العودة   منتديات المفتاح > المفتاح الثقافي و الأدبي > مفتاح الكتب الألكترونية ( العلمية والأدبية والفنية والتاريخية ) > الكتب السياســــية

الكتب السياســــية السياسة المتنفس والممارســـــــة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 04-20-2010, 05:50 PM   رقم المشاركة : 21
الهادي الزغيدي
عضو





الهادي الزغيدي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: - القمم والمؤتمرات الاقتصادية والأمنية من التطبيع إلى الهيمنة -

الفصل الثالث: الكيان الصهيوني والتطبيع‏

يعتبر ابا إيبان، وزير الخارجية الإسرائيلي السابق أول من أطلق كلمة "التطبيع" وتعني بمفهومه إقامة علاقات طبيعية بعيدة عن أجواء الحرب والقتال وفي جو من التعاون والسلام.‏

وكانت قيادة فتح (اللجنة المركزية )، ممثلة بزعيمها ياسر عرفات وسلطة الحكم الذاتي الفلسطيني المحدود من أكثر الجهات العربية حماساً واستعداداً للتطبيع، على الرغم من أن إسرائيل قامت على أنقاض فلسطين العربية وعلى أنقاض الحقوق الوطنية والقومية والدينية للفلسطينيين والعرب والمسلمين فيها، وبالرغم من أن التطبيع سيقود في حال نجاحه إلى شطب اسم فلسطين وطمسه من الصور والخرائط والكتب المدرسية ومحطات الإذاعة والتلفزيون والصحف والمجلات العربية.‏

وتسخر إسرائيل التطبيع بمساعدة الولايات المتحدة إلى إعادة تشكيل العقل العربي لحمله على:‏

أولاً: القبول بالوجود اليهودي على حساب الحق والوجود العربي.‏

ثانياً: تبني الخرافات والأساطير والمطامع والأكاذيب اليهودية.‏

ثالثاً: القبول بالشروط والاملاءات الإسرائيلية لإقامة إسرائيل العظمى اقتصادياً من النيل إلى الفرات.‏

رابعاً: التخلي عن ثوابت النضال العربي والتشكيك بجدوى التمسك بالهوية العربية.‏

خامساً: التخلي عن مقاومة التوسع والاستيطان ووصف المقاومة المشروعة بالإرهاب ونبذها.‏

سادساً: الاعتراف بخطأ العداء لإسرائيل المعتدية والمغتصبة والغريبة عن المنطقة وتاريخها وتراثها وحضارتها.‏

لذلك أرى أنه من المؤلم حقاً أن تهرول بعض الدول العربية وسلطة الحكم الذاتي الفلسطيني إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل، العدو التاريخي للعروبة والإسلام، والذي يعلن باستمرار أطماعه في المقدسات والحقوق والأراضي والثروات العربية.‏

خططت إسرائيل استثمار انتصاراتها العسكرية لفرض مخططاتها الاقتصادية والثقافية والسياسية والأمنية على المنطقة العربية والانتقال إلى فرض الهيمنة من خلال التعاون الاقتصادي والتطبيع. فالتطبيع يحقق لها التفوق والهيمنة ويضع حداً لأزماتها الاقتصادية وينقذها من المساعدات الخارجية ويزيد الناتج القومي لها أكثر من 22% خلال عشر سنوات من التطبيع. وستُحل مشكلة نقص المياه المتزايدة لديها من جراء استمرار الهجرة اليهودية والتوسع الصناعي في إطار التطبيع وعلى حساب الأطراف العربية.‏

وتسخر إسرائيل الولايات المتحدة الأميركية لإجبار الدول العربية على الموافقة على مخططات التطبيع التي تضعها. وتعمل الولايات المتحدة على أن تنفرد إسرائيل بمزايا التطبيع وأخذ المصالح الاقتصادية الإسرائيلية بعين الاعتبار وتنفيذ التصور الإسرائيلي للتطبيع بواسطة المؤسسات الأميركية.‏

وتتوقع إسرائيل أن تصبح من خلال التطبيع قاعدة للشركات المتعددة الجنسيات وجسراً للتجارة بين البلدان العربية والبلدان الصناعية، ويصل حجم هذه التجارة إلى (200) مليار دولار سنوياً.‏

بدأت إسرائيل بعد زيارة السادات للقدس تكشف عن مخططاتها للهيمنة على الاقتصادات العربية. ووصلت أطماعها حداً أعلنت فيه في المفاوضات استعدادها للتنازل عن ثروات مصر الطبيعية في سيناء مقابل تطبيع العلاقات بينها وبين مصر وكأن لها الحق في أرض مصر وثرواتها.‏

ونجحت إسرائيل بإخراج مصر من دائرة الصراع العسكري معها بتوقيع اتفاقيتي كمب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية. وربطت الولايات المتحدة الاقتصاد المصري بالاقتصاد الرأسمالي ومؤسساته ورفعت الدولة يدها عن الاقتصاد واعتمدت اقتصاد السوق مما هيأ الأجواء لعملية التطبيع.‏

ويعتبر التطبيع جزءاً من الاستراتيجية الإسرائيلية لخدمة مصالح إسرائيل ويهود العالم الاقتصادية وتأتي السيطرة على النفط والغاز والموارد المائية والزراعية والأسواق العربية في مقدمة مشاريع التعاون وذلك لحاجتها إلى المواد الخام لتشغيل صناعاتها الحديثة.‏

وترمي من جراء التطبيع مع كل بلد عربي على حدة إلى الحصول على أكبر الأرباح والامتيازات ويمكن أن تصبح هي المركز والقائد للاقتصاد في المنطقة مع أنها لا تملك شيئاً من هذه الموارد. وتستخدم التطبيع للاستفادة من العمالة العربية الرخيصة لزيادة أرباح اليهود واستغلالها في التجسس على البلدان العربية ولترويج المنتجات الإسرائيلية وتحويل العرب إلى خدم وأجراء لليهود، مما يلحق الأضرار بالأمن القومي العربي.‏

بدأت المخططات الإسرائيلية بالظهور حول الشرق أوسطية بشكل علني بعد إخراج مصر من دائرة الصراع العربي-الإسرائيلي، وربطها بالولايات المتحدة. وأخذت تستجيب بالتدريج إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل حيث قال إبا إيبان عام 1987: "إن تعميق اتفاق السلام الإسرائيلي - المصري ليشمل دول المنطقة بأسرها، والذي يتضمن بنوداً صريحة بشأن التطبيع ونشوء علاقات التعاون، سيكون عاملاً مهماً في تعظيم دور إسرائيل الإقليمي وسيكون هذا الدور على غرار الدور الذي تقوم به الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية على الصعيدين السياسي والاقتصادي".(165).‏

وأخذت أوساط إسرائيلية من السياسيين والمثقفين تقول إن السلام يجعل إسرائيل تحتل مكانة سياسية واقتصادية واستراتيجية هامة في العالم لتفوقها التكنولوجي وتخلف البلدان العربية وتوفر المواد الخام فيها التي تجتاحها إسرائيل ويحتاجها العالم. وأخذ بعضهم يقول إن عملية السلام تصنع صناعة أي مثلها مثل السلعة يمكن تفصيلها وضعها حسب المقاس الإسرائيلي وبالشروط والاملاءات الإسرائيلية.‏

وأدى التحالف الرسمي بين مصر وإسرائيل، والتحالف الاستراتيجي بين إسرائيل والولايات المتحدة إلى تعاون المؤسسات الأميركية والإسرائيلية في تحديد أهداف وبرامج الأبحاث المصرية في اتجاهات معينة تفيد إسرائيل وتطبيع العلاقات معها ولا تفيد الزراعة المصرية.‏

ووجدت إسرائيل من خلال التجارة المتبادلة مع مصر والأردن أسواقاً لها في بعض بلدان الخليج والسودان.‏

وأخذت بعض الدول العربية تهرول إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل فقام الجنرال رابين بزيارة سلطنة عُمان في 27 كانون الأول 1994 والتقى يوسف بن علوي، وزير الخارجية العماني مع بيرس في العقبة بتاريخ 25 شباط 1995 ومع يوسي بيلين في القاهرة في 21 آذار 1995، ومع بيرس في واشنطن في 31 أيار 1995.‏

وفتحت عُمان مكتباً للتمثيل التجاري لها في تل أبيب وآخر لإسرائيل في عُمان في الاول من تشرين الأول 1995.‏

وكانت مسقط قد استضافت مجموعتي العمل الخاصتين بالمياه والبيئة في 23 حزيران 1995.‏

وفتحت المملكة المغربية في 27 آذار 1995 مكتباً لها في تل أبيب وأرسلت بعثة مؤلفة من ثلاثة أشخاص.‏

واعتبر الملك الحسن الثاني: "أن فتح مكتبي الاتصال بين المغرب وإسرائيل يعد بمثابة اعتراف بإسرائيل من الناحية الدبلوماسية".‏

وأبدت قطر حماساً كبيراً لتطبيع العلاقات مع إسرائيل. وأعلن الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني وزير الخارجية في 4 تشرين الأول 1995، أن قطر تؤيد إلغاء المقاطعة الاقتصادية المباشرة لإسرائيل حتى لو لم يتحقق السلام الشامل. وفتحت لها مكتباً في تل أبيب.‏

ولحقت تونس بهذه الدول وفتحت مكتباً تجارياً لها في تل أبيب وآخر إسرائيلي في العاصمة التونسيةووقعت موريتانيا على هامش مؤتمر برشلونة المتوسطي في 26 تشرين الثاني 1995 اتفاقاً يقضي بفتح قسمين لرعاية مصالح كل منهما في تل أبيب ونواكشوط.‏

وسارع الأردن بعد توقيع وادي عربة إلى تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني وفتح سفارته في تل أبيب في 11 كانون الأول 1994، وفتحت إسرائيل سفارتها في عمان في التاريخ نفسه.‏

وأخذت الزيارات والاجتماعات وعقد الاتفاقات تتوالى في عام 1995، وتبين أن الأردن يهرول في تطبيع العلاقات أكثر من أي بلد عربي آخر ويعطي الدفء في العلاقات لإرضاء إسرائيل ويهود العالم والولايات المتحدة الأميركية على حساب الحقوق العربية والإسلامية في فلسطين وبيت المقدس.‏

وأظهرت استجابة السلطات الأردنية لكل ماطلبته إسرائيل في المجالات العسكرية والأمنية والمائية والاقتصادية والسياحية مدى هرولة الأردن إلى التطبيع والاستعداد لتغيير موقعه من الموقع العربي إلى الموقع الإسرائيلي، ويؤكد استجابة الأردن للمطلب الإسرائيلي بجعل السلام بينهما دافئاً.‏

وظهر ذلك بوضوح في التأبين العاطفي الذي ظهر في جنازة رابين وفي التعزية التي قدمها الملك حسين لأسر الفتيات الإسرائيليات، وفي الطلعات المشتركة لسلاح الجو الإسرائيلي في سماء عمان والأردني في سماء تل أبيب، وموافقة الأردن على تدريب طياريه وتحديث طائراته الحربية في إسرائيل.‏

وأخذ بيرس ورابين يوهمان الأردن (كعادة اليهود في تاريخهم القديم والحديث)، بأعطائه الدور الإقليمي الهام في الشرق العربي وخاصة في العراق لقاء تمويل مشاريع الشرق الأوسط الجديد مما أثار القلق في مصر وسورية والسعودية.‏

ثارت ثائرة اليهود العالمية والدولة اليهودية لعقد القمة الثلاثية بين الرئيس الأسد والرئيس مبارك والملك فهد في أواخر عام 1994، في مدينة الاسكندرية. ودعمت الولايات المتحدة هذا الموقف اليهودي مما أدى إلى عقد قمة رباعية بين الرئيس مبارك والملك حسين وياسر عرفات والجنرال اسحق رابين في الثاني من كانون الثاني 1995 لتهدئة اليهود وأميركا كرد على قمة الاسكندرية العربية.‏

وعقد الملك حسين في الرباط بتاريخ 28 أيار 1995 قمة أخرى بينه وبين ياسر عرفات وشمعون بيرس للاسراع في عملية التطبيع..‏

وتابعت إسرائيل عقد القمم التي تقررها فتم عقد قمة خماسية في واشنطن بتاريخ 28 أيلول 1995 ضمت الرئيس الأميركي المتصهين، بيل كلينتون والرئيس مبارك والملك حسين وياسر عرفات والجنرال رابين.‏

وأصدرت بياناً أكد على الإصرار في مواجهة أعداء السلام أي سحق المعارضة لاتفاق الإذعان في أوسلو.‏



المفاوضات المتعددة الأطراف والتطبيع‏

استجابت جميع الدول العربية ومنظمة التحرير الفلسيطينة للاشتراك في المفاوضات المتعددة الاطراف باستثناء سورية ولبنان حيث قاطعتا اجتماعات جميع لجانها. وعلل وزير الخارجية السوري، فاروق الشرع مقاطعة سورية لها قائلاً:‏

"إن الموقف الذي اتخذته سورية بعدم المشاركة في المفاوضات المتعددة الأطراف، إنما انطلق من هذه المعطيات الواقعية ومن القناعة المبدئية أيضاً بأن بحث مسائل التعاون الاقليمي بين الدول العربية وإسرائيل قبل تحقيق الانسحاب الإسرائيلي لا يمكن اعتباره إلاّ محاولة لاسترضاء المعتدي ومكافأة له على عدوانه واحتلاله. إن هذا الموقف السوري هو في حقيقته ترجمة لحرص سورية على حماية حقوق العرب ومصالحهم".(166).‏

وتوالت اجتماعات اللجان المنبثقة عن المفاوضات المتعددة الإطراف في إسبانيا وكندا والنمسا واليابان وتونس والمغرب وقطر وعمان والبحرين تلبية لرغبات إسرائيل ولتحقيق ماعجزت العسكرية الإسرائيلية عن تحقيقه وهو إجبار العرب على فتح حدودهم مع إسرائيل، والسماح لها بالتغلغل في ميادين الحياة كافة، في بلدان المشرق والمغرب العربي، مما أدى إلى تطور العلاقات بين هذه البلدان وإسرائيل بشكل يلحق أفدح الأضرار بموقف سورية ولبنان من استعادة أراضيهما المحتلة واستعادة القدس العربية والحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني.‏

وحدد الرئيس بوش التصور الأميركي في كلمته الافتتاحية في مؤتمر مدريد لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي وتمكين إسرائيل من قيادة المنطقة في المجالات التجارية والاقتصادية والأمنية وقال عن السلام إنه "ليس إنهاء حالة الحرب في الشرق الأوسط فحسب وإبدالها بحالة عدم اعتداء، إن هذا ليس كافياً ولن يدوم لكننا نسعى للسلام الحقيقي، المعاهدات، الأمن، العلاقات الدبلوماسية، العلاقات الاقتصادية، التجارة، الاستثمار، التبادل الثقافي، وحتى السياحة" (167).‏

وانطلاقاً من كلمة الرئيس بوش الافتتاحية في مؤتمر مدريد ظهر بجلاء أن الولايات المتحدة قد تبنت الأفكار والمخططات الإسرائيلية حول مستقبل المنطقة العربية وقررت العمل على إجبار العرب على تحقيقها.‏

وأكد ممثل الاتحاد الأوروبي في مؤتمر مدريد هانس فان دن بروك، وزير الخارجية الهولندي دعم الاتحاد الأوروبي للمفاوضات المتعددة الأطراف. وقال:‏

"إن المفاوضات السياسية يجب أن تعزز بمفاوضات متعددة الجوانب في شأن التعاون الإقليمي في مجالات الاهتمام المشترك.. ومن البديهي أن التعاون الإقليمي لا يمكن أن يسير أسرع من التحرك نحو التسوية السياسية إلا أن القضيتين السياسية والإقليمية يجب أن تتزامنا وأن تعزز كل منهما الأخرى"(168).‏

تولى الاتحاد الأوروبي رئاسة مجموعة عمل التعاون الاقتصادي في المفاوضات المتعددة الأطراف وطالب في أول اجتماع للمجموعة في موسكو في كانون ثاني 1992 بإقامة علاقات اقتصادية وطبيعية بين دول المنطقة. وطالب الاتحاد في اجتماع لجنة التنمية الاقتصادية في بروكسل في أيار 1992، بالإنهاء الرسمي للمقاطعة العربية لإسرائيل، وتقدم بخطة حول التعاون الاقتصادي الإقليمي أكد فيها أن التعاون الإقليمي موازٍ للتسوية السياسية، وإن النواة الرئيسية للتعاون هي إسرائيل والأردن وفلسطين مع انضمام سورية ولبنان ومصر، وإن التعاون يجب أن يقود في المدى الطويل إلى التكامل الاقتصادي، وإن التعاون خطوة نحو الاندماج الاقتصادي في المنطقة ثم انخراط اقتصادات المنطقة في الاقتصاد العالمي، وأكدت الخطة على أولوية التعاون في مجالات السياحة والنقل والزراعة والمواصلات.‏

وتطرق اسحاق شامير، رئيس حكومة العدو الإسرائيلي في كلمته أمام مؤتمر مدريد إلى المفاوضات المتعددة الأطراف وقال:‏

"إن المفاوضات المتعددة الأطراف، التي ستواكب المفاوضات الثنائية، هي عنصر حيوي في العملية، ففي هذه المحادثات ستناقش العناصر الأساسية للتعايش والتعاون الإقليمي، ولا يمكن قيام سلام في منطقتنا من غير أن تعالج هذه الموضوعات الإقليمية وتحل"(169).‏

وعندما انعقد المؤتمر الأول للمفاوضات المتعددة الأطراف في موسكو بتاريخ 28/1/1992 أعرب شامير عن ارتياحه لانعقاده وقال:‏

"تحصد إسرائيل الآن الثمار الدبلوماسية والاقتصادية لمحادثات السلام الخاصة بالشرق الأوسط التي ساعدتها في الخروج من عزلتها الدولية".(170).‏

وعبر وزير الخارجية الإسرائيلي عن ارتياحه لانعقاد المؤتمر الأول للمفاوضات المتعددة الأطراف وأشار إلى أن مشاركة وفود من بلدان الخليج تبعث على الارتياح. ووصف المؤتمر بأنه انتصار لإسرائيل وقال: "لقد اكتملت كل توقعاتنا وصمدنا في المهمة التي أخذناها على عاتقنا".(171).‏

يقول يوسي بيلين، نائب وزير الخارجية الإسرائيلي السابق في كراس قدمه إلى الدول المشاركة في المفاوضات المتعددة الأطراف عن تصور إسرائيل لمستقبل المنطقة:‏

"إننا نتصور انبثاق شبكة من الصلات الإقليمية. وتبدأ هذه الصلات بالبنية التحتية: الطرق العريضة، الممرات الجوية والبحرية، أنابيب المياه ومحطات الكهرباء التي تمتد في شبكة توحدنا من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب.. سيكون في إمكان سكان المنطقة التنقل والتجارة والقيام بمشاريع مشتركة. كما سيجري الاستخدام المشترك لطاقات المنطقة...... ستقود التنمية المشتركة إلى نمو ثوري في سياحة الشرق الأوسط، وإلى نمو في التجارة المتبادلة بين دول المنطقة، وإلى توسع في التجارة مع بقية العالم"(172).‏

أظهرت حرب الخليج أن الولايات المتحدة هي المستفيد الأول من دول النفط وهي التي تمسك بزمام الأمور في هذه الدول، مما يجلب لها الكثير من الفوائد الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية. كما أنها بعثت برسالة إلى أوروبا واليابان من جراء الانتصار الذي حققته في حرب الخليج تتضمن إحكام سيطرتها على منابع النفط وأسواقه وأمواله وأن العلاقات بينها وبين الدول النفطية يجب أن تكون عبر أميركا وبواسطتها.‏

ونجحت في تجويف الأمم المتحدة وحرفها عن القيام بمهماتها والدور المناط بها وسخرتها لخدمة المصالح الأميركية.‏

لقد احتوت عملية التسوية السياسية وفق صيغة مدريد على نوعين من المفاوضات. الأول: المفاوضات الثنائية المباشرة لتسوية جوهر الصراع وهو الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية الذي نتج عن حرب حزيران العدوانية.‏

والثاني: المفاوضات المتعددة الأطراف لإزالة أسباب الصراع وتسوية القضايا المختلف عليها وإقامة روابط التعاون بين الأطراف العربية وإسرائيل. وانعقدت الجولة في موسكو بتاريخ 28 و 29 كانون الثاني 1992 وانبثق عنها خمس لجان:‏

1- لجنة الحد من التسلح والأمن الاقليمي.‏

2- لجنة التنمية الاقتصادية.‏

3- لجنة الموارد المائية.‏

4- اللاجئون.‏

5- البيئة.‏

تمسكّت إسرائيل وبدعم كامل من الولايات المتحدة بالفصل بين المسارين. وأظهرت الولايات المتحدة الأميركية انحيازها لإسرائيل تحت ذريعة كاذبة وهي أن التقدم في المفاوضات المتعددة الأطراف يمثِّل إغراءً لإسرائيل للسير في المفاوضات الثنائية، وذلك لإلغاء المقاطعة العربية وفرض التطبيع على العرب وحل أزمات إسرائيل الاقتصادية، بدون تحقيق الانسحاب الشامل وتفكيك المستعمرات اليهودية. وأصرّت سورية ولبنان على الربط بين المسارين وأكدتا على أنه على إسرائيل الالتزام بالانسحاب أولاً من جميع الأراضي العربية المحتلة حتى خطوط الرابع من حزيران ومن ثم يجري البحث في إزالة مظاهر الصراع وتدشين علاقات التطبيع، ورفضتا المشاركة في المفاوضات المتعددة الأطراف إلى أن يتحقق الانسحاب الشامل.‏

قام الموقف المصري على دخول المفاوضات المتعددة الأطراف للوصول إلى اتفاقيات حول التعاون في المجالات الخمسة. ولكن التنفيذ يبدأ بعد الاتفاق على المرحلة النهائية في المفاوضات الثنائية فالموقف المصري انطوى على انفصال شكلي بين المسارين، وذلك بسبب توقيع مصر لاتفاقيتي كمب ديفيد ومعاهدة الصلح والاتفاقات العديدة التي انبثقت عنها وبسبب التدخل الأميركي الفج والمنحاز لإسرائيل.‏

ونظراً لأطماع إسرائيل ورغبتها في فرض هيمنتها على البلدان العربية، ونظراً لانحياز الراعي الأميركي للأطماع الإسرائيلية وصلت المفاوضات الثنائية والمتعددة الأطراف في أيار 1997 إلى طريق مسدود لأن إسرائيل تريد أن تفرض شروطها على جميع الأطراف العربية.‏

قامت دول الطوق العربية في الفترة التي أعقبت انعقاد مدريد في تشرين الأول 1991 وحتى توقيع اتفاق أوسلو في 13/9/1993 بتنسيق المواقف والتشاور والتعاون خلال المفاوضات.‏

وجاء توقيع اتفاق أوسلو ليشكل ضربة قوية للتنسيق العربي وليكرس مرحلة سيئة جديدة من المفاوضات في ظل غياب التنسيق العربي ونجاح إسرائيل في التلاعب بمسارات المفاوضات للحصول على المزيد من التنازلات عن الأرض والحقوق والحياة العربية وتعميق الخلافات العربية والضغط على المفاوضين السوري واللبناني وفتح المجال أمام الهرولة إلى تطبيع العلاقات.‏

وجاءت معاهدة وادي عربة في 14 تشرين الأول 1994 بعد أوسلو لتمثل ضربة جديدة للتنسيق العربي وخروج الأردن رسمياً من التحرك العربي تجاه إسرائيل وتغيير موقعه من الموقع العربي إلى الموقع الإسرائيلي. وأخذ الأردن يهرول في تطبيع العلاقات مع إسرائيل بالرغم من إن إسرائيل لم تلتزم حتى بالقول بالانسحاب من القدس العربية والجولان وجنوب لبنان.‏

وأخذ الأردن يمارس دوراً في خدمة المخطط الإسرائيلي - الأميركي في المنطقة العربية. ويمارس الضغوط على سورية ولبنان من خلال الاتفاق على قضايا تمس المصالح الجوهرية لسورية والأمن القومي العربي.‏

والحق اتفاق الإذعان في أوسلو ووادي عربة أضراراً فادحة في الحقوق الوطنية والقومية والدينية للعرب والمسلمين في فلسطين والقدس العربية، ودفعا بعض دول الخليج إلى الهرولة لتطبيع العلاقات مع العدو الإسرائيلي، ومكنا إسرائيل من صياغة سابقة للتسوية ينبغي على سورية ولبنان اتباعها إن كانتا تريدان السلام حقاً.‏

