصهيوني

* الاستيطان الصهيوني ونظرية "أرض بلا شعب" العنصرية
لقد شبّه بن غوريون المعارك العنيفة، والمذابح الجماعية التي نفّذها الصهاينة ضد الفلسطينيين بتلك التي "شنّها المستوطنون البيض ضد الطبيعة الوحشية وضد الهنود الأكثر وحشية" (55).‏
وقد وصف هرتزل (1860-1904) الفكرة الصهيونية بأنها "فكرة استعمارية"، ولذا أرسل بمشروعه للسير سيورودس ليضع ختم "شرعيته" على هذا المشروع (56). أمّا ناحوم سوكولوف، المنظّر والداعية والمؤرخ الصهيوني المعروف، فقد قرّر حسم التناقض بين الصهيونية كحركة انبعاث روحي والصهيونية كحركة استعمارية بأن قرّر أن "نكون صهيونيين في استعمارنا وروحنا وديننا" (57).‏
وإذا كانت الصهيونية أيديولوجية عنصرية، استعمارية، إرهابية.. فإنّ كلّ مؤسّساتها وممارساتها وتربيتها وثقافتها لا بدّ وأن تتصف بهذه الصفة، القائمة على الحقد والكراهية والاستعلاء واستعباد السكّان الأصليّين. فاليهود - في فلسطين المحتلة- لم يكتفوا باحتلال الأرض، وإنما كانت استراتيجيتهم -وما زالت- تقوم على أخذ الأرض دون سكانها، ولذا كان لا بدّ من إرهاب الفلسطينيين وترويعهم، ومحاصرتهم، واقتلاعهم.. وإبادتهم. فالهدف من المذابح التي نفّذها الصهاينة من أربعينيات هذا القرن إلى هذه اللحظة يكمن في الإجهاز على عرب الأراضي المحتلة. وبهذا يسهل على الصهيونية الوصول إلى غايتها الكبرى، المتمثلة بالطرد والاقتلاع والإبادة، ومن ثم الإسكان والتوطين والإحلال.‏
إنّ إحلالية الاستعمار الصهيونية هي نتيجة حتمية "لصهيونيته"، بل يمكن التأكيد أنّ الإحلالية والصهيونية هما مترادفان يعبّران عن الشيء ذاته. فالصهيونية تهدف لإقامة دولة يهودية خالصة، ووجود أي عنصر غير يهودي داخل هذه الدولة سيؤدي إلى فشل المشروع الصهيوني من أساسه، أي أنّ البرنامج الصهيوني، لأنه صهيوني، كان يتطلب إحلال اليهود محل العرب، وليس مجرّد استغلال هؤلاء العرب. وغالبية الصهاينة تدرك الطبيعة الاستعمارية، الاستيطانية، الإحلالية، العدوانية، الفاشية للمشروع الصهيوني، ولعل شعار "شعب بلا أرض لأرض بلا شعب" هو الجوهر الحقيقي لهذا المشروع الخطير. والنزعة الإحلالية واضحة في كتابات هرتزل من البداية، حينما تحدث عن استخدام "المواطنين الأصليين" في قتل الثعابين الكبيرة والحيوانات المفترسة الأخرى ثم إعطائهم وظائف في دول أخرى يقيمون فيها بصفة مؤقتة إلى أن يتم اختفاؤهم بشكل كامل(58).‏
وقد ذكر جوزيف وايتنر، ممثّل "الوكالة اليهودية" المسؤول عن الاستيطان، في جريدة "دافار" (29/ أيلول/ سبتمبر 1967) إنه هو وغيره من الزعماء الصهاينة توصلوا في عام 1940 إلى نتيجة مفادها أنه ليس هناك "مكان يتسع لكلا الشعبين (العربي واليهودي) معاً في هذا البلد" وأنه لتحقيق الأهداف الصهيونية لا بد وأن تقام دولة غرب نهر الأردن ليس بها عرب، ولذا كان من الضروري -وفق قوله- "نقل العرب من هنا ومن الدول المجاورة.. نقلهم جميعاً، وبعد انتهاء عملية النقل هذه سيكون في مقدور الدولة (الصهيونية) استيعاب الملايين من إخواننا" (59).‏
وقد اتفق جميع الزعماء الصهيونيين، باختلاف اتجاهاتهم السياسية، على إحلالية الاستعمار الصهيوني، سواء كان سوكولوف الصهيوني السياسي اليميني 60- أو بوروخوف، زعيم "اليسار" الصهيوني (61)، وكلّ التيارات والاتجاهات والقوى والأحزاب السياسية والدينية الصهيونية، التي ظهرت بعد إقامة الكيان الغاصب في أرضنا المحتلة.‏
والواقع أنّ أبرز التّيارات المسيطرة في "إسرائيل" وبين يهود العالم، هو تيّار الصهيونية القومية، أو "الجابوتنسكية" في صيغتها المعاصرة أو "صهيونية الحدّ الأقصى"، التي يُعرّفها بعض الباحثين بأنها تمثّل "الدين المدني الجديد". وهي نزعة صهيونية تشدّد على العرقية، والعداء لغير اليهود، وعلى الأهمية الرمزية المتزايدة لأحداث النازية. وهي نظرة تبدو مُلائمة للأكثرية من كتلة "الليكود" ومعظم أعضاء "الحزب الديني القومي" (المفدال) وأعضاء حركة "جوش إيمونيم" (كتلة الإيمان) وترفض الصهيونية القومية إعادة الأراضي المحتلة للفلسطينيين، وكذلك الجولان لسورية، وترفض مبدأ إقامة "دولة فلسطينية" (مهما صغر حجمها وتضاءلت صلاحياتها)، وتسعى بعض الفصائل في هذا الاتجاه (مثل حزب "موليدت") وعدد من قادة "الليكود" (ارئيل شارون وبنيامين بيغن) إلى تحقيق عملية "ترحيل" (ترانسفير) كاملة للعرب، من المناطق الفلسطينية المحتلة، حفاظاً على الطابع اليهودي للدولة في حال ضم المناطق لإسرائيل.‏
أما التيّار الآخر، الذي يصبّ في هذه الرؤية العنصرية- الاستئصالية، فهو يتمثل بالصهيونية القومية المتطرفة. ويشترك مع التيار السابق في تبنّي الشعارات العنصرية والانعزالية نفسها. وتستند هذه العقيدة الصهيونية إلى خليط من التراث اليهودي المتطرّف. وبالنسبة لهم يشكّل "شعب إسرائيل" و"أرض إسرائيل" و"التوراة" ثلاثية لا تنفصم عندما يتحقق اندماجها التام سيأتي "المسيح المخلّص"، لأنّ تخليص الأرض هو شرط مسبق لتحرير الشعب اليهودي، وتهويد الضفّة الغربية ثم الشرقية لنهر الأردن شرط أساسي لتحرير الشعب اليهودي، وهي مهمّة يزعمون أنها جاءت "بأمر الرب". وهم مستعدون لعمل أي شيء من أجل تحقيق أهدافهم ويلجؤون للقوة في سبيلها. وأكثر من يمثّل الصهيونية القومية المتطرفة حركة "جوش إيمونيم" وحركة "كاخ" وحركة "آيل" وحركة "دولة يهودا"، وكلها حركات تقوم بالاستيطان اليهودي في الضفة الغربية وبقية الأراضي العربية المحتلة، بالإضافة إلى أنها تحظى بالدعم ليس فقط من ممثلي "الصهيونية القومية" بل من عناصر علمانية كثيرة في أوساط "حزب العمل" الإسرائيلي، ومن الأحزاب الدينية سواء الصهيونية أو "الحريدية" (الاتجاه الديني)، وخاصة في مجال جهودها الاستيطانية(62).‏
ولذلك لم يكن غريباً التقاء الأحزاب اليمينيّة المتطرفة- الفاشية مع الأحزاب والجماعات الدينية المتشدّدة، التي يجمعها مبدأ التوسع الإقليمي، وعدم التخلّي عن الأراضي العربية المحتلة، وأن ترتبط بها المؤسّسة العسكرية في إسرائيل، وهو ما شكّل دحضاً مباشراً وقوياً للصورة "الديمقراطية" الزائفة عن الحكم في "إسرائيل". وهكذا صبّ اليمين الصهيوني المتطرّف جام غضبه على اسحق رابين، الذي عَدّه المتطرفون "خائناً لأرض إسرائيل" لمجرّد أنه فكّر بإعادة بعض الأراضي للفلسطينيّين. ويعتقد "عامير" قاتل رابين ومؤيدوه، أنّ الربّ سيصب لعناته وغضبته على "شعب إسرائيل" لأنّ التخلّي عن جزء من إسرائيل الواردة في التوراة، ومنحه للفلسطينيّين لا يهدر من إسرائيل فحسب، بل يهدّد أيضاً روح الأمة وعلة وجودها. فالقضية بالنسبة إليهم قضية أمن، وهي القضية السياسية، التي عملت على انقسام الأجنحة الصهيونية المختلفة، وإنما القضيّة هي قضية لاهوتية.‏
وممّا يؤكّد بصورة جليّة سيطرة القوى الدينية، وزعماء الطوائف اليهودية على اتجاهات "المجتمع" الصهيوني -الإسرائيلي، فقد "كشف النقاب عن أنّ عامير قد استفتى بعض الحاخامات لمعرفة رأي الدين اليهودي في اغتيال رابين، فأفتى اثنان منهم باستحلال دم رابين، لكنه رفض أن يعطي أسماء رجلي الدين، اللذين استند إليهما في تنفيذ عملية الاغتيال" (63)‏
إنّ التعصّب المسيطر في "المجتمع الإسرائيلي" والتمييز العنصري داخل هذا الكيان إنّما يشكّلان في واقع الأمر ترجمة أمينة للصهيونية بحسبانها أيديولوجية عنصرية. فقد مورس التعصّب والتمييز بالعنصري في التجمع اليهودي في أرض فلسطين، بناء على تطبيق القوانين ذاتها(64). أو بعبارة عالم النفس الإسرائيلي جرجس تامارين أصبح هناك أسس قانونية لممارسة التعصب والتمييز العنصري في المجتمع الإسرائيلي(65).‏
فالتعصب والعنف والإرهاب سمات وسلوك وممارسات يومية ضدّ العرب في "إسرائيل". وقد فضح هذه النزعات الخطيرة عددٌ من الباحثين والكتّاب والصحفيين الإسرائيليين، وفي مقدّمتهم البروفسور إسرائيل شاحاك في مقابلاته وفي بيانات "الرابطة الإسرائيلية لحقوق الإنسان والمواطن"، وفي كتابه "عنصرية دولة إسرائيل" الذي يزخر بمئات الحالات والنماذج من الاضطهاد العنصري، والعنف الصهيوني- الرسمي، والإرهاب المُنظّم ضدّ السكان العرب، الذين يخضعون للاحتلال الصهيوني، كالعقاب الجماعي، ونسف المنازل، والطرد والترحيل إلى ما وراء الحدود، والإقامة الجبرية، وإغلاق المؤسّسات التعليمية، والاستيلاء على الأحياء العربية، وإقفال المحلات التجارية، وامتهان كرامة الناس، عن طريق تحقيرهم وإذلالهم بوسائل كثيرة. فقد سرد داني روبنشتاين عدة حوادث "تتسّم بتحقير العرب"، منها مثلاً: إرغام قوّات الأمن الإسرائيلية بعض رجال الدين والمارّة على "تكنيس" الشوارع. وإيقاف مجموعات كبيرة من العرب ووجوههم إلى الجدران، وإرغامهم على خلع أحذيتهم، مع توجيه الشتائم والإهانات إليهم. وأضاف يقول: إنّ أعمال الضرب واللكم تتكرر يومياً وينتهي الأمر في بعض الحالات إلى الموت‏
(دافار 30/3/1976).‏
وأشارت "هاعولام هازيه" (1/4/1967) إلى أن قوات الأمن الإسرائيلية في الضفة الغربية "كانت تمسك أناساً في الشوارع، أو تدخل إلى المنازل العربية ليلاً لتخرج الرجال منها، وتأمرهم بالركض حول مكان ما في وسط المدينة. أو يرغمون الناس في نابلس على الرقص وسط الشارع على قدم واحدة. أو أن يركب واحد على ظهر الآخر في الشارع".‏
وفي هذا المنحى تقول عضو "الكنيست" شولاميت آلوني": "إنّ الشباب المتعصب الذي يدين بالصهيونية الدينية، يعد سكان يهودا والسامرة كلاباً ويعاملهم بمنتهى الاحتقار والإزدراء"(66).‏
* نظرة إجماليّة لتحليلات الشخصيّة الإسرائيليّة أو :‏
النتائج العمليّة "للتربية" الصهيونيّة‏
يُستخدم مصطلح الشخصية القومية - بوجه عام- لوصف السمات النفسية والاجتماعية والثقافية لأمة أو شعب ما، تلك التي تتّسم بثبات نسبي، والتي يمكن عن طريقها التمييز بين هذه الأمة وغيرها من الأمم، أو بين هذا الشعب وغيره من الشعوب (67). وقد بيّنت دراسات اجتماعية -نفسية كثيرة أن الناس في بيئة اجتماعية وثقافية معيّنة يميلون إلى أن يتشابهوا في شخصياتهم. وهناك شبه إجماع بين المتخصّصين في هذا الميدان أنّ "البناء الأساسي للشخصية يشير إلى تشكيل يشترك فيه غالبية أعضاء المجتمع، نتيجة للخبرات التي اكتسبوها معاً".‏
ولا شكّ أنّ الشخصية يمكن أن تتشكّل (رغم الفروقات الفردية النفسية والعصبية والعقلية والجسمية) بتأثير قوي للأسرة والمدرسة والبيئة الاجتماعية والدينية والثقافية. وقد أدركت الصهيونية أهمية إعادة تربية وتكوين الفرد في "إسرائيل"، ليكون أداة فعّالة لتحقيق أهدافها العنصرية، التوسّعية المعروفة. فاعتمدت الصهيونية منذ نشأتها على إثارة النعرة الدينية والنزعة العرقية لدى اليهود وعلى بث وترويج فكرة العلاقة الوثيقة بين الدعوة الصهيونية وبين الديانة اليهودية. وأشاعت مقولة بين اليهود، مفادها أنّ الصهيونية إنْ هي إلا صيغة عصرية للديانة اليهودية. وقد بذلت جهود كبيرة وما تزال، لشحن اليهود بالأفكار العرقية، وتعزيز الحقد والكره والتعصب ضد العرب في نفوسهم. ولعبت التربية الدينية -اليهودية ولا تزال تلعب دوراً كبيراً في صياغة أنماط تفكير معظم مفكّري وقادة الصهيونية وإسرائيل، القدماء والمحدثين على حدّ سواء "فمنذ الأيام الأولى عمل الصهيونيون على إيقاظ طاقات التعصّب والعنصرية في نفوس اليهود. وكانت العبارات العنصرية من مثل "لا تعاملوا طبيباً عربياً"، "لا تشتروا من تاجر عربي" (عام 1904) تتكرر على مسامعنا- يقول موشيه منوحن -في كل اجتماع وكل حلقة في الكلية التي تخرّجت‏
منها" (68).‏
ويضيف منوحن: ".. كانوا يتوخّون من هذا الوعظ المتكرر تسميم أفكارنا لننقلب إلى يهود قوميين، حتى أصبح المعهد بؤرة للأفكار القومية السياسية المتطرفة المجنونة. كان عيشنا من نوع الحقن، والنفخة الفارغة، والشحن بالمبادئ المفتعلة، المصطنعة. كان علينا أن نفهم ونشعر بأن يهود العالم شعب خاص ومنفرد بذاته. الشعب المختار الذي عليه أن يستعيد أرض الآباء والأجداد.. وقد علّمونا أن نكره العرب، وأن نحتقرهم. وعلّمونا، فوق هذا كلّه، أن نطردهم من "أرتسينو" (أرضنا) على اعتبار أن فلسطين هي بلادنا، لا بلادهم. وأن بوسعنا الإطلاع على التوراة في هذا الصدد.. وقد ظلوا طوال خمس سنوات يشحنونني بأفكار القومية واليهودية والصهيونية. وظللت سنوات أعاني من شعور الكراهية ضد العرب، وخاصة عرب فلسطين. ذلك الشعور الذي غرس في قلوبنا الفتية" (69).‏
إنّ التركيز على تدريس التوراة والتراث اليهودي وتاريخ القبائل اليهودية، إنّما يهدف لتحقيق أهداف الصهيونية، وتكوين شخصية الشبيبة الإسرائيلية بحسب منهجية هذه الدعوة العنصرية، وتوجيه ميولهم وتأطير سلوكهم إلى ما ينبغي أن يكون إزاء بعضهم وإزاء غيرهم من الأمم. وقد نشأ أغلب المفكرين والسياسيين والقادة الصهاينة على هذا التراث، وتشربوا بالقيم التي ينطوي عليها، وعملوا على تطويعها وتكييفها لخدمة الصهيونية، خاصة لجهة التربية العنصرية -العدوانية، وتسويغ الاستيلاء على فلسطين والأراضي العربية المحتلة. وهناك مجموعة مواد مدرسية إلزامية في جميع المدارس، وفي الصفوف والمراحل كافة، مثل مادّة "التوعية اليهودية"، التي يشتمل منهاجها على تلقين الطالب أمثولات في المعتقدات والشعائر والطقوس الدينية اليهودية، وتعليمه التوراة والتلمود، بالإضافة إلى إطلاعه على ما كتبه مفكّروهم وعلماؤهم. أي أنّ الغاية من إدراج هذه المواد في المناهج التدريسيّة، إعادة تكوين وعي الطلاب، وصياغته، وقولبته وفق نمط محدّد، وجعلهم يؤمنون بصورة مطلقة أنّ اليهودية "ظاهرة ثقافية خارقة" وأنّ اليهود أصحاب "رسالة روحية". وأنهم "أنقى جنس خلقه اللّه"، و"أنقى عرق وأعرق أمة". وأنّ "الشعب اليهودي من الشعوب الخالدة، يملك تراثاً عميقاً من الحياة الثقافية والقيم الروحية" (كما صرّح بالحرف كلّ من: شموئيل أتينغر ويهودا ماغنس وموسى هس وناحوم سوكولوف وأحاد هاعام).‏
كلّ ذلك أدّى إلى ظهور مجتمع عنصري بكل ما في هذه الكلمة من معنى، أفرز مئات ألوف الناشئة والشباب، الذين تثقفوا وجرتْ "تربيتهم" على الأيديولوجية، الطافحة بالغيبيات والخرافات، والقائمة على التعصب الديني -الصهيوني المتطرّف. فما الذي سنتوقعه من شخص ترعرع في مثل هذه البيئة العدوانية، وآمن بقدسية التوراة والتلمود؟ هذا التراث الخفي، أو التعاليم والقوانين المتزمتة، التي قال عنها البروفسور إسرائيل شاحاك: "إنّ قوانين النازية أكثر اعتدالاً من قوانين التلمود" (معاريف: 8/4/1975).‏
يضاف إلى ذلك أنّ ما تطبقه السلطات الإسرائيلية من قوانين عنصرية، دينية وثقافية وإجرائية، ضيّقة الأفق، وما تشيعه من مناخ شوفيني وتعصّب أيديولوجي، وما تمارسه من إجراءات إرهابية، قد أثر تأثيراً واضحاً على اتجاهات.اليهود إزاء العرب، ووسمها بطابع عنصري، عدواني، استعلائي. الأمر الذي جعل ألوف اليهود (إنْ لم نقل الملايين) مقتنعين وموقنين تماماً بأنّ "العرب منحطّي القيم والأخلاق، ضعيفي الذكاء، ليسوا في شجاعة الإسرائيليين، غير أمناء، وأدنى من الإسرائيليين"، وقد جاء ذلك إثر دراسات ميدانية قام بها علماء غربيون متخصّصون، ومعاهد استطلاع الرأي العام، مثل معهد "لويس هاريس" لقياس الرأي العام الإسرائيلي تجاه الحرب والسلام، وذلك لحساب مجلّة "التايمز"، ونشرت نتائجه في العدد الصادر في 12 نيسان /‏
أبريل 1971. (69).‏
وخلاصة "جهود" المؤسّسات التعليمية والدينية والعسكرية والإعلامية الإسرائيلية، أنّها "نجحت" إلى حد بعيد في أن تخلق لدى الإسرائيليين فكرة نمطية -عنصرية ثابتة عن العرب. حيث يعتقد غالبية الإسرائيليين (ما بين 66 و80 بالمئة) أنّ "العرب أدنى من الإسرائيليين". ولعبت أجهزة السلطة الإسرائيلية دوراً كبيراً في تدعيم هذه الصورة النمطية العنصرية تجاه العرب، التي تماثل اتجاهات التمييز العنصري السائدة لدى البيض الأمريكيين تجاه السود في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ماساعد من طريق آخر على تدعيم اتجاهات العدوان لدى الإسرائيليين تجاه العرب. وأظهرت الاستطلاعات الميدانية، بما فيها تلك التي قام بها مختصون إسرائيليون ومعاهد إسرائيلية لدراسات الرأي العام، مثل "معهد يوري الإسرائيلي لقيام الرأي العام" و "معهد الأبحاث الاجتماعية التطبيقية" و"معهد العلاقات العامة في الجامعة العبرية".. أظهرت أنّ الوظيفة التي تقوم بها الأفكار والصور النمطية الزائفة عن العرب لدى الرأي العام الإسرائيلي، لا تقف عند حدود تشويه صورة العرب، ولكنها تستخدم كأسس لخلق وتدعيم الاتجاهات العدوانية، والتوسعية إزاء العرب لدى الرأي العام الإسرائيلي. كما كشفت بكل جلاء أنّ ملامح الصورة المتكوّنة عن العرب كما يلي:‏
"العرب لا يفهمون سوى لغة القوة، ولذلك فاتباع سياسة الردع والعنف معهم هو الأسلوب الأمثل. وهو قوم فرديون، مفككون، يميلون إلى الكذب والمبالغة وخداع الذات. وهم بالمقارنة بالإسرائيليين كُسالى وجبناء وخونة، ومستوى ذكائهم منخفض، وعلى الجملة هم أدنى من الإسرائيليين" (70).‏
وفي السياق ذاته، أشارت المحامية الإسرائيلية فليتسيا لانغر، إلى أنّ سياسة التربية الصهيونية تركّز على تعليم الطالب اليهودي فنون الحرب والقتل، وترسّخ لديه مشاعر التعصب القومي، والحقد على العرب، "لكي يحاربهم جيداً، ولكي لا ترتجف يداه عندما يهمّ بإطلاق النار عليهم"(71).‏
وقد أظهرت الدراسة التي قام بها البروفسور الإسرائيلي جرجس (جورج) تامارين، لصالح "دائرة التربية في الجامعة العبرية" حول قيم الشباب في المدارس الإسرائيلية (لمن تتراوح أعمارهم بين 15 و 22 عاماً). وكانت صيغة الأسئلة تتعلّق بسفر "يشوع" في "التوراة"، الذي يدّرس في المدارس الإسرائيلية حيث جاء في الصيغة (72).‏
"أنت تعرف جيّداً هذه المقاطع من "سفر يشوع": "فهتف الشعب، وضربوا بالأبواق. وكان حين سمع الشعب صوت البوق، أنّ الشعب هتف هتافاً عظيماً، فسقط السور في مكانه. وصعد الشعب إلى المدينة.. وحرّموا كل ما في المدينة، من رجل وامرأة. من طفل وشيخ. حتى البقر والغنم والحمير، بحدّ السيف (سفر يشوع، الأصحاح السادس: 20).‏
"وأخذ يشوع مقيّدة في ذلك اليوم، وضربها بحدّ السيف، وحرّم ملكها هو وكل نفس بها. لم يبق شارد. وفعل بملك مقيدة كما فعل بملك أريحا.. وحارب لبنة.. فضربها بحد السيف، وكل نفس بها. لم يُبق شارداً. وفعل بملكها كما فعل بملك أريحا" (يشوع، الأصحاح العاشر: 28).‏
وبناء على ماتقدم (أضاف تامارين)، أجب من فضلك على السؤالين التاليين:‏
"1-هل ترى في تصرّف يشوع بن نون، والإسرائيليين، تصرّفاً صائباً، أم خاطئاً، ولماذا؟.‏
2-لنفترض أنّ الجيش الإسرائيلي احتلّ قرية عربية في الحرب. وفعل بسكّانها مافعله يشوع بشعب أريحا، فهل يكون تصرّفه، برأيك، حسناً، أم سيّئاً؟ ولماذا؟".‏
وكانت الإجابات، التي وردته بنسبة تتراوح بين 66-95 في المئة (بحسب موقع المدرسة: في الكيبوتس أم في المدينة) تقول مايلي: "لقد تصرّف يشوع بن نون تصرّفاً حسناً بقتله الناس في أريحا، لأنّ همه كان ينحصر في احتلال البلاد كلها. ولم يكن لديه وقت لينشغل بالأسرى".‏
وعلى سؤال: "هل يمكن في أيامنا هذه القضاء التام على سكان قرية عربية محتلّة؟" أجاب 30 في المئة من التلاميذ، بشكل قطعي: "نعم".‏
وقد كتب واحد من التلاميذ (كنموذج استشهد به الباحث): "أعتقد أن كل ما قام به يشوع كان صحيحاً. فنحن نريد قهر أعدائنا وتوسيع حدودنا. ولو كان الأمر بيدنا لفتكنا بالعرب جميعاً، كما فعل يشوع والإسرائيليون".‏
وكتب تلميذ آخر: "في رأيي أنّ على جيشنا أن يفعل بالقرية العربية ما فعله يشوع بن نون، لأنّ العرب أعداؤنا" (73).‏
وقد كان بن غوريون يقول: "إنّي أعدّ يشوع هو بطل التوراة، إنه لم‏
يكن مجرّد قائد عسكري بل كان المرشد، لأنه توصل إلى توحيد قبائل‏
إسرائيل"(74).‏
فالحروب وطقوس العنف والكراهية والإرهاب، أصبحت بمثابة تجسيد ومتنفس حتمي، وتحصيل حاصل للروح العدوانية لدى الشخصية الإسرائيلية، مهما حاولت أجهزة الإعلام الصهيونية والموالية لها أن تلبسها من أردية الشرعية الزائفة.‏
وتعبّر عالمة النفس الإسرائيلية عاميا ليبليخ عن هذه الظاهرة، التي لازمت الوجود الصهيوني على الأرض العربية بقولها:‏
"إنّ التعايش مع الحرب، كان وما زال جزءاً رئيساً من حياتنا، منذ إقامة الدولة وكذلك في الفترة السابقة عليها. ولكن، الخوف من الهزيمة -الذي معناه موت الأعزاء علينا وربما هو أفظع من ذلك- قد زاد بعد حرب يوم‏
الغفران" (75).‏
لقد أصبحت الحروب والعسكرة والعنف سمات ملازمة للشخصية الإسرائيلية، وستظلّ تلازمها، لأنها تحوّلت إلى شخصية عدوانية، اكتئابية، متفجّرة.. نتيجة لوقوعها تحت تأثير جملة معقّدة من المآزق النفسيّة والاجتماعية والعصبية والأخلاقية، وضعتها فيها الحركة الصهيونية وإسرائيل وسط المحيط العربي الرافض لمقومات هذا الوجود العدواني. فالوجدان الإسرائيلي يرى حالة الحرب والعنف وسفك الدماء والدمار، كما لو كانت حالة نهائية ودائرة مغلقة، ولعنة أبدية. ومنذ بضع سنوات لاحظ الشاعر الإسرائيلي حاييم جوري بمرارة أنّ "هذا التراب (تراب إسرائيل) لا يرتوي، فهو يطالب دائماً بالمزيد من المدافن وصناديق الموتى، كما لو كانت أرض إسرائيل آلهة ثأر بذيئة، وليس مجرّد قطعة أرض أو إقليم" (76).‏
وفي رسالة تقدم بها الباحث الأمريكي باري بلخمان (عام 1970) للحصول على درجة الدكتوراه في الآداب من جامعة "جورج تاون" الأمريكية، تحت عنوان: "الآثار المترتبة على الانتقامات الإسرائيلية: محاولة للتقييم"، وصف بلخمان "الانتقامات الإسرائيلية" بأنها "سلوك قومي إسرائيلي" (77)، وأن "إسرائيل لا تولي انتباهاً جاداً إلى شروط الشرعية سواء من حيث الواقع أو من حيث المظهر. إنها تعدّ الانتقام صورة شرعية من صور السلوك القومي"(78).‏
وقد أشار في خلاصة بحثه إلى أنّ "ثمّة جوّ من الإحباط قد تكوّن في إسرائيل، وهو مايدركه صانعو السياسة الإسرائيلية. وتبدو الانتقامات كوسيلة اختاروها لتنفيس هذا الإحباط"(79).‏
إذاً، فالشخصية العدوانية، العنصرية، الإرهابية، المسيطرة اليوم في "المجتمع الإسرائيلي" هي ثمرة طبيعية من ثمرات "التربية" الصهيونية منذ أكثر من مئة عام. ولهذا لايمكن أن نستغرب أن يجيب أطفالهم على سؤال "ماذا نفعل بالعرب؟" بالقول: "إنه يجب قتلهم وإبادتهم" كما رأينا.‏
وإنّ دراسة الشخصية الصهيونية، تفرض على الباحث الموضوعي إظهار الجوانب العدوانية والعنصرية، التي جرى التركيز عليها في مدارسهم وثقافتهم وإعلامهم ومعابدهم دون غيرها. وبذلك تحوّلت في أذهانهم وعقلهم الواعي والباطن، وفي ممارستهم اليومية (في داخل مجتمعهم) ومع الآخرين إلى عقيدة راسخة، إلى سمة نمطية قولبت حياتهم ومسلكهم ومواقفهم. وبفهم ومعرفة الشخصية الصهيونية، يمكن فهم الأوضاع المأزقية، التي يعيشها الصهيوني بالنسبة لمحيطه الاجتماعي المتأزم، وكذلك بالنسبة إلى وعيه وسلوكه إزاء العرب، الذين جرى طردهم واحتلال أراضيهم، وشنّ حروب عدوانية عديدة ضدّهم، ومع ذلك فإنها لم تحقّق للشخصية الصهيونية الحدود المعقولة من الأمان النفسي والتوازن العصبي والسلوكي والأخلاقي.‏
وبالرغم من ظهور قوىً وتيارات كثيرة في "المجتمع الإسرائيلي" تنادي بالسلام، مثل حركة "السلام الآن" (شالوم عكشاف) وغيرها، إلاّ أن هذه القوى التي تعكس حالة الإرهاق، التي أصابت مجتمعهم بسبب الحروب المتواصلة، مازالت غير مؤثرة على توجيه الأمور لصالح السلام، والحلّ الشرعي للقضية الفلسطينية، في حين أنّ القوى العدوانية الرافضة للسلام، وإعادة الأراضي المحتلّة لأصحابها... مازالت هي الأقوى في توجيه القرار السياسي، لأنها هي الدرع الوحيدة التي يثقون في قدرتها على الدفاع عن وجودهم، ولأنّها هي المعبّرة الحقيقية عن توجّهات مجتمعهم العنصرية والعدوانية والإرهابية.‏
***‏
الحواشي‏
1- للاطلاع المفصّل على الأيديولوجية الصهيونية يمكن مراجعة المؤلّفات المميزة، التي وضعها الباحث الدكتور عبد الوهاب محمد المسيري في هذه المسألة، ولا سيّما: موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية، رؤية نقدية (القاهرة: مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية/الأهرام)، 1975؛ اليهودية والصهيونية وإسرائيل: دراسات في انتشار وانحسار الرؤية الصهيونية للواقع (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1975)؛ نهاية التاريخ، دراسة في بنية الفكر الصهيوني (بيروت: المؤسّسة العربية للدراسات والنشر، 1979)؛ الأيديولوجية الصهيونية، دراسة حالة في علم اجتماع المعرفة (في قسمين)، سلسلة عالم المعرفة، العددان 60-61 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1982-183).‏
2- انظر: الدكتور عبد الوهاب الكيالي (المؤلف الرئيسي، رئيس التحرير) ومجموعة من الكتّاب موسوعة السياسة (بيروت: المؤسّسة العربية للدراسات والنشر، ج3، ط1، 1983)، ص ص 659-661.‏
3- -Jewish Telegraphic Agency, Daily News Bulletin, N.y.20,11,1975.‏
4- -Naom Chomskyk ((Israeli Jews and Palestinian Arabs)) The Holy Cross Quarterly, Vol.5, No 2. Summer 1972. N.Y..‏
5- New York Times, December 3, 1975.‏
6- Jerusalem Post 3.12, 1975.‏
7- يهودا ماغنس (1877-1948) حاخام أمريكا، وأول رئيس للجامعة العبرية في‏
القدس (1935). انظر: الدكتور جورجي كنعان، العنصرية اليهودية (بيروت، دار النهار للنشر، ط1، 1983) ص12. وقد استندنا إليه في معطيات كثيرة وأساسية في هذا البحث. إذْ يُعَدّ -برأينا- من أبرز الكتّاب العرب، الذين ناقشوا الخلفية الدينية والعقيدية للأيديولوجية الصهيونية عن اطلاعٍ ووعي وتصور واضح.‏
8- الدكتور جورجي كنعان، العنصريّة اليهوديّة، ص ص 12-13.‏
9- -Ben Gurion Looks Back. In Talks with Moshe Pearlman. N.y. 1965.‏
10- إسرائيل شاحاك. من مواليد بولونيا 1933.هاجر إلى فلسطين عام 1945. أستاذ الكيمياء في الجامعة العبرية في القدس، ورئيس الرابطة الإسرائيلية لحقوق الإنسان. انظر كتابه "عنصريّة دولة إسرائيلية"، باريس 1975؛ وانظر كتابه "الديانة اليهودية وموقعها من غير اليهود"، ترجمة حسن خضر (القاهرة: سينا للنشر، 1994)، والذي تُرجم في سورية تحت عنوان "التاريخ اليهودي المكشوف والمستور"، ترجمة عبد الكريم محفوض (دمشق: دار البعث، 1996).‏
11- -Talmon, J.l,. The Unique and the Universal. London, 1965‏
12- للتفصيل انظر: أنيس شقور، "النظام القانوني والنظام القضائي في إسرائيل" في "دليل إسرائيل العام"، تحرير: صبري جريس وأحمد خليفة وعدد من الباحثين المختصين (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط2، 1996)، ص ص4-5 وما بعدهما.‏
13- انظر: الياس شوفاني، "النظام الحكومي في إسرائيل"، في "دليل إسرائيل العام"، ص91.‏
14- الدكتور جورجي كنعان، العنصريّة اليهوديّة، ص14.‏
15- نقلاً عن المصدر السابق، ص ص15-16. وأحاد هاعام، الاسم المستعار لـ "أشربن غنربرغ" من مواليد أوكرانيا (1856-1927): زار فلسطين مرتين قبل أن يستقر في تل أبيب.‏
16- -Georges Feridman. The End of the Jewish People. N.Y 1968.‏
17- أوري أفنيري (أبنير). ولد في ألمانيا 1923. هاجرت أسرته إلى فلسطين في سنة 1933. انتخب عضواً في "الكنيسيت" الإسرائيلي في عام 1965. كما أصبح رئيساً لتحرير مجلّة "هاعولام هازيه". انظر كتابه "إسرائيل من دون صهاينة"، نيويورك‏
1968.‏
18- انظر: جورجي كنعان، سقوط الامبراطورية الإسرائيلية (بيروت: دار النهار، 1980).‏
19- 0Lioyd Gerrge, David, The Truth About the Peace Treaties, London 1939.‏
20- للاطلاع على تفصيلات هذه المسألة المعقّدة، يمكن الرجوع إلى الدراسة الموضوعية -الموثّقة والمعمقة للباحث العربي المتخصّص في حقل اللغة العبرية وفي ميدان القوى الدينية والتيارات الثقافيّة -الفكرية الصهيونية- الأستاذ الدكتور رشاد عبد الله الشامي، إشكالية الهويّة في إسرائيل، سلسلة "عالم المعرفة" (الكويت، العدد 224)، آب/ أغسطس 1997.‏
21- انظر: الدكتور رشاد عبد الله الشامي، القوى الدينية في إسرائيل بين تكفير الدولة ولعبة السياسة، سلسلة عالم المعرفة (الكويت، العدد 186) حزيران/ يونيو 1994.‏
22- جورجي كنعان، العنصرية اليهودية، ص16.‏
23- -Nahum Sokolow, History of Zionism, London, 1919>‏
24- نقلاً عن جورجي كنعان، العنصرية اليهوديّة، ص21.‏
25- نقلاً عن جورجي كنعان، العنصرية اليهوديّة، ص21.‏
26- Moses Hess, Rome and Jerusalem, N.y. 1945. هذا ماكتبه رائد الصهيونية العنصري موسى هس (1811-1875)، الذي عبّر عن صهيونيته العرقية، بعد أن بدأ حياته "ثورياً بارزاً" و "اشتراكياً رائداً"، وعرف أوّل ماعرف بإسهامه الهام في دفع الفكر الاشتراكي في ألمانيا وأوروبا، ثم انقلب وعاد إلى جذوره الرجعية والعرقية الصهيونية. فكتب مؤلفه الأشهر "روما والقدس" في عام 1862. وقد خط هس في هذا الكتاب أول معالم الصهيونية السياسية، بطريقها اللاعقلاني الظلامي والدموي، وأحد أخطر تيارات العرقية الفاشية في التاريخ المعاصر. انظر بخصوصه: أديب ديمتري، نفي العقل (دمشق: دار كنعان، 1993)، الفصل السادس.‏
27- شمعون دوبنوف، تاريخ اليهود (تل أبيب: 1969).‏
28- وهي عبارة ردّدها الزعيم الصهيوني -الروسي نحمان سيركين في كتاب "الفكرة الصهيونية" لهيرتزبرغ: Hertzberg, A,. The Zionist Idea, N.Y. 1959‏
29- -Meir Bar- Ilan, ((What Kind of Life Should we Create in Eretzisrael?)). In ((The Zionist Idea)).‏
30- -Temps Modernes. Paris, No 253 Bis 1967.‏
31- شموئيل أتينغر. من مواليد روسيا. أستاذ التاريخ في الجامعة العبرية في القدس. انظر مقالته في المصدر السابق ("الأزمنة الحديثة").‏
32- انظر: المصدر الوارد تحت الرقم (9) في قائمة "الحواشي".‏
33- Theodor Herzl, The Jewish State, London, 1946. والمصادر السبعة الأخيرة، نقلاً عن جورجي كنعان، العنصرية اليهوديّة.‏
34- -Herman Wouk, This is my God, London, 1973.‏
35- هاتسوفيه، 21/1/1972.‏
36- انظر: المصدر 26 من قائمة "الحواشي".‏
37- هاتسوفيه، 21/1/1972.‏
38- المصدر نفسه.‏
39- -The Israel Goverment Year Book, 1967, Tel Aviv.‏
40- انظر أديب ديمتري، نفي العقل (دمشق: دار كنعان، 1993)، ص145.‏
41- الدكتور عبد الوهاب الكيالي (المؤلّف الرئيسي ورئيس التحرير) وآخرون، موسوعة السياسة (بيروت: المؤسّسة العربية للدراسات والنشر، 1981)، ج2، ص ص13-14.‏
42- نقلاً عن أديب ديمتري، نفي العقل، ص148.‏
43- المصدر نفسه، ص154.‏
44- المصدر نفسه، ص155.‏
45- الدكتور عبد الوهاب الكيالي وآخرون، موسوعة السياسة، ج1، ص ص149-150.‏
46- انظر: إيلان هاليفي، إسرائيل من الإرهاب إلى المجزرة، ترجمة نخبة من الأساتذة بإشراف الأستاذ نبيل داهوك (دمشق، دار ابن هانئ، ط2، 1986).‏
47- المصدر نفسه، ص84.‏
48- المصدر، نفسه، ص85.‏
49- المصدر نفسه، ص86‏