وحققت إسرائيل في معاهدتي أوسلو ووادي عربة العديد من السوابق الخطيرة على الأرض والحقوق والسيادة للبلدان العربية، كسابقة تعمل جاهدة بمساعدة الراعي الأميركي المنحاز وغباء وتخاذل بعض الحكام العرب على فرضها على المسارين السوري واللبناني وتطالبهما بـ:‏

* دخول مفاوضات سرية للموافقة على الأسس والمخططات التي تضعها إسرائيل.‏

* عدم المراهنة على أي دور أوروبي أو أميركي لأن إسرائيل تنطلق من مخططاتها للهيمنة على العرب.‏

* استبعاد صيغة مدريد وبالتالي قرارات الشرعية الدولية التي تمثل الحد الأدنى الذي يمكن أن تقبل به الحكومات العربية والموافقة على الأسلوب والشكل والمضمون الذي تريده إسرائيل.‏

* تطبيق المبدأ الجديد الذي كرسته معاهدة وادي عربة بالتنازل عن أجزاء من الأراضي الأردنية لإسرائيل، بذريعة التأجير المجاني لمدة (25) سنة.‏

نجح السادات في حمل إسرائيل على الانسحاب من جميع الأراضي المصرية وتفكيك جميع المستعمرات اليهودية مقابل الخروج من الصف العربي والاعتراف بإسرائيل وتطبيع العلاقات معها.‏

أما التسوية على المسارين الفلسطيني والأردني فأنها قدمت لإسرائيل سوابق خطيرة وهي الموافقة على عدم الانسحاب الكامل والتنازل عن أجزاء من الأراضي وعدم تفكيك المستوطنات والتحول إلى حراس لحماية إسرائيل وأمن المستوطنين اليهود، وقمع النضال والجهاد العادل ضد الاحتلال.‏

رفضت سورية ولبنان بمبدئية وعلمية وكرامة وعزة وطنية وقومية وإنسانية سوابق المسارين الفلسطيني والأردني.‏

تراجعت الحكومة الإسرائيلية عن اتفاق أوسلو ونجحت في ابتزاز القيادة الفلسطينية بتهويد مدينة الخليل. كما تراجعت عن الاتفاق الذي وضعته حول حصة الأردن من المياه. وتقوم بالتلاعب بين الطرف الفلسطيني والأردني حول قضية القدس لتخليد توحيد المدينة وتهويدها.‏

لقد مهدّ اتفاق الإذعان في أوسلو الطريق للأردن لتوقيع معاهدة وادي عربة وأخذ يهرول في تطبيع العلاقات على المستويين الرسمي والشعبي.‏

وأصبحت الأردن بمثابة بوابة عبور إسرائيل إلى دول الخليج والعراق، وذلك في الوقت الذي لم يتم فيه تحقيق أي تقدم ملموس في موضوع القدس، واللاجئين والمستوطنات والانسحاب الشامل والمياه ونزع سلاح إسرائيل النووي.‏

وبالرغم من ذلك كله ركزت إسرائيل والولايات المتحدة على "التنمية الاقتصادية".‏

أولت إسرائيل وأميركا لجنة التنمية الاقتصادية اهتماماً كبيراً لأسباب عديدة وفي مقدمتها حل أزمات إسرائيل الاقتصادية لكي تتخلص الإدارة الأميركية من تقديم المساعدات الاقتصادية الكبيرة لإسرائيل بحجة مضللة وهي أن تنامي المصالح الاقتصادية يجعل فكرة الحرب واستمرار الصراع مكلفة الثمن، وذلك لحمل العرب على تناسي حقوقهم التاريخية في فلسطين وتناسي حروب ومجازر اليهود الوحشية والهمجية.‏

إن استمرار اغتصاب اليهود لأرض فلسطين العربية واستمرار سياسة التهجير والاستيطان اليهودي واحتلال الأراضي العربية وسرقة الثروات والمياه العربية تجعل من العامل الاقتصادي غير أساسي في معالجة أسباب الصراع. كما أن تناسي الولايات المتحدة نشأة وطبيعة الصراع العربي اليهودي وأساليب إسرائيل الإرهابية في التعامل مع المحيط العربي وأطماعها لا يمكن أن ينهي الصراع ويعيد الأرض والحقوق لأصحابها العرب.فالعامل الاقتصادي ليس بأداة سليمة للقبول بإسرائيل في المنطقة وإنما الحل العادل والشامل وتجريدها من السلاح النووي والتقليدي ومعاقبتها على سياستها العدوانية والتوسعية والإرهابية يقود إلى السلام العادل.‏

إن إسرائيل والولايات المتحدة تريدان من العامل الاقتصادي حلول العرب محل ألمانيا وأميركا في دعم الاقتصاد الإسرائيلي ورفع مستوى حياة اليهود فيها، ولذلك فأن معزوفة التنمية المشتركة، تهدف إلى تحقيق التطبيع الرسمي والشعبي كمقدمة للهيمنة على الاقتصادات العربية.‏

إن العامل الاقتصادي (أي التعاون الاقتصادي بين العرب وإسرائيل) يبقى غير ذي أهمية بالنسبة لقضايا رئيسية في الصراع كالسيادة واسترجاع كامل الأراضي المصادرة وهدم كافة المستوطنات اليهودية وعودة القدس أولى القبلتين وثالث الحرمين إلى السيادة العربية ومن هنا فإن الصراع صراع ديني وقومي ومصيري وصراع حياة أو موت. ركزت إسرائيل ومعها الولايات المتحدة على العامل الاقتصادي لتحقيق العديد من الانتصارات منها إلغاء المقاطعة العربية ونسف التنسيق العربي وتطبيع العلاقات مع دول المغرب العربي والخليج لعزل الدول العربية الرافضة للاملاءات الإسرائيلية والأميركية ثم محاصرتها لإجبارها على القبول بالمخططات والمشاريع والشروط الإسرائيلية.‏

وتعزز الولايات المتحدة الأميركية في الوقت نفسه حصارها الظالم على ليبيا والسودان والعراق وإيران وكوبا لخدمة مصالح اليهودية العالمية والامبريالية الأميركية.‏

مخططات الهيمنة الإسرائيلية‏

خططت الحركة الصهيونية منذ نشأتها إلى السيطرة على المنطقة العربية الممتدة من النيل إلى الفرات، ولا يزال هذا الهدف هو الجوهر الأساسي للصهيونية كأيديولوجية وحركة وكيان ووضعت مرحلتين لتحقيق هذا الهدف:‏

المرحلة الأولى: تهجير اليهود إلى فلسطين العربية وترحيل العرب منها، وتحقيق التوسع والاستيطان بالعنف والإرهاب والمجازر الجماعية والحروب العدوانية.‏

المرحلة الثانية: الانطلاق من الأمر الواقع الناتج عن استخدام القوة بتسخير الدبلوماسية والمفاوضات المباشرة لتحقيق السيطرة الاقتصادية على البلدان العربية، أي الانتقال من مرحلة الغزو والتوسع الإقليمي إلى مرحلة الغزو الاقتصادي والثقافي باستغلال الاحتلال لفرض السلام الإسرائيلي.‏

خططت إسرائيل والولايات المتحدة لحرب حزيران العدوانية عام 1967، ولأهدافها العسكرية والسياسية، وحالت واشنطن دون إجبار الأمم المتحدة اسرائيل على الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة تطبيقاً لأهداف ومبادئ وقرارات الشرعية الدولية.‏

وأنشأ المليونير اليهودي روتشيلد بعد الحرب مباشرة معهداً بالقرب من جنيف أطلق عليه اسم "معهد من أجل السلام في الشرق الأوسط" جعل مهمته الأساسية دراسة احتمالات التعاون الاقتصادي في الشرق الأوسط بعد تسوية الصراع العربي الصهيوني والبحث عن وسائل إقامة علاقات تجارية بين إسرائيل والبلدان العربية. ونظمت إسرائيل عقد ثلاثة مؤتمرات لأصحاب الملايين اليهود لوضع المخططات لاستغلال ثروات الأراضي العربية المحتلة وأحكام سيطرتها الاقتصادية عليها وعلى بقية البلدان العربية.‏

وتأسست في إسرائيل عام 1968 جمعية اسمها "من أجل السلام في الشرق الأوسط" مهمتها وضع مخطط لفرض هيمنة إسرائيل الاقتصادية على الوطن العربي.‏

ويتضمن المخطط الذي وضعته تخصيص 10% من عائدات النفط للمشاريع الإقليمية المشتركة، وتحديد الصناعات التي ينتجها كل بلد عربي، كما خططت لإنشاء سوق شرق أوسطية مشتركة على غرار السوق الأوروبية المشتركة.‏

وطرح حزب العمل الإسرائيلي إقامة اتحاد إسرائيلي -فلسطيني- أردني على غرار اتحاد البنيلوكس. لقد اعتمدت الاستراتيجية الإسرائيلية على القوة العسكرية لفرض أوضاع جديدة في المنطقة واستغلال هذه الأوضاع التي نتجت عن استخدام القوة العسكرية لتحقيق الأهداف السياسية التي من أجلها قامت باستخدام القوة، وبالتالي تستغل النتائج العسكرية لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية عن طريق دمج العاملين العسكري والسياسي لتصفية قضية فلسطين وتحقيق المخططات الصهيونية.‏

وتستغل إسرائيل انتصاراتها العسكرية في الحروب العدوانية التي شنتها، والمجازر الجماعية التي ارتكبتها، والخسائر البشرية والمادية الفادحة التي أنزلتها بالعرب، واستمرار الاحتلال والاستيطان لتفرض على الفلسطينيين والعرب اتفاقات مذلة، اتفاقات إذعان وإملاء تحقق من جرائها كافة أهدافها السياسية والاقتصادية، والمزاعم والأساطير والخرافات والأكاذيب والمطامع اليهودية. فالهدف من حروبها وسلام الإذعان القائم على استغلال نتائج الحروب العدوانية هو زيادة أرباحها وأرباح يهود العالم مقابل تنازلات سياسية ومكاسب اقتصادية هائلة من الأطراف العربية تنهي بها أزماتها الاقتصادية المزمنة.‏

وتتناول المخططات الإسرائيلية كافة المجالات بدءاً من التجارة والمواصلات والطاقة والمياه ومروراً بالزراعة وحتى السياحة، كما تشمل جميع البلدان في المشرق والمغرب والخليج العربي.‏

وضع جاد يعقوبي، وزير المواصلات في حكومة رابين في نهاية 1975 مخططاً سرياً للتعاون الإقليمي في مجال المواصلات بين إسرائيل والأردن ومصر. ويشير المخطط إلى أن التعاون الإقليمي في مجال المواصلات في المنطقة هو أمر ضروري للطرفين. ويتضمن التعاون بين مطاري ايلات والعقبة، وإقامة مطار جديد مشترك بين إسرائيل والأردن، وربط الأردن، بميناء حيفا بواسطة سكة حديد الغور، وتطوير شبكة خطوط حديدية بين إسرائيل والدول العربية المجاورة وتحويل إسرائيل في نطاق التعاون الإقليمي إلى جسر برى بين مصر ولبنان.‏

ويتضمن المشروع أيضاً تطويراً إسرائيلياً أردنياً مشتركاً لإيلات والعقبة في المجال السياحي.‏

ووضع يعقوب ميريدور، وزير الاقتصاد في حكومة بيغن بعد شهر واحد من زيارة السادات للقدس عام 1977 مشروعاً للتعاون الاقتصادي في الشرق الأوسط ولتوطين اللاجئين الفلسطينيين في البلدان العربية.‏

واقترح شمعون بيرس في نيسان 1986 خلال زيارته للولايات المتحدة اعتماد مشروع مارشال للشرق الأوسط لدمج إسرائيل في المنطقة والهيمنة عليها وحل الأزمات الاقتصادية المزمنة فيها. ووعدت الإدارة الأميركية بدراسة اقتراحات شمعون بيرس بعناية مع حلفائها.‏

وجاء في المخطط الذي وضعه صندوق ارمندهامر في جامعة تل أبيب، في كانون الأول عام 1986 حول مشاريع التعاون الاقتصادي الإقليمي مايلي:‏

"عندما تعاود عملية السلام مسيرتها، ينبغي إعطاء القضايا الاقتصادية الأولوية، فالعلاقات الاقتصادية هي التي تصنع مضمون السلام وتضمن استقراره، والمشاريع الاقتصادية المشتركة، تشجع السلام لأنها:‏

أ- تشكل في حد ذاتها، أداة تفاوضية مؤثرة في الضغط نحو السلام.‏

ب- تقود إلى ترسيخ السلام وحمايته".(173).‏

وطرح بيرس تصوراته حول الشرق أوسطية في تشرين الثاني 1992 أمام المعهد القومي لدراسات الشرق الأوسط في القاهرة. وطالب العرب بنسيان الماضي والتركيز على المفاوضات ووضع حد للنزاع لبناء الشرق الأوسط الجديد.‏

وطرح يائير هيرشفيلد (بطل مفاوضات أوسلو السرية) موقف حزب العمل الإسرائيلي في اجتماع لجنة التنمية المنبثقة عن المفاوضات المتعددة الأطراف في بروكسل في أيار 1992، وشملت مقترحاته المشاركة في الموارد الطبيعية والبشرية وتوسيع أسواق المنطقة، وجذب الاستثمارات من الدول الأجنبية ودول النفط العربية ومؤسسات التمويل الدولية وإقامة صندوق إقليمي للتنمية.‏

نشر بيرس تصوراته للنظام الإقليمي الجديد في كتابه الذي صدر عام 1993 وانطلق فيه من أن التطبيع مع العرب قائم، وإن إسرائيل ستقوم بدور المركز والقائد والقوة الأساسية لتحويل النظام الإقليمي الجديد إلى قوة عظمى على غرار الاتحاد الأوروبي وبالتعاون والتنسيق معه. وطرح بديلاً لاقتصاد المنطقة القائم على أساس الأرض والنفط والقومية، ووصفه بأنه عصري يعتمد على العلم والتقنية والتعاون الإقليمي. وجاء في الكتاب أن "هدفنا النهائي هو خلق أسرة إقليمية من الأمم، ذات سوق مشتركة، وهيئات مركزية مختارة على غرار الجماعة الأوروبية."‏

وحدد بيرس معالم السلام القادم على أنه "أولاً وقبل كل شيء هندسة معمارية ضخمة، هندسة تاريخية لبناء شرق أوسط جديد متحرر من صراعات الماضي، ويعترف بأن فكرة السوق الشرق أوسطية حلم إسرائيل. ويرى أن فتح الحدود والتجارة وخفض النفقات الدفاعية وإقامة نظام إقليمي للمياه وإعادة الحياة لسكة حديد الحجاز وإنشاء طرق سريعة وموانئ موسعة جديدة وقناة تربط البحر الأحمر بالبحر الميت كفيلة بتعزيز النظام الإقليمي الجديد.‏

وتحدث بيرس بكراهية منقطعة النظير عن الإسلام وقال إن الأصولية هي الخطر الداهم الذي يهدد سلام المنطقة واستقرار دولها. وبحسب رأيه فإن التهديدات والمخاطر القادمة من الإسلام تفوق الخطر الشيوعي السابق، وبالتالي يطالب بيرس بالقضاء على دور الإسلام بعد أن نجح الغرب في القضاء على دور الشيوعية في العالم. ويتناسى بيرس عن عمد أن الغبن والظلم واغتصاب الأرض والحقوق العربية وممارسة إسرائيل للإرهاب والعنصرية والحروب والمجازر الجماعية كسياسة رسمية هي السبب المباشر في ظهور حركة حماس والجهاد الإسلامي، في الضفة والقطاع، وحزب الله في جنوب لبنان.‏

وتتجلى عنصرية وعنجهية بيرس بأجلى مظاهرها في عدائه للإسلام، وعدم تطرقه على الإطلاق إلى المنظمات والعصابات اليهودية الإرهابية التي تقتل العرب وتستولي على أرضهم وممتلكاتهم وحاولت اغتيال رؤساء بلديات نابلس والبيرة ورام الله واغتالت حتى الجنرال رابين. كما أنه لم يتطرق إلى فرق القتل السرية التي ينظمها الجيش الإسرائيلي وفرق المستعربين وعصابات المستوطنين. باختصار يتناسى بيرس تفشي الفاشية والعنصرية والإرهاب في نفوس اليهود داخل المجتمع الإسرائيلي ويصبّ جام غضبه على الإسلام والمسلمين.‏

وكان بيرس من مهندسي امتلاك إسرائيل السلاح النووي. ويطرح الشرق الأوسط الجديد لتحويل إسرائيل إلى قوة عظمى تهيمن على الاقتصادات العربية.‏

إن الكوارث والمصائب التي ألحقتها إسرائيل بالبلدان العربية ترجع إلى ممارستها الإرهاب والعنصرية كسياسة رسمية ولاغتصابها فلسطين العربية وإشعال الحروب العدوانية وارتكاب المجازر الجماعية وإحضار المزيد من المهاجرين اليهود وترحيل المزيد من العرب وتدمير المنازل ومحطات الكهرباء ومصافي النفط والصناعة والزراعة كما حدث في الحرب التي أشعلها الجنرال رابين في تموز 1993 على لبنان وحرب "عناقيد الغضب" التي أشعلها بيرس في نيسان 1996، وارتكب خلالها مجزرتي قانا والنبطية.‏

وبلغت الخسائر البشرية التي ارتكبتها إسرائيل في حروبها العدوانية واعتداءاتها المستمرة أكثر من (260) ألف شهيد فلسطيني، و (90) ألف شهيد لبناني، و (39) ألف شهيد مصري، وحوالي (50) ألف شهيد سوري بالإضافة إلى الشهداء الذين قدمهم الأردن والعراق، ومئات الألوف من الجرحى والمعاقين وملايين اللاجئين والنازحين والمشردين.‏

إن هذه الخسائر البشرية الكبيرة والخسائر المادية الهائلة التي ألحقتها إسرائيل بالدول العربية لا تبرر على الإطلاق قبول بعض الحكام العرب السلام الإسرائيلي وتوقيع اتفاقات الذل والإذعان والاستسلام للإرادة والهيمنة الإسرائيلية عن طريق الراعي الأميركي.‏



ويقترح بيرس في كتابه إقامة المجموعة الإقليمية عبر ثلاث مراحل:‏

المرحلة الأولى: إقامة مشاريع ثنائية ومتعددة الأطراف.‏

المرحلة الثانية: اشتراك هيئات دولية مالية في إنجاز مشاريع تتطلب استثمارات ضخمة.‏

المرحلة الثالثة: وضع سياسة موحدة للمجموعة الإقليمية.‏

إن مخطط بيرس للشرق الأوسط الجديد يجسد لعبة سياسية وإعلامية مضللة وموجهة بالأساس لتضليل المواطن العربي ومحاولة يهودية لإعادة رسم مستقبل العلاقات العربية- الإسرائيلية في ظل الهيمنة الإسرائيلية والابتعاد عن قضايا الصراع العربي- الإسرائيلي الرئيسية المتعلقة باحتلال الأرض العربية وتهويدها وتطوير الاستيطان اليهودي فيها وحرمان العرب من حق العودة وحقوق الإنسان وتقرير المصير والاستقلال الوطني.‏

إن بناء "الشرق الأوسط الجديد" لا يقوم على أساس التكافؤ والمنفعة المتبادلة وإنما ينطلق من حل أزمات إسرائيل الاقتصادية وسد الثغرة الهائلة الناجمة عن توقف التعويضات الألمانية والمساعدات الأميركية دون الأخذ بالاعتبار مصالح الدول العربية في ظل تفوق إسرائيل العسكري على جميع الدول العربية وامتلاكها السلاح النووي، والعمل بمساعدة الولايات المتحدة والدول الأوروبيةعلى إضعاف الدول العربية عسكرياً. بمايتيح لإسرائيل أن تصبح قوة عظمى في المنطقة ويقود إلى هيمنة اليهودية العالمية على العالم.‏



الولايات المتحدة الأميركية والتطبيع‏

تبنت الولايات المتحدة الأميركية المخططات الإسرائيلية حول التطبيع والتعاون الإقليمي. وأقرّ الكونغرس الأميركي مخططاً للتطبيع تحت عنوان : "التعاون الإقليمي في الشرق الأوسط أعدته ومولته الوكالة الأميركية الدولية للتنمية كمدخل لتطبيع العلاقات بين مصر وإسرائيل لتنفيذ المخططات الإسرائيلية. ووردت فيه الأفكار التالية:‏

* سيكون الدور الأميركي حاسماً في مجال التعاون الإقليمي، وعلى الولايات المتحدة أن تلعب دور الوسيط.‏

* تقوم فكرة التعاون الإقليمي على أساس شرق أوسطي وليس على أساس عربي.‏

* إعطاء أهمية لدور الأكاديميين ورجال الأعمال في بداية التعاون الإقليمي وتطويره.‏

ووضعت الوكالة الأميركية المخطط على أساس شرق أوسطي وليس على أساس عربي لتجاوز الجامعة العربية ومؤسسات العمل العربي المشترك ولكي تنخرط فيه إسرائيل وتهيمن عليه.‏

ويتطرق مخطط التطبيع الأميركي إلى الموارد المشتركة كنهر الأردن والبحر الميت وخليج العقبة، والتعاون العلمي والتكنولوجي والمواصلات والتجارة والسياحة.‏

ويوصي المخطط الأميركي في مجال النقل بربط خطوط المواصلات لتعمل على تعزيز التجارة والسياحة في المنطقة وتطبيع العلاقات بين العرب وإسرائيل عن طريق:‏

* مد خط سكة حديد من السويس حتى إيلات.‏

* ربط شمال سيناء بإسرائيل عن طرق قطاع غزة.‏

* مد طريق من إيلات ووصله بطريق لربط القدس وعمان بالطريق الدولي.‏

* إنشاء خط حديدي يربط البحر الميت بالضفة الغربية وإيلات.‏

ويوصي المخطط فيما يتعلق بموضوع المياه، بالبحث عن المياه الجوفية في سيناء، وبيع مياه النيل لإسرائيل واستخدام نظم الري الحديثة وتحلية مياه البحر.‏

ويتضمن بالنسبة للصناعة إقامة مشروعات صناعية مشتركة بين إسرائيل والدول العربية المجاورة عن طريق:‏

أولاً: تنمية الموارد المشتركة وحل مشاكلها...‏

ثانياً: التركيز على المعاملات التجارية لفتح الأسواق الإقليمية للسلع والمواد الخام.‏

ثالثاً: إقامة مستودعات مشتركة..‏

ويؤكد المخطط على الدور الذي يجب أن تلعبه الولايات المتحدة في المرحلة الأولى من البدء في تنفيذه بالاعتماد على مصر وتطبيع العلاقات بينها وبين إسرائيل.‏

ونجحت الولايات المتحدة وإسرائيل، وضع أسس التطبيع والعلاقات الطبيعية بين مصر وإسرائيل بتوقيع البلدين معاهدة السلام حيث يتضمن الملحق الثالث الذي سمي "بروتوكول بشأن العلاقات بين الطرفين" مايلي:‏

* إقامة العلاقات الدبلوماسية والقنصلية وتبادل السفراء.‏

* إزالة جميع الحواجز ذات الطابع التمييزي القائمة في وجه العلاقات الاقتصادية العادية.‏

* إلغاء المقاطعة العربية.‏

* إقامة علاقات ثقافية، وتبادل ثقافي في كافة الميادين.‏

* السماح لمواطني ولسيارات كل طرف بالمرور والانتقال بحرية بين البلدين.‏

* إعادة فتح الطرق وخطوط السكك الحديدية بين البلدين، والنظر في إقامة طرق وسكك حديدية إضافية.‏

* إقامة طريق بري يربط مصر وإسرائيل والأردن قرب إيلات.‏

وأكد المحضر الخاص الملحق بالبروتوكول حق إسرائيل في شراء النفط المصري. ونص البروتوكول على عقد ثلاث اتفاقات في المجالات الاقتصادية والثقافية والتجارية والطيران.‏

وتعمل الولايات المتحدة على استغلال المنطقة والسيطرة عليها لخدمة مصالحها الاقتصادية عن طريق القواعد العسكرية الأميركية في بعض البلدان العربية، وعن طريق إسرائيل كأداة عسكرية لاستنزاف العرب ودفعهم أكثر فأكثر إلى الحظيرة الأميركية، والمحافظة على تفوق إسرائيل العسكري على جميع الدول العربية،ونزع السلاح غير التقليدي من أيدي العرب، والحد من التسلح العربي، وبيع كميات هائلة من الأسلحة للكويت والسعودية لتحسين وضع الاقتصاد الأميركي، وإنهاء المقاطعة العربية، وإقامة نظام إقليمي اقتصادي وأمني وتصفية قضية فلسطين.‏

واقترح البروفسور الأميركي روبرت تاكر" أنه لمنع أميركا من أن تنزف حتى الموت من جراء نفط الشرق الأوسط عليها فرض السيطرة الأميركية على المنطقة الممتدة من الكويت نزولاً على طول الإقليم الساحلي للمملكة العربية السعودية حتى قطر".‏

وطرح زينغو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس كارتر إقامة وجود أميركي في المنطقة بمشاركة إسرائيل وبعض الدول العربية الصديقة لأميركا للمحافظة على المصالح الأميركية فيها.‏

ونادى اليهودي هنري كيسنجر بإمكانية التعاون بين مصر وإسرائيل والسعودية وأميركا من أجل حماية أمن المنطقة.‏

ودعا الجنرال الكسندر هيج، وزير الخارجية الأميركي في زيارته إلى تسعة بلدان في الشرق الأوسط في نيسان 1981 إلى إنشاء حزام أمني في المنطقة يضم عدداً من الدول من باكستان إلى مصر ويستوعب السعودية وإسرائيل. وتحدث الجنرال هيج أمام لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس عن "الحاجة إلى جمع تركيا وإسرائيل وعدد من الدول العربية في حلف مشترك".‏

وتابعت الولايات المتحدة وضع مخططاتها للشرق الأوسط، فوضعت مجموعة الدراسات الاستراتيجية في معهد واشنطن للسياسة في الشرق الأدنى في صيف 1992 تقريراً حول الاستراتيجية الأميركية المقترحة في مفاوضات الشرق الأوسط تحت عنوان "مواصلة البحث عن السلام"، وجاء فيه أن: "نهاية الحرب الباردة أوجدت فرصة واحدة للسير في اتجاه إقامة تسوية سلمية شاملة بين العرب وإسرائيل، والمصالح الأميركية لا تزال مرتبطة بشكل حيوي بتلك المنطقة المضطربة، والاتفاقات العربية الإسرائيلية يمكن أن تساعد على حماية تلك المصالح وتوسيعها.. لدى الولايات المتحدة حليفان مهمان، مصر والسعودية، يمنحانها إضافة إلى إسرائيل وتركيا غلبة في السيطرة على المنطقة.. أوروبا واليابان وبلدان أخرى في المنطقة يمكن أن تقدم دوافع سياسية ومالية للتقدم"(174).‏

ونشرت مجلة "فورن افيرز" الأميركية في خريف 1992 مخططاً للشرق الأوسط وضعه البروفسور برنارد لويس تحت عنوان:"إعادة النظر في الشرق الأوسط"، انطلق فيه من التخلي الرسمي عن حلم القومية العربية الذي طال تقديسه والمتعلق بدولة عربية موحدة أو حتى بكتلة سياسية متماسكة(175) ويقول برنارد لويس، الخبير الأميركي في شؤون الشرق الأوسط إن العالم العربي يسير بحالة تشبه أميركا اللاتينية. ويرسم شرق أوسط جديداً تصل حدوده الجغرافية إلى الجمهوريات الإسلامية المستقلة حديثاً، ويقول باحتمال إلغاء دور العرب في التاريخ الجديد للمنطقة لمصلحة قوى إقليمية أخرى وفي طليعتها إسرائيل وتركيا.‏

وتشجع الولايات المتحدة إقامة سوق شرق أوسطية للمحافظة على استقرار مصالحها. وتعتبر الشرق الأوسط شريكاً تجارياً هاماً لها حيث بلغ حجم التبادل التجاري بينها وبين الدول العربية عام 1992 حوالي 32 مليار دولار.‏

ووضعت جامعة هارفارد تقريراً حول "اقتصاد السلام في نهاية الثمانينات" وتقريراً آخر في حزيران 1993 حول العلاقات الاقتصادية الإسرائيلية- الفلسطينية- الأردنية وتتطابق المقترحات الموجودة فيه مع المخططات التي وضعتها إسرائيل لمستقبل علاقاتها مع الدول العربية. وتلتزم واشنطن بالحفاظ على تفوق إسرائيل العسكري والدفاع عن ممارساتها الإرهابية، ومن الواضح أن المشروع انتقل، عبر المؤسسات الأكاديمية والبحثية الإسرائيلية، إلىالمؤسسات الأميركية المماثلة، ومنها أعيد تصديره إلى المنطقة باعتباره مشروعاً أكاديمياً أميركياً.‏

وتشدد الولايات المتحدة على أن التسوية السياسية وتوسيع العلاقات الاقتصادية في المنطقة يخدمان الاقتصاد الأميركي.‏

وطرحت الولايات المتحدة الأميركية في المباحثات متعددة الأطراف في نيسان 1994 مشروعاً أميركياً دعا الدول العربية وإسرائيل إلى السعي من أجل تحقيق علاقات كاملة ودائمة من السلام والمصالحة والصراحة والثقة المتبادلة والأمن والاستقرار والتعاون والتقدم الاقتصادي والاجتماعي في كل أنحاء المنطقة(176).‏

واعتبر المشروع الأميركي أن هدف المباحثات المتعددة الأطراف هو تعزيز التعاون الإقليمي والتنمية الاقتصادية بمشاركة إسرائيل والعرب من خلال مشاريع ملموسة تشارك فيها الأطراف في المنطقة.‏

إن الموجه الأساسي للسياسة الأميركية هو ضمان استقرار مصالحها وتشمل تدفق النفط بالأسعار والكميات التي تريدها الولايات المتحدة. وتشمل مصالح سياسية وأمنية واستراتيجية تدور حول الحفاظ على الأنظمة الموالية لها والحريصة على مصالحها وإضعاف وتغيير الأنظمة المعادية لها. ودعم أميركي مطلق لإسرائيل والمحافظة على تفوقها العسكري وتأييد ممارساتها الإرهابية والعنصرية.‏

وتعمل الولايات المتحدة على إقامة أمن إقليمي تقوده إسرائيل وتركيا لتقوية مكانتها الاقتصادية في المنطقة والمحافظة عليها أمام العملاقين الاقتصاديين أوروبا واليابان وتحسين أوضاع إسرائيل المالية والاقتصادية للتوقف عن تحمل أعباء إسرائيل المالية بسبب أوضاع الاقتصاد الأميركي المتردية.‏

إن الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط تتماشى جنباً إلى جنب مع الاستراتيجية الإسرائيلية، حيث تعتبران المنطقة مجالاً حيوياً للمصالح الأميركية والإسرائيلية، وتعملان على تصفية قضية فلسطين والحقوق الوطنية والقومية والدينية للعرب والمسلمين فيها وإخضاع المنطقة للهيمنتين الأميركية والإسرائيلية.‏

وقاد اعتماد الاستراتيجيتين على القوة العسكرية الإسرائيلية إلى توقيع اتفاق التحالف الاستراتيجي بينهما، وإلى حروب إسرائيل العدوانية والتوسعية واستغلال نتائجها ونتائج حرب الخليج الثانية للتحرك نحو التسوية بالشروط الإسرائيلية. وتبنت الولايات المتحدة المخططات والمشاريع الإسرائيلية حول مستقبل المنطقة العربية، ودمجها في استراتيجيتها لخدمة مصالحها في المنطقة وتأمين السيطرة الأميركية على منابع النفط وممراته وأسعاره وأمواله وأسواقه.‏




التوقيع

إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بدّ أن يستجيب القــــدر
و لا بــــدّ لليــل أن ينجلــي
و لا بـــدّ للقيــد أن ينكسـر
رد مع اقتباس
قديم 04-20-2010, 05:50 PM   رقم المشاركة : 22
الهادي الزغيدي
عضو





الهادي الزغيدي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: - القمم والمؤتمرات الاقتصادية والأمنية من التطبيع إلى الهيمنة -

الفصل الثالث: الكيان الصهيوني والتطبيع‏

يعتبر ابا إيبان، وزير الخارجية الإسرائيلي السابق أول من أطلق كلمة "التطبيع" وتعني بمفهومه إقامة علاقات طبيعية بعيدة عن أجواء الحرب والقتال وفي جو من التعاون والسلام.‏

وكانت قيادة فتح (اللجنة المركزية )، ممثلة بزعيمها ياسر عرفات وسلطة الحكم الذاتي الفلسطيني المحدود من أكثر الجهات العربية حماساً واستعداداً للتطبيع، على الرغم من أن إسرائيل قامت على أنقاض فلسطين العربية وعلى أنقاض الحقوق الوطنية والقومية والدينية للفلسطينيين والعرب والمسلمين فيها، وبالرغم من أن التطبيع سيقود في حال نجاحه إلى شطب اسم فلسطين وطمسه من الصور والخرائط والكتب المدرسية ومحطات الإذاعة والتلفزيون والصحف والمجلات العربية.‏

وتسخر إسرائيل التطبيع بمساعدة الولايات المتحدة إلى إعادة تشكيل العقل العربي لحمله على:‏

أولاً: القبول بالوجود اليهودي على حساب الحق والوجود العربي.‏

ثانياً: تبني الخرافات والأساطير والمطامع والأكاذيب اليهودية.‏

ثالثاً: القبول بالشروط والاملاءات الإسرائيلية لإقامة إسرائيل العظمى اقتصادياً من النيل إلى الفرات.‏

رابعاً: التخلي عن ثوابت النضال العربي والتشكيك بجدوى التمسك بالهوية العربية.‏

خامساً: التخلي عن مقاومة التوسع والاستيطان ووصف المقاومة المشروعة بالإرهاب ونبذها.‏

سادساً: الاعتراف بخطأ العداء لإسرائيل المعتدية والمغتصبة والغريبة عن المنطقة وتاريخها وتراثها وحضارتها.‏

لذلك أرى أنه من المؤلم حقاً أن تهرول بعض الدول العربية وسلطة الحكم الذاتي الفلسطيني إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل، العدو التاريخي للعروبة والإسلام، والذي يعلن باستمرار أطماعه في المقدسات والحقوق والأراضي والثروات العربية.‏

خططت إسرائيل استثمار انتصاراتها العسكرية لفرض مخططاتها الاقتصادية والثقافية والسياسية والأمنية على المنطقة العربية والانتقال إلى فرض الهيمنة من خلال التعاون الاقتصادي والتطبيع. فالتطبيع يحقق لها التفوق والهيمنة ويضع حداً لأزماتها الاقتصادية وينقذها من المساعدات الخارجية ويزيد الناتج القومي لها أكثر من 22% خلال عشر سنوات من التطبيع. وستُحل مشكلة نقص المياه المتزايدة لديها من جراء استمرار الهجرة اليهودية والتوسع الصناعي في إطار التطبيع وعلى حساب الأطراف العربية.‏

وتسخر إسرائيل الولايات المتحدة الأميركية لإجبار الدول العربية على الموافقة على مخططات التطبيع التي تضعها. وتعمل الولايات المتحدة على أن تنفرد إسرائيل بمزايا التطبيع وأخذ المصالح الاقتصادية الإسرائيلية بعين الاعتبار وتنفيذ التصور الإسرائيلي للتطبيع بواسطة المؤسسات الأميركية.‏

وتتوقع إسرائيل أن تصبح من خلال التطبيع قاعدة للشركات المتعددة الجنسيات وجسراً للتجارة بين البلدان العربية والبلدان الصناعية، ويصل حجم هذه التجارة إلى (200) مليار دولار سنوياً.‏

بدأت إسرائيل بعد زيارة السادات للقدس تكشف عن مخططاتها للهيمنة على الاقتصادات العربية. ووصلت أطماعها حداً أعلنت فيه في المفاوضات استعدادها للتنازل عن ثروات مصر الطبيعية في سيناء مقابل تطبيع العلاقات بينها وبين مصر وكأن لها الحق في أرض مصر وثرواتها.‏

ونجحت إسرائيل بإخراج مصر من دائرة الصراع العسكري معها بتوقيع اتفاقيتي كمب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية. وربطت الولايات المتحدة الاقتصاد المصري بالاقتصاد الرأسمالي ومؤسساته ورفعت الدولة يدها عن الاقتصاد واعتمدت اقتصاد السوق مما هيأ الأجواء لعملية التطبيع.‏

ويعتبر التطبيع جزءاً من الاستراتيجية الإسرائيلية لخدمة مصالح إسرائيل ويهود العالم الاقتصادية وتأتي السيطرة على النفط والغاز والموارد المائية والزراعية والأسواق العربية في مقدمة مشاريع التعاون وذلك لحاجتها إلى المواد الخام لتشغيل صناعاتها الحديثة.‏

وترمي من جراء التطبيع مع كل بلد عربي على حدة إلى الحصول على أكبر الأرباح والامتيازات ويمكن أن تصبح هي المركز والقائد للاقتصاد في المنطقة مع أنها لا تملك شيئاً من هذه الموارد. وتستخدم التطبيع للاستفادة من العمالة العربية الرخيصة لزيادة أرباح اليهود واستغلالها في التجسس على البلدان العربية ولترويج المنتجات الإسرائيلية وتحويل العرب إلى خدم وأجراء لليهود، مما يلحق الأضرار بالأمن القومي العربي.‏

بدأت المخططات الإسرائيلية بالظهور حول الشرق أوسطية بشكل علني بعد إخراج مصر من دائرة الصراع العربي-الإسرائيلي، وربطها بالولايات المتحدة. وأخذت تستجيب بالتدريج إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل حيث قال إبا إيبان عام 1987: "إن تعميق اتفاق السلام الإسرائيلي - المصري ليشمل دول المنطقة بأسرها، والذي يتضمن بنوداً صريحة بشأن التطبيع ونشوء علاقات التعاون، سيكون عاملاً مهماً في تعظيم دور إسرائيل الإقليمي وسيكون هذا الدور على غرار الدور الذي تقوم به الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية على الصعيدين السياسي والاقتصادي".(165).‏

وأخذت أوساط إسرائيلية من السياسيين والمثقفين تقول إن السلام يجعل إسرائيل تحتل مكانة سياسية واقتصادية واستراتيجية هامة في العالم لتفوقها التكنولوجي وتخلف البلدان العربية وتوفر المواد الخام فيها التي تجتاحها إسرائيل ويحتاجها العالم. وأخذ بعضهم يقول إن عملية السلام تصنع صناعة أي مثلها مثل السلعة يمكن تفصيلها وضعها حسب المقاس الإسرائيلي وبالشروط والاملاءات الإسرائيلية.‏

وأدى التحالف الرسمي بين مصر وإسرائيل، والتحالف الاستراتيجي بين إسرائيل والولايات المتحدة إلى تعاون المؤسسات الأميركية والإسرائيلية في تحديد أهداف وبرامج الأبحاث المصرية في اتجاهات معينة تفيد إسرائيل وتطبيع العلاقات معها ولا تفيد الزراعة المصرية.‏

ووجدت إسرائيل من خلال التجارة المتبادلة مع مصر والأردن أسواقاً لها في بعض بلدان الخليج والسودان.‏

وأخذت بعض الدول العربية تهرول إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل فقام الجنرال رابين بزيارة سلطنة عُمان في 27 كانون الأول 1994 والتقى يوسف بن علوي، وزير الخارجية العماني مع بيرس في العقبة بتاريخ 25 شباط 1995 ومع يوسي بيلين في القاهرة في 21 آذار 1995، ومع بيرس في واشنطن في 31 أيار 1995.‏

وفتحت عُمان مكتباً للتمثيل التجاري لها في تل أبيب وآخر لإسرائيل في عُمان في الاول من تشرين الأول 1995.‏

وكانت مسقط قد استضافت مجموعتي العمل الخاصتين بالمياه والبيئة في 23 حزيران 1995.‏

وفتحت المملكة المغربية في 27 آذار 1995 مكتباً لها في تل أبيب وأرسلت بعثة مؤلفة من ثلاثة أشخاص.‏

واعتبر الملك الحسن الثاني: "أن فتح مكتبي الاتصال بين المغرب وإسرائيل يعد بمثابة اعتراف بإسرائيل من الناحية الدبلوماسية".‏

وأبدت قطر حماساً كبيراً لتطبيع العلاقات مع إسرائيل. وأعلن الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني وزير الخارجية في 4 تشرين الأول 1995، أن قطر تؤيد إلغاء المقاطعة الاقتصادية المباشرة لإسرائيل حتى لو لم يتحقق السلام الشامل. وفتحت لها مكتباً في تل أبيب.‏

ولحقت تونس بهذه الدول وفتحت مكتباً تجارياً لها في تل أبيب وآخر إسرائيلي في العاصمة التونسيةووقعت موريتانيا على هامش مؤتمر برشلونة المتوسطي في 26 تشرين الثاني 1995 اتفاقاً يقضي بفتح قسمين لرعاية مصالح كل منهما في تل أبيب ونواكشوط.‏

وسارع الأردن بعد توقيع وادي عربة إلى تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني وفتح سفارته في تل أبيب في 11 كانون الأول 1994، وفتحت إسرائيل سفارتها في عمان في التاريخ نفسه.‏

وأخذت الزيارات والاجتماعات وعقد الاتفاقات تتوالى في عام 1995، وتبين أن الأردن يهرول في تطبيع العلاقات أكثر من أي بلد عربي آخر ويعطي الدفء في العلاقات لإرضاء إسرائيل ويهود العالم والولايات المتحدة الأميركية على حساب الحقوق العربية والإسلامية في فلسطين وبيت المقدس.‏

وأظهرت استجابة السلطات الأردنية لكل ماطلبته إسرائيل في المجالات العسكرية والأمنية والمائية والاقتصادية والسياحية مدى هرولة الأردن إلى التطبيع والاستعداد لتغيير موقعه من الموقع العربي إلى الموقع الإسرائيلي، ويؤكد استجابة الأردن للمطلب الإسرائيلي بجعل السلام بينهما دافئاً.‏

وظهر ذلك بوضوح في التأبين العاطفي الذي ظهر في جنازة رابين وفي التعزية التي قدمها الملك حسين لأسر الفتيات الإسرائيليات، وفي الطلعات المشتركة لسلاح الجو الإسرائيلي في سماء عمان والأردني في سماء تل أبيب، وموافقة الأردن على تدريب طياريه وتحديث طائراته الحربية في إسرائيل.‏

وأخذ بيرس ورابين يوهمان الأردن (كعادة اليهود في تاريخهم القديم والحديث)، بأعطائه الدور الإقليمي الهام في الشرق العربي وخاصة في العراق لقاء تمويل مشاريع الشرق الأوسط الجديد مما أثار القلق في مصر وسورية والسعودية.‏

ثارت ثائرة اليهود العالمية والدولة اليهودية لعقد القمة الثلاثية بين الرئيس الأسد والرئيس مبارك والملك فهد في أواخر عام 1994، في مدينة الاسكندرية. ودعمت الولايات المتحدة هذا الموقف اليهودي مما أدى إلى عقد قمة رباعية بين الرئيس مبارك والملك حسين وياسر عرفات والجنرال اسحق رابين في الثاني من كانون الثاني 1995 لتهدئة اليهود وأميركا كرد على قمة الاسكندرية العربية.‏

وعقد الملك حسين في الرباط بتاريخ 28 أيار 1995 قمة أخرى بينه وبين ياسر عرفات وشمعون بيرس للاسراع في عملية التطبيع..‏

وتابعت إسرائيل عقد القمم التي تقررها فتم عقد قمة خماسية في واشنطن بتاريخ 28 أيلول 1995 ضمت الرئيس الأميركي المتصهين، بيل كلينتون والرئيس مبارك والملك حسين وياسر عرفات والجنرال رابين.‏

وأصدرت بياناً أكد على الإصرار في مواجهة أعداء السلام أي سحق المعارضة لاتفاق الإذعان في أوسلو.‏



المفاوضات المتعددة الأطراف والتطبيع‏

استجابت جميع الدول العربية ومنظمة التحرير الفلسيطينة للاشتراك في المفاوضات المتعددة الاطراف باستثناء سورية ولبنان حيث قاطعتا اجتماعات جميع لجانها. وعلل وزير الخارجية السوري، فاروق الشرع مقاطعة سورية لها قائلاً:‏

"إن الموقف الذي اتخذته سورية بعدم المشاركة في المفاوضات المتعددة الأطراف، إنما انطلق من هذه المعطيات الواقعية ومن القناعة المبدئية أيضاً بأن بحث مسائل التعاون الاقليمي بين الدول العربية وإسرائيل قبل تحقيق الانسحاب الإسرائيلي لا يمكن اعتباره إلاّ محاولة لاسترضاء المعتدي ومكافأة له على عدوانه واحتلاله. إن هذا الموقف السوري هو في حقيقته ترجمة لحرص سورية على حماية حقوق العرب ومصالحهم".(166).‏

وتوالت اجتماعات اللجان المنبثقة عن المفاوضات المتعددة الإطراف في إسبانيا وكندا والنمسا واليابان وتونس والمغرب وقطر وعمان والبحرين تلبية لرغبات إسرائيل ولتحقيق ماعجزت العسكرية الإسرائيلية عن تحقيقه وهو إجبار العرب على فتح حدودهم مع إسرائيل، والسماح لها بالتغلغل في ميادين الحياة كافة، في بلدان المشرق والمغرب العربي، مما أدى إلى تطور العلاقات بين هذه البلدان وإسرائيل بشكل يلحق أفدح الأضرار بموقف سورية ولبنان من استعادة أراضيهما المحتلة واستعادة القدس العربية والحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني.‏

وحدد الرئيس بوش التصور الأميركي في كلمته الافتتاحية في مؤتمر مدريد لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي وتمكين إسرائيل من قيادة المنطقة في المجالات التجارية والاقتصادية والأمنية وقال عن السلام إنه "ليس إنهاء حالة الحرب في الشرق الأوسط فحسب وإبدالها بحالة عدم اعتداء، إن هذا ليس كافياً ولن يدوم لكننا نسعى للسلام الحقيقي، المعاهدات، الأمن، العلاقات الدبلوماسية، العلاقات الاقتصادية، التجارة، الاستثمار، التبادل الثقافي، وحتى السياحة" (167).‏

وانطلاقاً من كلمة الرئيس بوش الافتتاحية في مؤتمر مدريد ظهر بجلاء أن الولايات المتحدة قد تبنت الأفكار والمخططات الإسرائيلية حول مستقبل المنطقة العربية وقررت العمل على إجبار العرب على تحقيقها.‏

وأكد ممثل الاتحاد الأوروبي في مؤتمر مدريد هانس فان دن بروك، وزير الخارجية الهولندي دعم الاتحاد الأوروبي للمفاوضات المتعددة الأطراف. وقال:‏

"إن المفاوضات السياسية يجب أن تعزز بمفاوضات متعددة الجوانب في شأن التعاون الإقليمي في مجالات الاهتمام المشترك.. ومن البديهي أن التعاون الإقليمي لا يمكن أن يسير أسرع من التحرك نحو التسوية السياسية إلا أن القضيتين السياسية والإقليمية يجب أن تتزامنا وأن تعزز كل منهما الأخرى"(168).‏

تولى الاتحاد الأوروبي رئاسة مجموعة عمل التعاون الاقتصادي في المفاوضات المتعددة الأطراف وطالب في أول اجتماع للمجموعة في موسكو في كانون ثاني 1992 بإقامة علاقات اقتصادية وطبيعية بين دول المنطقة. وطالب الاتحاد في اجتماع لجنة التنمية الاقتصادية في بروكسل في أيار 1992، بالإنهاء الرسمي للمقاطعة العربية لإسرائيل، وتقدم بخطة حول التعاون الاقتصادي الإقليمي أكد فيها أن التعاون الإقليمي موازٍ للتسوية السياسية، وإن النواة الرئيسية للتعاون هي إسرائيل والأردن وفلسطين مع انضمام سورية ولبنان ومصر، وإن التعاون يجب أن يقود في المدى الطويل إلى التكامل الاقتصادي، وإن التعاون خطوة نحو الاندماج الاقتصادي في المنطقة ثم انخراط اقتصادات المنطقة في الاقتصاد العالمي، وأكدت الخطة على أولوية التعاون في مجالات السياحة والنقل والزراعة والمواصلات.‏

وتطرق اسحاق شامير، رئيس حكومة العدو الإسرائيلي في كلمته أمام مؤتمر مدريد إلى المفاوضات المتعددة الأطراف وقال:‏

"إن المفاوضات المتعددة الأطراف، التي ستواكب المفاوضات الثنائية، هي عنصر حيوي في العملية، ففي هذه المحادثات ستناقش العناصر الأساسية للتعايش والتعاون الإقليمي، ولا يمكن قيام سلام في منطقتنا من غير أن تعالج هذه الموضوعات الإقليمية وتحل"(169).‏

وعندما انعقد المؤتمر الأول للمفاوضات المتعددة الأطراف في موسكو بتاريخ 28/1/1992 أعرب شامير عن ارتياحه لانعقاده وقال:‏