50- نقلاً عن: الدكتور عبد الوهاب محمد المسيري، الأيديولوجية الصهيونية: دراسة حالة في اجتماع المعرفة (الكويت: سلسلة عالم المعرفة، العدد 61)، القسم الثاني، كانون الثاني/ يناير 1983، ص103.‏
51- المصدر نفسه.‏
52- المصدر نفسه.‏
53- المصدر نفسه.‏
54- المصدر نفسه.‏
55- -David Ben Gurion, Rebirth and Desting of Israel (New York: philosophical Library, 1954), p.9.‏
56- -Raphael Patai (Ed). The Complete Diaries of Theodore Herzl, (Herzl press and Thomas Yoseloff, 1960)), Vol. 3, p. 11194. From Nowon, it will be Referred to Diari.‏
57- انظر: إميل توما، جذور القضية الفلسطينية (بيروت: مركز الأبحاث -منظمة التحرير الفلسطينية، 1961)، ص.‏
58- -Diaries, Vol. 1. See Entry Dated June 12,1893,p. 80-90.‏
59- -Machover, ((Rely to Sol Sten)) Israca, January 5,p p,.27-28.‏
60- -Laqueur, A. History of Zionism (New York: Holt, Rinehart and Winston, 1972), p. 231.‏
61- -Ahmed El -Kodsy and Eli Lobel, The Arab World and Israel (New York: Monthly Review Press, 1970), p. 116.‏
62- الدكتور رشاد عبد الله الشامي، إشكالية الهويّة في إسرائيل، ص ص217-218.‏
63- المصدر نفسه، ص233.‏
64- إسرائيل، شاحاك، الديانة اليهودية وموقفها من غير اليهود، ص164.‏
65- -Georges Tamarin, The Israeli Dilemma. Rotterdam, 1975.‏
66- ورد ذلك في محاضرة أليزابيت ماثيو، في كتاب "الصهيونية والعنصرية"‏
بيروت 1977.‏
67- -انظر: السيّد يسين، الشخصية العربية بين صورة الذات ومفهوم الآخر (بيروت: دار التنوير، 1981)، ص45.‏
68- Moshe Menuhin, The Decadence of Judasim in Our Time, N.Y. 1965. وأدلى منوحن بهذه الذكريات في "البرنامج لثاني"، الذي يقدّمه كولن إدوارد في "تلفزيون نيويورك" في 19/1/1972.‏
69- انظر: النتائج التفصيلية لهذا لاستطلاع، التي عرضها "روبنز" في دراسة السيّد يسين، الشخصية العربية، ص ص134-137.‏
70- المصدر نفسه، ص141؟‏
71- فيلتسيا لانغر، بأم عيني، (تل أبيب: 1974).‏
72- للاطلاع التفصيلي على الدراسات والبحوث الميدانية، التي أجريت في "المجتمع الإسرائيلي" لقياس اتجاهاته وتصوراته حول الذات وحول العرب، انظر: الدكتور رشاد عبد الله الشامي، الشخصية اليهودية الإسرائيلية والروح العدوانية. سلسلة "عالم المعرفة" (الكويت: العدد 102)، حزيران، 1986.‏
73- المصدر نفسه، ص ص171-172؛ وجورجي كنعان: العنصرية اليهودية، ص ص 200-201.‏
74- نقلاً عن: الشخصية اليهودية الإسرائيلية والروح العدوانية للدكتور رشاد عبد الله الشامي، مصدر سابق، ص172.‏
75- المصدر نفسه، ص 172.‏
76- المصدر نفسه، ص237.‏
77- Blechman, B.M. ((The Consequences of the Israeli Reprisal, An Assessment)), Unpublished Dissertation, 1971. p.32.‏
78- OP.Cit,.p.45.‏
OP.cit, P.250.‏




التوقيع

إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بدّ أن يستجيب القــــدر
و لا بــــدّ لليــل أن ينجلــي
و لا بـــدّ للقيــد أن ينكسـر
رد مع اقتباس
قديم 04-30-2010, 11:56 PM   رقم المشاركة : 5
الهادي الزغيدي
عضو





الهادي الزغيدي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: الأبعاد الفكريّة والعلميّة -التقنيّة للصراع العربي الصهيوني

الفصل الثاني: مراكز الأبحاث والمؤسّسات العاملة في خدمة التطبيع والاستراتيجية الصهيونية
(الأهداف- البرامج- الإشراف)*‏
يُمثّل التطبيع الثقافي الدعامة الرئيسة للتغلغل "الإسرائيلي" في المنطقة، لأنه أعمق وأكثر استقراراً من أيّ ترتيبات أمنية، مثل: المناطق منزوعة السلاح، ووضع قوات دولية، وأجهزة أنذار إلكترونية وغيرها من الترتيبات. فالتطبيع الثقافي يظلّ العامل الحاسم على المدى البعيد، لأنّ الصراع يترسّخ في وعي الشعوب وثقافاتها وفي ذاكرتها الجمعيّة ووجدانها القومي، فتصعب عمليّة هز القناعات وتدمير مقوّمات الذاكرة الوطنية، واختراق الثوابت التاريخية، والدينيّة والحضاريّة دون إقامة جسور للتواصل والتطبيع الثقافي. ومن هنا، فقد قامت الاستراتيجية الصهيونية وتجليّاتُها المعاصرة على محاولة نزع العداء من الوجدان والعقل والذاكرة العربيّة، استكمالاً لنزع الأسلحة المقاومة، وهي المهمّة التي تضمنُها الاتفاقات السياسيّة والأمنية، وضرورة استراتيجيّة انعقد حولها الإجماع الفكري في إسرائيل ويلتفُّ خلفها المخطّطون والمنفذون.. فقامت بتأصيلها والتنظير لها مراكز بحوث عمليّة وجامعات ومعاهد وهيئات أكاديميّة إسرائيلية "كالمراكز اليهودي العربي في جامعة حيفا" و "معهد العلاقات الإنسانية" (في جامعة حيفا) و "معهد الدراسات العربية" في جفعات حفيفا، و"قسم الدراسات الإسلاميّة والشرق أوسطيّة في الجامعة العبرية" و "مركز الدراسات الاستراتيجية في جامعة تل أبيب (باسم جافي/ يافيه فيما بعد" و"المركز الدولي للسلام في الشرق الأوسط" و"المركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة" وغيرها من المراكز والمؤسّسات البحثية المعروفة(1).‏
ومن المعروف أن الإجراءات والنشاطات التطبيعية من المسائل والنقاط الأساسية، التي نصّت عليها اتفاقيات كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو.‏
والتطبيع يعني الانتقال في العلاقات بين طرفين من مرحلة العداء إلى مرحلة طبيعية تقوم على أساس المصالح المتبادلة وحُسن الجوار والتعاون في الميادين والمجالات كافّة.‏
فعلى سبيل المثال نصّت "المادة الثالثة" من اتفاقيات كامب ديفيد تحت عنوان "العلاقات الثقافية" (بين مصر وإسرائيل) على مايلي(2):‏
1-يتّفق الطرفان على إقامة علاقات ثقافية عادية بعد إتمام الانسحاب المرحلي.‏
2-يتّفق الطرفان على أنّ التبادل الثقافي في كافّة الميادين أمر مرغوب فيه، وعلى أن يدخلا في مفاوضات في أقرب وقت ممكن، وفي موعد لا يتجاوز ستّة أشهر بعد الانسحاب المرحلي، بغية عقد اتفاق ثقافي.‏
كما نصّت "المادة الخامسة" من البند الثالث "على أن" "يعمل الطرفان على تشجيع التفاهم المتبادل والتسامح، ويمتنع كل طرف عن الدعاية تجاه الطرف الآخر..".‏
أما "البند السادس" من "الملحق رقم 3" (الفقرة و) فقد نصّ على الاتفاق التالي:‏
"مع استكمال الانسحاب المرحلي تقام بين الأطراف اتصالات عادية بريديّة وهاتفية وتلكس.. ومحطّات إرسال تلفزيوني بواسطة كابلات وراديو وأقمار صناعية، وفقاً للمعاهدات الدولية والقوانين الدولية ذات العلاقة بالأمر".‏
إنّ إصرار العدوّ الصهيوني على التطبيع، خصوصاً في الميدان الثقافي، إنّما ينبع من إدراكه أنّ هذا الميدان هو المؤهّل والقادر على تلويث الفكر العربي والثقافة الشعبية -الوطنية، وضخّ المفاهيم والتصوّرات المّشوّهة لقيمه ومبادئه و"الشخصية القومية". فالتطبيع في المجال الثقافي، كما تنطوي عليه المخطّطات الاستراتيجية الصهيونية، يستهدف في التطبيق العملي(3).‏
1-إعادة كتابة التاريخ الحضاري لمنطقتنا العربية، عبر تزييف العديد من الحقائق والبدهيات التاريخية المتعلقة بالطريقة الاستعمارية الاستيطانية، التي أقحمت الكيان الصهيوني في الوطن العربي، حيث أقامت دولته "إسرائيل" على الأرض العربية في فلسطين، مع تشريد أغلبية شعبها.‏
2-التوقّف عن تدريس الأدبيّات والوثائق والنصوص المعادية لليهود والصهيونية ودولة "إسرائيل" بما في ذلك الوارد منها في بعض الكتب المقدّسة كالقرآن الكريم، تطبيقاً "للمادة الخامسة" من مواد اتفاقيات كامب ديفيد (البند الثالث). حيث كثّفت إسرائيل جهودها العلمية لرصد وتسجيل وتحليل المفاهيم الإسلامية المؤثّرة في الصراع مع الصهيونية، كأحد أبرز وجوده العناصر البنائية للذهنية العربية. ففي أثناء زيارة بيغن لمصر في 25 آب /أغسطس 1981 أعرب عن استيائه البالغ من استمرار الطلبة في مصر بدراسة كتب التاريخ التي تتحدث عن "اغتصاب إسرائيل لفلسطين" وكتب التربية الإسلامية التي تحتوي على آيات من القرآن الكريم تندّد باليهود وتلعنهم كالآية:‏
"لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون" (المائدة: 75)، والآية التي تقول: "لتجدنّ أشدّ الناس عداوة للّذين آمنوا لليهود والذين أشركوا.." (الآية) (سورة المائدة: 82). وقد أشارت الصحف إلى أنّ السادات استجاب على الفور لطلب "صديقه بيغن"، فأصدر على الفور أوامره للمختصين في وزارة التربية لإعادة النظر في المناهج الدراسية بما يتلاءم مع طلبات بيغن واتفاقيات كامب ديفيد.‏
ويندرج في هذا الضغط عدد من الندوات واللقاءات، التي نُظّمت في تل أبيب والقاهرة تحت شعار "دعم علاقة السلام بين مصر وإسرائيل". وكان الصهاينة يعربون في محاضراتهم عن "خيبة أمل كبيرة" لعدم انتشار الكتب المؤلّفات التي تتحدث عن "تاريخ اليهود وحضارتهم وثقافتهم" (وكأن لهم حضارة وثقافة!!).‏
-كما صرّح بمرارة الدكتور حاييم بن شاهار في ندوة جامعة‏
تل أبيب - (19 كانون الأول، ديسمبر 1980).‏
أمّا الدكتور ساسون صوميخ أستاذ الأدب العربي بجامعة تل أبيب، فقال في السياق نفسه: لقد ساءني جداً خلال زيارتي لجامعة عين شمس، أن أجد مكتباتها مليئة بالكتب التي ألّفها متعصبون (كما يزعم!!) ضد اليهود، وهذه الكتب تباع في المكتبات وأكشاك الصحف بحريّة تامة، وإنني لا أعتب على أدباء مصر الذين "يعطفون" على "إسرائيل" كتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ، إذا لم يفعلا شيئاً لمنع هذه الكتب، ولكنني أعتب على المؤسّسات السياسية في مصر التي تستطيع "بجرّة قلم" أن تمنع كلّ هذه الكتب المناهضة "لإسرائيل" من التداول(4).‏
3-أن تصبح جامعات العدوّ ومراكز أبحاثه ودراساته مرجعية علمية للمنطقة بأسرها، بحيث تؤسّس للمشروع الصهيوني، الموجّه لتدمير الثقافية والهويّة الحضارية للمنطقة العربية بأكملها، بل إحداث التفكيك والفوضى في داخل كل قطر عربي.. عبر إذكاء روح التناحر بين المنتمين للأديان والطوائف والمذاهب والجماعات المختلفة من جهة، وعبر محاولة تحقيق السيطرة الثقافية والعلمية والتقنية من جهة أخرى.‏
وماعبّر عنه "بيريز" في كتابه "الشرق الأوسط الجديد" بأنّ "القوة في العقود القادمة في الجامعات وليس في الثكنات" يعد تلخيصاً مكثّفاً للاستراتيجية الصهيونية في هذا المجال، وتقوم هذه الاستراتيجية على "تجريد الأمّة من ثقافتها لكي تصبح شبيهة بثقافة الكيان القائم في قلبها، أي من دون ثقافة موحّدة"(5).‏
والتطبيع الثقافي يستهدف تدمير المقوّمات الذاتية للثقافة والحضارة العربية، ولهذا فهو في نظر خبراء العدوّ وباحثيه وقادته العنصر الأهم والأكثر إلحاحاً في فرض الهيمنة الصهيونية على العرب، وجعلهم يستسلمون نهائياً تعبيراً عن الهزيمة الحضارية والانهيار القومي والانتحار الجماعي.‏
وبالتالي فالمفهوم الصهيوني للتطبيع، هو المظلّة التي يُرتكب تحتها كلّ ما يضمن لها (أي للصهيونية) تحقيق أهدافها التوسّعيّة وأهدافها الاستراتيجية في نهب موارد الوطن العربي والسيطرة على مقدّراته وتفكيكه وإلغاء الهوية العربية، وتدمير تراثنا وتاريخنا ومستقبلنا.‏
أمّا الأساليب والوسائل والبرامج الصهيونية المتّبعة لتحقيق هذه الأهداف الخطيرة، فهي شديدة الإشعاع والتنوع والتداخل والتجدّد.‏
ويهمّنا في هذه الورقة كشف الحجاب عمّا تقوم به مراكز الأبحاث والمؤسّسات والهيئات الإسرائيلية والأمريكية في منطقتنا العربية تحت ستار البحث العلمي والتعاون الأكاديمي والتواصل الثقافي، وغير ذلك من الأقنعة والتمويهات.‏
من المعروف أن التطبيع يأتي ضمن مخطّط دولي تشارك فيه الصهيونية العالمية وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية ومؤسّسات وهيئات غربية كثيرة، عبر التركيز الشديد على تقويض حقائق ظلّت لعقود متتالية قاعدة للثقافة القومية العربية. ولا يمكن دراسة الظاهرة الطائفية التي تصاعدت في السنوات الأخيرة في الوطن العربي، بمعزل عن تأثيرات تلك الجهات والدوائر المشبوهة، التي نشرت مايمكن تسميته بـ "الثقافة الفتنة"، لدرجة أنها ساهمت مباشرة في التمهيد لعدد من عناصر الانهيار والتردّي التي تخترق أوصال الأمة. و"ثقافة الفتنة" تقوم على نبش الأحقاد والضغائن وعناصر التوتر في المجتمع، ثقافة تعميق التضاد والتناحر والاختلاف والتقاتل بين الجماعات المختلفة داخل الأمة.. التي يعدّها أكثر من كاتب عربي -من أبرز العناصر الميُسّرة أو الخادمة للتطبيع الثقافي، وركناً رئيساً من أركان ثقافة التطبيع، لأنّ التطبيع مع أعداء الأمّة لا يستقيم إلا بالفتنة داخل صفوف الأمّة ذاتها(6).‏
ويأخذ هذا الاختراق شكل الترويج لقيم وعلامات تصب مباشرة في تدمير المناعة الثقافية العربية، مثل مهاجمة "العقل العربي" و "الشخصية العربية" والتشكيك بالأمة العربية وهويّتها الحضارية، والترويج لمزاعم الصهيونية والتيّارات الشعوبية الحاقدة، التي تصرّ على مزاعم متجدّدة كالقول بأن "العرب نَقَلة للحضارة" أو "مترجمين" أو "لا يتمتعون بعقل علمي -تحليلي نقدي، أو الترويج لأطروحة "الشعوب والأقوام والقبائل الناطقة بالعربية.. وأنّ الثقافة العربية الواحدة والأمة العربية الواحدة مجرّد وهم وخرافة"(7).‏
فالعقل الصهيوني بات يدرك أنه إذا كانت الثقافة العربة صعبة الاختراق لعراقة جذرها ومتانة مقاومتها، لذلك لجأ إلى وسيلة أيسر وأسهل، تتمثّل في اختراق بعض المثقفين العرب، الذين يمكن استخدامهم كأدوات لتفكيك حصن الثقافة العربية ودكّ أساسها من الداخل. ويأخذ هذا الاختراق أشكال وأساليب متنوعة من التطبيع وتصفية مصادر أو منابع العداء في الفكر السياسي العربي، ومحاولة إلغاء مايسمى بـ "الطابع السلبي" السائد في الأيديولوجية القومية العربية تجاه إسرائيل والصهيونية، وخلْق قاعدة فكرية للتواصل والتعامل المباشر مع بعض القوى والهيئات والجماعات والنخب الفكرية والسياسية القائمة. لذلك لم يكن مُستغرباً أن يكون العمل الأوّل الذي قام به أول سفير إسرائيلي في مصر، عقب تسلّم مهام عمله في 17 شباط، فبراير 1980، أنْ قدم "شيكاً" لتوفيق الحكيم، على أنه قيمة حقوقه الماديّة من ترجمة كتبه وطبعها في الكيان الصهيوني.‏
وممّا يجدر ذكره أنّ جامعة تل أبيب وضعت "مشروعاً للسلام" جهّز لاتفاقيات كامب ديفيد مع مصر، أداره في بادئ الأمر البروفسور "أفيفي أفين" ثم تولاّه البروفسور "ديفيد هورن". وقد نشط مُعدّو "المشروع" في إجراء الاتصالات الشخصية بين أساتذة جامعة تل أبيب والمثقفين المصريين، كما أنشئ كرسي أستاذية لتاريخ مصر في جامعة تل أبيب، من وجهة نظر صهيونية.‏
وفي إطار هذا "المشروع" تبارى المفكّرون والباحثون الإسرائيليون في إجراء الدراسات والحوار، وعقد الندوات حول مجالات التعاون الثقافي والعلمي بين إسرائيل والعرب.‏
إذ أنّ المطلوب إسرائيلياً -تبديل مفاهيم العرب وقناعاتهم ومعتقداتهم ليتحولّوا إلى ما يطلق عليه الإسرائيليون "فهماً أفضل لحضارة وثقافة جيرانهم اليهود"‍‍!!.‏
وفي إطار الاستراتيجية الصهيونية -الأمريكية- الإسرائيلية الهادفة إلى خلق بؤرة تابعة ثقافياً وسياسياً في الوطن العربي، ضعيفة العقيدة والولاء للوطن، لاهثة خلف إغراءات المال والشهرة وتوهّم العالمية والانفتاح الحضاري "على الآخر" (الصهيوني).. في هذا الإطار أقيمت في مصر ستّ وثلاثون مؤسّسة علمية أمريكية، وثقافية "إسرائيلية"، مثّلت وتمثّل مظلّة رسميّة لاختراق الشخصية العربية، والتجسّس على قطاعات المجتمع كافّة. ومن ذلك -مثلاً- النشاط الذي يقوم به "مركز البحوث السياسية" في كلية الاقتصاد وجامعة القاهرة، الذي يجري كثيراً من الأبحاث بتمويل من "مؤسّسة فورد"، وكذلك نشاط "مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في الأهرام"، و"معهد التخطيط القومي" وغيرها من المؤسّسات العلمية والتي للأسف خدع بها كثيرون‏