"تحصد إسرائيل الآن الثمار الدبلوماسية والاقتصادية لمحادثات السلام الخاصة بالشرق الأوسط التي ساعدتها في الخروج من عزلتها الدولية".(170).‏

وعبر وزير الخارجية الإسرائيلي عن ارتياحه لانعقاد المؤتمر الأول للمفاوضات المتعددة الأطراف وأشار إلى أن مشاركة وفود من بلدان الخليج تبعث على الارتياح. ووصف المؤتمر بأنه انتصار لإسرائيل وقال: "لقد اكتملت كل توقعاتنا وصمدنا في المهمة التي أخذناها على عاتقنا".(171).‏

يقول يوسي بيلين، نائب وزير الخارجية الإسرائيلي السابق في كراس قدمه إلى الدول المشاركة في المفاوضات المتعددة الأطراف عن تصور إسرائيل لمستقبل المنطقة:‏

"إننا نتصور انبثاق شبكة من الصلات الإقليمية. وتبدأ هذه الصلات بالبنية التحتية: الطرق العريضة، الممرات الجوية والبحرية، أنابيب المياه ومحطات الكهرباء التي تمتد في شبكة توحدنا من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب.. سيكون في إمكان سكان المنطقة التنقل والتجارة والقيام بمشاريع مشتركة. كما سيجري الاستخدام المشترك لطاقات المنطقة...... ستقود التنمية المشتركة إلى نمو ثوري في سياحة الشرق الأوسط، وإلى نمو في التجارة المتبادلة بين دول المنطقة، وإلى توسع في التجارة مع بقية العالم"(172).‏

أظهرت حرب الخليج أن الولايات المتحدة هي المستفيد الأول من دول النفط وهي التي تمسك بزمام الأمور في هذه الدول، مما يجلب لها الكثير من الفوائد الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية. كما أنها بعثت برسالة إلى أوروبا واليابان من جراء الانتصار الذي حققته في حرب الخليج تتضمن إحكام سيطرتها على منابع النفط وأسواقه وأمواله وأن العلاقات بينها وبين الدول النفطية يجب أن تكون عبر أميركا وبواسطتها.‏

ونجحت في تجويف الأمم المتحدة وحرفها عن القيام بمهماتها والدور المناط بها وسخرتها لخدمة المصالح الأميركية.‏

لقد احتوت عملية التسوية السياسية وفق صيغة مدريد على نوعين من المفاوضات. الأول: المفاوضات الثنائية المباشرة لتسوية جوهر الصراع وهو الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية الذي نتج عن حرب حزيران العدوانية.‏

والثاني: المفاوضات المتعددة الأطراف لإزالة أسباب الصراع وتسوية القضايا المختلف عليها وإقامة روابط التعاون بين الأطراف العربية وإسرائيل. وانعقدت الجولة في موسكو بتاريخ 28 و 29 كانون الثاني 1992 وانبثق عنها خمس لجان:‏

1- لجنة الحد من التسلح والأمن الاقليمي.‏

2- لجنة التنمية الاقتصادية.‏

3- لجنة الموارد المائية.‏

4- اللاجئون.‏

5- البيئة.‏

تمسكّت إسرائيل وبدعم كامل من الولايات المتحدة بالفصل بين المسارين. وأظهرت الولايات المتحدة الأميركية انحيازها لإسرائيل تحت ذريعة كاذبة وهي أن التقدم في المفاوضات المتعددة الأطراف يمثِّل إغراءً لإسرائيل للسير في المفاوضات الثنائية، وذلك لإلغاء المقاطعة العربية وفرض التطبيع على العرب وحل أزمات إسرائيل الاقتصادية، بدون تحقيق الانسحاب الشامل وتفكيك المستعمرات اليهودية. وأصرّت سورية ولبنان على الربط بين المسارين وأكدتا على أنه على إسرائيل الالتزام بالانسحاب أولاً من جميع الأراضي العربية المحتلة حتى خطوط الرابع من حزيران ومن ثم يجري البحث في إزالة مظاهر الصراع وتدشين علاقات التطبيع، ورفضتا المشاركة في المفاوضات المتعددة الأطراف إلى أن يتحقق الانسحاب الشامل.‏

قام الموقف المصري على دخول المفاوضات المتعددة الأطراف للوصول إلى اتفاقيات حول التعاون في المجالات الخمسة. ولكن التنفيذ يبدأ بعد الاتفاق على المرحلة النهائية في المفاوضات الثنائية فالموقف المصري انطوى على انفصال شكلي بين المسارين، وذلك بسبب توقيع مصر لاتفاقيتي كمب ديفيد ومعاهدة الصلح والاتفاقات العديدة التي انبثقت عنها وبسبب التدخل الأميركي الفج والمنحاز لإسرائيل.‏

ونظراً لأطماع إسرائيل ورغبتها في فرض هيمنتها على البلدان العربية، ونظراً لانحياز الراعي الأميركي للأطماع الإسرائيلية وصلت المفاوضات الثنائية والمتعددة الأطراف في أيار 1997 إلى طريق مسدود لأن إسرائيل تريد أن تفرض شروطها على جميع الأطراف العربية.‏

قامت دول الطوق العربية في الفترة التي أعقبت انعقاد مدريد في تشرين الأول 1991 وحتى توقيع اتفاق أوسلو في 13/9/1993 بتنسيق المواقف والتشاور والتعاون خلال المفاوضات.‏

وجاء توقيع اتفاق أوسلو ليشكل ضربة قوية للتنسيق العربي وليكرس مرحلة سيئة جديدة من المفاوضات في ظل غياب التنسيق العربي ونجاح إسرائيل في التلاعب بمسارات المفاوضات للحصول على المزيد من التنازلات عن الأرض والحقوق والحياة العربية وتعميق الخلافات العربية والضغط على المفاوضين السوري واللبناني وفتح المجال أمام الهرولة إلى تطبيع العلاقات.‏

وجاءت معاهدة وادي عربة في 14 تشرين الأول 1994 بعد أوسلو لتمثل ضربة جديدة للتنسيق العربي وخروج الأردن رسمياً من التحرك العربي تجاه إسرائيل وتغيير موقعه من الموقع العربي إلى الموقع الإسرائيلي. وأخذ الأردن يهرول في تطبيع العلاقات مع إسرائيل بالرغم من إن إسرائيل لم تلتزم حتى بالقول بالانسحاب من القدس العربية والجولان وجنوب لبنان.‏

وأخذ الأردن يمارس دوراً في خدمة المخطط الإسرائيلي - الأميركي في المنطقة العربية. ويمارس الضغوط على سورية ولبنان من خلال الاتفاق على قضايا تمس المصالح الجوهرية لسورية والأمن القومي العربي.‏

والحق اتفاق الإذعان في أوسلو ووادي عربة أضراراً فادحة في الحقوق الوطنية والقومية والدينية للعرب والمسلمين في فلسطين والقدس العربية، ودفعا بعض دول الخليج إلى الهرولة لتطبيع العلاقات مع العدو الإسرائيلي، ومكنا إسرائيل من صياغة سابقة للتسوية ينبغي على سورية ولبنان اتباعها إن كانتا تريدان السلام حقاً.‏

وحققت إسرائيل في معاهدتي أوسلو ووادي عربة العديد من السوابق الخطيرة على الأرض والحقوق والسيادة للبلدان العربية، كسابقة تعمل جاهدة بمساعدة الراعي الأميركي المنحاز وغباء وتخاذل بعض الحكام العرب على فرضها على المسارين السوري واللبناني وتطالبهما بـ:‏

* دخول مفاوضات سرية للموافقة على الأسس والمخططات التي تضعها إسرائيل.‏

* عدم المراهنة على أي دور أوروبي أو أميركي لأن إسرائيل تنطلق من مخططاتها للهيمنة على العرب.‏

* استبعاد صيغة مدريد وبالتالي قرارات الشرعية الدولية التي تمثل الحد الأدنى الذي يمكن أن تقبل به الحكومات العربية والموافقة على الأسلوب والشكل والمضمون الذي تريده إسرائيل.‏

* تطبيق المبدأ الجديد الذي كرسته معاهدة وادي عربة بالتنازل عن أجزاء من الأراضي الأردنية لإسرائيل، بذريعة التأجير المجاني لمدة (25) سنة.‏

نجح السادات في حمل إسرائيل على الانسحاب من جميع الأراضي المصرية وتفكيك جميع المستعمرات اليهودية مقابل الخروج من الصف العربي والاعتراف بإسرائيل وتطبيع العلاقات معها.‏

أما التسوية على المسارين الفلسطيني والأردني فأنها قدمت لإسرائيل سوابق خطيرة وهي الموافقة على عدم الانسحاب الكامل والتنازل عن أجزاء من الأراضي وعدم تفكيك المستوطنات والتحول إلى حراس لحماية إسرائيل وأمن المستوطنين اليهود، وقمع النضال والجهاد العادل ضد الاحتلال.‏

رفضت سورية ولبنان بمبدئية وعلمية وكرامة وعزة وطنية وقومية وإنسانية سوابق المسارين الفلسطيني والأردني.‏

تراجعت الحكومة الإسرائيلية عن اتفاق أوسلو ونجحت في ابتزاز القيادة الفلسطينية بتهويد مدينة الخليل. كما تراجعت عن الاتفاق الذي وضعته حول حصة الأردن من المياه. وتقوم بالتلاعب بين الطرف الفلسطيني والأردني حول قضية القدس لتخليد توحيد المدينة وتهويدها.‏

لقد مهدّ اتفاق الإذعان في أوسلو الطريق للأردن لتوقيع معاهدة وادي عربة وأخذ يهرول في تطبيع العلاقات على المستويين الرسمي والشعبي.‏

وأصبحت الأردن بمثابة بوابة عبور إسرائيل إلى دول الخليج والعراق، وذلك في الوقت الذي لم يتم فيه تحقيق أي تقدم ملموس في موضوع القدس، واللاجئين والمستوطنات والانسحاب الشامل والمياه ونزع سلاح إسرائيل النووي.‏

وبالرغم من ذلك كله ركزت إسرائيل والولايات المتحدة على "التنمية الاقتصادية".‏

أولت إسرائيل وأميركا لجنة التنمية الاقتصادية اهتماماً كبيراً لأسباب عديدة وفي مقدمتها حل أزمات إسرائيل الاقتصادية لكي تتخلص الإدارة الأميركية من تقديم المساعدات الاقتصادية الكبيرة لإسرائيل بحجة مضللة وهي أن تنامي المصالح الاقتصادية يجعل فكرة الحرب واستمرار الصراع مكلفة الثمن، وذلك لحمل العرب على تناسي حقوقهم التاريخية في فلسطين وتناسي حروب ومجازر اليهود الوحشية والهمجية.‏

إن استمرار اغتصاب اليهود لأرض فلسطين العربية واستمرار سياسة التهجير والاستيطان اليهودي واحتلال الأراضي العربية وسرقة الثروات والمياه العربية تجعل من العامل الاقتصادي غير أساسي في معالجة أسباب الصراع. كما أن تناسي الولايات المتحدة نشأة وطبيعة الصراع العربي اليهودي وأساليب إسرائيل الإرهابية في التعامل مع المحيط العربي وأطماعها لا يمكن أن ينهي الصراع ويعيد الأرض والحقوق لأصحابها العرب.فالعامل الاقتصادي ليس بأداة سليمة للقبول بإسرائيل في المنطقة وإنما الحل العادل والشامل وتجريدها من السلاح النووي والتقليدي ومعاقبتها على سياستها العدوانية والتوسعية والإرهابية يقود إلى السلام العادل.‏

إن إسرائيل والولايات المتحدة تريدان من العامل الاقتصادي حلول العرب محل ألمانيا وأميركا في دعم الاقتصاد الإسرائيلي ورفع مستوى حياة اليهود فيها، ولذلك فأن معزوفة التنمية المشتركة، تهدف إلى تحقيق التطبيع الرسمي والشعبي كمقدمة للهيمنة على الاقتصادات العربية.‏

إن العامل الاقتصادي (أي التعاون الاقتصادي بين العرب وإسرائيل) يبقى غير ذي أهمية بالنسبة لقضايا رئيسية في الصراع كالسيادة واسترجاع كامل الأراضي المصادرة وهدم كافة المستوطنات اليهودية وعودة القدس أولى القبلتين وثالث الحرمين إلى السيادة العربية ومن هنا فإن الصراع صراع ديني وقومي ومصيري وصراع حياة أو موت. ركزت إسرائيل ومعها الولايات المتحدة على العامل الاقتصادي لتحقيق العديد من الانتصارات منها إلغاء المقاطعة العربية ونسف التنسيق العربي وتطبيع العلاقات مع دول المغرب العربي والخليج لعزل الدول العربية الرافضة للاملاءات الإسرائيلية والأميركية ثم محاصرتها لإجبارها على القبول بالمخططات والمشاريع والشروط الإسرائيلية.‏

وتعزز الولايات المتحدة الأميركية في الوقت نفسه حصارها الظالم على ليبيا والسودان والعراق وإيران وكوبا لخدمة مصالح اليهودية العالمية والامبريالية الأميركية.‏

مخططات الهيمنة الإسرائيلية‏

خططت الحركة الصهيونية منذ نشأتها إلى السيطرة على المنطقة العربية الممتدة من النيل إلى الفرات، ولا يزال هذا الهدف هو الجوهر الأساسي للصهيونية كأيديولوجية وحركة وكيان ووضعت مرحلتين لتحقيق هذا الهدف:‏

المرحلة الأولى: تهجير اليهود إلى فلسطين العربية وترحيل العرب منها، وتحقيق التوسع والاستيطان بالعنف والإرهاب والمجازر الجماعية والحروب العدوانية.‏

المرحلة الثانية: الانطلاق من الأمر الواقع الناتج عن استخدام القوة بتسخير الدبلوماسية والمفاوضات المباشرة لتحقيق السيطرة الاقتصادية على البلدان العربية، أي الانتقال من مرحلة الغزو والتوسع الإقليمي إلى مرحلة الغزو الاقتصادي والثقافي باستغلال الاحتلال لفرض السلام الإسرائيلي.‏

خططت إسرائيل والولايات المتحدة لحرب حزيران العدوانية عام 1967، ولأهدافها العسكرية والسياسية، وحالت واشنطن دون إجبار الأمم المتحدة اسرائيل على الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة تطبيقاً لأهداف ومبادئ وقرارات الشرعية الدولية.‏

وأنشأ المليونير اليهودي روتشيلد بعد الحرب مباشرة معهداً بالقرب من جنيف أطلق عليه اسم "معهد من أجل السلام في الشرق الأوسط" جعل مهمته الأساسية دراسة احتمالات التعاون الاقتصادي في الشرق الأوسط بعد تسوية الصراع العربي الصهيوني والبحث عن وسائل إقامة علاقات تجارية بين إسرائيل والبلدان العربية. ونظمت إسرائيل عقد ثلاثة مؤتمرات لأصحاب الملايين اليهود لوضع المخططات لاستغلال ثروات الأراضي العربية المحتلة وأحكام سيطرتها الاقتصادية عليها وعلى بقية البلدان العربية.‏

وتأسست في إسرائيل عام 1968 جمعية اسمها "من أجل السلام في الشرق الأوسط" مهمتها وضع مخطط لفرض هيمنة إسرائيل الاقتصادية على الوطن العربي.‏

ويتضمن المخطط الذي وضعته تخصيص 10% من عائدات النفط للمشاريع الإقليمية المشتركة، وتحديد الصناعات التي ينتجها كل بلد عربي، كما خططت لإنشاء سوق شرق أوسطية مشتركة على غرار السوق الأوروبية المشتركة.‏

وطرح حزب العمل الإسرائيلي إقامة اتحاد إسرائيلي -فلسطيني- أردني على غرار اتحاد البنيلوكس. لقد اعتمدت الاستراتيجية الإسرائيلية على القوة العسكرية لفرض أوضاع جديدة في المنطقة واستغلال هذه الأوضاع التي نتجت عن استخدام القوة العسكرية لتحقيق الأهداف السياسية التي من أجلها قامت باستخدام القوة، وبالتالي تستغل النتائج العسكرية لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية عن طريق دمج العاملين العسكري والسياسي لتصفية قضية فلسطين وتحقيق المخططات الصهيونية.‏

وتستغل إسرائيل انتصاراتها العسكرية في الحروب العدوانية التي شنتها، والمجازر الجماعية التي ارتكبتها، والخسائر البشرية والمادية الفادحة التي أنزلتها بالعرب، واستمرار الاحتلال والاستيطان لتفرض على الفلسطينيين والعرب اتفاقات مذلة، اتفاقات إذعان وإملاء تحقق من جرائها كافة أهدافها السياسية والاقتصادية، والمزاعم والأساطير والخرافات والأكاذيب والمطامع اليهودية. فالهدف من حروبها وسلام الإذعان القائم على استغلال نتائج الحروب العدوانية هو زيادة أرباحها وأرباح يهود العالم مقابل تنازلات سياسية ومكاسب اقتصادية هائلة من الأطراف العربية تنهي بها أزماتها الاقتصادية المزمنة.‏

وتتناول المخططات الإسرائيلية كافة المجالات بدءاً من التجارة والمواصلات والطاقة والمياه ومروراً بالزراعة وحتى السياحة، كما تشمل جميع البلدان في المشرق والمغرب والخليج العربي.‏

وضع جاد يعقوبي، وزير المواصلات في حكومة رابين في نهاية 1975 مخططاً سرياً للتعاون الإقليمي في مجال المواصلات بين إسرائيل والأردن ومصر. ويشير المخطط إلى أن التعاون الإقليمي في مجال المواصلات في المنطقة هو أمر ضروري للطرفين. ويتضمن التعاون بين مطاري ايلات والعقبة، وإقامة مطار جديد مشترك بين إسرائيل والأردن، وربط الأردن، بميناء حيفا بواسطة سكة حديد الغور، وتطوير شبكة خطوط حديدية بين إسرائيل والدول العربية المجاورة وتحويل إسرائيل في نطاق التعاون الإقليمي إلى جسر برى بين مصر ولبنان.‏

ويتضمن المشروع أيضاً تطويراً إسرائيلياً أردنياً مشتركاً لإيلات والعقبة في المجال السياحي.‏

ووضع يعقوب ميريدور، وزير الاقتصاد في حكومة بيغن بعد شهر واحد من زيارة السادات للقدس عام 1977 مشروعاً للتعاون الاقتصادي في الشرق الأوسط ولتوطين اللاجئين الفلسطينيين في البلدان العربية.‏

واقترح شمعون بيرس في نيسان 1986 خلال زيارته للولايات المتحدة اعتماد مشروع مارشال للشرق الأوسط لدمج إسرائيل في المنطقة والهيمنة عليها وحل الأزمات الاقتصادية المزمنة فيها. ووعدت الإدارة الأميركية بدراسة اقتراحات شمعون بيرس بعناية مع حلفائها.‏

وجاء في المخطط الذي وضعه صندوق ارمندهامر في جامعة تل أبيب، في كانون الأول عام 1986 حول مشاريع التعاون الاقتصادي الإقليمي مايلي:‏

"عندما تعاود عملية السلام مسيرتها، ينبغي إعطاء القضايا الاقتصادية الأولوية، فالعلاقات الاقتصادية هي التي تصنع مضمون السلام وتضمن استقراره، والمشاريع الاقتصادية المشتركة، تشجع السلام لأنها:‏

أ- تشكل في حد ذاتها، أداة تفاوضية مؤثرة في الضغط نحو السلام.‏

ب- تقود إلى ترسيخ السلام وحمايته".(173).‏

وطرح بيرس تصوراته حول الشرق أوسطية في تشرين الثاني 1992 أمام المعهد القومي لدراسات الشرق الأوسط في القاهرة. وطالب العرب بنسيان الماضي والتركيز على المفاوضات ووضع حد للنزاع لبناء الشرق الأوسط الجديد.‏

وطرح يائير هيرشفيلد (بطل مفاوضات أوسلو السرية) موقف حزب العمل الإسرائيلي في اجتماع لجنة التنمية المنبثقة عن المفاوضات المتعددة الأطراف في بروكسل في أيار 1992، وشملت مقترحاته المشاركة في الموارد الطبيعية والبشرية وتوسيع أسواق المنطقة، وجذب الاستثمارات من الدول الأجنبية ودول النفط العربية ومؤسسات التمويل الدولية وإقامة صندوق إقليمي للتنمية.‏

نشر بيرس تصوراته للنظام الإقليمي الجديد في كتابه الذي صدر عام 1993 وانطلق فيه من أن التطبيع مع العرب قائم، وإن إسرائيل ستقوم بدور المركز والقائد والقوة الأساسية لتحويل النظام الإقليمي الجديد إلى قوة عظمى على غرار الاتحاد الأوروبي وبالتعاون والتنسيق معه. وطرح بديلاً لاقتصاد المنطقة القائم على أساس الأرض والنفط والقومية، ووصفه بأنه عصري يعتمد على العلم والتقنية والتعاون الإقليمي. وجاء في الكتاب أن "هدفنا النهائي هو خلق أسرة إقليمية من الأمم، ذات سوق مشتركة، وهيئات مركزية مختارة على غرار الجماعة الأوروبية."‏

وحدد بيرس معالم السلام القادم على أنه "أولاً وقبل كل شيء هندسة معمارية ضخمة، هندسة تاريخية لبناء شرق أوسط جديد متحرر من صراعات الماضي، ويعترف بأن فكرة السوق الشرق أوسطية حلم إسرائيل. ويرى أن فتح الحدود والتجارة وخفض النفقات الدفاعية وإقامة نظام إقليمي للمياه وإعادة الحياة لسكة حديد الحجاز وإنشاء طرق سريعة وموانئ موسعة جديدة وقناة تربط البحر الأحمر بالبحر الميت كفيلة بتعزيز النظام الإقليمي الجديد.‏

وتحدث بيرس بكراهية منقطعة النظير عن الإسلام وقال إن الأصولية هي الخطر الداهم الذي يهدد سلام المنطقة واستقرار دولها. وبحسب رأيه فإن التهديدات والمخاطر القادمة من الإسلام تفوق الخطر الشيوعي السابق، وبالتالي يطالب بيرس بالقضاء على دور الإسلام بعد أن نجح الغرب في القضاء على دور الشيوعية في العالم. ويتناسى بيرس عن عمد أن الغبن والظلم واغتصاب الأرض والحقوق العربية وممارسة إسرائيل للإرهاب والعنصرية والحروب والمجازر الجماعية كسياسة رسمية هي السبب المباشر في ظهور حركة حماس والجهاد الإسلامي، في الضفة والقطاع، وحزب الله في جنوب لبنان.‏

وتتجلى عنصرية وعنجهية بيرس بأجلى مظاهرها في عدائه للإسلام، وعدم تطرقه على الإطلاق إلى المنظمات والعصابات اليهودية الإرهابية التي تقتل العرب وتستولي على أرضهم وممتلكاتهم وحاولت اغتيال رؤساء بلديات نابلس والبيرة ورام الله واغتالت حتى الجنرال رابين. كما أنه لم يتطرق إلى فرق القتل السرية التي ينظمها الجيش الإسرائيلي وفرق المستعربين وعصابات المستوطنين. باختصار يتناسى بيرس تفشي الفاشية والعنصرية والإرهاب في نفوس اليهود داخل المجتمع الإسرائيلي ويصبّ جام غضبه على الإسلام والمسلمين.‏

وكان بيرس من مهندسي امتلاك إسرائيل السلاح النووي. ويطرح الشرق الأوسط الجديد لتحويل إسرائيل إلى قوة عظمى تهيمن على الاقتصادات العربية.‏

إن الكوارث والمصائب التي ألحقتها إسرائيل بالبلدان العربية ترجع إلى ممارستها الإرهاب والعنصرية كسياسة رسمية ولاغتصابها فلسطين العربية وإشعال الحروب العدوانية وارتكاب المجازر الجماعية وإحضار المزيد من المهاجرين اليهود وترحيل المزيد من العرب وتدمير المنازل ومحطات الكهرباء ومصافي النفط والصناعة والزراعة كما حدث في الحرب التي أشعلها الجنرال رابين في تموز 1993 على لبنان وحرب "عناقيد الغضب" التي أشعلها بيرس في نيسان 1996، وارتكب خلالها مجزرتي قانا والنبطية.‏

وبلغت الخسائر البشرية التي ارتكبتها إسرائيل في حروبها العدوانية واعتداءاتها المستمرة أكثر من (260) ألف شهيد فلسطيني، و (90) ألف شهيد لبناني، و (39) ألف شهيد مصري، وحوالي (50) ألف شهيد سوري بالإضافة إلى الشهداء الذين قدمهم الأردن والعراق، ومئات الألوف من الجرحى والمعاقين وملايين اللاجئين والنازحين والمشردين.‏

إن هذه الخسائر البشرية الكبيرة والخسائر المادية الهائلة التي ألحقتها إسرائيل بالدول العربية لا تبرر على الإطلاق قبول بعض الحكام العرب السلام الإسرائيلي وتوقيع اتفاقات الذل والإذعان والاستسلام للإرادة والهيمنة الإسرائيلية عن طريق الراعي الأميركي.‏



ويقترح بيرس في كتابه إقامة المجموعة الإقليمية عبر ثلاث مراحل:‏

المرحلة الأولى: إقامة مشاريع ثنائية ومتعددة الأطراف.‏

المرحلة الثانية: اشتراك هيئات دولية مالية في إنجاز مشاريع تتطلب استثمارات ضخمة.‏

المرحلة الثالثة: وضع سياسة موحدة للمجموعة الإقليمية.‏

إن مخطط بيرس للشرق الأوسط الجديد يجسد لعبة سياسية وإعلامية مضللة وموجهة بالأساس لتضليل المواطن العربي ومحاولة يهودية لإعادة رسم مستقبل العلاقات العربية- الإسرائيلية في ظل الهيمنة الإسرائيلية والابتعاد عن قضايا الصراع العربي- الإسرائيلي الرئيسية المتعلقة باحتلال الأرض العربية وتهويدها وتطوير الاستيطان اليهودي فيها وحرمان العرب من حق العودة وحقوق الإنسان وتقرير المصير والاستقلال الوطني.‏

إن بناء "الشرق الأوسط الجديد" لا يقوم على أساس التكافؤ والمنفعة المتبادلة وإنما ينطلق من حل أزمات إسرائيل الاقتصادية وسد الثغرة الهائلة الناجمة عن توقف التعويضات الألمانية والمساعدات الأميركية دون الأخذ بالاعتبار مصالح الدول العربية في ظل تفوق إسرائيل العسكري على جميع الدول العربية وامتلاكها السلاح النووي، والعمل بمساعدة الولايات المتحدة والدول الأوروبيةعلى إضعاف الدول العربية عسكرياً. بمايتيح لإسرائيل أن تصبح قوة عظمى في المنطقة ويقود إلى هيمنة اليهودية العالمية على العالم.‏



الولايات المتحدة الأميركية والتطبيع‏

تبنت الولايات المتحدة الأميركية المخططات الإسرائيلية حول التطبيع والتعاون الإقليمي. وأقرّ الكونغرس الأميركي مخططاً للتطبيع تحت عنوان : "التعاون الإقليمي في الشرق الأوسط أعدته ومولته الوكالة الأميركية الدولية للتنمية كمدخل لتطبيع العلاقات بين مصر وإسرائيل لتنفيذ المخططات الإسرائيلية. ووردت فيه الأفكار التالية:‏

* سيكون الدور الأميركي حاسماً في مجال التعاون الإقليمي، وعلى الولايات المتحدة أن تلعب دور الوسيط.‏

* تقوم فكرة التعاون الإقليمي على أساس شرق أوسطي وليس على أساس عربي.‏

* إعطاء أهمية لدور الأكاديميين ورجال الأعمال في بداية التعاون الإقليمي وتطويره.‏

ووضعت الوكالة الأميركية المخطط على أساس شرق أوسطي وليس على أساس عربي لتجاوز الجامعة العربية ومؤسسات العمل العربي المشترك ولكي تنخرط فيه إسرائيل وتهيمن عليه.‏

ويتطرق مخطط التطبيع الأميركي إلى الموارد المشتركة كنهر الأردن والبحر الميت وخليج العقبة، والتعاون العلمي والتكنولوجي والمواصلات والتجارة والسياحة.‏

ويوصي المخطط الأميركي في مجال النقل بربط خطوط المواصلات لتعمل على تعزيز التجارة والسياحة في المنطقة وتطبيع العلاقات بين العرب وإسرائيل عن طريق:‏

* مد خط سكة حديد من السويس حتى إيلات.‏

* ربط شمال سيناء بإسرائيل عن طرق قطاع غزة.‏

* مد طريق من إيلات ووصله بطريق لربط القدس وعمان بالطريق الدولي.‏

* إنشاء خط حديدي يربط البحر الميت بالضفة الغربية وإيلات.‏

ويوصي المخطط فيما يتعلق بموضوع المياه، بالبحث عن المياه الجوفية في سيناء، وبيع مياه النيل لإسرائيل واستخدام نظم الري الحديثة وتحلية مياه البحر.‏

ويتضمن بالنسبة للصناعة إقامة مشروعات صناعية مشتركة بين إسرائيل والدول العربية المجاورة عن طريق:‏

أولاً: تنمية الموارد المشتركة وحل مشاكلها...‏

ثانياً: التركيز على المعاملات التجارية لفتح الأسواق الإقليمية للسلع والمواد الخام.‏

ثالثاً: إقامة مستودعات مشتركة..‏

ويؤكد المخطط على الدور الذي يجب أن تلعبه الولايات المتحدة في المرحلة الأولى من البدء في تنفيذه بالاعتماد على مصر وتطبيع العلاقات بينها وبين إسرائيل.‏

ونجحت الولايات المتحدة وإسرائيل، وضع أسس التطبيع والعلاقات الطبيعية بين مصر وإسرائيل بتوقيع البلدين معاهدة السلام حيث يتضمن الملحق الثالث الذي سمي "بروتوكول بشأن العلاقات بين الطرفين" مايلي:‏

* إقامة العلاقات الدبلوماسية والقنصلية وتبادل السفراء.‏

* إزالة جميع الحواجز ذات الطابع التمييزي القائمة في وجه العلاقات الاقتصادية العادية.‏

* إلغاء المقاطعة العربية.‏

* إقامة علاقات ثقافية، وتبادل ثقافي في كافة الميادين.‏

* السماح لمواطني ولسيارات كل طرف بالمرور والانتقال بحرية بين البلدين.‏

* إعادة فتح الطرق وخطوط السكك الحديدية بين البلدين، والنظر في إقامة طرق وسكك حديدية إضافية.‏

* إقامة طريق بري يربط مصر وإسرائيل والأردن قرب إيلات.‏

وأكد المحضر الخاص الملحق بالبروتوكول حق إسرائيل في شراء النفط المصري. ونص البروتوكول على عقد ثلاث اتفاقات في المجالات الاقتصادية والثقافية والتجارية والطيران.‏

وتعمل الولايات المتحدة على استغلال المنطقة والسيطرة عليها لخدمة مصالحها الاقتصادية عن طريق القواعد العسكرية الأميركية في بعض البلدان العربية، وعن طريق إسرائيل كأداة عسكرية لاستنزاف العرب ودفعهم أكثر فأكثر إلى الحظيرة الأميركية، والمحافظة على تفوق إسرائيل العسكري على جميع الدول العربية،ونزع السلاح غير التقليدي من أيدي العرب، والحد من التسلح العربي، وبيع كميات هائلة من الأسلحة للكويت والسعودية لتحسين وضع الاقتصاد الأميركي، وإنهاء المقاطعة العربية، وإقامة نظام إقليمي اقتصادي وأمني وتصفية قضية فلسطين.‏

واقترح البروفسور الأميركي روبرت تاكر" أنه لمنع أميركا من أن تنزف حتى الموت من جراء نفط الشرق الأوسط عليها فرض السيطرة الأميركية على المنطقة الممتدة من الكويت نزولاً على طول الإقليم الساحلي للمملكة العربية السعودية حتى قطر".‏

وطرح زينغو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس كارتر إقامة وجود أميركي في المنطقة بمشاركة إسرائيل وبعض الدول العربية الصديقة لأميركا للمحافظة على المصالح الأميركية فيها.‏

ونادى اليهودي هنري كيسنجر بإمكانية التعاون بين مصر وإسرائيل والسعودية وأميركا من أجل حماية أمن المنطقة.‏

ودعا الجنرال الكسندر هيج، وزير الخارجية الأميركي في زيارته إلى تسعة بلدان في الشرق الأوسط في نيسان 1981 إلى إنشاء حزام أمني في المنطقة يضم عدداً من الدول من باكستان إلى مصر ويستوعب السعودية وإسرائيل. وتحدث الجنرال هيج أمام لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس عن "الحاجة إلى جمع تركيا وإسرائيل وعدد من الدول العربية في حلف مشترك".‏

وتابعت الولايات المتحدة وضع مخططاتها للشرق الأوسط، فوضعت مجموعة الدراسات الاستراتيجية في معهد واشنطن للسياسة في الشرق الأدنى في صيف 1992 تقريراً حول الاستراتيجية الأميركية المقترحة في مفاوضات الشرق الأوسط تحت عنوان "مواصلة البحث عن السلام"، وجاء فيه أن: "نهاية الحرب الباردة أوجدت فرصة واحدة للسير في اتجاه إقامة تسوية سلمية شاملة بين العرب وإسرائيل، والمصالح الأميركية لا تزال مرتبطة بشكل حيوي بتلك المنطقة المضطربة، والاتفاقات العربية الإسرائيلية يمكن أن تساعد على حماية تلك المصالح وتوسيعها.. لدى الولايات المتحدة حليفان مهمان، مصر والسعودية، يمنحانها إضافة إلى إسرائيل وتركيا غلبة في السيطرة على المنطقة.. أوروبا واليابان وبلدان أخرى في المنطقة يمكن أن تقدم دوافع سياسية ومالية للتقدم"(174).‏

ونشرت مجلة "فورن افيرز" الأميركية في خريف 1992 مخططاً للشرق الأوسط وضعه البروفسور برنارد لويس تحت عنوان:"إعادة النظر في الشرق الأوسط"، انطلق فيه من التخلي الرسمي عن حلم القومية العربية الذي طال تقديسه والمتعلق بدولة عربية موحدة أو حتى بكتلة سياسية متماسكة(175) ويقول برنارد لويس، الخبير الأميركي في شؤون الشرق الأوسط إن العالم العربي يسير بحالة تشبه أميركا اللاتينية. ويرسم شرق أوسط جديداً تصل حدوده الجغرافية إلى الجمهوريات الإسلامية المستقلة حديثاً، ويقول باحتمال إلغاء دور العرب في التاريخ الجديد للمنطقة لمصلحة قوى إقليمية أخرى وفي طليعتها إسرائيل وتركيا.‏

وتشجع الولايات المتحدة إقامة سوق شرق أوسطية للمحافظة على استقرار مصالحها. وتعتبر الشرق الأوسط شريكاً تجارياً هاماً لها حيث بلغ حجم التبادل التجاري بينها وبين الدول العربية عام 1992 حوالي 32 مليار دولار.‏

ووضعت جامعة هارفارد تقريراً حول "اقتصاد السلام في نهاية الثمانينات" وتقريراً آخر في حزيران 1993 حول العلاقات الاقتصادية الإسرائيلية- الفلسطينية- الأردنية وتتطابق المقترحات الموجودة فيه مع المخططات التي وضعتها إسرائيل لمستقبل علاقاتها مع الدول العربية. وتلتزم واشنطن بالحفاظ على تفوق إسرائيل العسكري والدفاع عن ممارساتها الإرهابية، ومن الواضح أن المشروع انتقل، عبر المؤسسات الأكاديمية والبحثية الإسرائيلية، إلىالمؤسسات الأميركية المماثلة، ومنها أعيد تصديره إلى المنطقة باعتباره مشروعاً أكاديمياً أميركياً.‏

وتشدد الولايات المتحدة على أن التسوية السياسية وتوسيع العلاقات الاقتصادية في المنطقة يخدمان الاقتصاد الأميركي.‏

وطرحت الولايات المتحدة الأميركية في المباحثات متعددة الأطراف في نيسان 1994 مشروعاً أميركياً دعا الدول العربية وإسرائيل إلى السعي من أجل تحقيق علاقات كاملة ودائمة من السلام والمصالحة والصراحة والثقة المتبادلة والأمن والاستقرار والتعاون والتقدم الاقتصادي والاجتماعي في كل أنحاء المنطقة(176).‏

واعتبر المشروع الأميركي أن هدف المباحثات المتعددة الأطراف هو تعزيز التعاون الإقليمي والتنمية الاقتصادية بمشاركة إسرائيل والعرب من خلال مشاريع ملموسة تشارك فيها الأطراف في المنطقة.‏

إن الموجه الأساسي للسياسة الأميركية هو ضمان استقرار مصالحها وتشمل تدفق النفط بالأسعار والكميات التي تريدها الولايات المتحدة. وتشمل مصالح سياسية وأمنية واستراتيجية تدور حول الحفاظ على الأنظمة الموالية لها والحريصة على مصالحها وإضعاف وتغيير الأنظمة المعادية لها. ودعم أميركي مطلق لإسرائيل والمحافظة على تفوقها العسكري وتأييد ممارساتها الإرهابية والعنصرية.‏

وتعمل الولايات المتحدة على إقامة أمن إقليمي تقوده إسرائيل وتركيا لتقوية مكانتها الاقتصادية في المنطقة والمحافظة عليها أمام العملاقين الاقتصاديين أوروبا واليابان وتحسين أوضاع إسرائيل المالية والاقتصادية للتوقف عن تحمل أعباء إسرائيل المالية بسبب أوضاع الاقتصاد الأميركي المتردية.‏

إن الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط تتماشى جنباً إلى جنب مع الاستراتيجية الإسرائيلية، حيث تعتبران المنطقة مجالاً حيوياً للمصالح الأميركية والإسرائيلية، وتعملان على تصفية قضية فلسطين والحقوق الوطنية والقومية والدينية للعرب والمسلمين فيها وإخضاع المنطقة للهيمنتين الأميركية والإسرائيلية.‏

وقاد اعتماد الاستراتيجيتين على القوة العسكرية الإسرائيلية إلى توقيع اتفاق التحالف الاستراتيجي بينهما، وإلى حروب إسرائيل العدوانية والتوسعية واستغلال نتائجها ونتائج حرب الخليج الثانية للتحرك نحو التسوية بالشروط الإسرائيلية. وتبنت الولايات المتحدة المخططات والمشاريع الإسرائيلية حول مستقبل المنطقة العربية، ودمجها في استراتيجيتها لخدمة مصالحها في المنطقة وتأمين السيطرة الأميركية على منابع النفط وممراته وأسعاره وأمواله وأسواقه.‏




التوقيع

إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بدّ أن يستجيب القــــدر
و لا بــــدّ لليــل أن ينجلــي
و لا بـــدّ للقيــد أن ينكسـر
رد مع اقتباس
قديم 04-20-2010, 05:54 PM   رقم المشاركة : 23
الهادي الزغيدي
عضو





الهادي الزغيدي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: - القمم والمؤتمرات الاقتصادية والأمنية من التطبيع إلى الهيمنة -

مصر والتطبيع

وقعت مصر في 26 آذار 1979 في واشنطن المعاهدة المصرية- الإسرائيلية وملحقاتها وترتب عليها العديد من الآثار بعيدة المدى حول التطبيع والصراع العربي - الإسرائيلي واستقلال مصر وسيادتها والتزاماتها العربية وعلاقاتها مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل.‏

أكدت المعاهدة أنه في حالة تعارض الالتزامات الواردة فيها لأي طرف مع الالتزامات الناشئة عن المعاهدة فإن الالتزامات المترتبة على المعاهدة تكون ملزمة ونافذة، وبالتالي فإن المعاهدة تلزم مصر بنقض التزاماتها العربية السابقة مع الدول العربية وتجاه قضية فلسطين.‏

ويتضمن الملحق الثالث للمعاهدة بروتوكولاً لتطبيع العلاقات بين البلدين في المجالات الدبلوماسية والقنصلية والاقتصادية والتجارية والثقافية والنقل والمواصلات وحرية التنقل.‏

واتفق البلدان على إنشاء لجنة عليا للتطبيع انبثقت عنها عدة لجان فرعية وقعت عدة اتفاقات بشأن تطبيع العلاقات بين البلدين.‏

وكان السادات قد وقع على إنشاء الغرفة المصرية الأميركية للتجارة، ولكنها تأسست في تشرين الأول 1981، بعد مقتله بأقل من أسبوع، وبدأت نشاطاتها في أوائل التسعينات بالرغم من أن تسجيلها قد تم في 1982.‏

وأخذت تلعب دوراً في التطبيع أبعد بكثير من الهدف الذي أُنشئت من أجله وهو تشجيع حركة التجارة بين البلدين. ويعتبرها بعض المراقبين "غرفة ضغط ورعاية مصالح خاصة ووكر للأعمال الغامضة والمريبة".‏

ويقول تعريف الغرفة المدون في وثائقها: "إنها صوت هام لنمو القطاع الخاص، وإنها تستقطب معظم الشركات عابرة الجنسية التي تعمل في مصر، وإنها واحدة من أنشط التكوينات عابرة المحيطات لغرف التجارة الأميركية".(177).‏

وتضم الغرفة 14 لجنة منها: لجنة الزراعة، المقاولات والهندسة، البيئة، التسويق، التنمية البشرية، الصناعة والاستثمار، النفط، السياحة، التجارة والتصدير، ولجنة شؤون العضوية والبرامج. ويتولى رجل السياحة المصري رمزي رشدي شؤون العضوية والبرامج وأعلن أن كتلة الأعضاء الثابتة بالغرفة حوالي (350) عضواً، هم ممثلو ووكلاء الشركات الأميركية الكبرى. وافتتحت الغرفة فرعاً لها في الاسكندرية، ومكتب تمثيل في واشنطن.‏

وأكد روبرت بيللترو، مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط "إن الغرفة الأميركية للتجارة في مصر" تجمع قوي لجهودنا المشتركة من أجل إعادة هيكلة الاقتصاد وتعبيد الطريق إلى سوق مفتوحة أكثر.‏

"وتضم الغرفة خليطاً متجانساً من الأعضاء، منهم من له ارتباطات قوية بالسوق الوطنية أو بالسوق العربية، ومنهم من قطع هذه النوعية من الارتباطات القومية ومال إلى الخارج، ومنهم من يعمل وفق رؤية اقتصادية أو اقتصادية سياسية، ومنهم من لا يشغله سوى زيادة الكسب".(178).‏

ولعبت الغرفة دوراً في التمهيد للتحولات الاقتصادية باتجاه حرية السوق، وفي إصدار معاهدة ضمان الاستثمارات الأميركية وتأييد قوانين السوق المالية والاقتصادية والقضائية.‏

وتعمل الغرفة لدفع أعضائها إلى تأييد مخططات الشرق أوسطية وزيادة النفوذ التجاري للشركات الأميركية في مصر والسير وفق تعليمات المصرف الدولي والصندوق الدولي.‏

وأعلن محمد شفيق جبر، رئيس الغرفة "إن التطلعات الاقتصادية الأميركية تؤكد أن هناك أهمية كبرى للتعاون الاقتصادي مع مصر والشرق الأوسط، وأن هذه الأهمية ستزداد في الفترة المقبلة، فالتقارير الأميركية تؤكد أن منطقة الشرق الأوسط ستكون من أكبر الأسواق الواعدة في تطوير وزيادة التجارة الدولية"(179).‏

ولكن الدكتور محمود عثمان، الأستاذ بكلية التجارة في جامعة القاهرة يقول إن "الغرفة الأميركية فشلت حتى الآن في تحقيق أية نتائج لصالح تنمية التجارة المصرية مع أميركا، وتحوّل الوضع في بعض الحالات إلى خدمة المصالح الاقتصادية والتجارية الأميركية في مصر".‏

ويؤكد محمد فريد خميس، رئيس اتحاد الصناعات المصرية أن الجانب الأميركي يصرُّ على فرض قيود عديدة وتحت مسميات وأشكال متعددة، فيرفض نقل التكنولوجيا الصناعية إلى مصر، بويضع شروطاً مجحفة لتقليل حجم تواجد السلع والمنتجات المصرية في الأسواق الأميركية، الأمر الذي سبب أضراراً ببعض الصناعات مثل صناعة الملابس القطنية".‏

وتخفي جمعية رجال الأعمال المصريين-الأميركيين مواقفها وآرائها بدواعي "البزنس" وتتناول فقط الأوضاع الاقتصادية وفرص الاستثمار، وتركز على الشرق أوسطية، إلاّ أنه برزت رغبة ملحّة وسط دوائر رجال الأعمال ترى في البعد العربي أولوية ملحة لمصر، بهدف بلورة سند يوازنون به ثقل الاتجاه الشرق أوسطي.‏

وفي منتصف عام 1995 تم إنشاء المجلس الرئاسي المصري-الأميركي. وأعطى تأسيسه دفعة لجمعية رجال الأعمال المصريين التي يرأسها سعيد الطويل، المؤيد بشدة للشرق أوسطية وقام الطويل بعدة زيارات لإسرائيل وأعلن: "أنه لا أمل في النمو السريع من دون فتح الباب للشركات عابرة الجنسية، والإسراع أكثر في الخصخصة من دون خوف من بعبع العمال"(180).‏

وتدعم الغرفة التجارية المصرية- الأميركية، والغرفة التجارية العربية- الألمانية والمركز المصري للدراسات الاقتصادية والمجلس الرئاسي المصري بشدة الشرق أوسطية.‏

ويسود في مصر اتجاهان: الأول: العروبي، والثاني: الشرق أوسطي، ويقود رجل الأعمال أشرف مروان الاتجاه العروبي والذي يضم رئيس اتحاد الصناعات، ورئيس المصرف الأهلي ورئيس اتحاد مصارف مصر وبعض رجال الأعمال المصريين في الدول العربية والذين برز منهم محمد مختار، الذي شن هجوماً كاسحاً على أعداء القطاع العام وقال: "إن القطاع العام هو الفعال الشريف الذي لولاه لانهزمت مصر في الحرب والسلام، داعياً المسؤولين إلى الوقوف ضد محاولات تصفية القطاع العام وإهانته"(181).‏

كانت الحكومة تدعم رجال الأعمال الشرق أوسطيين، لكن الوضع بدأ يختلف بعد تبني الحكومة إقامة السوق العربية المشتركة وأصبح الاتجاه العروبي لا يستهان به، لأن رموزه هم أصحاب أهم وأكبر المشروعات الاستثمارية في مصر ويتمتعون بتأييد عربي كبير.‏

وتلتزم الصحف الرسمية المصرية بموقف السلطة السياسية في تناول مواضيع التطبيع وتتأثر معالجتها بموقف السلطة.‏

فعندما تتحمس السلطة للتطبيع ينعكس ذلك في الصحف الرسمية التي كانت تبالغ بإيجابيات التطبيع وسلام الشجعان. وعندما ضربت إسرائيل المفاعل الذري في بغداد كانت ردود الفعل الرسمية في مصر هزيلة ولا تتناسب إطلاقاً مع الجريمة النكراء التي اقترفتها إسرائيل، وعكست الصحافة الرسمية الموقف المصري.‏

وعندما أعلنت إسرائيل ضم الجولان ووقعت معها الولايات المتحدة اتفاق التحالف الاستراتيجي لم تتخذ الصحف الرسمية موقفاً يتناسب مع خطورة هذين الموضوعين بل التزمت السطحية في معالجتها تجسيداً لموقف الحكومة المصرية.‏

وتناولت الصحف التطبيع في مرحلة السادات من 1979-1981 بكثير من التفاؤل والإيجابية، وركزّت على:‏

* كيل المديح لاتفاقيتي كمب ديفيد ومعاهدة السلام.‏

* انتقاد ومهاجمة الموقف العربي الرافض للمعاهدة.‏

* الدعوة إلى التعايش بين الشعبين المصري والإسرائيلي.‏

وأكدت على أن التطبيع قرار صائب.‏

ولكن عندما جاء الرئيس مبارك وتصاعدت ممارسات إسرائيل العدوانية والاستيطانية وبلغت ذروتها بغزو لبنان عام 1982 ومجازر صبرا وشاتيلا والتمسك بطابا ورفض المؤتمر الدولي بدأت هذه الصحافة تغيّر لهجتها إلى حد نعتت إسرائيل بالعنصرية والنازية.‏

ويمكن القول إن ضرب المفاعل الذري في بغداد وأزمة طابا وغزو لبنان والاستمرار في بناء المستوطنات قد أثرت على عملية التطبيع مع مصر.‏

ومن الجدير بالذكر أن الصحف الرسمية لم تتح المجال لوجهة النظر المصرية التي ترفض التطبيع بالظهور على صفحاتها بل أيدت التطبيع وروجت له. وكانت بعض المقالات تؤكد أن الهدف من التطبيع ترويض الأمة العربية وتطويعها والقضاء على الهوية الفكرية والثقافية للشعب العربي من خلال مخطط وعملية غزو ثقافي مدروسة. وأكدت أن نجاح عملية التطبيع يتطلب: سلوك إسرائيلي مؤيد للسلام، ودور أميركي فعال للضغط على إسرائيل، وتضامن عربي، وموقف عربي موحد.‏