عربيا(ً8).‏
وبغية اختراق العقل العربي وعناصر المجتمع العربي أُنشئ في مصر عام 1982 "المركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة"، الذي لعب ويلعب دوراً خطيراً في مجال التمهيد للتطبيع وزرع بذور الصهيونية التدميرية، من خلال شبكة أبحاثه ورجال المخابرات الإسرائيلية، الذين يحتلّون مواقع قيادية فيه منذ بداياتها الأولى. ويجمع الكتّاب والباحثون الوطنيون في مصر الشقيقة على أنه يلعب دوراً رئيساً في جمع المعلومات واصطياد العملاء والتجسّس السياسي والثقافي على مصر والعرب.‏
ونظراً لكون "المركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة" الأخطر في ميدان استراتيجية العدو على الأصعدة الأمنية والثقافية والعلمية، فقد توالى على إدارته عدد من أبرز المتخصصين في الدراسات الشرقية والعربية، الذين يرتبطون بعلاقات عضويّة مع أجهزة المخابرات الإسرائيلية(9)، ومع مراكز التخطيط الاستراتيجي في الكيان الصهيوني.‏
وللتمويه أعلنت مهامّه ضمن النقاط التالية:‏
- رعاية البحث والدراسة في التربية والعلوم والثقافة والتكنولوجيا والآثار والفنون والتاريخ.‏
- استضافة ومساعدة الباحثين الإسرائيلين، الذين يحصلون على منح دراسية، والعلماء الزائرين الذين يقيمون في مصر لأغراض الدراسة والبحث.‏
- اتخاذ الترتيبات اللازمة مع السلطات المصرية ذات الشأن، لتمكن العلماء والباحثين الإسرائيليين من متابعة بحوثهم في المؤسسات الأكاديمية ودور الوثائق والمكتبات والمتاحف.‏
- عقد دورات للعلماء والباحثين الزائرين، وإتاحة الفرصة لهم لمقابلة علماء وباحثين مصريين والتعاون معهم.‏
والحقيقة فإنّ أهداف هذا المركز الحقيقية ونوعية نشاطاته وممارساته في السنوات السابقة، تجعله -كما قلنا في فقرات ماضية- من أخطر المواقع الهجومية المتقدمة في استراتيجية الغزو الفكري -الثقافي الإسرائيلي ضد العقل العربي، وشبكة متطوّرة لمؤسّسة الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية (الموساد).. للتغلغل في مجالات البحث العلمي كافة، وفي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المصرية بوجه عام.‏
يقع هذا المركز، الذي يطلق عليه المصريون "المستوطنة الإسرائيلية" في البناية رقم 92 ش. النيل (شقة رقم 33) بالقرب من "شيراتون القاهرة".‏
-يضم المركز مكتبة وقاعة محاضرات صغيرة تكاد تستوعب خمسين شخصاً، ويعمل المركز بتنسيق كامل مع المستشار الثقافي والمستشار الإعلامي بالسفارة الإسرائيلية في القاهرة.‏
-تشرف عليه علمياً "الأكاديمية الإسرائيلية للعلوم والآداب" بالاشتراك مع "الجمعية الشرقية الإسرائيلية". وفيما يلي عرض مختصر لأنشطة المركز المعلنة والمعروفة(10):‏
أولاً: إصدار النشرات الدوريّة في مصر، ومنها نشرة دورية بالإنجليزية تحت عنوان "نشرة المركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة" Academik of the Israeli -((Bulletion Center Cairo)).‏
والتي أصبحت تصدر نسخة باللغة العربية، يغلب عليها الجانب الدعائي حول ما يسمّى بـ "التقدم العلمي والتكنولوجي" والأنشطة الجامعية في إسرائيل.‏
- إبراز الميادين العلمية التي يمكن أن تشكّل ساحة للتعاون المشترك بين الباحثين المصريين والإسرائيليين وتقديم دراسات تاريخية متنوعة عن التأثيرات الثقافية بين مايزعم من "ثقافة يهودية" والثقافة العربية. ويتكون مجلس الإدارة الاستشاري من مناحيم بن ساسون، أفينوم دانين، يهودا فريد لاندر، شيمون شامبر وجبرائيل (كبرائيل) واربورغ.‏
- إصدار مجلّة ضخمة بعنوان "لقاء الثقافتين العربية واليهودية" وتصدر باللغتين العربية والعبرية، ويتركز اهتمامها حول الدراسات المتصلة بما يسمّى العناصر المشتركة بين الفكر العربي والفكر اليهودي، كما تنشر ترجمات للأدب العبري وأعمال أدبية لكتّاب مجهولين في الوطن العربي.‏
- ويقوم المركز بتوزيع مجلة بعنوان "التربية من أجل السلام".‏
ثانياً: خدمات مكتبية وتعليمية ورحلات، إذ تمثّل مكتبة المركز مصدر جذب واسع لطلاّب وباحثي أقسام اللغة العبرية وآدابها في الجامعات المصرية، فهي حافلة بالمراجع اليهودية في شتى المجالات، ومكتبة فيديو لأفلام دعائية لإسرائيل، ويساعد المركز الباحثين المتعاملين معه في تأمين المراجع العلمية المطلوبة لأبحاثهم من "إسرائيل"؟.‏
ثالثاً: تيسير مهمّة الباحثين الإسرائيليين في مصر، حيث يقوم المركز بتقديم العون والمساعدة للباحثين "الإسرائيليين" وإرشادهم إلى الأساتذة المصريين، الذين يقبلون التعاون في تقديم المعلومات وبحوث مشتركة في إطار مخطّط "مسح شامل" للمجتمع المصري، ورسم خارطة للاتجاهات السياسيّة والدينية والفكرية، ووضع تصور دقيق للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في البلاد.‏
رابعاً: ترتيب الندوات والمحاضرات، وهي إحدى وسائل الحرب الفكرية الصهيونية، حيث يقوم المركز بتنظيم المحاضرات للأكاديميين الإسرائيليين، وإتاحة الفرصة لهم للاحتكاك بنظرائهم المصريين، ويواظب على حضورها بعض أساتذة الجامعات وبعض العاملين في حقل الإعلام ومجموعة من الطلاّب والطالبات.‏
- من أبرز مديري "المركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة" شيمون شامير أوّل مدير للمركز، ولد في رومانيا في 15 كانون الأول/ ديسمبر 1933، هاجر مع أسرته إلى فلسطين عام 1940. درس الاستشراق في الجامعة العبرية بالقدس، وحاز درجة الدكتوراه من جامعة برنيستون الأمريكية.‏
- في أوائل عام 1967 ترأس شامير "معهد شيلواح SHILOAH للدراسات الشرق أوسطية والأفريقية"، الذي يتبع جامعة تل أبيب، وهو معهد يهتم بإجراء دراسات حول مايسمى بـ "أوضاع الشرق الأوسط"، وحول التطورات التي يشهدها الوطن العربي بشكل أساس، ويستعين لهذه الغاية بجميع الأعداد اليومية لأكثر من مائتي صحيفة تصدر في الأقطار العربية وبعض الدول المجاورة لها.‏
ويذكر أنّ "معهد شيلواح" حصل على كثير من الوثائق المهمّة، وصوّر غالبية المواد البحثية العائدة "لمركز الأبحاث الفلسطيني" (مركز أبحاث منظمة التحرير الفلسطينية) بعد أن اقتحمته القوات الإسرائيلية إبان غزو لبنان عام 1982، ونقلت موجوداته إلى فلسطين المحتلة.‏
وكان شيمون شامير يشرف على دائرة مصر في المعهد المذكور(11)، قبل انتدابه لرئاسة "المركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة"، حيث يعدّ من أبرز الخبراء الإسرائيليين بشؤون مصر، وهو مؤسّس قسم تاريخ مصر المعاصر بجامعة تل أبيب، إضافة إلى ارتباطه المعروف بدوائر الموساد(12).‏
- استمرت فترة إدارته للمركز ثلاث سنوات، انتهت في تشرين الأول، أكتوبر 1984 وعاونته في أداء مهمته قرينُته "دانييلا شامير".‏
- نُشرت له بحوث ودراسات كثيرة من بينها: تاريخ العرب الحديث في الشرق الأوسط، مصر تحت حكم السادات، رؤى الذات من منظور تاريخي لمصر وإسرائيل (بالاشتراك مع مجموعة باحثين إسرائيليين). وعمل أستاذاً زائراً في جامعات هارفارد وبنسلفانيا وكورنيل. وقد شارك في وضع التصوّر الإسرائيلي "لمعاهدة السلام" مع مصر وإخراجها من جبهة المواجهة المباشرة مع العدوّ.‏
وقد زار شامير مصر 8 مرات قبل توليه إدارة المركز، وكان له لقاء في كل زيارة بالسادات، وارتبط بصداقات قويّة مع من يطلق عليهم المصريون "لوبي التطبيع" في أوساط المثقفين المصريّين. وفي أثناء تلك الزيارات قام بمسح شامل لمعظم محافظات مصر، تمهيداً لعمله الرسمي اللاحق في هذا المجال. وقد اتسمت إدارته للمركز بنشاط مكثّف تمثّل في إعداد الدراسات وجمع المعلومات، وكان يفاخر بأنّ مركزه "ليس مركزاً ثقافياً عادياً كتلك المراكز التابعة للسفارات"(13).‏
وهذه بالفعل حقيقة المركز، المركز الجاسوسي الإسرائيلي الأول في مصر والمنطقة العربية.‏
-بعد اغتيال "صديقه أنور السادات"، قام بإعداد مجموعة دراسات حول احتمالات تطور الأوضاع في مصر ("أبحاث مركز شيلواح لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا في جامعة تل أبيب"- "أوراق السلام" 1982)، تركزت على أهمية الخط السياسي للسادات، وضرورة إجهاض أية تطورات من شأنها أن تعيد مصر إلى مكانتها الاستراتيجية في الصراع العربي -الصهيوني.‏
-كما شارك مع "جبرائيل فاربورغ" المدير الثاني للمركز في وضع دراسة عن "دور مصر في الصراع العربي الإسرائيلي"، ضمن سلسلة "أبحاث وحدة دراسات الشرق الأوسط التابعة لمعهد ترومان"، بالاشتراك مع "معهد شيلواح"، ركّزت على حقيقة أن مصر تشكّل عاملاً حاسماً في استمرار الصراع وتطوره، كما أوصت بضرورة الحد من فاعلية دور مصر المؤثّر في موازين القوى وعزلها عن دائرة الصراع.‏
بعد عودته إلى فلسطين المحتلة ألقى سلسلة محاضرات في جامعة تل أبيب عن الفترة التي قضاها في مصر (مديراً للمركز الأكاديمي الإسرائيلي ثم سفيراً لبلده في القاهرة لاحقاً)، ونشرت له الصحف الإسرائيلية مقالات تتضمن رؤيته ومقترحاته لإنجاح التطبيع مع مصر.‏
ومع ذلك، قال في إحدى محاضراته: "من ينظر إلى الشارع المصري يتّضح له على الفور أن السلام لم يصبح بارداً كما يقولون، بل أصبح في طيّ النسيان".‏
ثم تولّى البروفسور "جبرائيل واربورغ" (Gabriel Warburg) إدارة المركز في تشرين الأول/ أكتوبر 1984، وهو من الخبراء، الصهاينة المعروفين في شؤون المنطقة العربية، خاصة مصر والسودان. ولد في برلين 12/تموز/ يوليون عام 1927، ورحل مع أسرته في سنّ السادسة إلى فلسطين حيث استقرت في مدينة حيفا.‏
بعد إعلان قيام "دولة إسرائيل" عام 1948، التحق واربورغ بالجيش إلى سنة 1954، ثم عُيّن في جهاز الاستخبارات العسكرية "أمان"، وفي عام 1963 أصبح مسؤولاً عن "الشؤون المصرية" بقسم الأبحاث بهيئة الأركان العامّة.‏
-في عام 1965 التحق "بقسم الدراسات الشرقية" في جامعة لندن، حيث نال درجة الدكتوراه، وكان موضوع رسالته "الحركة الوطنية في السودان الحديث"، وفي عام 1986 عمل أستاذاً في "قسم تاريخ الشرق الأوسط" بجامعة حيفا، وساهم في تأسيس "مركز دراسات الشرق الأوسط" بالجامعة، بناء على توصية للجنرال "أهارون ياريف" رئيس الاستخبارات العسكرية السابق، والرئيس الحالي "للمعهد الإسرائيلي للدراسات الاستراتيجية" ورئيس وفد إسرائيل إلى مايسمّى بمؤتمرات "الطب النفسي في خدمة السلام" الثلاثية (التي تضمّ متخصّصين من الولايات المتحدة ومصر وإسرائيل).‏
و"مركز دراسات الشرق الأوسط"، بجامعة حيفا، يعمل بتنسيق كامل مع "عهد شيلواح لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا"، وكلاهما أنشئ بتوصية ودعم من الاستخبارات الإسرائيلية.‏
قام الدكتور واربورغ بإعداد سلسلة دراسات عن مصر، تناول فيها الأوضاع السياسية والاقتصادية بعد حرب حزيران /يونيو 1967، وحرب الاستنزاف، ودراسة عن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر والسياسة الخارجية لمصر إبان حكمه.‏
وواربورغ ذو تاريخ معروف في مجال جمع المعلومات لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، فقام فورتولّيه منصبه باستقدام عدد كبير من الباحثين الإسرائيليين إلى القاهرة لإعداد البحوث والدراسات، وهي إحدى الوسائل التي تلجأ إليها الاستخبارات الإسرائيلية للحصول على المعلومات غير العسكرية، وهؤلاء الباحثون يتبعون أقسام الأبحاث وجمع المعلومات في "الموساد" ووزارة الخارجية الإسرائيلية. وكانوا يقومون فور وصولهم إلى مصر بجمع المعلومات السياسية والاقتصادية والعلمية.‏
وفي هذا الإطار قام واربورغ بتكليف بعض الباحثين المصريين، بإعداد دراسات عن مصر تتعلق بالسياسة التعليمية والزراعية، والجوانب الاجتماعية والثقافية للتيارات السياسية والفكرية في مصرن خاصة عن التيار الديني والتيار الناصري.‏
عمل واربورغ على اكتساب أصدقاء للمركز، عن طريق توجيه الدعوات لهم لحضور حفلات وندوات المركز ولزيارة الكيان الصهيوني، وهي وسيلة للتعرّف على أفراد لديهم استعداد للعمل من أجل التطبيع أو حتى لصالح الاستخبارات الإسرائيلية، بعد توريطهم ثم تجنيدهم بإغراءات كثيرة، كالدعوات والاستضافة في "إسرائيل"، والإغراءات المادية تحت ستار "مكافأة" البحوث والدراسات والمحاضرات، كما أمكن استقطاب عدد من طلاب وباحثي أقسام اللغة العبرية بالجامعات المصرية، الذين خضعوا لعملية "غسيل دماغ جمعي" باتت آثاره واضحة في آرائهم وكتاباتهم وسلوكياتهم.‏
وقد عاونته في مهمته قرينته "راحيل ليفين واربورغ" وهي من مواليد الأرجنتين (18 أيلول، سبتمبر 1927).‏
أمّا المدير الثالث "للمركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة" فهو البروفيسور "أشير أوفاديا" الذي تولّى مهام منصبه في نيسان/أبريل 1987. وهو أساساً من مواليد 1937، يوناني الأصل، أمضى فترة طفولته في مقاطعة سالونيكا (باليونان) وهاجر إلى تل أبيب عام 1949، ودرس بالجامعة العبرية بالقدس، ثم عمل أستاذاً للعمارة الكلاسيكية وتاريخ الفن المسيحي القديم بجامعة تل أبيب.‏
-زار أوفاديا مصر قبل توليه إدارة المركز نحو 17 مرة حيث صال وجال في جميع محافظاتها، وهو على دراية علمية واسعة بالحضارات المصرية المتعاقبة، وشديد الاهتمام بفنون العمارة الإسلامية والمصرية القديمة.‏
-من مؤلّفاته: الكنيسة البيزنطية في الأراضي المقدّسة، النماذج الهندسية والنباتية في الفسيفساء القديمة. لديه ملكات الفنان، وسعى في فترة إدارته للمركز إلى اجتذاب الفنّانين التشكيليين المصريين، ونجح في تنظيم عدد من المعارض الخاصّة لبعضهم في فلسطين المحتلّة، ومعارض أخرى مشتركة مع فنانين "إسرائيليّين".‏
وقد شهد "المركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة" تطوراً كبيراً ونشاطاً واسعاً في أثناء إدارة أوفاديا (عوفاديا/ كما يطلق عليه أشقاؤنا المصريون)، وتجلّى هذا النشاط بعقد ندوة أسبوعية في مجال الترويج للتطبيع مساء كل يوم أربعاء. وكان من أبرز الوجوه الصهيونية المشاركة دائماً في هذه الندوات (التطبيعية):‏
*"يورام ميتال" من جامعة حيفا، وهو صاحب الدراسة الشهيرة بعنوان: "العلاقات الاقتصادية بين مصر وإسرائيل في مجالات الزراعة والسياحة وتجارة النفط".‏
*"يورام همزراحي" مراسل صحيفة "ها آرتس" الصهيونية في القاهرة، كان قائداً عسكرياً لمنطقة جنوب لبنان في عهد رئيس الأركان رفائيل إيتان، وقاد العديد من المذابح التي ارتكبت ضد الشعب العربي في لبنان وفلسطين، وهو يحمل الجنسية الأمريكية أيضاً، يقيم (همزراحي) في فندق (هيلتون -النيل)، ولكنه شبه مقيم في "المركز الأكاديمي الإسرائيلي"، ولم يترك في القاهرة حارة ولا شارعاً ولم يطرقه، من حلوان إلى عين شمس، يتحدّث مع كل من يقابله في كل شيء، ويجتمع بمن يوافق من الصحفيين والكتّاب.‏
وقد كان "للمركز الأكاديمي" باع طويل في ميدان سرقة الآثار المصرية القديمة على اختلاف مراحلها التاريخية (فرعونية، قبطية، مملوكية، إسلامية)، وتعد سرقة وثائق "الجينيزاه" نموذجاً حياً ودليلاً قاطعاً لهذا الاتجاه الصهيوني. وقد لعب أوفاديا (عوفاديا) دوراً رئيساً في سرقة وثائق "الجينيزاه"، بالإضافة إلى تهريب مئات القطع الأثرية المصرية إلى فلسطين المحتلة، ويؤكد خبراء الآثار المصريون أن لمصر 572 قطعة أثرية في متاحف تل أبيب، وأن إسرائيل قد سرقت مالا يقل عن 50 قطعة أثرية من سيناء بعد اتفاقيات كامب ديفيد بل استخدمت طائرات الهليكوبتر في نقل أعمدة بعض المعابد والتماثيل إلى متاحف تل أبيب(51).‏