وتناولت الصحف الحزبية عمليات التطبيع السياسي والاقتصادي والثقافي. وتجلت معالجتها لهذه القضايا بالرفض المبدئي للتعامل مع العدو الإسرائيلي. وأكدت بعضها كصحيفة الأهالي على وجوب حصر التطبيع في المجال الحكومي وأكدت بعضها كصحيفة العمل رفضها التام لمعاهدة السلام والتطبيع.‏

وتناولت صحيفة الشعب رفضها لجميع أشكال التعاون الثقافي والتطبيع التجاري والزراعي والسياحي واتسم موقفها بالرفض الكامل للتطبيع الاقتصادي وطالبت بمقاطعة جميع المنتجات الإسرائيلية.‏

وجاء في تقرير وفد غرفة الصناعة المصرية عن دور مصر وإسرائيل في السوق الشرق أوسطية: "إن استخدام مصر كمعبر إلى البلاد العربية وخاصة دول الخليج وهو مايلزم إسرائيل في المدى القصير ثم تنطلق العلاقات مباشرة مع دول الخليج دون وسيط... وإنه من المفترض أن يبدأ التعاون الاقتصادي مع مصر بالتكامل وعدم خلق كيانات أو مشروعات اقتصادية كبرى تتعارض مع المشروعات القائمة حالياً بين البلدين".‏

إن رجال الأعمال المصريين على استعداد لأن يكونوا بمثابة جسر لعبور المنتجات الإسرائيلية إلى بلدان الخليج بغض النظر عن إمكانية غلق أسواق هذه البلدان أمام منتجاتهم. "وإذا كان بمقدور رجال ومؤسسات الأعمال المصريين أن يفتحوا أو يشاركوا في فتح أسواق الأقطار العربية الأخرى أمام إسرائيل فلماذا لا يفتحونها أو يوسعونها لأنفسهم...‏

وإذا كان في مقدور هؤلاء أن يحققوا تكامل الاقتصاد المصري مع الاقتصاد الإسرائيلي فلماذا لا يسعون إلى تحقيق مثل هذا التكامل مع الاقتصادات العربية؟!(182).‏

ويقترح التقرير إقامة سوق شرق أوسطية تقودها مصر حيث جاء في التقرير:‏

"إن تقرير التنمية لصالح شعوب المنطقة يتطلب قيام قوة اقتصادية تقودها مصر (سوق اقتصادية شرق أوسطية) لتبادل المنافع بين جميع دول المنطقة وترسيخ السلام".‏

ونجحت إسرائيل في حمل بعض الاقتصاديين العرب على الهرولة إليها عن طريق إذكاء نار التنافس بين المصريين والأردنيين تماماً كما فعلت إسرائيل مع سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني والأردن بخصوص القدس لكي تصبح تل أبيب مكة العرب السياسية والاقتصادية.‏

وتجلى ذلك بجلاء في التوصية الأولى التي تضمنها تقرير وفد رجال الأعمال المصريين وهي:‏

"التوصية بإقامة منطقة صناعية حرة في الأراضي المصرية على الحدود المشتركة لإقامة مشروعات صناعية وتوصي أن يعلن عن ذلك فوراً والبدء في التنفيذ.وذلك لإجهاض مشروعات أخرى تتبلور حالياً منها منطقة حرة للصناعة والسياحة والتجارة الدولية مشتركة بين الأردن وإسرائيل على الحدود في أراضي مشتركة فيهما، وفي قناعتنا فإن سرعة البدء لدينا ستحدد الخريطة الاقتصادية لمنطقة الشرق الأوسط وستقلّل من احتمالات المخاطرة بإنشاء منافس له".(183).‏

وأوصى التقرير بـ "تسهيل انتقال كثيرٍ من الصناعات التصديرية من إسرائيل إلى مصر من خلال مشروعات استثمار مشتركة. "‏

فماذا تريد إسرائيل أكثر من ذلك؟! حيث تبنى بعض رجال الأعمال المصريين مخططاتها للهيمنة على الاقتصادات العربية وطرحوها وكأنها من مخططاتهم وتوجهاتهم.‏

وورد في تقرير اتحاد الصناعات المصرية بشأن المباحثات المصرية الإسرائيلية التي انعقدت في طابا بتاريخ 23-25 / 11/ 1995، إن رئيس الجانب المصري، رئيس اتحاد الصناعات المصرية أعلن "إن الموقف الرسمي في مصر وعلى جميع المستويات يشجع ويدعم التعاون الاقتصادي بين مصر وإسرائيل".‏



ويشير التقرير إلى أن رغبات واهتمام الأطراف في مجال التعاون المشترك تركزت على:‏

* المشاركة في التصنيع القائم.‏

* المشاركة في التسويق الدولي للمنتجات.‏

* المشاركة في مشروعات جديدة على أساس الاستغلال الأمثل لكل المميزات التي يتمتع بها كل طرف في عناصر وعوامل الإنتاج.‏

ووافق الطرفان في طابا على تنمية زراعة وتسويق الزهور إلى الأسواق الأوروبية وأن تعمل الجهات المصرية مع الاتحاد الأوروبي على إعفاء الزهور المصرية من الرسوم الجمركية.‏

وهنا تتجلى حنكة اليهود في الحصول على الأرباح الكبيرة على حساب مصر، حيث تتولى إسرائيل تصديرالزهور المصرية وتستفيد من الامتيازات أو المزايا التي قد تمنح لمصر جراء مساعيها، لو قامت هي بتصدير السلع التي تنتجها.‏

واقترح التقرير "تكوين لجنة للتأثير على حكومتي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من أجل الموافقة على قضية الامتيازات التراكمية للسلع التي تنتج بالاشتراك بين مصر وإسرائيل".‏

وأبدى التقرير اهتماماً خاصاً بعمليات التسويق الإسرائيلية وأكد على أنه "يوجد اثنا عشر شركة مصرية تقوم بعمليات تصنيع للشركات الإسرائيلية ليتم بيع المنتجات لأطراف ثالثة.(184).‏

وتعمل جمعية رجال الأعمال المصريين على الإسراع في تطبيع العلاقات الاقتصادية والتجارية مع إسرائيل حيث أعلن رئيس الجمعية سعيد الطويل عن اتفاق مع إسرائيل لتقوم بتسويق المنتجات المصرية من الخضار والفواكه في أسواق أوروبا وأميركا، "وأنه تم الاتفاق مع الجانب الإسرائيلي على التعاون في مجال المشروعات النسيجية والصناعات الغذائية، والمشروعات المعدنية ومشروعات أخرى تسويقية"(185).‏

إن الأمانة العلمية تتطلب أن يذكر المرء أنه يسود بين قطاع رجال الأعمال في مصر اتجاهان: الأول ويمثله سعيد الطويل رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين ويعمل على الهرولة باتجاه تطبيع العلاقات مع إسرائيل واتجاه آخر يمثله الاتجاه العام للغرف التجارية المصرية ويتلخص "في رفض الدخول في كيانات ثنائية أو متعددة تكون إسرائيل طرفاً فيها وفي الإحجام عن إقامة أي علاقات اقتصادية معها".‏

وبلور اتحاد غرف التجارة المصرية موقفه من مؤتمرات القمم الاقتصادية والشرق أوسطية حيث يرى الاتحاد أن الهدف غير المعلن للتوجه الشرق أوسطي هو:‏

"أولاً: دمج دولة بعينها في المنطقة (إسرائيل) في الوقت الذي تمارس فيه هذه الدولة العنف والاخلال بتعهداتها هذا عدا الممارسات العدوانية والتوسعية في جنوب لبنان ومرتفعات الجولان والضفة الغربية والقدس بصفة خاصة...‏

ثانياً: اذابة الهوية العربية وفكرة السوق العربية المشتركة في الشرق أوسطية... ومن هنا فإن الاتحاد يرفض من حيث المبدأ إنشاء أو الدخول في مجلس الأعمال المقترح ويفضل العمل على المستوى العربي ويسعى جاهداً لإحياء فكرة السوق العربية المشتركة وإنقاذها من دعاوى الشرق أوسطية.‏

والاتحاد العام للغرف التجارية المصرية الذي يمثل جميع رجال الأعمال والمال والتجارة والصناعة في مصر يهيب بكم أن نتكاتف معاً لصد الهجمة الشرسة ضد الهوية الاقتصادية العربية والعمل على دعم مجلس الوحدة الاقتصادية العربية وانضمام باقي الدول العربية غير الأعضاء إليه ليقوم بدوره لتحقيق فكرة الوحدة الاقتصادية العربية تدريجياً وعلى مراحل"186.‏

إن رفض الاتحاد العام للغرف التجارية المصرية تطبيع العلاقات مع إسرائيل أو إقامة أي شكل من أشكال التعاون التجاري معها يعبر عن ضمير الشعب المصري الشقيق. لقد شهدت فترة مابعد توقيع اتفاق أوسلو توجه أوساط عديدة من رجال الأعمال وأصحاب المؤسسات العربية نحو إسرائيل والتسابق للارتباط معها من موقع التبعية بغية الحصول على بعض الأرباح لأسباب سياسية.‏

وانخرطت في هذه الهرولة سلطة الحكم الذاتي والأردن وبعض دول الخليج والمغرب العربي.‏

وقاد بعض رجال الأعمال المصريين هذا التوجه في بادئ الأمر وخاصة اتحاد الصناعات المصرية بعد زيارته لإسرائيل في 28/8/1994. وجاء في التقرير الذي وضعه عن الزيارة مايلي:‏



"إن هناك تطوراً اقتصادياً سيحدث في المنطقة لايمكن تجاهله وستلعب فيه كل من إسرائيل، الأردن، لبنان، سورية دوراً هاماً.. وأين مصر؟!‏

هناك مؤشرات تنبئ بأنه خلال فترة من سنة إلى ثلاث سنوات ستكون هناك منطقة حرة بين إسرائيل وفلسطين والأردن، وأين مصر؟!‏

ماهي إسرائيل اقتصادياً؟! هي ليست إسرائيل التي بجوارنا، ولكن هي المنظم للأموال والبنوك في كافة أنحاء العالم، وشركات التأمين والمؤسسات الاستثمارية العالمية وشركات الاعلام العالمية.. الخ.."‏

يورد تقرير غرفة الصناعة المصرية رغبة إسرائيل في استخدام مصر لخدمة التغلغل الإسرائيلي في البلدان العربية والإفريقية ويرى "أن يتعدى الوضع الثنائي إلى الانطلاق دولياً ومشتركاً، وإسرائيل على استعداد لتنمية هذا الأمر في كل من أميركا والاتحاد الأوروبي، وتطلب من مصر تنمية هذا الأمر في العالم العربي والإفريقي".‏

وجاء في تقرير غرفة الصناعة أن الجانب الإسرائيلي يرغب في إيجاد مشروعات مشتركة في صناعة الملابس الجاهزة والصناعات الغذائية وتحدث عن دور إسرائيل في تسويق المنتجات المصرية مايلي: "إن إسرائيل لديها مؤسسات يهودية- إسرائيلية كشبكات توزيع على مستوى العالم ستساعد على تسويق منتجات هذه المشروعات تصديرياً".‏



تصوّر الحكومة المصرية للتعاون الإقليمي‏

تحمل الورقة المصرية إلى قمتي الدار البيضاء وعمان عنوان: "وجهة نظر مصر: التعاون والتنمية الاقتصادية الإقليمية"، وتحتوي على مقدمة وأربعة فصول‏

ويحمل الفصل الأول عنوان: "المنظور السياسي-السلام والتنمية في الشرق الأوسط".‏

ويحمل الفصل الثاني عنوان: "التنمية الاجتماعية الاقتصادية واستراتيجية النمو."‏

ويحمل الفصل الثالث عنوان: "مشروعات التنمية الاقليمية."‏

ويحمل الفصل الرابع عنوان: "تمويل التعاون الإقليمي."‏

وتتناول الورقة رؤية مصر السياسية الشاملة للمشكلة وتربط التسوية السياسية بالسلام الشامل والعادل، وحل قضية القدس وحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وترتيبات أمنية لتأمين المخاوف المشروعة لكل الأطراف على ألاّ تكون على حساب مبادئ لها حرمتها وقدسيتها. وتؤكد على نزع أسلحة التدمير الشامل، ولكنها للأسف لم تتعرّض إلى الماضي، أي إلى تاريخ الصراع العربي الصهيوني وانتزاع اليهود أجزاء كبيرة من فلسطين العربية وتهويدها، ولم تتحدث عن الماضي لا من قريب أو بعيد، وبالتالي يقوّي هذا الإغفال المتعمد دور الطرف الإسرائيلي.‏

وتربط الورقة المصرية" بين السلام والتنمية، بعدها بين التنمية والمشروعات، ثم بين المشروعات والأعمال، ثم أخيراً بين الأعمال والآليات التمويلية" (المصدر: مصباح قطب، مشروع الانتحار القومي، ص 17).‏

وخلت الورقة من الحديث عن التعاون الاقتصادي العربي. وأكدت على تقوية مكان القطاع الخاص ودعمه، بالرغم من أن الاقتصاد الإسرائيلي اقتصاد دولة، إذ ينتج القطاع العام والقطاع التعاوني أكثر من 80% من مجموع الإنتاج الإسرائيلي.‏

ويؤخذ على الورقة المصرية أنها لم تنص على أن مصر لن تكون معبراً للمنتجات الإسرائيلية إلى بلدان أسيا وإفريقيا، مما يخشى أن تستخدم مكانة مصر وعلاقاتها مع أطراف ثالثة، تعجز إسرائيل عن الدخول إلى أسواقها.‏

قام التصوُّر المصري للتعاون الإقليمي في قمتي الدار البيضاء وعمان انطلاقاً من التحولات السياسية التي حدثت في المنطقة العربية منذ توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية واتفاق الإذعان في أوسلو ووادي عربة، حيث يجسد هذا المنطلق بداية تحقيق المشروع الصهيوني على مستوى الوطن العربي وتحقيق الأهداف السياسية والاقتصادية لحرب حزيران العدوانية عام 1967.‏

وتعتقد الحكومة المصرية في الورقتين المقدمتين إلى القمتين أنها كانت أول من يبذر بذور السلام في المنطقة، وأن عملية الحل الشامل للصراع العربي الإسرائيلي بدأت في مؤتمر مدريد في تشرين أول 1991 والقائمة على تطبيق مبدأ الأرض مقابل السلام.‏

"وأول التحديات(برأي الحكومة المصرية) يتمثل في أنه يتعين قبل كل شيء آخر إنهاء الفصل المأساوي للصراع العربي الإسرائيلي، على أساس الأرض مقابل السلام، وبما يؤدي إلى سلام عادل وشامل في الشرق الأوسط، بمنح حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، والانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة في 1967، وتوفير السلام الكامل والحقيقي للجميع، وهنا يتعين علينا مباشرة بحث وتنقيب جديد عن السلام والأمن والتنمية".(187)‏

وتؤكد الورقة المصرية وجوب إقامة علاقات جديدة بين دول المنطقة ترتكز علىأربع دعامات تشكل فيما بينها نهجاً اندماجياً ومتداخلاً وهي:‏

1)التسوية السياسية. 2)الأمن الإقليمي وضبط التسلح. 3)التنمية الإقليمية. 4)متطلبات التعاون الإقليمي.‏

وتضمنت الورقة الرؤية المصرية للشرق الأوسط الجديد حيث جاء فيها:‏

"إن تحقيق سلام قابل للبقاء وتعاون اقتصادي على المستوى الإقليمي يقتضي الالتزام بمجموعة من القواعد والأسس المحددة، ذلك أنه:‏

1- يجب أن تحتكم الأطراف الإقليمية في علاقاتها بالقانون الدولي وجوهره متمثلاً في أغراض ومبادئ الأمم المتحدة.‏

2- يجب أن يكون التعاون الإقليمي في سياق السلام والأمن الشاملين لكافة الأطراف المعنية.‏

3- يتعين أن يقلل التعاون الإقليمي من التباينات والتناقضات الاقتصادية قدر الإمكان.‏

4- لابد من توازن المكاسب التي تحرزها كافة الأطراف المشتركة في العملية وأن تحرز منافع متبادلة على نحو متساوٍ متكافئ.‏

5- لابد من أن يرفع ذلك التعاون من درجة اندماج المنطقة في الأسواق العالمية.‏

6- لابد من أن يؤدي التعاون الإقليمي إلى ترقيه ورفع مكانة القطاع الخاص وأن يشمله بصورة فعالة.‏

7- إنه من المحتم تأسيس إطار عمل مؤسسي اقليمي لمواجهة القضايا والأمور المختلفة ذات الأهمية الحيوية لإحداث تنمية قابلة للبقاء في المنطقة، وذلك بإقامة عدد وافر من المؤسسات التي تدعو الحاجة إليها لمواجهة كافة القضايا سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية"(188).‏

وتمضي الورقة المصرية وتقول: "وتعتمد استراتيجية مصر للتنمية في المستقبل على خمسة عناصر رئيسية كل منها سوف يخدم الغايات والأهداف الإقليمية الخاصة بالنمو السريع والسلام والمساواة.‏

ويتمثل أول هذه العناصر: في دعم تنمية القطاع الخاص بالإسراع في تخفيض وتقليص دور الدولة وتحويلها إلى حكم ومنظم للنشاط الاقتصادي فقط.‏

العنصر الثاني: يكمن في تحويل الاقتصاد وتوجيهه نحو الإنتاج بغرض التصدير للخارج للسلع المصنعة عن طريق اتباع إجراء المزيد من تخفيف القيود الجمركية والتعريفية.....‏

المقوم الثالث: في استراتيجية مصر هو التركيز على التنمية البشرية باعتبارها مجالاً يمثل الأولوية في الاستثمار العام(الإنفاق العام) خلال العقدين القادمين. فقد حدث تحسن ملحوظ في مجالات الصحة والتعليم وتنظيم النسل خلال العقود الماضية.‏

ومن المتوقع حدوث المزيد من التحسن نتيجة تنفيذ برامج كبيرة لمحو الأمية والتوسع في الرعاية الصحية ومقاومة الأمراض ومد شبكات المياه والصرف الصحي وتأمين الفقراء بمظلة جيدة للضمان الإجتماعي.‏

العنصر الخامس والأخير: من استراتيجية مصر للمستقبل يتمثل في التحول من اقتصاد قائم على الصناعة إلى اقتصاد مرتكز على المعرفة.‏

إن القوة الرئيسية لمصر خاصة، وللمنطقة عامة تكمن في"رأسمالها الفكري" والذي إذا ما أُحسن استخدامه بالأسلوب المناسب، فإنه يتيح إنتاج سلع وخدمات ذات قيمة فائقة في مجالات مثل إنتاج برامج الكومبيوتر والتكنولوجيا الحيوية والذكاء الصناعي وخدمات المعلومات والاتصال. وستكون بمثابة المحرك الذي يدفع عجلة التسريع بالتنمية في المنطقة إلى الأمام من خلال تأثيرها على الإنتاجية الفردية والمؤسسية والإدارية."(189)‏



جمعية رجال الأعمال المصريين والتطبيع‏

زار وفد من جمعية رجال الأعمال المصريين إسرائيل في الفترة الواقعة من 4-11 تشرين الثاني عام 1994. وضم الوفد(35) من أعضاء الجمعية وبعض رجال الصحافة من جريدتي الأخبار والأهرام.‏

وقابل الوفد عزرا فايتسمان، رئيس دولة الكيان الصهيوني، وشمعون بيرس، وزير الخارجية وشمعون شتريت، وزير الاقتصاد والتخطيط.‏

شارك الوفد في مؤتمر القدس الثالث حول السوق الشرق أوسطية الذي حضره حوالي ألفين من رجال الأعمال من مختلف دول العالم. وأكد المؤتمر على إنهاء المقاطعة العربية بكافة أشكالها مع إسرائيل. وحضر حفل الافتتاح الجنرال رابين وتانسو تشيلر، رئيسة وزراء تركيا. وطالبا برفع الحواجز النفسية بين شعوب المنطقة، وتنمية منطقة الشرق الأوسط وترسيخ السلام.‏

وأكد المؤتمر بما فيه وفد الجمعية المصرية أن ليس هناك بديل عن قيام السوق الشرق أوسطية حتى يمكن لشعوب المنطقة مواجهة التكتلات الاقتصادية العالمية.‏

وأعلم بيرس وفد الجمعية الذي زاره في مكتبه بمقر وزارة الخارجية أنه لا يمكن نجاح الجهود السياسية دون نجاح الجهود الاقتصادية. وأشار إلى أهمية التنمية الاقتصادية لترسيخ عملية السلام في منطقة الشرق الأوسط ودور مصرف التنمية في تمويل مشاريع حيوية في مجالات الزراعة والصناعة والسياحة. واخبر الوفد عن مشروع سياحي هام يربط منطقة طابا وإيلات والعقبة، ثم يمكن ضم مناطق سعودية للمشروع بعد استقرار عملية السلام. وطالب أعضاء وفد الجمعية نسيان الماضي والعمل للمستقبل.‏

وجاء في خلاصة تقرير وفد الجمعية الذي وضعه بعد عودته إلى القاهرة مايلي:‏

* يوجد لدى مجتمع الأعمال الدولي إقبال على التعاون مع إسرائيل في كافة المجالات الإقتصادية والتجارية.‏

* إن هناك في إسرائيل تطورات اقتصادية وتنموية غير محدودة تتزايد بزيادة فرص السلام في المنطقة.‏

* إن هناك رغبة من مجتمع الأعمال الإسرائيلي والقيادات الإسرائيلية في التعاون مع مجتمع الأعمال المصري.‏

* من المتوقع أن تتضاعف حركة النمو الاقتصادي وضخ الاستثمارات داخل إسرائيل مما سيضاعف أهميتها الاقتصادية في المنطقة أمام التكتلات الاقتصادية العالمية ومؤسسات التمويل الدولية.‏

* تتخوف الشركات الإسرائيلية المنتجة لكثير من السلع والخدمات التي يحتاجها السوق الإسرائيلي والأسواق المحيطة به من إقبال الشركات المتعددة الجنسية إلى إسرائيل ودول المنطقة، مما سيؤثر على القدرة التنافسية للسلع والخدمات الإسرائيلية.‏

وأوصى تقرير الجمعية بمايلي: 1)الاتفاق بين الحكومتين لإلغاء تراخيص الاستيراد للسلع المصرية إلى الأسواق الإسرائيلية والفلسطينية أسوة بما قامت به الحكومة المصرية. 2)إعادة النظر في التعرفة الجمركية لتكون متساوية على مستوى السلع بين البلدين، وإلغاء الرسوم الإضافية على الواردات المصرية إلى إسرائيل.‏

3)السماح بشحن البضائع المصرية والإسرائيلية براً إلى أسواق البلدين مباشرة دون تفريغ البضائع على الحدود. 4)توقيع اتفاقيتي ضمان وحماية الاستثمار، وعدم الإزدواج الضريبي بين البلدين. 5)التعاون في مجال إقامة المناطق الحرة على الحدود المشتركة بين مصر وفلسطين وإسرائيل لخدمة أغراض استراتيجية في تلك الدول. 6)الاهتمام بالتنمية السياحية على المستوى الاستراتيجي لدول مصر وإسرائيل والأردن وتنفيذ مشروع .....البحر الأحمر. 7)فتح قنوات اتصال سريعة مباشرة مع الشركات الكبرى الإسرائيلية للتعاون في مجالات إقامة مشروعات البنية الأساسية مثل الطرق والسكك الحديدية والاتصالات ومشروعات الزراعة والمياه والتعاون في مجالات- أسواق ثالثة- وأوصى التقرير بإعادة النظر في السياسة الإعلامية والثقافية للبلدين لكسر الحواجز النفسية المتواجدة حالياً.‏



التطبيع في مجال الزراعة‏

تشكل الزراعة أهم النشاطات الاقتصادية في معظم البلدان العربية، ولا تزال غير متطورة وتعتمد على أساليب متخلفة في الري واستغلال الأراضي، وتوفر فرص العمل والغذاء للأغلبية العظمى من المواطنين. وتخطط إسرائيل زيادة أرباحها عن طريق ربط الأقطار العربية بمشاريع زراعية مشتركة معها لكي تتسلل إلى عصب الحياة فيها لاختراقها، لأن نشاطها في مجال التعاون الزراعي مع البلدان العربية سيبرمج ويخطط بحيث يخدم بصورة مباشرة الأهداف الإسرائيلية.‏

ذكر سيمحا إيرليخ، وزير الزراعة الإسرائيلي السابق بعض الأهداف الإسرائيلية في مجال التعاون الزراعي مع العرب وقال: "إن المشاريع والنشاطات الزراعية العربية ستعتمد على الخبرة والتجربة والتكنولوجيا الإسرائيلية. وإن أية محاولة لإنهاء دور إسرائيل في هذا المجال مستقبلاً ستكون متعذرة، لأن معنى ذلك التسبب في خسائر اقتصادية كبيرة قد تنجم عن توقف هذه المشاريع".(190)‏

وترمي إسرائيل من نشاطها في مجال الزراعة إلى التغلغل في هذا القطاع الاقتصادي الهام وتوجهه لخدمة الأهداف الإسرائيلية وذلك عن طريق التحكم بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالسياسات الزراعية العربية لتأمين حاجة إسرائيل من المواد الأولية اللازمة للصناعة فيها.‏

وتخطط إسرائيل على أساس المقايضة بتنفيذ مشاريع زراعية ضخمة في سيناء تعتمد على وسائل الري الحديثة مقابل جر مياه النيل إلى النقب، ومشاريع زراعية أخرى في الأردن وسورية ولبنان مقابل الانتفاع بحصة كبيرة من منابع الأردن واليرموك وبانياس والحاصباني والليطاني.‏

وتعتقد إسرائيل أن التعاون في مجال الزراعة سيقود إلى خلق علاقات بين المزارعين العرب وبينها من خلال الاستعانة بالخبرة الإسرائيلية والخبراء الإسرائيلين والمعدات الإسرائيلية مما يؤدي حتماً إلى خلق رابطة مصلحية، حيث "أن هذه الرابطة قد تؤدي إلى انبهار المزارعين المحليين بما حققته إسرائيل في مجال الزراعة وإعجابهم بمنجزاتها ويجعلهم يشعرون أنهم لا يستطيعون أن يستغنوا عن هذه الخبرة والخبراء".(191).‏

وحددت الدراسة التي وضعتها مؤسسة أرمند هامر نقل الخبرة الإسرائيلية في مجال استصلاح الأراضي ونظم الري الحديثة إلى مصر، وحددت التعاون المشترك في مجالات:‏

* التبادل التجاري في مجال المنتجات الزراعية.‏

* نقل المعرفة التكنولوجية الخاصة بالأبحاث وتصحيحات المشروعات المتطورة.‏

* المشاركة في الصناعات الغذائية التي تعتمد على القطاع الخاص.‏

* إمداد الحكومة بأنظمة التدريب الإسرائيلية وتوظيف نظام البحوث للتدريب والذي سيتم تطويره في إسرائيل.‏



وتخطط إسرائيل لبيع الأسمدة والمبيدات والهرمونات والاستفادة من منح مصر تسهيلات وامتيازات ومنح كثيرة.‏

وتتذرع إسرائيل بوقاحة منقطعة النظير بحاجتها إلى نقل مياه النيل إليها لحل المشاكل المائية في الأردن والضفة الغربية وقطاع غزة، وهي التي تسرق وتنهب المياه في هذه المناطق العربية وتمنع أصحابها العرب من استغلالها والاستفادة منها.." وترى إسرائيل أن مصر تتولى مشروع ايصال مياه النيل إلى سيناء، وأن المشروع لن يحتاج إلا توسيعه لينقل هذه المياه المطلوبة في إسرائيل......‏

والمعروف أيضاً أن إسرائيل تقوم بسحب(50) ألف م3 يومياً من مياه جوفية عميقة في سيناء لصالح مستعمراتها في النقب"(192).‏

وقعت مصر كأول دولة عربية في تاريخ الصراع العربي الصهيوني اتفاقية للتعاون الزراعي في تل أبيب بتاريخ 24/3/1980 وشملت الاتفاقية أوجه التعاون الفني الزراعي التالية:‏

* تبادل البعثات الدراسية للخبراء الزراعيين وإعداد دورات تعليمية مشتركة.‏

* التعاون في مجال تطوير الزراعة للخضراوات والفواكه والتوابل والنباتات الطبيعية.‏

* التعاون في مجال البحث التطبيقي في جميع فروع الزراعة وتبادل الخبرات العلمية.‏

* التعاون في مجال الخدمات البيطرية ووقاية النباتات والإدارة المشتركة لمزارع تربية الدواجن وحظائر المواشي والتلقيح الصناعي.‏

* تنظيم تعاونيات زراعية لإنتاج وتسويق منتجات زراعية.‏

* التعاون المشترك في إقامة ثلاجات ومعامل تعبئة وتغليف. ومسالخ آلية.‏

وكان قد تأسس في عام 1977 الصندوق الأميركي الإسرائيلي المشترك للبحث والتطوير وأنفق خلال عشر سنوات أي حتى عام 1987 حوالي(63) مليون دولار على 374 مشروعاً لإدارة المياه ووسائل تحسين الإنتاج الزراعي وتطوير أنواع من النباتات ذات قدرة على مقاومة الجفاف.‏

وأقر الكونغرس الأميركي(وهو الكنيست الثاني) برنامجين للمساعدات لتمويل المشروعات العلمية في مجال استصلاح الأراضي الزراعية والنباتات والمحاصيل الزراعية بين إسرائيل والدول العربية.‏

وتضمن التقرير الذي وضعه وفد غرفة الصناعة المصرية بعد عودته من زيارة قام بها لإسرائيل موقف إسرائيل في مجال الزراعة مع مصر أنه"يمكن بناء تعاون زراعي بين البلدين مبني على الخبرة الإسرائيلية. ويرغب الإسرائيليون في التعاون مع مصر في توزيع منتجاتهم الزراعية إلى دول الخليج التي تستورد بمليارات الدولارات من هذه المنتجات وترغب إسرائيل في إقامة مشروعات زراعية مشتركة في مصر تقوم على أساس استخدام التكنولوجيا الحديثة التي تتمتع بها إسرائيل بدرجة عالية."(193).‏

ووضعت إسرائيل إمكاناتها التكنولوجية في مجال الزراعة بصيغة فريدة من نوعها ولكنها غير حقيقية لأن التكنولوجيا الزراعية وأنظمة الري الحديثة موجودة في العديد من بلدان العالم.‏

"كما أن الخبرة الإسرائيلية التي كانت وراء مشروع الصالحية بمصر قد أدت به إلى خسائر فادحة سرعان ما أوصلته للإفلاس، وكذلك مشروع الألبان بنفس المشروع والذي اعتمد تقريباً على كل شيء من إسرائيل فإنه لقي نفس المصير". (194).‏

"كما أن تجارب المصريين مع التطبيع الزراعي الرسمي وهو تسليم مزرعة مستوطنة ينعوت سيناي عند تسليم العريش. ورغم أن الاتفاق هو تسليمها تعمل إلاّ أن مصر قد تسلمتها خراباً ونقلوا كل ما يمكن نقله وقاموا بحرق مالم يمكن نقله ومن بينها المزروعات كما قاموا بنسف آبار الري وخزانات المياه في مستعمرة ياميت. وابقوا الأنفاق التي كانت تربط المستعمرة بإسرائيل لتسهيل هروبهم في تهريب المزروعات ومئات الأطنان من المبيدات المحظورة دولياً والتقاوي الفاسدة والتي بها إشعاع والأسمدة الورقية غير الصالحة والهرمونات المحظور استخدامها دولياً. وأكدت مصادر مؤتمر التنمية الزراعية الذي عقد في الإسكندرية في عام 1992 أن مصر شهدت تسرب 85 نوعاً من البذور والأسمدة والمبيدات والهرمونات الضارة من إسرائيل".‏

كما قامت إسرائيل بإدخال العديد من الأمراض للإنسان والحيوان والنباتات والنحل وكان آخرها مرض صانعة الأنفاق في الموالح الذي دمر70% من إنتاج مصر من الموالح. كما قامت بسرقة العديد من الجينات الوراثية للنخيل وطماطم تتحمل الملوحة وشعير بري وخيار بري وأغنام من واحة الفرافرة وماعز الزرابي المشهور ودواجن مصرية عارية الرقبة كل ذلك استعداداً لتنفيذ اتفاقية الجات."(195).‏

التطبيع في مجال المياه‏

أصبحت قلة المياه عاملاً أساسياً يعرقل التوسع الزراعي واستصلاح الأراضي في البلدان العربية، مما يعرقل تحقيق الأمن الغذائي العربي، لذلك تدرك الحكومات العربية مدى الحاجة الماسة لتطوير وتنمية الموارد المائية والاستخدام الرشيد لها.‏

وضعت مراكز البحث العلمي والجمعيات والوزارات الإسرائيلية مخططات لاستغلال المياه العربية. وزعمت أن لها حقوقاً في مياه الأنهار العربية والمياه الجوفية. ونجحت بتشكيل لجنة للمياه انبثقت عن المفاوضات المتعددة الأطراف.‏

وتطمح تركيا عن طريق تحالفها العسكري مع العدو الإسرائيلي في لعب دور إقليمي كبير يحقق لها مكاسب سياسية واقتصادية وعسكرية في إطار الصراع للسيطرة على النفط العربي وأمواله وأسواقه والسيطرة على المياه في الوطن العربي والتحكم فيها.‏

ويعتقد حكام إسرائيل وتركيا أن الحرب القادمة في الشرق الأوسط قد تنشب بسبب المياه، حيث تتحكم تركيا بشكل تعسفي يخالف مبادئ القانون الدولي في مياه نهري دجلة والفرات وتملك فائضاً هائلاً من الثروة المائية. وتطرح المياه التركية مقابل النفط العربي: برميل مياه مقابل برميل نفط. ومن ضمن المشاريع المائية التي تطرحها تركيا وإسرائيل: مشروع أنابيب السلام التركي، حيث سيتم سحب المياه من نهري سيحون وجيحون، جنوب تركيا في خطوط للأنابيب تصل إلى العدو الإسرائيلي وبعض دول الخليج العربية.‏

وتنوي تركيا تحقيق أرباح مالية هائلة مقابل بيع المياه لدول الخليج دون أن تتحمل تركيا النفقات الباهظة للمشروع. وتكمن خطورته في كون أن له طبيعة استراتيجية وسياسية واقتصادية لتركيا وإسرائيل، حيث يتعلق بالسيادة العربية على مياه الأنهر العربية وبهيمنة إسرائيل وتركيا على شرايين الحياة الاقتصادية في البلدان العربية.‏

وتحاول تركيا عن طريق تحالفها مع إسرائيل أن تلعب دوراً كبيراً في النظام الإقليمي الشرق أوسطي عبر مشاريع المياه ونقل النفط والتعاون الأمني والعسكري، خصوصاً بعد أن أقفلت في وجهها أبواب البلقان والدول الإسلامية في آسيا الوسطى وعلاقاتها متوترة بشكل دائم مع قبرص واليونان والعراق وسورية.‏

وتشير وثائق ومحادثات اللجان المنبثقة عن المفاوضات المتعددة الأطراف إلى رغبة تركيا وإسرائيل القيام بدور هام ومتحكم في قضايا المياه والنقل والمبادلات التجارية.‏

لقد طالب شمعون بيرس في كلمته إمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ بتاريخ 9 آذار 1993 ببناء شرق أوسط جديد، من خلال إنشاء سوق شرق أوسطية مشتركة، على أساس من المياه والسياحة، مثلما قامت السوق الأوروبية المشتركة على أساس من الفحم والحديد.‏

وتناول بيرس في كتابه" الشرق الأوسط الجديد" مشكلة المياه وأشار إلى أن سياسات الدول في المنطقة لا تأخذ في الاعتبار احتياجات الدول المجاورة والأجيال القادمة وأوضح أن المياه في المنطقة هي ملك للمنطقة كلها وليس لبلد من البلدان.‏

وورد في كتاب أصدرته مؤسسة أرمند هامر عام 1992 حول"المياه والسلام" "أن وفرة المياه في بعض المناطق، مقارنة بشحها في مناطق أخرى، تستدعي حلاً إقليمياً مشتركاً. وينبغي أن ينتج من الحل الإقليمي هذا إعادة توزيع الموارد المائية وفق اتفاق يقوم على نقل المياه إلى المناطق التي لا تحصل عليها بصورةً طبيعيةً".(196).‏

ويؤكد مؤلفا الكتاب" الموارد المائية في المنطقة هي نتيجةأوضاع جغرافية عشوائية. وهذه العشوائية تطرح تساؤلات بشأن مفاهيم مثل الملكية والشرعية للاستخدام المحلي الخاص." وبتعبير آخر: "إن مصلحة إسرائيل هي التي تحدد، بالملموس، الأساس الذي يُعتمد في كل مجالات العلاقة مع المحيط."(197).‏

وتنهب إسرائيل بشكل بشع مياه الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان ولبنان. وتعمل بمساعدة الولايات المتحدة على ضمان حقوق استغلال المياه الممارسة حالياً بقوة العدوان والاحتلال والتي تعتمد على التدفق المائي من الجولان إلى الجليل ونهر اليرموك. ونظراً لنقص المياه في الضفة والقطاع والأردن تطرح المشاريع الإسرائيلية فكرة استيراد المياه من الليطاني واليرموك والنيل وتركيا.‏

ولقد نجحت إسرائيل في فرض تصوراتها وشروطها على الأردن فيما يتعلق بموضوع المياه بدءاً من مشكلة سد الوحدة ومروراً بالمياه الجوفية في الأراضي التي تنازلت عنها الأردن بموجب اتفاق وادي عربة ووصولاً إلى مياه اليرموك، وأمور أخرى سرية لم يعلن عنها حتى الآن.‏

وتقترح إسرائيل على مصر بيع مياه النيل ونقلها إلى النقب، بينما تقترح على لبنان تحويل مياه الليطاني إلى بحيرة طبرية والاستغلال المشترك لمياه نهر الحاصباني.‏

وقامت جامعة تل أبيب بإعداد دراسة تناولت وفرة المياه والأراضي الصالحة للزراعة في لبنان. وترى أنه يمكن التعاون في مجال المشروعات الزراعية واستصلاح الأراضي وتقول الدراسة: "إن وجود سياسة حكيمة لتوحيد وضم الأراضي عبر الحدود الإسرائيلية واللبنانية يمكن أن يؤدي إلى توزيع أكثر كفاءة للمياه، وأن ذلك يحتاج إلى تكثيف عمليات الاستيطان، كما ترى إسرائيل أن لبنان يمكن أن يصبح معبراً لمنتجاتها الزراعية إلى الدول العربية عبر تجار لبنانيين وبدون علامات تجارية إسرائيلية."(198).‏

وتنهب إسرائيل مياه الجولان منذ حرب حزيران العدوانية التي أشعلتها عام 1967 وتسرقها بالكامل وخاصة المتدفقة منه إلى بحيرة طبريا بالإضافة إلى العيون والآبار الإرتوازية الموجودة في الهضبة السورية المحتلة. كما يقوم المستوطنون اليهود بزراعة الأراضي السورية التي كان يفلحها المزارع السوري قبل عدوان عام (1967).‏

منعت إسرائيل الشعب الفلسطيني من حقه في السيادة على مياهه وأرضه وسمائه في الضفة والقطاع. وأبقت السيطرة على المياه والتحكم فيها بأيديها وليس بأيدي سلطة الحكم الذاتي. وحددت كمية المياه للفلسيطيني وتسرق معظم المياه الفلسطينية للمستعمرات اليهودية ولاسرائيل. وحددت الأراضي الفلسطينية التي تزرع وفتحت الأسواق الفلسطينية أمام المنتجات الإسرائيلية وأغلقت أبوابها أمام المنتجات الفلسطينية الزراعية.‏

ووصلت الاطماع والوقاحة الإسرائيلية حداً أكد فيه مركز يافه للدراسات الاستراتيجية في جامعة تل أبيب"أن تخلي إسرائيل تخلياً واسع النطاق عن سيطرتها على مصادر المياه في الضفة الغربية يمكن أن يلحق باقتصاد إسرائيل وزراعتها وبيئتها كوارث. إن الوضع النهائي للتسوية ينبغي أن يضمن سيطرة إسرائيلية طويلة المدى على الخزانات الجوفية، وهي المناطق التي استوطنتها إسرائيل بكثافة نسبياً منذ 1967."(199).‏

وتعلن إسرائيل بصلف لا نظير له وبتضليل منقطع النظير أن مشروعات التطبيع في مجالي المياه والزراعة تعتمد على المصالح المشتركة لإسرائيل والأطراف العربية وتوفر عامل الثقة(التي لا يمكن لها أن تتوفر في نفسية اليهودي) لإيجاد أسس حقيقية في استمرار السلام(الإسرئيلي).‏

إن المشروعات الإسرائيلية سواء كانت خاصة أو مشتركة تنطلق من مصلحة إسرائيل أولاً وأخيراً. وتضيف لها موارد جديدة من المياه والطاقة عن طريق مياه نهر اليرموك والليطاني والحاصباني والوزان والنيل. وتوفر التمويل الدولي بشروط تزيد من فرص تحقيق المخططات الإسرائيلية. بينما لا تستفيد الأطراف العربية من هذه المشروعات سوى استفحال أزماتها المائية وخاصة الأردن وسورية ومصر.‏

وتؤمن إسرائيل من هذه المشروعات حاجتها لاستيعاب المهاجرين اليهود كما تكرس سيطرة إسرائيل على الموارد المائية العربية.‏

ونجحت إسرائيل من خلال الاحتلال ومن خلال اتفاقات الإذعان في أوسلو وملحقاتها في الاستمرار في نهب الموارد المائية الفلسطينية حيث بلورت وزارة الزراعة الإسرائيلية موقفها في وثيقة تضمنت:‏

"1- ليس في الإمكان الفصل بين مرفقي المياه في إسرائيل والإدارة الذاتية.‏

2- إدارة مرفق المياه في مناطق الإدارة الذاتية تتم بواسطة هيئة مشتركة.‏

3- أن ينص أي اتفاق يوقع بين إسرائيل والفلسطينيين على عدم تقليص حصص المياه المخصصة للمستوطنات اليهودية.‏

4- فتح الحدود بين إسرائيل والإدارة الذاتية سيكون بالتدريج من أجل الحيلولة دون انهيار الزراعة في إسرائيل".(200).‏

وأقرت اتفاقات الإذعان في أوسلو ووادي عربة هذه الشروط وحق إسرائيل في السيطرة على المياه الفلسطينية. كما اعترف الأردن بحق إسرائيل في مياه الأردن واليرموك ملغياً حقوق الفلسطينيين ومتجاهلاً حقوق سورية في مياه النهرين.‏

إن مشاريع إسرائيل المائية المطروحة تظهر بجلاء أطماع إسرائيل في تغطية احتياجاتها المائية الراهنة والمستقبلية والتي تزداد باستمرار بكميات كبيرة نظراً لاستمرار الهجرة اليهودية والتوسع في المجال الصناعي. وتنطلق المشاريع المائية من مصلحة إسرائيل متجاهلة مبدأ الحقوق والتكافؤ وموقف القانون الدولي وتتجاهل بشكل فاضح حقوق العرب ومصالحهم ولا تنطلق ولا تهتم إلاّ بمصلحتها على حساب مصالح العرب المائية الحيوية كما يحدث حالياً في قطاع غزة والضفة الغربية والأردن والجولان وجنوب لبنان.‏

ولا أستبعد أن تلجأ إسرائيل في حال نجاحها مع الدول العربية في فرض تصوراتها ومخططاتها المائية عليهم وقبولهم لها أن تقوم بتعميم هذا المبدأ على النفط والغاز، كما لا أستبعد أن ترفض في المستقبل سداد ثمن النفط والغاز ولتبلِّط قطر على سبيل المثال البحرين البحر المتوسط والبحر الأحمر .‏

"إن المقترحات والمشاريع الإسرائيلية، فيما يتعلق ببعض مشاريع البنية التحتية على الأقل، تقود إلى دمج إسرائيل في المنطقة دمجاً غير متكافئ ويمنحها ميزات مهمة.".(201)‏

وتؤدي المشاريع المطروحة إلى توسيع الفجوة في توزيع المياه والتي نتجت عن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية لمصلحة إسرائيل وعلى حساب البلدان العربية.‏

وورد في وثيقة صادرة عن وزارة الخارجية الإسرائيلية ووزعت في حزيران 1994في بروكسل لتحديد موقف إسرائيل من مشكلة المياه في المفاوضات المتعددة الأطراف ما يلي:‏

"يشكل نقص المياه قضية أساسية في عموم أنحاء الشرق الأوسط. وعلى العديد من الدول أن تتقاسم، بشكل عام، الموارد الموجودة، لأن الحدود السياسية تفقد كل دلالاتها عندما يتعلق الأمر بالإستعمال المشترك للموارد الموجودة، لذا يصبح ممكناً أن تكون المياه عاملاً مساعداً في إقامة تنسيق لاحلال السلام في المنطقة وتطويرها،، بدلاً من أن تكون عامل نزاعات وأزمات وتوتر."‏

وتعني هذه العبارة أن موقف إسرائيل من المياه العربية يقوم على إجبار البلدان العربية المجاورة لفلسطين على اقتسام مياهها مع اسرائيل وتطرح نفسها مركزاً لتجميع المياه العربية في بحيراتها وبحارها(البحر الميت) وأنهرها، وبالتالي وضعها تحت سيطرة إسرائيل لتتحكم بتوزيعها وهي المتفوقة عسكرياً وتملك الأسلحة النووية والعلاقات الحميمة مع الولايات المتحدة حتى يمكن القول إن القرار الأميركي في قضايا الشرق الأوسط وبشكل خاص الدول العربية والإسلامية قرار إسرائيلي.‏

ويبين استغلال إسرائيل البشع للمياه في الضفة الغربية وجنوب لبنان الموقف الإسرائيلي القائم على أخذ احتياجاتها المائية المتزايدة بالقوة ونهبها بشكل منظم. وتستهلك المطابخ والمزارع الإسرائيلية ثلث احتياجاتها المائية من مياه الضفة الغربية، ناهيك عن نهب إسرائيل لمياه الحاصباني والوزان والليطاني والمياه الجوفية في الجنوب اللبناني والجولان، حيث قامت بحفر(4) آبار في مجدل شمس، تنقل مياه ثلاثة منها إلى إسرائيل. وتبيع مياه البئر الرابعة لأهالي البلدة..‏

وتظهر أطماع إسرائيل في المياه العربية بالمخططات الإسرائيلية التي تتناول مشكلة المياه الإسرائيلية في إطار التطبيع حيث تؤكد أن أي اتفاق سلام إقليمي ستكون مشكلة المياه بنداً من بنوده لتقاسم مياه المنطقة وخاصة خزانات المياه الجوفية المرتبطة بنهر اليرموك ووادي عربة والتي تشترك فلسطين والأردن فيها وخزانات المياه الجوفية في الضفة والقطاع.‏

وتعتبر إسرائيل أن مشكلات المياه يمكن أن تشكل خطراً على السلام لضمان أكبر نصيب ممكن من المياه العربية للمهاجرين والمستوطنين اليهود وخاصة نقص المياه المتزايد في الضفة والقطاع الذي تقوم إسرائيل بسرقته يومياً. وتقترح أن تحل مشكلة المياه من خلال:‏

1- اتفاقات مع مصر من خلال التعاون الثنائي في استخدام الموارد المصرية من أرض ومياه في الأراضي المصرية.‏

2- نقل مياه النيل إلى إسرائيل.‏

ومن خلال اتفاقات مع الأردن تقوم على إدارة الأحواض المشتركة بين الدولتين وتخزين مياه اليرموك في بحيرة طبريا، وإقامة قناة البحرين لجر مياه البحر الأحمر إلى البحر الميت. وتقوم بتخزين مياه اليرموك التي تستغلها الأردن في بحيرة طبريا فيتوفر لإسرائيل حوالي(300) مليون م3 لاستهلاكها و(19) مليون م3 لصالح الأردن ومن خلال اتفاقات مع لبنان تقوم على نقل مياه الليطاني إلى إسرائيل واستغلال مياه الحاصباني في الري وتوليد الكهرباء وتزويد المستهلكين الإسرائيليين بالمياه اللبنانية. والعمل على تحلية مياه البحر.‏

وبالمقابل تقترح تزويد الضفة والقطاع بمياه من مصادر خارجية لكي تستمر في نهب وسرقة مياه الأراضي الفلسطينية.‏

وتنظر إلى التعاون المصري في مجال المياه إلى استغلال مياه النيل في مشروعات زراعية مشتركة في مصر تعتمد على الأرض والمياه والعمالة المصرية ورأس المال والتكنولوجيا الإسرائيلية وإدارة إسرائيلية لزيادة أرباحها.‏