ووسط تظاهرة صاخبة من الرقص والغناء من جانب حاخامات اليهود، افتتح نائب محافظ القاهرة والسفير الإسرائيلي شيمون شامير (الذي كان أول مدير للمركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة) ورئيس المركز الأكاديمي الإسرائيلي أوشير عوفاديا في كانون الثاني/ يناير 1989 "مكتبة للتراث اليهودي"، والتي أقيمت داخل المعبد اليهودي في شارع عدلي بوسط القاهرة.‏
وقال البيان الذي أصدره "المركز الأكاديمي الإسرائيلي"، وجرى توزيعه على الحاضرين، أنّ المشروع الذي تمّ بموافقة هيئة الآثار كان يهدف إلى جمع "60 ألف كتاب"، لكنه لم يتمكن من الحصول على أكثر من 9 آلاف كتاب تعبّر عن التراث اليهودي (وثائق ذات مضمون ديني بحت)، وكشف البيان عن استيلاء "مكتبة التراث اليهودي" على وثائق "الجينيزاه" القديمة، التي تعدّ جزءاً من التراث المصري، وقد استنكر بعض علماء التاريخ والآثار المصريين منح "المركز الأكاديمي الإسرائيلي" وما يتفرّع عنه من مكتبات وملاحق وأقسام حقّ جمع حزء من التراث التاريخي، والديني لمصرن وتأكيد المزاعم الصهيونية القائلة بأنّ إسرائيل هي ممثلة يهود العالم حديثاً وقديما(ً61).‏
وقبل أيام من افتتاح مكتبة "التراث اليهودي" تمّ افتتاح فرع "للمركز الأكاديمي الإسرائيلي" بحي الظاهر في محاولة واضحة للوصول إلى عمق الأحياء الشعبية المصرية (في القاهرة). والأخطر من هذا عملية السطو الواسع، الذي يقوم به "الإسرائيليون" على التراث الموسيقي والفولكلوري العربي في مصر وبلاد الشام ونسبته مع كثير من الحرف اليدوية إلى تاريخهم وتراثهم (كما فعل الباحث اليهودي روبرت لخمان مع الفولكلور الموسيقي لمنطقة سيناء في عام 1932).‏
وعلى سبيل المثال جمع الباحث "الإسرائيلي" دوف نيو 266 نموذجاً من موسيقى بدو سيناء، وتم تصنيفها زوراً ضمن مايُسمّى بـ "التراث اليهودي".‏
وفي هذا السياق قام العاملون بمكتبة "التراث اليهودي" بالقاهرة -كما صرّح عبد الوهاب حنفي رئيس إدارة الفنون الشعبية بالثقافة الجماهيرية -بأنشطة تزويرية كثيرة، مثل دسّ النجمة السداسية، في العلامات التي تزيّن أثواب العرب البدو بسيناء، وإعطاء أسماء يهودية للأعشاب الطبية هناك، وشراء كميات كبيرة من الألبسة العربية البدوية لنساء واحة سيوه، بل قاموا بدسّ النجمة الإسرائيلية في الوشم البدوي في بعض مناطق سيناء، ضمن استراتيجية تدمير الفلوكلور العربي والثقافة الجمعية العربية، وتأسيس استمرارية حضارية يهودية زائفة مكانها، وتكوين تصميمات ناتجة عن جمالية فولكلورية يهودية مصطنعة.‏
لقد أثبتت تقارير أجهزة الأمن المصرية، التي تذيع الصحف والمجلات بعض نتائجها وتحقيقاتها بين الفينة والأخرى، وجود صلة مباشرة بين "الموساد" و"المركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة"، الذي يقوم بإعداد نوعين من التقارير والبحوث والدراسات، أوّلهما يقدّم بصفة دورية إلى "الموساد"، في حين أنّ العلني والعادي يذاع وينشر على الملأ بغرض التمويه والتغطية.‏
وقد تفاخر "يوسف جينات" المدير الرابع "للمركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة" أمام وسائل الإعلام المختلفة بأنه نجح "باستقطاب" عدد لابأس به من المصريين العاملين بأجهزة حكومية "ذات طبيعة خاصة"، لتزويد "المركز" بمعلومات تتعلّق بالأبحاث العسكرية والاقتصادية بدعوى "الاسترشاد" بها عند إعداد تقارير "المركز" وأبحاثه العلميّة..‏
وممّا يجدر ذكره أن "المركز الأكاديمي الإسرائيلي" رتّب زيارات عديدة لوفود ضمت عدداً من أساتذة القسم العبري واللغات الشرقية بجامعتي القاهرة وعين شمس إلى "إسرائيل" بدءاً من عام 1993. وقد بحثت الوفود المصرية مع أساتذة أقسام الدراسات العربية والشرقية بجامعتي حيفا وتل أبيب وسائل تنسيق التعاون وتبادل الخبرات. علماً أن أعضاء الوفود المصرية يتم اختيارهم عن طريق "المركز الأكاديمي الإسرائيلي". من خلال معلومات يقدمها الباحثون "الإسرائيليون" في التخصّصات المشابهة عن الأساتذة المصريّين وخبراتهم ومؤلفاتهم التي يطلع عليها "الإسرائيليون" بانتظام.‏
وضمن استراتيجيّة صهيونية شاملة في مجال إرساء دعائم التطبيع والتجسّس وإفساد النخب العلمية والثقافية، عمل "المركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة" بدأب شديد على إقامة أوسع الاتصالات والعلاقات مع مراكز البحث العلمي في مصر (الرسميّة منها والأهلية)، مع التركيز على مسألة جمع المعلومات الدقيقة عن عناصر بنية المجتمع المصري، وتحويل تلك المعطيات والدراسات إلى "الموساد" وإلى دوائر صنع القرار في "إسرائيل" لاستخدامها في تخريب المجتمع المصري، وتدمير أسسه ومقومات وحدته الوطنية، ويترافق ذلك مع استدراج مئاتٍ من النخب السياسية والثقافية، بشراء ذممهم بآلاف الدولارات ثمناً لبحث يتكوّن من عدة صفحات، وليس شرطاً في بعض الأحيان مع ماتحويه هذه الصفحات من معلومات. ففي أحوال عديدة يبقى الهدف الرئيس هو الربط الوثيق للباحث بهذه الدوائر وإغراؤه بالدولارات حتى ينتقل انتماؤه من التمسك بلغة الوطن إلى الدفاع عن لغة الدولارات(17).‏
ومن خلال متابعة ماتنشره الصحف والمجلاّت المصريّة، يتبيّن لنا أن "المركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة" ركّز جهوده خلال العامين الماضيين للحصول على معلومات أكثر عن طلبة كلية العلوم والهندسة في جامعات مصر، لمعرفة آخر ما توصل إليه الطلبة النابغون من اختراعات جديدة، وهناك عشرة ملفات عن عشرة اختراعات وضعها "مدير المركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة" تحت الميكروسكوب، ووجّه بشأنها رسالة إلى السفير "الإسرائيلي" بالقاهرة كتب فيها(18):‏
"بناء على طلب تعليماتكم بإحضار ملفّات كاملة عن آخر اختراعات الشباب المصريين أرسلنا لكم عشرة ملفات عن اختراعات في مجال الزراعة وتحلية المياه والبلاستيك والكمبيوتر وإطارات العربات... ونودّ أن ننتبه أنّ معظم هذه الاختراعات قمنا بتجربتها وفحصها جيداً، وهي تعد من أنبغ ما توصل إليه العلم...".‏
وأرسل السفير الإسرائيلي بالموافقة على شراء أربعة اختراعات وبأسرع وقت، أحدهما تحلية مياه البحر لطالب في كلية الهندسة. وقد توجّه باختراعه إلى وزير الزراعة المصري، لكنه منع من مقابلة الوزير، وعندما عرف أن "المركز الأكاديمي الإسرائيلي" يعرض أسعاراَ خيالية لشراء الاختراعات الجديدة، بل وهناك منح سفر للدراسة إلى الخارج، توجّه المخترع إلى المركز عن طريق أحد الباحثين ممّن لهم علاقة قوية بالمركز، وبعد فترة قابل مدير "المركز الأكاديمي" وقدّم له صورة بحث اختراع، وقدّم التجربة أمامه عملياً، وبعد نجاحها قالله "مدير المركز" مداعباً: "لابدّ أن تسافر لأمريكا أم الدنيا لترى كيف يعاملون هناك العلماء بدلاً من مكاتب الطعمية!!".‏
وبعد ثلاثة أسابيع توجّه المخترع مباشرة إلى السفارة "الإسرائيلية" بالقاهرة وهناك باع اختراعه بمبلغ كبير.‏
والاختراع الثاني الذي وافق عليه السفير "الإسرائيلي" هو إنتاج سماد جديد لخصوبة الأرض، وتحويل الأرض المالحة إلى أرض صالحة للزراعة، وهو اختراع لخرّيج كلية الزراعة، وهو صديق لأحد أساتذة الجامعة ممّن لهم علاقة مباشرة وأبحاث لدى "المركز الأكاديمي الإسرائيلي"، وفور عرض الطالب الاختراع على أستاذه نصحه بالتوجه "للمركز الأكاديمي" لأنهم يدفعون مبالغ كبيرة في الاختراعات الحديثة، ورفض الطالب في بداية الأمر، وبعد شهرين من محاولة بيع اختراعه لإحدى الشركات الاستثمارية في مجال الزراعة والأسمدة، عاد مرة أخرى ووافق على بيعه للمركز، وهو الوحيد الذي قابل "السفير الإسرائيلي" في اليوم التالي لتقديمه الاختراع، وعرض عليه السفر وتجربة الاختراع ذاته بطريقة عملية، شاملة تكاليف الإقامة ومكافآت كل يوم يقضيه في "إسرائيل" إضافة إلى حق شراء الاختراع نفسه ومدة الإقامة ثلاث سنوات، وسافر بالفعل بعدما وضع ثمن الاختراع في "البنك الأمريكي المصري" وهو الآن يقضي الشهر السادس في إسرائيل!!.‏
أما الاختراع الثالث الذي وافقت عليه السفارة الإسرائيلية، فهو لمهندس ميكانيكي خرّيج كلية الهندسة بجامعة القاهرة، وكان يعمل معيداً بالكليّة، لكنه سافر في منحة إلى الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق "السفارة الإسرائيلية" بالقاهرة، حيث تقدم المهندس باختراعه لعمل "خلطة" جديدة من "كاوتشوك العربات" تساعد السيارة على عدم الانقلاب في الحوادث بسبب التصاقها بالإسفلت، وشمل اختراعه إضافة مادة جديدة للقار المستخدم في الإسفلت تتفاعل مع مادة المطاط الجديدة تجعل من الصعب انقلاب السيارة لشدة تماسك المادتين.‏
وعندما تقدم باختراعه هذا إلى "المركز الأكاديمي" كان شرطه الأول قبل المكافأة أن يسافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ويكمل دراسته هناك، وبعدما وافق السفير على الاختراع وشرائه وافق بالفعل على سفر المخترع إلى أميركا، وهناك التحق بجامعة "جورج واشنطن".‏
والاختراع الرابع والأخير الذي اشترته السفارة الأمريكية (بالتعاون والتنسيق المطلق مع السفارة الإسرائيلية)، كان من باحث خريج كلية التجارة، وله ميول واهتمامات بمجال "البلاستيك"، وقد قدّم له "المركز الأكاديمي" مكافآت كثيرة عن أبحاثه في مجالات مختلفة، وأرسل إليه قبل أن يتقدم باختراعه برسالة تقول: "شكراً على تعاونك معنا في مركزنا، ونتمنى لك تعاوناً أفضل في مجال الأبحاث المطلوبة منك في رسالتنا الأخيرة، مرفق طيّه مبلغ خمسة آلاف جنيه لمساعدتك في اختراعك الأخير الذي تقدمت بفكرته ووافقنا عليها".‏
وبعد ثلاثة أشهر تقدّم المذكور باختراعه كاملاً عن تركيب مادة جديدة تنتج بلاستيكاً يشبه الفخار، قوي التحمل... وبعد موافقة السفارة عليه اشترت حق الاختراع بمبلغ مائة وخمسين ألف جنيه بعدما رفض المخترع مائة ألف فقط، وهدّد بسحب اختراعه، وتقاضى المبلغ على دفعات بشيكات من أحد البنوك بالجيزة!!.‏
من جهة ثالثة حصل "المركز الأكاديمي الإسرائيلي" على الملفات الكاملة لخمسة اختراعات مصرية جديدة، وقدّم للسفارة الإسرائيلية أسماء المخترعين الشباب، الذين تنقصهم الإمكانيات المادية والتكنولوجية لإتمام اختراعهم، حيث أن اختراعاتهم في مجال الماكينات الضخمة في المصانع والغزل والنسيج والحديد والصلب والقطارات.‏
وحصل "المركز" على أسماء هؤلاء المخترعين عن طريق باحث مصري، وردّ عليه "مدير المركز" برسالة، جاء فيها:‏
"السيّد/.. شكراً على حسن تعاونك معنا ومع مركزنا الموقّر، ونتمنى تعاوناً أفضل وأكثر في مجالات أخرى، مرفق طيّه مبلغ ألف جنيه مكافأة عن دورك الهام في إرشاد المخترعين الخمسة للجوء إلى المركز والتعاون معه، وشكراً".‏
وبالفعل قابل مدير "المركز الأكاديمي" المخترعين الخمسة، ومنهم اثنان خريجا الجامعة الأمريكية، وبعدها حدّد لهم موعداً لمقابلة السفير "الإسرائيلي"، الذي قدّم إليهم صوراً للمصانع والمكائن الحديثة التي يمكن أن تساعدهم على اختراعاتهم. وقد وافقوا على السفر إلى "إسرائيل" وسافروا باستثناء باحث واحد، توفيت والدته قبل السفر بأيام، فأجّل سفره لبعض الوقت!!.‏
وحول السؤال عن كيفية الوصول لهؤلاء المخترعين قال الدكتور رفعت سيّد أحمد "مدير مركز يافا للدراسات" (بالقاهرة): "المركز الأكاديمي الإسرائيلي منذ إنشائه في الثمانينات بعد معاهدة كامب ديفيد، وهو يعدّ بؤرة من بؤر التجسّس على مصر بطرق مباشرة أو غير مباشرة، والدليل على ذلك أنّ كلّ المتهمين بالتجسّس لصالح إسرائيل، الذين قبضت عليهم الأجهزة الأمنية المصرية كانت لهم صلة بالمركز الأكاديمي، وبعضهم كان يتلقى تعليماته من المركز نفسه، وبعضهم كان يزور المركز بشكل دائم ومنتظم، كما في قضية عزّام عزام الأخيرة.‏
فالمركز الأكاديمي الإسرائيلي يركّز تركيزاً كبيراً على الشباب المصري في جميع المجالات، وهو يعطيهم الضوء الأخضر عن طريق أساتذة مصريّين وفنّانين ورجال أعلام وإعلام وصحافة تجعل الأمر شيئاً طبيعياً في حالة السلم التي نمرّ بها مع إسرائيل"(19).‏
إن قراءة سريعة لعناوين المحاضرات التي ألقيت في "المركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة" تظهر بصورة جليّة ملامح الاستراتيجية الصهيونية وأهداف "إسرائيل" الحقيقية من التطبيع والعلاقات الثقافية. وفيما يلي قائمة مختصرة لعناوين المحاضرات والندوات، المنظمة في إطار "المركز" المذكور:‏
*"دور التواصل والتقليد في تشكيل مفاهيم المجتمعات الحديثة" للدكتور شوئيل أيزيشتاد أستاذ علم الاجتماع بالجامعة العبرية بالقدس وعضو الأكاديمية الإسرائيلية للعلوم والإنسانيات.‏
*"وثائق الجينيزاه بالقاهرة كمصدر للتاريخ المصري" للدكتور مارك كوهين أُستاذ دراسات الشرق الأدنى بجامعة برنيستون وأستاذ زائر بالجامعة العبرية بالقدس، مزدوج الجنسية إسرائيلي/أمريكي.‏
*"الآثار المسيحية القديمة في مصر" للدكتور آشير أوفاديا.‏
*"التعليم في مصر" للدكتور ميشيل وينتر أستاذ تاريخ الشرق الأوسط والدراسات الإسلامية بجامعة تل أبيب.‏
*"اليهودية والإسلام: علاقة بين الهالاخاة والشريعة الإسلامية" ألقتها هافا لازاروس يافيه، أستاذة الحضارة الإسلامية بالجامعة العبرية، لها دارسات معروفة عن التصوف الإسلامي، وفي بعض جوانب العقيدة الإسلامية، وأخرى في تاريخ العرب والإسلام.‏
*"التفاعل الثقافي بين العرب واليهود في العصور الوسطى" للدكتور إسحاق أفيشور أستاذ اللغة العبرية وآدابها بجامعة حيفا ومدير "مركز تراث يهود بابل".‏
*"حياة الطائفة اليهودية في الفسطاط: في العصور الوسطى" للدكتور مناحيم بن ساسون رئيس قسم تاريخ اليهودي بالجامعة العبرية، ونائب رئيس "معهد بن زفي لدراسات الطوائف اليهودية في الشرق".‏
*"القراؤّون في مصر وتاريخهم عبر ألف عام" للدكتور تسفي انكوري الأستاذ بقسم التاريخ اليهودي بجامعة تل أبيب.‏
*"يهود مصر في نهاية القرون الوسطى" للدكتور إبراهام دافيد الأستاذ بالجامعة العبرية.‏
*"الفولكلور اليهودي بين الشرق والغرب" للدكتور دوف نوي، أستاذ الفولكلور في الجامعة العبرية بالقدس.‏
*"اليهود في مصر" ليعقوب لنداو.‏
*"اليهود في مصر -مجتمع شرق أوسطي في العصر الحاضر" للدكتور شيمون شامير.‏
*"شخصيات يهودية في عالم الفكر والاقتصاد في العصر الحاضر" لموريس شمّاس.‏
* في الأصل محاضرة ألقيت في "المؤتمر العام العشرين" للاتحاد العام للأدباء والكتّاب العرب، المنعقد بدمشق من 18-21 كانون الأول/ ديسمبر 1997.‏




التوقيع

إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بدّ أن يستجيب القــــدر
و لا بــــدّ لليــل أن ينجلــي
و لا بـــدّ للقيــد أن ينكسـر
رد مع اقتباس
قديم 04-30-2010, 11:58 PM   رقم المشاركة : 6
الهادي الزغيدي
عضو





الهادي الزغيدي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: الأبعاد الفكريّة والعلميّة -التقنيّة للصراع العربي الصهيوني

إضافة إلى مئات من المحاضرات والملتقيات والندوات، التي تدور في إطار هذه الخطّة الاستراتيجية الصهيونية، الرامية إلى تهويد تاريخ مصر وثقافتها وحضارتها، وترسيخ المزاعم الصهيونية، التي تحاول إقناع العالم "بدور اليهود... وتأثيرهم الكبير"؛ في الحياة الاجتماعية والثقافية والحضارية للمنطقة العربية. ولا نستبعد أن يطالب الصهاينة، بعد فترة من التهيئة الذهنية والنفسيّة بآثارٍ ومواقع تاريخية عربية، مثل "مزار أبو حصيرة" اليهودي، وغيره من المقامات والأضرحة والمقابر اليهودية.
ونستطيع التأكيد بموضوعية تامّة أنّ أعضاء السفارة "الإسرائيلية" وإداريّي وباحثي "المركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة" جميعهم من كوادر الاستخبارات وكلهم يجيدون اللهجة المصرية الدارجة، وذلك انطلاقاً من دور وزارة الخارجية الإسرائيلية ووزارة الحرب ومؤسسة "الموساد" في تنظيم التجسّس الخارجي.‏
وفي هذا الاتجاه كان أول سفير "إسرائيلي" لدى مصر "إلياهو بن اليسار" واحداً من كبار ضباط "الموساد" وله تاريخ شائن في العمل الإرهابي(20). وبعد اتفاقيات كامب ديفيد ومانتج عنها من تطبيع رسمي وعلاقات دبلوماسية، كشفت المخابرات المصرية عدداً من شبكات التجسّس الإسرائيلية، أغلبها على صلة مباشرة بسفارة "إسرائيل" منها -على سبيل المثال- الشبكة التي كانت برئاسة المستشار العسكري الإسرائيلي بالسفارة، والتي كشفت في أوائل آب/ أغسطس 1985، وكانت تضم عدداً من أعضاء البعثة الدبلوماسية الإسرائيلية، وبعض الباحثين "بالمركز الأكاديمي الإسرائيلي"، وأمريكيين يعملان بهيئة المعونة الأمريكية، وسويدياً يعمل وسيطاً في صفقات الأسلحة، وثلاثة مصريين، وكانت هذه الشبكة تستخدم محطة لاسلكية متطورة داخل سفارة العدو، لتبليغ رسالة يومية عن أحوال مصر، بينما يتم نقل التقارير والأفلام والصور والخرائط إلى إسرائيل عبر الحقيبة الدبلوماسية.‏
وقد قام ضباط "الموساد" بالسفارة الإسرائيلية بالقاهرة، بتجنيد عدد من الطلاب عن طريق بعض أقاربهم العاملين بالسفارة، وتشجيعهم على السفر إلى إسرائيل في رحلات، حصل مقابلها أقاربهم على مكافآت مجزية نظير تجنيدهم!!.‏
وهناك قضية الإسرائيليين الأربعة الذين كانوا يحملون جوازات سفر إنجليزية مزوّرة، وتم ضبطهم عند خروجهم من إحدى نقاط المراقبة الخاصة بقوة حفظ السلام في جنوب سيناء، وبحوزتهم حقيبة تضم 7 وثائق شفرية و19 شريطاً ميكرو فيلم للمنشآت المصرية في سيناء ونُظم تسليحها(21).‏
وفي كتابه المعنون بـ "لن تكون هناك حرب أخرى" (الصادر في تل أبيب في كانون الأول/ ديسمبر 1995) كشف إلياهو بن اليسار السفير الإسرائيلي الأول بالقاهرة... عن حقيقة استخدام "إسرائيل" لهويات الدبلوماسيّين ومستندات وزارة خارجيتها حتى يعمل تحت غطائها رجال المخابرات الإسرائيلية، وأهم حالة كانت للقنصل "الإسرائيلي" العام بالقاهرة "يعقوب بيري"، الذي كان قد أرسل لمصر متخفياً تحت ستار دبلوماسي، في حين أنه كان ساعتها رئيس فرع العمليات الخاصة في الأراضي العربية المحتلة بجهاز "الشين بيت" الإسرائيلي (الأمن الداخلي).‏
ويضيف إلياهو بن اليسار أن بيري جاء ومعه عدد كبير من ضباط وعملاء "الشين بيت" و "الموساد" تحت اسم (عمّال فنيّين) جاؤوا للإعداد الفني وإجراء التصليحات لمقر السفارة، التي اختار "بيري" موقعها الحالي في "6 شارع ابن مالك بالجيزة".‏
ويذكر إلياهو بن اليسار أنّ يعقوب بيري بصفته القنصل العام، كما اعتمد رسمياً كان موجوداً بشكل دائم في عمارة السفارة لإجراء الترتيبات (الأمنية) مع رجاله "العمّال"، وهم مجموعة من وحدة جمع المعلومات التابعة للموساد من الفرع الذي يضم شبكات الجواسيس في مصر والجزائر وقبرص وتركيا والمغرب، وأنهم كلّفوا مع ضباط آخرين من المخابرات العسكرية (امان) و "الشين بيت" للتجسّس في مصر وإحداث الفتن والاضطرابات والتخريب.‏
والدور نفسه لعبه أهرون بارتياع، الرائد في المخابرات العسكرية الإسرائيلية الذي تسلّم عمله كأول ملحق إعلامي بالسفارة الإسرائيلية بالقاهرة في شباط/ فبراير 1980. وبعده جاءت في منصب الملحق الإعلامي لسفارة "إسرائيل" بالقاهرة مجموعة كبيرة كان أبرزهم مائير كوهين الذي عمل في قسم الشؤون المصرية بالتلفزيون الإسرائيلي، الناطق باللغة العربية بعد انتهاء خدمته بالقاهرة ثم حلّ بعده (كملحق إعلامي) يعقوب ستيا، الذي عاد إلى تل أبيب، وهو يخدم الآن في قسم تحليل المعلومات المصرية التابع لوزارة الدفاع الإسرائيلية، وهكذا فكلّهم يعملون بنفس الأسلوب ويخدمون الأهداف ذاتها والاستراتيجية عينها، من بن إليسار إلى موشي ساسون، الذي اتّضح أنه كان ضابطاً هو الآخر بجهاز "الموساد" الإسرائيلي، وقد أدرج على قوائم الممنوعين من دخول مصر عام 1993. والأمر ذاته في مايتصل بالسفراء الصهاينة الآخرين، مثل "شمعون شامير" و "ديفيد سلطان" وغيرهما. وحتى "ساسون سوميخ" الذي قلب الصالونات الثقافية تحت ادّعاءات أنه أقرب المقرّبين إلى قلب نجيب محفوظ، لأنه متخصّص بأدب محفوظ، كان ضابطاً في المخابرات العسكرية الإسرائيلية، وكان إخوتُه ضباطاً كباراً بالمخابرات الإسرائيلية، وأشهرهم "شمعون سوميخ"، الذي كانت جريدة "معاريف" الإسرائيلية قد نشرت صورته واسمه لأول مرة في عدد الأربعاء 24 تموز/ 1996 عندما تجمّع قدامى ضباط المخابرات الإسرائيلية للاحتفال في مكان النصب التذكاري لقتلى المخابرات الإسرائيلية في الدول العربية ممّن سقطوا من جواسيس‏
تل أبيب(22).‏
إنّ أنشطة السفارات والقنصليات "الإسرائيلية" تحت ستار التطبيع وإرساء أسس التعاون العلمي والثقافي والتقني، لم تتمكن من إخفاء أعمالها التجسسيّة والتخريبية، التي تتكشّف يومياً ويشعر بعدوانيتها وبصماتها الخطيرة كلّ مواطن عربي واعٍ، يملك حسّاً وطنياً وشعوراً بالكرامة والانتماء لأرضه وتاريخه وحضارته. ولو أنّ مراكز البحث الإسرائيلية والسفارات والمؤسسات كانت ثقافية أو علمية أو دبلوماسية (كما تعلن) لما اضطرّ السيد عمرو موسى وزير الخارجية المصري لأن يرسل في نيسان /أبريل 1996 خطاباً رسمياً نوهت عنه صحيفة "يديعوت أحرونوت" في 12 نيسان/ أبريل 1996 وفيه قال موسى لإسرائيل: "نريد دبلوماسياً، وليس جاسوساً" (23).‏
وكانت القصة وقتها تخص مخاض تعيين سفير جديد "لإسرائيل" بعد رحيل "ديفيد سلطان" المفاجئ إلى تل أبيب. وفي السياق الصهيوني ذاته تعدّدت زيارات أساتذة الجامعات والباحثين الإسرائيليين إلى مصر، بل أصبح من الصعب تقديم لائحة شاملة بهذه الزيارات، أو الوقوف عند برامجها ومجالاتها ومارافقها من حفلات وملتقيات وأطروحات. لكننا استكمالاً لعناصر البحث وجدنا من المناسب استعراض "نماذج بعض الأستاذة والباحثين" الصهاينة، الذين زاروا مصر بدعوات رسمية(24).‏
*"زيارة (أبا إيبان) عضو الكنيست ورئيس لجنة الشؤون الخارجية والأمن، ووزير الخارجية الأسبق، والندوة التي عقدها في 8آذار/ مارس 1986. وكان قد زار مصر عقب توقيع المعاهدة وقدّم بوصفه الأستاذ السابق للأدب العربي ومترجم "يوميات نائب في الأرياف".‏
*زيارة "ليونارد بايندر" أستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو، والأستاذ الزائر بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، وزميل مركز البحوث الأمريكي بالقاهرة، مزدوج الجنسية "إسرائيلي" /أمريكي، عمل مستشاراً سياسياً لجولدامائير إبان حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، عميل معروف للاستخبارات المركزية الأمريكية والموساد، حيث تموّلان أبحاثه ودراسته عن الاقتصاد المصري ومستقبل الجماعات الإسلامية في مصر والتيارات الدينية في المنطقة العربية وإيران، وهو صديق لمعظم أساتذة علم الاجتماع والعلوم السياسية في مصر.‏
*زيارة وفد من أساتذة الجامعات الإسرائيلية، متخصصين في تحليل "وثائق الجينيزاه"، وقد شملت زياراتهم المعابد اليهودية ودار الكتب، وقاموا بتصوير بعض المخطوطات. منهم إبراهام دافيد ومارك كوهين ويوسف سادان.‏
*زيارة وفد من أساتذة جامعة بن غوريون، برئاسة "يوسف تكواه" رئيس الجامعة.‏
*زيارة "حاييم شاكيد" عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية وهو من كبار المستشرقين الإسرائيلين، و"إيلي ويجي" مدير "معهد شيلواح" و"إيتمار رابينوفيتش" عضو مجلس إدارة مركز موشي ديان في "معهد شيلواح" (الخبير في الشؤون السورية رئيس الوفد الإسرائيلي المفاوض مع الوفد السوري برئاسة المرحوم الدكتور موفّق العلاف).‏
*زيارة "لازاروس يافيه" أستاذه العلوم والحضارة الإسلامية في الجامعة العبرية بالقدس، وقد ألقت محاضرة في "المركز الأكاديمي الإسرائيلي" بعنوان "العلاقة بين الهالاخاه والشريعة الإسلامية".‏
*زيارة "حاييم جوردون" أستاذ علم النفس بجامعة بئر السبع، ولقاءاته الدائمة بأساتذة الفلسفة وعلم النفس بالجامعات المصرية، وعلى رأسهم "صديقه" الدكتور محمد شعلان.‏
*زيارات "يوسف سادان" أستاذ الأدب العربي القديم، بقسم اللغة العربية وآدابها، بجامعة تل أبيب.‏
*زيارات "بورتون" أستاذ البرديات بالجامعة العبرية، وقد توثقت علاقاته ببعض أساتذة كلية الآداب بجامعة عين شمس.‏
*زيارات "آمي إيلون" أستاذ تاريخ الشرق الأوسط "بمعهد شيلواح" متخصّص في شؤون مصر.‏
*زيارات "إيمانويل ماركس" أستاذ الأنثروبولوجيا الاجتماعية بجامعة تل أبيب، ومعهد أبحاث الصحراء "بجامعة بن غوريون" المدير اللاحق "للمركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة".‏
لم يقف دور "المركز الأكاديمي الإسرائيلي" والملحقية الثقافية لسفارة العدو (في القاهرة) عند حدود تنظيم الندوات المشتركة والبحوث وتبادل الزيارات، وتوجيه الدعوات للباحثين والأدباء والأساتذة المصريين... الخ، وإنّما تعدّى ذلك إلى تنظيم تهريب الآثار المصرية، فبالإضافة إلى جريمة سرقة المخطوطات اليهودية المصرية القديمة "الجينيزاه" وتهريبها من "معبد بن عزرا" بمصر القديمة ومقابر اليهود بمنطقة "البساتين"، رتب المركز المذكور عمليات تهريب واسعة للآثار المصرية، من بينها واحدة بزعامة "الحاخام إيتان صبيح" كبير حاخامات مدينة بيت لحم بفلسطين المحتلة، حيث جاءت العصابة تحت اسم "وفد ديني" لزيارة المعابد اليهودية في القاهرة والإسكندرية، وعند مغادرتها بعد 15 يوماً ضبطت معها مجموعة كبيرة من الآثار المصرية مختلفة الأحجام والتواريخ. كما ضبطت شبكة أخرى جاءت تحت ستار "مجموعة سياحية" في أثناء محاولتها تهريب ثماني حقائب من المخطوطات النادرة، بعضها مكتوب على جلد الغزال.‏
ومن "ثمار" العملية التطبيعية اعتراض سفارة العدو بالقاهرة على نقل بعض مقابر اليهود في منطقة البساتين، والزعم أن عملية نقل "موتاهم" إلى منطقة أخرى (مجاورة للمكان الأصلي ولا تبعد عنه سوى ثلاثين متراً) مستحيلة من وجهة نظر الشريعة اليهودية. بل حاولت الطائفة اليهودية استصدار قرار من هيئة الآثار باعتبار جميع مقابر اليهود في "البساتين" في عداد الآثار التي لايجوز التعدّي عليها، لكن الهيئة رفضت وقالت أنّ مقابر البساتين الخاصة باليهود لاتُعد من الآثار ولا تدخل بذلك في نطاق قانون‏
حماية الآثار(25).‏
وقد رفضت حكومة "إسرائيل" طلب الحكومة المصرية استرداد الآثار المسروقة، بل قامت ببيع جانب كبير منها إلى المتاحف العالمية.. متحدّية- كعادتها- القوانين والمواثيق الدولية التي تحرّم ذلك. علماً أن هيئة الآثار المصرية قامت بتقديم الوثائق والأدلة الدامغة التي تكشف جريمة الإسرائيليين.‏
والأخطر من ذلك قيام مجموعات إسرائيلية بتزوير بعض الآثار المصرية (في مواقعها بأرض مصر)، حيث ألقت سلطات الأمن القبض على عدد من الإسرائيليين تسلّلوا إلى المقابر الفرعونية بالوادي الجديد وأسوان حاولوا تزوير بعض الحروف الهيروغليفية باللوحات الجدارية الموجودة بالمقابر لتغيير سياق ومضمون النصوص التاريخية، بحيث تثبت الدور المزعوم لليهود في الحضارة المصرية القديمة.‏
وصرّح مصدر بهيئة الآثار المصرية أنّ هذه المجموعة التي تم ضبطها في شهر نيسان/ أبريل عام 1996 ليست الحالة الأولى، حيث تعدّدت خلال الشهور الأخيرة الحالات التي قام بها "الإسرائيليون" بنفس العمل، وقد تم ضبط مجموعة من أدوات الحفر والألوان المعدّة خصيصاً للتزوير والتي تقارب الألوان الأصلية. كما ضبطت معهم مجموعة من الصور للنصوص المراد تشويهها موضّحاً عليها أماكن التزوير المُستهدف.‏
وقد وصف المصدر (من هيئة الآثار المصرية) بأنّ مايجري جريمة حقيقية، "مؤكّداً وجود جهات معيّنة في "إسرائيل" بينها مراكز بحثية وهيئات ثقافية يساندها جهاز المخابرات الإسرائيلي تهدف إلى تشويه النصوص التاريخية، كما تقوم هذه الجهات بتقليد الآثار القديمة لحضارة المنطقة العربية من وضع قطع أثرية مزورة أو رسوم وكتابات بأحرف عبرية ضمن المقابر والمخطوطات المصرية القديمة".‏
وعبر استغلال التطبيع الثقافي، تحاول "إسرائيل" اختلاق جذور حضارية يهودية وانتحال تاريخ يهودي، حيث امتدّ اهتمام الإسرائيليين إلى مجال الفنون والمأثورات الشعبية، في محاولات دائبة لإثبات أن كثيراً من مظاهر الحياة الشعبية في المنطقة العربية، من لغة وتقاليد وسلوكيات ومأثورات، تعود بالأصل إلى جذور يهودية تضرب في عمق التاريخ.‏
وضمن هذا المخطط جمعت "إسرائيل" الأغاني والموسيقى الفولكلورية، تحت إشراف "مركز البحوث الموسيقية بالجامعة العبرية" و"الأرشيف القومي الإسرائيلي للصوتيات" وترأس البعثة الأولى الدكتور "آمنون شيلواح" أستاذ فن الموسيقى، ورئيس "معهد اللغات والآداب والفنون بالجامعة العبرية" بالقدس، وكان معه بعض الباحثين الإسرائيليين: جرزون كيوى، هوفاف، هرتزج وفاينبرج.‏
وترأس البعثة الثانية الدكتور "دوف نوي" مؤسّس "الأرشيف القومي الإسرائيلي للصوتيات"، وصحب معه طاقم تسجيل ومن الباحثين: بلي وجولدبرج وبن عامي، وقد أثمرت جهود البعثيّين، تسجيلات مدتها عشرون ساعة، جمعت من مناطق وادي فيران وجبل الطور وأبو رديس ومن بعض القبائل العربية في سيناء، حيث تولّى نشرها وفق رؤية صهيونية "المركز الإسرائيلي لجمع ودراسة الفلولكور"، لتكتمل دائرة سرقة التاريخ كأبرز مكونات الفكر الصهيوني(26).‏
وفي إطار السطو على تاريخ العرب وحضارتهم. نجد أن منشورات الدعاية السياحية، التي تقوم بتوزيعها "إسرائيل" في أوروبا وأمريكا، تحمل عبارات مثل: "زوروا إسرائيل وشاهدوا الأهرامات" أو: "تعالوا لزيارة الأهرامات ومن بناها"...!!.‏
هذه محصلة، بل لمحة موجزة عن الدور "الإسرائيلي" في مصر تحت مظلّة التعاون العلمي والثقافي. واستكمالاً لدور "مراكز البحث العلمي" الإسرائيلية العامة في خدمة التطبيع واستراتيجية السيطرة الصهيونية، ينشط عدد كبير من مراكز البحث والمؤسّسات العلمية والهيئات الأمريكية، التي تمثّل مع الجهات "الإسرائيلية" شبكة مترابطة الحلقات، متكاملة الأهداف والمهام والأدوار والأوجه. فللولايات المتحدة الأمريكية أهداف استراتيجية تجاه المجتمع المصري تصبّ في سياق استراتيجية أشمل... وهي الاستراتيجية الأمريكية -الإسرائيلية تجاه المنطقة العربية، إذ لايمكن عزل مايحدث في مصر أو الأردن أو الخليج العربي عما يحدث في بقية أقطار الوطن العربي، والعكس صحيح. ولكي تصل الاستراتيجية الأمريكية -الإسرائيلية إلى تحقيق أهدافها تجاه الوطن العربي، استخدمت وسائل وقنوات وأساليب كثيرة: اقتصادية وسياسية وعسكرية، وثقافية (وهي مايعنينا أساساً في هذه الورقة).‏
الوسائل الاستراتيجية الأمريكية الثقافية تجاه مصر والمنطقة العربية كانت وستظل عديدة ومتنوعة، فهي تستند بالدرجة الأولى إلى المشروعات العلمية والبحثية والثقافية المشتركة، وتشمل الإعلام بأنواعه وتقسيماته المختلفة، والتبادل الثقافي الرسمي وشبه الرسمي... الخ.‏
وسوف نحاول أن نقدّم هنا لمحة كافية لأبرز الوسائل الثقافية -العلمية المتّبعة من خلال المتوافر من المعلومات والحقائق، وبالقدر الذي يسمح به المقام وحجم البحث، مع التركيز على تداخل الأدوار والوظائف التي تقوم بها المؤسّسات الأمريكية في مصر مع عدد من مراكز البحث والهيئات الصهيونية المعروفة، حيث أن للولايات المتحدة الأمريكية ركائز للاختراق الثقافي داخل مصر والمنطقة العربية، ولهذه الركائز كما يجمع أغلب الباحثين في هذا المجال، وظيفتان: الأولى، الاختراق الثقافي-العلمي المنظم، ومحاولة فهم المجتمع المصري وتفاصيل عملياته السياسية والاجتماعية وتصديرها إلى واشنطن، حيث وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (C.I.A.) بهدف إعادة برمجتها، وفق أساليب ونظم علمية متطورة تمهيداً للتحكم في العقل وفي المجتمع ككل. والوظيفة الثانية: خدمة الاستراتيجية "الإسرائيلية" من خلال ممارسة دور "قناة الربط" بين الجهات المصرية الثقافية والعلمية، وبين الجهات الإسرائيلية، وأحياناً تمتد هذه الوظيفة إلى حيث تجنيد "عملاء جدد" لخدمة التطبيع مع العدوّ أولاً، ومن ثم لتوظيفهم في خدمة الاستراتيجية الصهيونية في المنطقة العربية ثانياً، فيتم "التجنيد" على مراحل ووفق وسائل متدرجة، يأتي التعامل مع المؤسّسات والهيئات البحثية والاجتماعية الأمريكية في مقدمتها، فإذا ما اطمأنّ "العميل الجديد" لها جرى ربطه عبر "قنوات" كثيرة بالجهات الإسرائيلية، التي تصب بدورها في جهاز المخابرات الإسرائيلية "الموساد".‏
ولأنّ المؤسّسات والهيئات الأمريكية، التي تمثّل بؤراً صديدية في جسد المجتمع المصري، جهات وعناوية مسمّيات عديدة ولا حصر لها، فإننا سوف نقدّم هنا أكثر هذه المؤسّسات والهيئات شهرة وأكثرها خطراً وهي(27):‏
الجامعة الأمريكية في القاهرة.‏
مؤسّسة راندا الأمريكية.‏
المركز الثقافي الأمريكي.‏
مركز البحوث الأميركية (في شارع الدوبارة بالقاهرة).‏
مؤسّسة فورد فاونديشن.‏
هيئة المعونة الأميركية.‏
مؤسّسة روكفلر للأبحاث.‏
-معهد ماساشوستس وفروعه في القاهرة ومعهد الـ (ام-أي-تي" (في مبنى جامعة القاهرة).‏
-مؤسّسة كارينجي.‏
-معهد دراسات الشرق الأوسط الأميركي.‏
-معهد التربية الدولية والمتخصص في منح السلام.‏
-معهد بروكنجر.‏
-معهد المشروع الأميركي.‏
-الأكاديمية الدولية لبحوث السلام.‏
-مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في جامعة "جورج تاون".‏
مشروع ترابط الجامعات المصرية الأمريكية ومقره المجلس الأعلى للجامعات في القاهرة. (تبلغ ميزانيته السنوية 27 مليون دولار تقدّمها المخابرات الأمريكية وأجهزتها المعروفة).‏
والجهات السابقة تترابط من خلال أجهزة المخابرات الأمريكية والإسرائيلية بالمراكز البحثية الإسرائيلية لتكوّن مجتمعة شبكة منشقة الأدوار وخطيرة الأهداف(28).‏
وترتبط بالمؤسّسات السابقة قائمة أخرى من المؤسّسات التي تعمل تحت لواء المخابرات الأمريكية، التي تموّل هذه الهيئات والمؤسّسات بميزانيات ضخمة وهائلة.‏
وقد موّلت "وكالة المخابرات المركزية الأمريكية" (C.I.A.) منذ عام 1982 خمسة وسبعين مؤتمراً سنوياً، إضافة إلى أنّ خبراء المخابرات ومحلّليها والأكاديميين المتعاملين معها يحضرون هذه المؤتمرات ويعقدون اللقاءات والعلاقات مع ألمع الشخصيات المشاركة وأبرزها وأكثرها فائدة للأهداف الأمريكية -الصهيونية أو الصهيونية- الأمريكية لا فرق.‏
والمهم أنّ هذه المؤسسات والهيئات لعبت وتلعب دوراً بارزاً في إعداد الأبحاث والدراسات، التي تخدم عملية تطبيع العلاقات بين مصر وإسرائيل، تمهيداً لتعميم هذه التجربة على الأقطار العربية الأخرى.‏
فمثلاً تقوم "جماعة دراسات الشرق الأوسط" MESA) بالتنسيق المعلوماتي مع "معهد ماسا شوستس للتكنولوجيا" و "معهد دراسات الشرق الأوسط" في ميدان دراسة التيارات الاجتماعية والفكرية في المنطقة. ويعمل في إطارها عدد من أساتذة العلوم الاجتماعية والسياسية منهم: "ليوناردو بايندر"، الذي أعدّ مجموعة من الأبحاث والدراسات وموّلتها الاستخبارات الأمريكية، أهمها: التيارات الأيديولوجية في الشرق الأوسط، النظرية السياسية الإسلامية، العوامل المؤثرة في إيران العالمي، تطورات الاقتصاد المصري، ودراسات عن ظاهرة الجماعات الإسلامية والتطرف الديني في مصر.‏
و"مالكوم كير" المدير السابق للجامعة الأمريكية في بيروت، عميل معروف للاستخبارات الأمريكية، وقد أعدّ بعض الدراسات التي أصبحت أحد مكونات الاستراتيجية الأمريكية في البلدان العربية ومايجاورها، مثل: الحرب العربية الباردة، السياسات العربية المحلية والصراع في الشرق الأوسط، وقام بإجراء عدد من البحوث المشتركة مع أساتذة مصريين، اغتيل على أبواب الجامعة في بيروت عام 1984.‏
ومنهم "برنارد لويس"، المستشرق اليهودي المعروف بدراساته المغرضة عن العرب والإسلام، سواء من خلال إلحاحه على الطوائف والانقسامات في المجتمعات الإسلامية، أو من خلال دفاعه عن اليهود والصهيونية، بالإضافة إلى حجم التأثير الذي يمارسه لويس على كثيرين ممّن تتلمذوا عليه. كما أنه يشغل حالياً منصب أستاذ الدراسات الشرق أوسطية في جامعة برنستون، وهو عضو دائم في "معهد الدراسات المتقدمة" وفي الجمعية الفلسفية الأمريكية(29).‏
ومن أعضائها مجموعة من أساتذة "الجامعة العبرية"، وهم جميعاً يتمتعون بالعضوية الشرفية "لمركز البحوث الأمريكي" بالقاهرة، وتصدر عنها "المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط".‏
ويرى باحثون منصفون أنّ "مؤسّسة فورد"، من أخطر مؤسسات التجسس العلمي الأمريكية، وقد انفردت بتمويل "أبحاث ودراسات الشرق الأوسط وعبر هذه المؤسسة تقوم "وكالة التنمية الأمريكية" (AID) بتخصيص حوالي مائة مليون دولار سنوياً لمركز البحث العلمي والجامعات المصرية منذ نهاية السبعينات إلى اليوم. وفي هذا السياق يقول محمد حسنين هيكل إنّ أكثر الجهات المستفيدة من هذه الأموال، هي الولايات المتحدة الأمريكية و "إسرائيل" وأنه قرأ "دراسة من 260 صفحة تتحدث عن حزام الفقر المحيط بالقاهرة، وتركّز بالتحديد على معسكرات الأمن المركزي والقوات المسلّحة الموجودة في هذا النطاق، ثم تتحدّث عن التفاعل بين الناس وهذه القوات في إطار هذا الحزام من الفقر..". ويضيف حرفياً: "إنّني معتقد أن هذا كلام في منتهى الخطورة (100) مليون دولار كل سنة تدخل لاستكشاف وتقصّي مايدور داخل العقل‏
المصري"(30).‏
وبالإضافة إلى قيام "مؤسسة فورد" بتمويل المنح الدراسية، حيث يجري "تطويع أدمغة" مئات الباحثين في مجالات البحوث الاجتماعية والدينية والثقافية والتنموية.. تقوم أيضاً بتمويل كثير من الأبحاث المشتركة في مصر، ومنها: التغيّر الاجتماعي في بلدان الشرق الأوسط، المرأة الفلسطينية ومعدّلات الخصوبة لديها، دور السلام في التغيير الاجتماعي.. الخ.‏
وقد شارك في هذه الصفقات البحثية، بعض أساتذة الجامعات ومراكز البحوث السياسية والاجتماعية بمصر. وتعدّ "الجامعة الأمريكية" بالقاهرة إحدى أدوات تحقيق الاستراتيجية الأمريكية وقاعدة متقدمة للتغلغل داخل خلايا المجتمع، مع الأخذ بالحسبان "الساتر الفولاذي" الذي تفرضه على نشاطها وأبحاثها ودورها السياسي.. وهي بلا شكّ تخدم أهدافاً أمريكية محددة وبعيدة المدى، أكبر من الأهداف المعلنة(31). ويمثل الدارسون فيها شريحة كبيرة من أبناء الطبقة الغنية والنخبة الحاكمة، وهؤلاء يشكّلون "قاعدة مناسبة" لصفوة جديدة تدعم سياسة التبعية للولايات المتحدة، بحكم أنهم مرشحون بعد إتمام دراساتهم، لتولي مواقع متقدمة في الأجهزة التنفيذية وفي المؤسّسات الاقتصادية وإدارة الأعمال وقطاع السياحة. وتبرز في رحابها أقسام الاقتصاد والعلوم السياسية والتاريخ بأنشطتها المتميزة -خاصة في مجال البحوث المشتركة والممولة- وقسم الخدمة العامة وقسم خدمة الإدارة الموسعة ودورهما البارز في تشكيل وتدريب الصفوة المصرية الناشئة، ثم "مركز البحوث الاجتماعية" ودوره الكبير في تطوير شبكة واسعة من علماء الاجتماع الأمريكيين والمصريين، خدمة للتطبيع والأمركة واختراق خلايا المجتمع وفئاته وشرائحه.‏
وتقوم جهات عديدة بتمويل أنشطة الجامعة المتنوعة، على شكل "هبات" و"تبرعات" بملايين الدولارات.. منها "مؤسسة فورد"، وبعض الشركات العالمية مثل: وستنجاوس وفايزر، بعض الخدمات الأمريكية مثل جامعة هارفارد، وبعض المراكز والمعاهد مثل: "مركز الإدارة الدولي" و"المعهد الدولي للإدارة والتنمية".‏
أما "مركز البحوث الأمريكي" بالقاهرة، فيتركّز نشاطه في مجال الدراسات الاجتماعية، إلى جانب البحوث الاقتصادية والتاريخية والأثرية.. ويحظى بعضويته الشرفية "الزمالة" عدد من الأساتذة المصريين ومزدوجي الجنسية أمريكي/ مصري، وأمريكي/إسرائيلي مثلما هو الحال بالنسبة للأساتذة الزائرين بالجامعة الأمريكية بالقاهرة.‏
كما ينشط في مجال البحوث المشتركة والمموّلة..‏
وللتدليل على توجّهات المركز المذكور نشير إلى أنّ مديره الدكتور "روبرت بوب بتيز" متخصص في العلاقات الدولية ودراسات الشرق الأوسط، وكان موضوع رسالته "الأقليّات العربية المسيحية ودورها السياسي والاقتصادي والثقافي في مجتمعات الشرق الأوسط". وبعد عمله "كمُحلّل" للغة العربية في مكتبة الكونغرس، اشتغل بسفارات أمريكا في عدّة دول، ثم أسّس "المركز الدولي الإغريقي- الأمريكي" وظل مديراً له عشر سنوات.‏
ويصدر "مركز البحوث الأمريكي" بالقاهرة مجلتين للبحوث العلميّة هما:‏
1-"Journal of the American Research Center in Egypt".‏
2-"News Letter of the American Research Center in Egypt".‏
وفيما يلي بعض عناوين البحوث والدراسات التي أجراها "مركز البحوث الأمريكي" بالقاهرة:‏
-بحث فاليري هوفمان: "الحياة الدينية للمرأة المسلمة في مصر المعاصرة".‏
-دراسة وولفهارت هينريك: عن "تاريخ الآداب والعلوم العربية".‏
-دراسة ليونارد بايندر حول "حرية الفكر الإسلامي في مصر المعاصرة".‏
-دراسة شاهروف أخافي: "مفهوم الاشتراكية لدى العمال المصريين".‏
-دراسة آرثر كريس عن: "الجهاد الإسلامي والاتجاهات الفكرية المختلفة".‏
ومنذ منتصف الثمانينات كثّف "مركز البحوث الأمريكي" نشاطه في مجال التطبيع والتجسّس العلمي على المجتمع المصري.. تمثّل في عشرات الأبحاث المموّلة من بينها - مثلاً: دراسة عن العادات والتقاليد المتوارثة للأسرة المصرية، الموالد الشعبية المصرية، تقصي ظاهرة التطرف في الحياة المصرية الحديثة، الإسلام والثورة.. إلخ.‏
ولدينا قائمة تضم عشرات العناوين للدراسات والبحوث، التي قامت وتقوم بها المؤسّسات الأمريكية لتشمل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في مصر. ومن اللاّفت للانتباه أنّ المؤسّسات الأمريكية والإسرائيلية تبحث في "كل الموضوعات وفي كل مكان، وباستقلالية كاملة.. أو في إطار بحوث مشتركة ومموّلة كوّنت "بنوك معلومات متكاملة"... إلى الحدّ الذي دفع بعض الباحثين المصريين إلى القول بأن "كمية المعلومات التي حصلت عليها هذه المؤسّسات تفوق تماماً ما تعرفه القيادة السياسية وتفوق ما يعرفه علماؤنا"(32). ويؤكّد الرأي السابق الإعلان التالي، الذي نشر في جريدة جامعة أمريكية تحت عنوان "فرص بحث"(33):‏
"تحتاج وزارة الخارجية لأبحاث عن الوجود الأمريكي في مصر، على ألاّ تتعدّى تكاليف مشروع البحث 25 ألف دولار.. اتصل بوزارة الخارجية- فرع العقود- ص. ب 9244، روزين ستيشن، فيرجينيا 22209".‏
هذا بالإضافة إلى عشرات المؤتمرات الأمريكية - المصرية في مختلف الفروع والميادين العلمية، كالطب والزراعة والصيدلة والجيولوجيا والكيمياء والأمراض البيئية. وقد شارك "الإسرائيليون" في هذه المؤتمرات، ومنها مؤتمر "السلام من خلال القانون" (القاهرة من 26- 30 أيلول/ سبتمبر 1983)، تحت إشراف "مركز السلام العالمي من خلال القانون" بواشنطن.‏
وفي مجال مؤتمرات "الفكر السياسي" عقد عدد من المؤتمرات بتنظيم من "مركز البحوث السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية" وبدعم من بعض المؤسّسات الأمريكية المشبوهة. منها - على سبيل المثال - مؤتمر: "الثقافة السياسية والممارسة الديمقراطية" بفندق شيراتون الجزيرة يومي 25و 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 1987، تحت إشراف "الجمعية المصرية للعلوم السياسية" وبمشاركة وتمويل "مؤسّسة فريدريش إيبرت في مصر"... وخصص المؤتمر معظم أبحاثه عن: "دور الأحزاب والنقابات والتنظيمات الشعبية في الثقافة السياسية" و "الثقافة السياسية على مستوى المحليات".‏
وقد عقد مدير "مركز البحوث السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية" اتفاقية مع مكتب "مؤسّسة فورد" بالقاهرة، خاصة بإعداد برنامج بحث يستمر ثلاث سنوات تتخللها مؤتمرات وندوات علمية حول تطور تدريس العلوم السياسية في الجامعات المصرية. وتقوم "مؤسّسة فورد" بتمويل البرنامج بمبلغ 600 ألف دولار (34).‏
لكن إقحام "العامل النفسي" شكّل وسيلة أكاديمية "لتحقيق المخططات الصهيونية- الأمريكية" لإعادة تشكيل "العقل العربي"... كمدخل لتسوية الصراع العربي- الصهيوني وفق الرؤية والاستراتيجية "الإسرائيلية".‏
وكانت صياغة "العامل النفسي" موضع جهود تنسيقية مشتركة بين هيئات ومؤسّسات أمريكية وإسرائيلية ومصرية، سواء من خلال المؤتمرات الثلاثية، أو الندوات والأبحاث المشتركة، أو من خلال الدراسات الميدانية، التي قام بها علماء الطب النفسي والباحثون الاجتماعيون والمؤرخون والدبلوماسيون من الأطراف الثلاثة.‏
وادّعاء الأساس النفسي لهذا الصراع الجذري يقفز فوق المشكلة الأساسية المتمثلة بطرد أصحاب الأرض واقتلاعهم وسحقهم وإلحاق أفدح أنواع التدمير والتشريد بهم، وهو محاولة مكشوفة لاختراق الوعي العربي لصالح الفكر الصهيوني - اللاّ إنساني، انطلاقاً من مقولات ومزاعم "الحاجز النفسي"، التي جرى تعميمها أمريكياً، وتلقّفها أنور السادات وردّدها في مستهل "مبادرته التاريخية" الخطيرة. وقد رسم دور محدّد للدكتور محمد شعلان والدكتور جمال ماضي أبو العزايم والدكتور عبد العظيم رمضان، من خلال مؤتمرات الطب النفسي (في ووتر غيت في لندن ومؤتمر لوزان بسويسرا ومؤتمر القاهرة العالمي للصحة النفسيّة ومؤتمر الإسكندرية)، وكتاباتهم، التي تتلخّص في "ترسيخ المفاهيم والتصورات الإسرائيلية في الذهن العربي، وإيجاد مسوّغات سيكولوجية للسلوك الإسرائيلي". وقد برزت أهداف هذه الحملة في مشاريع "البحث العلمي" المشتركة، مثل مشروع بحث: "الأبعاد الاجتماعية والنفسية للصراع العربي- الإسرائيلي" برئاسة الدكتور هربرت كلمان أستاذ العلوم الاجتماعية بجامعة هارفارد، وشاركه في إنجازه باحثون مصريون وصهاينة، منهم الدكتور "ستيفن كوهين" من الجامعة العبرية، وحسين توما من المركز الوطني المصري للصحة النفسية. وقدمت نتائج البحث في ندوة (لمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية) بجريدة الأهرام، في 11 كانون الأول/ ديسمبر 1977.‏
وقد عقد الدكتور "ستيفن كوهين" اتفاقاً في القاهرة للقيام بسلسلة بحوث تحت عنوان "رؤى الصراع" حيث يشرف عليها "معهد الشرق الأوسط للسلام والتنمية" بتمويل من "وكالة التنمية الدولية" (A. I.D.) ورصد لمشروع البحث مبلغ مليون دولار، وشارك فيه من المصريين الدكتور قدري حفني والدكتور محمد شعلان، ومن الصهاينة "ميشيل إنبار" الأستاذ بالجامعة العبرية و "إفرايم يا آر" من جامعة تل أبيب، ومن الفلسطينيين الدكتور نديم روحانة الأستاذ بجامعة هارفارد، والدكتور شريف كنعان الأستاذ بجامعة النجاح.‏
وقد تصدّى لهذه المؤتمرات المشبوهة والأبحاث الزائفة، والكتابات المتصهينة عدد كبير من العلماء المصريين والكتّاب الوطنيين، منهم على سبيل المثال لا الحصر الدكتور محمد عودة رئيس قسم الاجتماع بكلية الآداب بجامعة عين شمس، الدكتور يحيى الرخاوي، الدكتور عبد الرحمن العيسوي أستاذ علم النفس بجامعة الاسكندرية، والدكتورة لطيفة الزيات والدكتور أشرف بيومي والدكتور جلال أمين وفريدة النقاش ومحسن عوض وغيرهم (35).‏
وفي إطار العمل الصهيوني المستمر من أجل استحداث "مؤسّسات" وهيئات وجماعات وملتقيات" تصب في مشروعها الاستيطاني -التفكيكي- التدميري الشامل... تكوّنت "مؤسّسة المبادرة من أجل السلام والتعاون في الشرق الأوسط" في أيلول/ سبتمبر 1991. وهي تضمّ نخبة من الشخصيات الأمريكية و "الإسرائيلية" والعربية، وتعدّ أحد المطابخ الرئيسة في طرح الأفكار والتصوّرات والسيناريوهات، الممّهدة لتأسيس "نظام الشرق أوسطي" على أنقاض النظام العربي، تقوم "إسرائيل" فيه بدور القيادة وتتمحور من حول مصالحها واستراتيجيتها شبكة التفاعلات الإقليمية الجديدة (36).‏
ويترأسها "جون ماركس" بصفته من الخبراء الأمريكييّن في شؤون المنطقة على مدى العقود الأربعة الماضية، ومن أهم الشخصيات التي تضمّنها "ألفريد أثرتون" مساعد وزير الخارجية الأمريكية الأسبق و "ريتشارد ميرفي"، وسفراء أمريكيون سابقون في المنطقة العربية، ووزير الدفاع الأمريكي الأسبق - رئيس البنك الدولي السابق روبرت مكنمارا، ونائب وكيل وزارة الدفاع الأمريكية السابق دوف زاخم ويعمل في إطار هذه "المؤسّسة المبادرة" خمسة وعشرون شخصاً من الأمريكيين والعرب و "الإسرائيليين". وقد برزت أخبار هذه "المؤسّسة" إثر اجتماعها السرّي السادس الذي عقد في مراكش بالمغرب (في الفترة من 18-22 آذار/ مارس 1994). وقد شارك بأعمال هذه "المؤسّسة" "شلوموجازيت" مدير الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق، وجوزيف ألفر من "مركز دايان للدراسات الاستراتيجية" في تل أبيب، وضمّ الاجتماع أيضاً عضوين برلمانيين، وأساتذة جامعات وسفراء ومدراء ومعاهد بحثية، ومدراء تنفيذيين، ونشطاء في المجال العام وجنرالات. وكان المشاركون العرب ينتمون إلى تسع دول عربية. وقد نشرت الصحافة المغربية عدداً من أسمائهم، وقال البيان الذي وزّعته "مؤسّسة المبادرة من أجل السلام والتعاون في الشرق الأوسط" وعلى نطاق محدد إن مستشار الملك المغربي (الحسن الثاني) "أندريه أزولاي" -وهو أحد اليهود المغاربة- قد رحب بالمجتمعين، وقدّم كلّ خبرته من أجل إنجاح "خلوة مراكش"، خاصة أنه الاجتماع الأول الذي يعقد في مدينة عربية، حيث عقدت الاجتماعات الخمسة السابقة خارج المنطقة العربية في أمريكا ودول أوروبية.‏
وقد اعترف المجتمعون (أصحاب خلوة مراكش) أن هدف اجتماعاتهم هو إعداد الجماهير العربية لقبول "السلام" بشروطه الحالية (الصهيونية)، وفرض هذا "السلام" طوعاً بإرادتها، أو رغماً عنها عن طريق تزييف وعي الناس وإرادتهم، المقاومة للعدوان والاستيطان والعنصرية الصهيونية. ولتحقيق برنامجها، قررت المجموعة الاهتداء بإجراءات وتحركات واسعة، تتمثّل خطوطُها العامة بما يلي:‏
-لن يتماسك السلام النهائي في المنطقة إذا لم يكن هناك ثقافة للسلام تدعمه وتحافظ عليه.‏
-ينبغي إحداث تحولات في التوجهات والإدراك في الشرق الأوسط إذا أريد للمنطقة الانتقال من ثقافة المواجهة والحرب إلى ثقافة السلام.‏
-لتحقيق ذلك ينبغي كسر الأنماط القديمة، وجعل المتشدّدين (وهو مصطلح يُطلق على الوطنيين) معتدلين على امتداد المنطقة.‏
-هناك حاجة إلى تطوير ونشر مصطلحات ومفردات سياسية جديدة ونسق جديد من الاستعارات المجازية، لتقديم محتوى اجتماعي لثقافة السلام.‏
-يمكن للإعلام أن يلعب دوراً أساسياً في بناء السلام لتجاوز القيود الحكومية والثقافية السائدة، التي تضع عقبات مانعة أمام تقدم السلام.‏
ولهذه الغاية، شكّل المجتمعون "ورشات عمل" تخصصيّة، وتقرّر أن تقوم بالأنشطة التالية:‏
ورشات عمل "لحل النزاع" تعقد في الأردن، وفي تركيا "بمعدل مرتين في ستة أشهر".‏
تدريب وتطوير مناهج في هذا المجال في جامعة بيت لحم بالضفّة الغربية.‏
إقامة برامج تدريب للمدرّبين في مصر.‏
عقد اجتماع تشاوري للجنة الإقليمية لتسوية النزاع، التي كانت قد شكلت في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 1993 في المؤتمر الإقليمي في الأناضول.‏
وفي حال توافر تمويل إضافي في غزّة، وأخرى في الضفة الغربية، وواحدة في تركيا، إلى جانب، ورشة عمل إسرائيلية -فلسطينية مشتركة، وجولة دراسية لأربعة مشاركين من الشرق الأوسط في الولايات المتحدة.‏
سوف يُفحص مشروع "صور الآخرين" التابع لمجموعة الأنماط السلبية لوضع الخطوط العريضة لحملة واسعة في المنطقة لإزالة النمطية واللا إنسانية، والهدف من ذلك العمل باتجاه التركيز إلى إعادة تنشئة وتعليم الأطفال في مراحل طفولتهم المبكرة.‏
هذا وفي الاتجاه "التطبيعي- التفكيكي" ذاته، وعبر "الاجتماعات" و "الندوات" و "الملتقيات" "ذاتها"، وباستخدام الاصطلاحات والتعابير نفسها عُقدت في أيلول، سبتمبر من عام 1994، "خلوة أنقرة" التي أشرفت عليها ونظمت أعمالها وأسماء المدعوّين إليها... وموّلتها المؤسّسة الأمريكية الصهيونية المعروفة بـ "مشروع البحث عن أرضية مشتركة" وقد استمرت أعمالها ثلاثة أيام تحت شعار "نحو ثقافة سلام بالشرق الأوسط"(37). وما حدث هو البدء بتنفيذ برنامج العمل المستقبلي، الذي كانت أقرته في الاجتماع السادس بمراكش (آذار/ مارس 1994)، مجموعة العمل الأساسية في إطار "المبادرة" من أجل السلام والتعاون في الشرق الأوسط، وقد ساهم بدور واضح في "خلوة أنقرة" "مركز تاتي ستينمتيز الإسرائيلي لأبحاث السلام" في تل أبيب، الذي يترأسه "شمعون شامير" (الذي كان مديراً للمركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة)، مؤسّسة "وقف الأمل" التركيّة بأنقرة وجمعية إعلام العالم بباريس، إضافة إلى تسعة صحفيين عرب يمثّلون "وكالة الأنباء الكويتية"، وجريدة "القدس" الصادرة في الأرض المحتلة، وجريدة "النهار" و "الحياة" ومجلة "المصوّر" (القاهرية).. وأربعة صحفيين "إسرائيليين"، وعدد من الدبلوماسيين -سابقين وحاليّين -من بينهم- مثلاً تحسين بشير الناطق باسم وزارة الخارجية المصرية إبان عهد السادات وعضو "مركز دراسات الشرق الأوسط" بالقاهرة، وصموئيل لويس مدير التخطيط السياسي السابق بوزارة الخارجية الأمريكية، والسفير الأمريكي السابق لدى الكيان الصهيوني، والصهيونيان عوزي بارمان وإسرائيل سيبال، ومن تركيا ميهّمت غير كانياك، وكل من سفير الاتحاد الأوروبي لدى تركيا، ومنسّق البرامج الإعلامية في الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى المدير السابق "للمركز الأكاديمي الإسرائيلي" بالقاهرة "شمعون (شيمون) شامير" (الذي تحدثنا عن نشاطاته التجسّسية في مصر في موضع آخر من هذه الورقة)، وريتشارد ميرفي مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط إبان رئاسة رونالد ريجان. وقد شارك في افتتاح الاجتماع المدير العام للمكتب الصحفي لرئيس الوزراء التركي، إضافة إلى "جون ماركس" المسؤول السابق في الاستخبارات الأمريكية ومؤسّس ورئيس "مشروع البحث عن أرضية مشتركة".‏
وقد أجمع المشاركون على ضرورة اتخاذ الخطوات التالية:‏
-ينبغي على صحف المنطقة نشر مقالات وزوايا دائمة من دول أخرى، وقد قبل أكثر من صحفي عربي دعوة المساهمة في كتابة مقالات في الصحف الإسرائيلية.‏
-أن يتم ترجمة وتوزيع المقالات الرئيسة التي تصدر في الصحف الإسرائيلية، التي لا يسمح بدخولها إلى الدول العربية من قبل المشاركين، كما يتم ترجمة وتوزيع المقالات الرئيسة، التي تصدر في الصحف الأخرى التي لا تتوافر للإسرائيليين، والهدف من ذلك هو رفع مستوى العلاقات وتمتينها بين الصحفيين العرب والإسرائيليين.‏
-ينبغي على الصحفيين المشاركين في دول مختلفة أن يكتبوا مقالات مشتركة، وهذا من شأنه أن يتبنّوا ذات الأفكار والمفاهيم، وقد وافقت (ر.د) مراسلة جريدة "الحياة" مشاركة صحفي إسرائيلي في كتابه مقالات مشتركة.‏
أعلن المشاركون عن تشكيل شبكة مهنية لصحافة الشرق الأوسط، ودعوا إلى ضرورة توسيعها والنشر عنها، لضمّ أكبر عدد ممكن من الصحفيين العرب والإسرائيليين وغيرهم إليها، وتقديم إرشادات حول أية مقالات يريدون كتابتها.‏
وافق المشاركون على دعوة منظمي الاجتماع بضرورة عقد مزيد من الاجتماعات المتخصّصة، تستهدف ضمّ ناشرين، رؤساء ومدراء تحرير الصحف ومدراء الإعلام الإلكتروني في المنطقة.‏
ينبغي على منظمي الاجتماع وضع دليل يتضمن أسماء المهنيين العاملين في مجال الإعلام في المنطقة لتسهيل الاتصال.‏
ينبغي على منظمي الاجتماع تنظيم لجنة من صحفيي المنطقة، للإشراف على العملية التي بدأت مع اجتماع أنقرة.‏
ودعا "شيمون شامير" الصحفيين العرب إلى "عدم العودة إلى ملفّات الماضي، والتطلع فقط إلى المستقبل"، وقد اختتمت صحفية عربية (تعمل في إحدى وكالات الأنباء العربية)، مناقشات الجلسة الختامية للاجتماع بالقول: إنه من خلال هذه الاجتماعات "فإننا نكسب بُعْد نظر والعلاج النفسي لكسر الحواجز التي تفصل بيننا" مشيرة إلى أن صحيفة تصدرها في بلادها قد باشرت مثل تلك المهمة عندما أجرت مقابلات صحفية مباشرة مع مسؤولين إسرائيليين!!.‏
لن نتوقف كثيراً عند "مجموعة كوبنهاغن" التي أثارت بدورها استياءاً واسعاً في الأوساط الثقافية والسياسية والشعبية، عند قيامها بمحاولة إقامة "تحالف للسلام مع إسرائيل" تحت شعار "تحالف شعبي للسلام" لكون التطبيع ما زال مرفوضاً شعبياً رفضاً عارماً.. إلاّ أنّ المجموعة ذاتها ورغم رفض الصهاينة تنفيذ أي بند من بنود الاتفاق مع الفلسطينيين، ورغم ما تقوم به "إسرائيل" من توسّع في بناء المستوطنات وقتل وتدمير وترويع وإرهاب ضد العرب، خصوصاً في الأراضي المحتلة، وجنوب لبنان... رغم ذلك كلّه تسعى المجموعة نفسها لإقامة جمعية في مصر تحمل اسم "حركة القاهرة للسلام"، على غرار "حركة السلام الآن" الإسرائيلية.‏
فقد تقدم المحامي علي الشلقاني بطلب إلى الجهات المسؤولة لتأسيس الجمعية، وذكرت التقارير الصحفية أنّ بين المؤسّسين لطفي الخولي (توفي عام 1999) والدكتور عبد المنعم سعيد والسفير صلاح بسيوني الذي يتولّى إشهار الجمعية، بينما يتولى الشلقاني الإجراءات القانونية.‏
كما ضمت قائمةُ المؤسّسين عدداً من الذين سبق لهم المشاركة في مبادرة كوبنهاغن، بالإضافة إلى عدد آخر من الشخصيات مثل الدكتور مراد وهبة والمصوّر السينمائي رمسيس مرزوق ومحمد عبد المنعم، ومنير فخري عبد النور وطارق علي حسن والدكتور أحمد رضا محرم وأحمد نافع(38).‏
وتشير المعلومات المتوافرة إلى التزام الدكتور عبد المنعم سعيد ولطفي الخولي الصمت التام حيال الأنباء التي تؤكد حصولهما من "جهات ما" على مبلغ 18 مليون دولار لدعم جماعة كوبنهاغن، التي تمخض عنها إعلان تأسيس ما يسمى بـ "حركة القاهرة للسلام".‏
وإذا كانت هذه المساهمة المتواضعة قد كشفت جزءاً من ملف الفضائح الخطيرة، التي تُمارس باسم "الأبحاث العلمية" و "الدراسات الميدانية المشتركة" و "مبادرات السلام" و "مشاريع التعاون الأكاديمي" و "هيئات المعونة" و "مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية" و "خلوات الأرضية المشتركة"... إلخ، فإننا -مع ذلك- نعتقد بصورة جازمة أنَّ الأجهزة المختصة في البلدان صاحبة العلاقة تملك من المعلومات والأدلّة والوثائق عن هذه "المراكز" و "المؤسّسات" و "الجماعات" ما يُشكل جبلاً هائلاً، بل قوّة محرِّضة لمقاومة أي شكل من أشكال التطبيع، الذي أبدعت جموح الشعب العربي في مصر والأردن في مقاومته، ناهلة من تراثها الوطني الطويل في مكافحة الغزاة والمستعمرين بكافة صورهم للحفاظ على هويتها ووجودها.‏
وما نقترحه هنا، هو رفض التعايش مع العدو الصهيوني رفضاً قاطعاً، والاستمرار في حصاره وعزله وإبعاده عن المحيط العربي- الإسلامي، من خلال تعميم النموذج الشعبي المصري في مقاومة التطبيع، لأنَّ هذا النموذج قد أثبت أولاً نجاحه إلى حد كبير في عزل العدو الصهيوني رغم عنف وضراوة واتساع حملة التطبيع، ووفر ثانياً قدراً كبيراً ومتنوعاً من وسائل وأدوات المقاطعة الشعبية، إضافة إلى الخبرة في مواجهة وإفشال المخططات الصهيونية والأمريكية للتطبيع فتحيّة لشعبنا العربي العظيم، السدّ المقاوم للأخطبوط الصهيوني وعملائه وأدواته في المنطقة العربية.‏
الحواشي‏
1. إبراهيم عبد الكريم، الاستشراق وأبحاث الصراع لدى إسرائيل، عمّان: دار الجليل للدراسات والنشر والدراسات والأبحاث الفلسطينية، ط1، 1993.‏
2. الدكتور أحمد أبو مطر، الثقافة المصرية في زمن التطبيع، عمّان: منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتّاب العرب، ط1، 1994، ص 40-44.‏
3. المصدر نفسه، ص 44- 46.‏
4. عرفه عبده علي، تهويد عقل مصر، القاهرة: دار سينا للنشر، ط1، 1989، ص 18.‏
5. معن بشّور، "السلام والتطبيع الثقافي"، المستقبل العربي، السنة 19، العدد 209/ (تموز/ يوليو 1996)، ص 7.‏
6. المصدر نفسه، ص 9.‏
7. انظر ما كتبه محمود التهامي رئيس تحرير مجلّة "روز اليوسف" تحت عنوان "الأمة العربية: الذين صنعوا الوهم وصدّقوه" العدد "3597" تاريخ 19/ 5/ 1997، ص 7، وانظر ردّنا على هذه الأطروحة الخطيرة، المنشور في جريدة "الأسبوع الأدبي" العدد رقم "567"، تاريخ 22 صفر 1418هـ، الموافق 28/ 6/ 1997، ص 4، وص 13.‏
8. انظر: رفعت سيّد أحمد، علماء وجواسيس (التغلغل الأمريكي- الإسرائيلي في مصر)، لندن رياض الريّس للكتب والنشر (د.ت)، الفصل الأول، هامش 18، ص 80.‏
9. المصدر نفسه، ص 162- 163.‏
10. عرفة عبده علي، تهويد عقل مصر، ص 21.‏
11. نقلاً عن إبراهيم عبد الكريم، الاستشراق وأبحاث الصراع لدى إسرائيل، ص 120- 121.‏
12. عرفه عبده علي، تهويد عقل مصر، ص 23.‏
13. المصدر نفسه، ص 24.‏
14. رفعت سيّد أحمد، علماء وجواسيس، ص 164- 165.‏
15. المصدر نفسه، ص 170.‏
16. صحيفة "الشعب" القاهرة، عدد 31/ 1/ 1988.‏
17. عادل السنهوري وسعيد الشحّات، "تجسس اسمه البحث العلمي"، صحيفة "العربي" القاهرة، العدد 59 - 15 أغسطس / آب 1994، ص 6.‏
18. انظر: مقالة طارق رضوان، "اختراعات شباب مصر تشتريها إسرائيل" في مجلّة "صباح الخير" الصادرة في القاهرة، العدد 2184، الخميس 13 نوفمبر/ تشرين الثاني 1997، الموافق في 13 رجب 1418هـ، ص 10-11.‏
19. المصدر نفسه.‏
20. عرفة عبده علي، تهويد عقل مصر، ص 54.‏
21. المصدر نفسه، ص 55.‏
22. انظر: تقرير توحيد مجدي، المنشور في مجلّة "روز اليوسف" العدد " 3620" تاريخ 27/ 10/ 1997، ص 22- 24.‏
23. المصدر نفسه، ص 24.‏
24. عرفة عبده علي، تهويد عقل مصر ص 30-35.‏
25. رفعت سيّد أحمد، علماء وجواسيس، ص 149- 150.‏
26. عرفة عبده علي، تهويد عقل مصر ص 104.‏
27. لمزيد من التفصيل حول أهداف الاستراتيجية الأمريكية لتطبيع العلاقات بين مصر و "إسرائيل" تحت مظلّة المؤسّسات العلمية وهيئات التعاون الإقليمي انظر: رفعت سيّد أحمد: اختراق العقل المصري: دراسة ووثائق، القاهرة، التوني للطباعة والنشر، ط 2، 1986، وله أيضاً علماء وجواسيس مصدر سابق (خصوصاً من ص 43 - 141) وقد استفدنا من معطياته ومعلوماته الغزيرة في هذه المسألة بصورة كبيرة حيث يُعد مرجعاً لا غنى عنه لكل دراسة تعالج مشكلة التغلغل الثقافي- التجسسي الأمريكي في مصر، وكذلك: نبيل محمد عبد الغفار: السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، الهيئة العامة للكتاب، 1983.‏
28. انظر رؤية نقدية لهذه الدراسات في كتاب محسن عوض: "الاستراتيجية الإسرائيلية لتطبيع العلاقات مع البلاد العربية"، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1988.‏
29. إبراهيم عبد الكريم، الاستشراق وأبحاث الصراع لدى إسرائيل، ص 53- 56.‏
30. محمد حسنين هيكل، "هذا العبث بوجدان مصر"، في صحيفة "العربي"، السنة الأولى، العدد "46" الاثنين 5 ذو الحجة، 1414هـ- 16 مايو (أيار) 1994.‏
31. في ما يخص أنشطة المؤسّسات البحثية الأمريكية العاملة في مصر، اعتمدنا هنا بصورة أساسية على دراسة عرفة عبده علي: "تهويد عقل مصر" ص 65- 90.‏
32. المصدر نفسه، ص 85.‏
33. ((Research Opporunities)) Michigan State univ News Bulletin. August 2. 1984.‏
34. صحيفة "الأهالي" عدد 26، تشرين الأول، أكتوبر، 1988.‏
35. لمزيد من التفصيل، انظر: محسن عوض: الطب النفسي في الصراع العربي- الإسرائيلي، في "المواجهة -الكتاب الثاني" 1984، وكذلك بحث "الطب النفسي... والمؤتمرات المشبوهة" للباحث عرفة عبده علي، من ضمن كتابه "تهويد عق مصر"، ص 91-9.‏
36. انظر: مقالة أسرار وخبايا مطبخ الشرق أوسطية، في صحيفة "العربي" السنة الأولى، العدد 43، الاثنين 25 نيسان/ إبريل/ 1994. ص 14.‏
37. انظر: مقالة "وثائق خلوة أنقرة"، في جريدة "العربي"، السنة الثانية، العدد 63، الاثنين 12 أيلول/ سبتمبر 1994، ص 9.‏
نقلاً عن مجموعة صحف ومجلاّت مصرية، بينها مجلّة "روز اليوسف" العدد "3620" تاريخ 27/ 10/ 1997، ص 17.‏




التوقيع

إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بدّ أن يستجيب القــــدر
و لا بــــدّ لليــل أن ينجلــي
و لا بـــدّ للقيــد أن ينكسـر
رد مع اقتباس
إضافة رد

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ماهوالتصوير ثلاثي الأبعاد وماهو مبدأ عمله و لماذا نرى الدنيا من حولنا ثلاثية الأبعاد Fareed Zaffour منتدى التصوير والمصورين 0 04-11-2014 03:45 AM
تعرف بالصور على الثائر العربي الصهيوني اليهودي/ برنار هنري ليفي / الدكتورة سناء فريد إسماعيل منتدى الأخبار .. News..فنية..ثقافية..رياضية..علمية 0 03-31-2014 12:46 AM
الأعضاء يتوافدون لحضور اجتماعي «تنفيذية العربي» و«تنظيمية الخليج» للشراع بسام زيتون منتدى الأخبار .. News..فنية..ثقافية..رياضية..علمية 0 05-24-2012 03:14 AM
الجمعة المقبلة اجتماع اللجنة التنفيذية للاتحاد العربي للشراع بسام زيتون منتدى الأخبار .. News..فنية..ثقافية..رياضية..علمية 0 05-23-2012 07:02 AM
هدف التدخل الغربي حماية الكيان العنصري الصهيوني العولمي عباس سليمان علي منتدى الحوار العام 1 07-02-2011 09:54 AM


الساعة الآن 12:40 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By alhotcenter