التوقيع

إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بدّ أن يستجيب القــــدر
و لا بــــدّ لليــل أن ينجلــي
و لا بـــدّ للقيــد أن ينكسـر
رد مع اقتباس
قديم 04-20-2010, 05:54 PM   رقم المشاركة : 24
الهادي الزغيدي
عضو





الهادي الزغيدي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: - القمم والمؤتمرات الاقتصادية والأمنية من التطبيع إلى الهيمنة -

مصر والتطبيع

وقعت مصر في 26 آذار 1979 في واشنطن المعاهدة المصرية- الإسرائيلية وملحقاتها وترتب عليها العديد من الآثار بعيدة المدى حول التطبيع والصراع العربي - الإسرائيلي واستقلال مصر وسيادتها والتزاماتها العربية وعلاقاتها مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل.‏

أكدت المعاهدة أنه في حالة تعارض الالتزامات الواردة فيها لأي طرف مع الالتزامات الناشئة عن المعاهدة فإن الالتزامات المترتبة على المعاهدة تكون ملزمة ونافذة، وبالتالي فإن المعاهدة تلزم مصر بنقض التزاماتها العربية السابقة مع الدول العربية وتجاه قضية فلسطين.‏

ويتضمن الملحق الثالث للمعاهدة بروتوكولاً لتطبيع العلاقات بين البلدين في المجالات الدبلوماسية والقنصلية والاقتصادية والتجارية والثقافية والنقل والمواصلات وحرية التنقل.‏

واتفق البلدان على إنشاء لجنة عليا للتطبيع انبثقت عنها عدة لجان فرعية وقعت عدة اتفاقات بشأن تطبيع العلاقات بين البلدين.‏

وكان السادات قد وقع على إنشاء الغرفة المصرية الأميركية للتجارة، ولكنها تأسست في تشرين الأول 1981، بعد مقتله بأقل من أسبوع، وبدأت نشاطاتها في أوائل التسعينات بالرغم من أن تسجيلها قد تم في 1982.‏

وأخذت تلعب دوراً في التطبيع أبعد بكثير من الهدف الذي أُنشئت من أجله وهو تشجيع حركة التجارة بين البلدين. ويعتبرها بعض المراقبين "غرفة ضغط ورعاية مصالح خاصة ووكر للأعمال الغامضة والمريبة".‏

ويقول تعريف الغرفة المدون في وثائقها: "إنها صوت هام لنمو القطاع الخاص، وإنها تستقطب معظم الشركات عابرة الجنسية التي تعمل في مصر، وإنها واحدة من أنشط التكوينات عابرة المحيطات لغرف التجارة الأميركية".(177).‏

وتضم الغرفة 14 لجنة منها: لجنة الزراعة، المقاولات والهندسة، البيئة، التسويق، التنمية البشرية، الصناعة والاستثمار، النفط، السياحة، التجارة والتصدير، ولجنة شؤون العضوية والبرامج. ويتولى رجل السياحة المصري رمزي رشدي شؤون العضوية والبرامج وأعلن أن كتلة الأعضاء الثابتة بالغرفة حوالي (350) عضواً، هم ممثلو ووكلاء الشركات الأميركية الكبرى. وافتتحت الغرفة فرعاً لها في الاسكندرية، ومكتب تمثيل في واشنطن.‏

وأكد روبرت بيللترو، مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط "إن الغرفة الأميركية للتجارة في مصر" تجمع قوي لجهودنا المشتركة من أجل إعادة هيكلة الاقتصاد وتعبيد الطريق إلى سوق مفتوحة أكثر.‏

"وتضم الغرفة خليطاً متجانساً من الأعضاء، منهم من له ارتباطات قوية بالسوق الوطنية أو بالسوق العربية، ومنهم من قطع هذه النوعية من الارتباطات القومية ومال إلى الخارج، ومنهم من يعمل وفق رؤية اقتصادية أو اقتصادية سياسية، ومنهم من لا يشغله سوى زيادة الكسب".(178).‏

ولعبت الغرفة دوراً في التمهيد للتحولات الاقتصادية باتجاه حرية السوق، وفي إصدار معاهدة ضمان الاستثمارات الأميركية وتأييد قوانين السوق المالية والاقتصادية والقضائية.‏

وتعمل الغرفة لدفع أعضائها إلى تأييد مخططات الشرق أوسطية وزيادة النفوذ التجاري للشركات الأميركية في مصر والسير وفق تعليمات المصرف الدولي والصندوق الدولي.‏

وأعلن محمد شفيق جبر، رئيس الغرفة "إن التطلعات الاقتصادية الأميركية تؤكد أن هناك أهمية كبرى للتعاون الاقتصادي مع مصر والشرق الأوسط، وأن هذه الأهمية ستزداد في الفترة المقبلة، فالتقارير الأميركية تؤكد أن منطقة الشرق الأوسط ستكون من أكبر الأسواق الواعدة في تطوير وزيادة التجارة الدولية"(179).‏

ولكن الدكتور محمود عثمان، الأستاذ بكلية التجارة في جامعة القاهرة يقول إن "الغرفة الأميركية فشلت حتى الآن في تحقيق أية نتائج لصالح تنمية التجارة المصرية مع أميركا، وتحوّل الوضع في بعض الحالات إلى خدمة المصالح الاقتصادية والتجارية الأميركية في مصر".‏

ويؤكد محمد فريد خميس، رئيس اتحاد الصناعات المصرية أن الجانب الأميركي يصرُّ على فرض قيود عديدة وتحت مسميات وأشكال متعددة، فيرفض نقل التكنولوجيا الصناعية إلى مصر، بويضع شروطاً مجحفة لتقليل حجم تواجد السلع والمنتجات المصرية في الأسواق الأميركية، الأمر الذي سبب أضراراً ببعض الصناعات مثل صناعة الملابس القطنية".‏

وتخفي جمعية رجال الأعمال المصريين-الأميركيين مواقفها وآرائها بدواعي "البزنس" وتتناول فقط الأوضاع الاقتصادية وفرص الاستثمار، وتركز على الشرق أوسطية، إلاّ أنه برزت رغبة ملحّة وسط دوائر رجال الأعمال ترى في البعد العربي أولوية ملحة لمصر، بهدف بلورة سند يوازنون به ثقل الاتجاه الشرق أوسطي.‏

وفي منتصف عام 1995 تم إنشاء المجلس الرئاسي المصري-الأميركي. وأعطى تأسيسه دفعة لجمعية رجال الأعمال المصريين التي يرأسها سعيد الطويل، المؤيد بشدة للشرق أوسطية وقام الطويل بعدة زيارات لإسرائيل وأعلن: "أنه لا أمل في النمو السريع من دون فتح الباب للشركات عابرة الجنسية، والإسراع أكثر في الخصخصة من دون خوف من بعبع العمال"(180).‏

وتدعم الغرفة التجارية المصرية- الأميركية، والغرفة التجارية العربية- الألمانية والمركز المصري للدراسات الاقتصادية والمجلس الرئاسي المصري بشدة الشرق أوسطية.‏

ويسود في مصر اتجاهان: الأول: العروبي، والثاني: الشرق أوسطي، ويقود رجل الأعمال أشرف مروان الاتجاه العروبي والذي يضم رئيس اتحاد الصناعات، ورئيس المصرف الأهلي ورئيس اتحاد مصارف مصر وبعض رجال الأعمال المصريين في الدول العربية والذين برز منهم محمد مختار، الذي شن هجوماً كاسحاً على أعداء القطاع العام وقال: "إن القطاع العام هو الفعال الشريف الذي لولاه لانهزمت مصر في الحرب والسلام، داعياً المسؤولين إلى الوقوف ضد محاولات تصفية القطاع العام وإهانته"(181).‏

كانت الحكومة تدعم رجال الأعمال الشرق أوسطيين، لكن الوضع بدأ يختلف بعد تبني الحكومة إقامة السوق العربية المشتركة وأصبح الاتجاه العروبي لا يستهان به، لأن رموزه هم أصحاب أهم وأكبر المشروعات الاستثمارية في مصر ويتمتعون بتأييد عربي كبير.‏

وتلتزم الصحف الرسمية المصرية بموقف السلطة السياسية في تناول مواضيع التطبيع وتتأثر معالجتها بموقف السلطة.‏

فعندما تتحمس السلطة للتطبيع ينعكس ذلك في الصحف الرسمية التي كانت تبالغ بإيجابيات التطبيع وسلام الشجعان. وعندما ضربت إسرائيل المفاعل الذري في بغداد كانت ردود الفعل الرسمية في مصر هزيلة ولا تتناسب إطلاقاً مع الجريمة النكراء التي اقترفتها إسرائيل، وعكست الصحافة الرسمية الموقف المصري.‏

وعندما أعلنت إسرائيل ضم الجولان ووقعت معها الولايات المتحدة اتفاق التحالف الاستراتيجي لم تتخذ الصحف الرسمية موقفاً يتناسب مع خطورة هذين الموضوعين بل التزمت السطحية في معالجتها تجسيداً لموقف الحكومة المصرية.‏

وتناولت الصحف التطبيع في مرحلة السادات من 1979-1981 بكثير من التفاؤل والإيجابية، وركزّت على:‏

* كيل المديح لاتفاقيتي كمب ديفيد ومعاهدة السلام.‏

* انتقاد ومهاجمة الموقف العربي الرافض للمعاهدة.‏

* الدعوة إلى التعايش بين الشعبين المصري والإسرائيلي.‏

وأكدت على أن التطبيع قرار صائب.‏

ولكن عندما جاء الرئيس مبارك وتصاعدت ممارسات إسرائيل العدوانية والاستيطانية وبلغت ذروتها بغزو لبنان عام 1982 ومجازر صبرا وشاتيلا والتمسك بطابا ورفض المؤتمر الدولي بدأت هذه الصحافة تغيّر لهجتها إلى حد نعتت إسرائيل بالعنصرية والنازية.‏

ويمكن القول إن ضرب المفاعل الذري في بغداد وأزمة طابا وغزو لبنان والاستمرار في بناء المستوطنات قد أثرت على عملية التطبيع مع مصر.‏

ومن الجدير بالذكر أن الصحف الرسمية لم تتح المجال لوجهة النظر المصرية التي ترفض التطبيع بالظهور على صفحاتها بل أيدت التطبيع وروجت له. وكانت بعض المقالات تؤكد أن الهدف من التطبيع ترويض الأمة العربية وتطويعها والقضاء على الهوية الفكرية والثقافية للشعب العربي من خلال مخطط وعملية غزو ثقافي مدروسة. وأكدت أن نجاح عملية التطبيع يتطلب: سلوك إسرائيلي مؤيد للسلام، ودور أميركي فعال للضغط على إسرائيل، وتضامن عربي، وموقف عربي موحد.‏

وتناولت الصحف الحزبية عمليات التطبيع السياسي والاقتصادي والثقافي. وتجلت معالجتها لهذه القضايا بالرفض المبدئي للتعامل مع العدو الإسرائيلي. وأكدت بعضها كصحيفة الأهالي على وجوب حصر التطبيع في المجال الحكومي وأكدت بعضها كصحيفة العمل رفضها التام لمعاهدة السلام والتطبيع.‏

وتناولت صحيفة الشعب رفضها لجميع أشكال التعاون الثقافي والتطبيع التجاري والزراعي والسياحي واتسم موقفها بالرفض الكامل للتطبيع الاقتصادي وطالبت بمقاطعة جميع المنتجات الإسرائيلية.‏

وجاء في تقرير وفد غرفة الصناعة المصرية عن دور مصر وإسرائيل في السوق الشرق أوسطية: "إن استخدام مصر كمعبر إلى البلاد العربية وخاصة دول الخليج وهو مايلزم إسرائيل في المدى القصير ثم تنطلق العلاقات مباشرة مع دول الخليج دون وسيط... وإنه من المفترض أن يبدأ التعاون الاقتصادي مع مصر بالتكامل وعدم خلق كيانات أو مشروعات اقتصادية كبرى تتعارض مع المشروعات القائمة حالياً بين البلدين".‏

إن رجال الأعمال المصريين على استعداد لأن يكونوا بمثابة جسر لعبور المنتجات الإسرائيلية إلى بلدان الخليج بغض النظر عن إمكانية غلق أسواق هذه البلدان أمام منتجاتهم. "وإذا كان بمقدور رجال ومؤسسات الأعمال المصريين أن يفتحوا أو يشاركوا في فتح أسواق الأقطار العربية الأخرى أمام إسرائيل فلماذا لا يفتحونها أو يوسعونها لأنفسهم...‏

وإذا كان في مقدور هؤلاء أن يحققوا تكامل الاقتصاد المصري مع الاقتصاد الإسرائيلي فلماذا لا يسعون إلى تحقيق مثل هذا التكامل مع الاقتصادات العربية؟!(182).‏

ويقترح التقرير إقامة سوق شرق أوسطية تقودها مصر حيث جاء في التقرير:‏

"إن تقرير التنمية لصالح شعوب المنطقة يتطلب قيام قوة اقتصادية تقودها مصر (سوق اقتصادية شرق أوسطية) لتبادل المنافع بين جميع دول المنطقة وترسيخ السلام".‏

ونجحت إسرائيل في حمل بعض الاقتصاديين العرب على الهرولة إليها عن طريق إذكاء نار التنافس بين المصريين والأردنيين تماماً كما فعلت إسرائيل مع سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني والأردن بخصوص القدس لكي تصبح تل أبيب مكة العرب السياسية والاقتصادية.‏

وتجلى ذلك بجلاء في التوصية الأولى التي تضمنها تقرير وفد رجال الأعمال المصريين وهي:‏

"التوصية بإقامة منطقة صناعية حرة في الأراضي المصرية على الحدود المشتركة لإقامة مشروعات صناعية وتوصي أن يعلن عن ذلك فوراً والبدء في التنفيذ.وذلك لإجهاض مشروعات أخرى تتبلور حالياً منها منطقة حرة للصناعة والسياحة والتجارة الدولية مشتركة بين الأردن وإسرائيل على الحدود في أراضي مشتركة فيهما، وفي قناعتنا فإن سرعة البدء لدينا ستحدد الخريطة الاقتصادية لمنطقة الشرق الأوسط وستقلّل من احتمالات المخاطرة بإنشاء منافس له".(183).‏

وأوصى التقرير بـ "تسهيل انتقال كثيرٍ من الصناعات التصديرية من إسرائيل إلى مصر من خلال مشروعات استثمار مشتركة. "‏

فماذا تريد إسرائيل أكثر من ذلك؟! حيث تبنى بعض رجال الأعمال المصريين مخططاتها للهيمنة على الاقتصادات العربية وطرحوها وكأنها من مخططاتهم وتوجهاتهم.‏

وورد في تقرير اتحاد الصناعات المصرية بشأن المباحثات المصرية الإسرائيلية التي انعقدت في طابا بتاريخ 23-25 / 11/ 1995، إن رئيس الجانب المصري، رئيس اتحاد الصناعات المصرية أعلن "إن الموقف الرسمي في مصر وعلى جميع المستويات يشجع ويدعم التعاون الاقتصادي بين مصر وإسرائيل".‏



ويشير التقرير إلى أن رغبات واهتمام الأطراف في مجال التعاون المشترك تركزت على:‏

* المشاركة في التصنيع القائم.‏

* المشاركة في التسويق الدولي للمنتجات.‏

* المشاركة في مشروعات جديدة على أساس الاستغلال الأمثل لكل المميزات التي يتمتع بها كل طرف في عناصر وعوامل الإنتاج.‏

ووافق الطرفان في طابا على تنمية زراعة وتسويق الزهور إلى الأسواق الأوروبية وأن تعمل الجهات المصرية مع الاتحاد الأوروبي على إعفاء الزهور المصرية من الرسوم الجمركية.‏

وهنا تتجلى حنكة اليهود في الحصول على الأرباح الكبيرة على حساب مصر، حيث تتولى إسرائيل تصديرالزهور المصرية وتستفيد من الامتيازات أو المزايا التي قد تمنح لمصر جراء مساعيها، لو قامت هي بتصدير السلع التي تنتجها.‏

واقترح التقرير "تكوين لجنة للتأثير على حكومتي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من أجل الموافقة على قضية الامتيازات التراكمية للسلع التي تنتج بالاشتراك بين مصر وإسرائيل".‏

وأبدى التقرير اهتماماً خاصاً بعمليات التسويق الإسرائيلية وأكد على أنه "يوجد اثنا عشر شركة مصرية تقوم بعمليات تصنيع للشركات الإسرائيلية ليتم بيع المنتجات لأطراف ثالثة.(184).‏

وتعمل جمعية رجال الأعمال المصريين على الإسراع في تطبيع العلاقات الاقتصادية والتجارية مع إسرائيل حيث أعلن رئيس الجمعية سعيد الطويل عن اتفاق مع إسرائيل لتقوم بتسويق المنتجات المصرية من الخضار والفواكه في أسواق أوروبا وأميركا، "وأنه تم الاتفاق مع الجانب الإسرائيلي على التعاون في مجال المشروعات النسيجية والصناعات الغذائية، والمشروعات المعدنية ومشروعات أخرى تسويقية"(185).‏

إن الأمانة العلمية تتطلب أن يذكر المرء أنه يسود بين قطاع رجال الأعمال في مصر اتجاهان: الأول ويمثله سعيد الطويل رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين ويعمل على الهرولة باتجاه تطبيع العلاقات مع إسرائيل واتجاه آخر يمثله الاتجاه العام للغرف التجارية المصرية ويتلخص "في رفض الدخول في كيانات ثنائية أو متعددة تكون إسرائيل طرفاً فيها وفي الإحجام عن إقامة أي علاقات اقتصادية معها".‏

وبلور اتحاد غرف التجارة المصرية موقفه من مؤتمرات القمم الاقتصادية والشرق أوسطية حيث يرى الاتحاد أن الهدف غير المعلن للتوجه الشرق أوسطي هو:‏

"أولاً: دمج دولة بعينها في المنطقة (إسرائيل) في الوقت الذي تمارس فيه هذه الدولة العنف والاخلال بتعهداتها هذا عدا الممارسات العدوانية والتوسعية في جنوب لبنان ومرتفعات الجولان والضفة الغربية والقدس بصفة خاصة...‏

ثانياً: اذابة الهوية العربية وفكرة السوق العربية المشتركة في الشرق أوسطية... ومن هنا فإن الاتحاد يرفض من حيث المبدأ إنشاء أو الدخول في مجلس الأعمال المقترح ويفضل العمل على المستوى العربي ويسعى جاهداً لإحياء فكرة السوق العربية المشتركة وإنقاذها من دعاوى الشرق أوسطية.‏

والاتحاد العام للغرف التجارية المصرية الذي يمثل جميع رجال الأعمال والمال والتجارة والصناعة في مصر يهيب بكم أن نتكاتف معاً لصد الهجمة الشرسة ضد الهوية الاقتصادية العربية والعمل على دعم مجلس الوحدة الاقتصادية العربية وانضمام باقي الدول العربية غير الأعضاء إليه ليقوم بدوره لتحقيق فكرة الوحدة الاقتصادية العربية تدريجياً وعلى مراحل"186.‏

إن رفض الاتحاد العام للغرف التجارية المصرية تطبيع العلاقات مع إسرائيل أو إقامة أي شكل من أشكال التعاون التجاري معها يعبر عن ضمير الشعب المصري الشقيق. لقد شهدت فترة مابعد توقيع اتفاق أوسلو توجه أوساط عديدة من رجال الأعمال وأصحاب المؤسسات العربية نحو إسرائيل والتسابق للارتباط معها من موقع التبعية بغية الحصول على بعض الأرباح لأسباب سياسية.‏

وانخرطت في هذه الهرولة سلطة الحكم الذاتي والأردن وبعض دول الخليج والمغرب العربي.‏

وقاد بعض رجال الأعمال المصريين هذا التوجه في بادئ الأمر وخاصة اتحاد الصناعات المصرية بعد زيارته لإسرائيل في 28/8/1994. وجاء في التقرير الذي وضعه عن الزيارة مايلي:‏



"إن هناك تطوراً اقتصادياً سيحدث في المنطقة لايمكن تجاهله وستلعب فيه كل من إسرائيل، الأردن، لبنان، سورية دوراً هاماً.. وأين مصر؟!‏

هناك مؤشرات تنبئ بأنه خلال فترة من سنة إلى ثلاث سنوات ستكون هناك منطقة حرة بين إسرائيل وفلسطين والأردن، وأين مصر؟!‏

ماهي إسرائيل اقتصادياً؟! هي ليست إسرائيل التي بجوارنا، ولكن هي المنظم للأموال والبنوك في كافة أنحاء العالم، وشركات التأمين والمؤسسات الاستثمارية العالمية وشركات الاعلام العالمية.. الخ.."‏

يورد تقرير غرفة الصناعة المصرية رغبة إسرائيل في استخدام مصر لخدمة التغلغل الإسرائيلي في البلدان العربية والإفريقية ويرى "أن يتعدى الوضع الثنائي إلى الانطلاق دولياً ومشتركاً، وإسرائيل على استعداد لتنمية هذا الأمر في كل من أميركا والاتحاد الأوروبي، وتطلب من مصر تنمية هذا الأمر في العالم العربي والإفريقي".‏

وجاء في تقرير غرفة الصناعة أن الجانب الإسرائيلي يرغب في إيجاد مشروعات مشتركة في صناعة الملابس الجاهزة والصناعات الغذائية وتحدث عن دور إسرائيل في تسويق المنتجات المصرية مايلي: "إن إسرائيل لديها مؤسسات يهودية- إسرائيلية كشبكات توزيع على مستوى العالم ستساعد على تسويق منتجات هذه المشروعات تصديرياً".‏



تصوّر الحكومة المصرية للتعاون الإقليمي‏

تحمل الورقة المصرية إلى قمتي الدار البيضاء وعمان عنوان: "وجهة نظر مصر: التعاون والتنمية الاقتصادية الإقليمية"، وتحتوي على مقدمة وأربعة فصول‏

ويحمل الفصل الأول عنوان: "المنظور السياسي-السلام والتنمية في الشرق الأوسط".‏

ويحمل الفصل الثاني عنوان: "التنمية الاجتماعية الاقتصادية واستراتيجية النمو."‏

ويحمل الفصل الثالث عنوان: "مشروعات التنمية الاقليمية."‏

ويحمل الفصل الرابع عنوان: "تمويل التعاون الإقليمي."‏

وتتناول الورقة رؤية مصر السياسية الشاملة للمشكلة وتربط التسوية السياسية بالسلام الشامل والعادل، وحل قضية القدس وحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وترتيبات أمنية لتأمين المخاوف المشروعة لكل الأطراف على ألاّ تكون على حساب مبادئ لها حرمتها وقدسيتها. وتؤكد على نزع أسلحة التدمير الشامل، ولكنها للأسف لم تتعرّض إلى الماضي، أي إلى تاريخ الصراع العربي الصهيوني وانتزاع اليهود أجزاء كبيرة من فلسطين العربية وتهويدها، ولم تتحدث عن الماضي لا من قريب أو بعيد، وبالتالي يقوّي هذا الإغفال المتعمد دور الطرف الإسرائيلي.‏

وتربط الورقة المصرية" بين السلام والتنمية، بعدها بين التنمية والمشروعات، ثم بين المشروعات والأعمال، ثم أخيراً بين الأعمال والآليات التمويلية" (المصدر: مصباح قطب، مشروع الانتحار القومي، ص 17).‏

وخلت الورقة من الحديث عن التعاون الاقتصادي العربي. وأكدت على تقوية مكان القطاع الخاص ودعمه، بالرغم من أن الاقتصاد الإسرائيلي اقتصاد دولة، إذ ينتج القطاع العام والقطاع التعاوني أكثر من 80% من مجموع الإنتاج الإسرائيلي.‏

ويؤخذ على الورقة المصرية أنها لم تنص على أن مصر لن تكون معبراً للمنتجات الإسرائيلية إلى بلدان أسيا وإفريقيا، مما يخشى أن تستخدم مكانة مصر وعلاقاتها مع أطراف ثالثة، تعجز إسرائيل عن الدخول إلى أسواقها.‏

قام التصوُّر المصري للتعاون الإقليمي في قمتي الدار البيضاء وعمان انطلاقاً من التحولات السياسية التي حدثت في المنطقة العربية منذ توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية واتفاق الإذعان في أوسلو ووادي عربة، حيث يجسد هذا المنطلق بداية تحقيق المشروع الصهيوني على مستوى الوطن العربي وتحقيق الأهداف السياسية والاقتصادية لحرب حزيران العدوانية عام 1967.‏

وتعتقد الحكومة المصرية في الورقتين المقدمتين إلى القمتين أنها كانت أول من يبذر بذور السلام في المنطقة، وأن عملية الحل الشامل للصراع العربي الإسرائيلي بدأت في مؤتمر مدريد في تشرين أول 1991 والقائمة على تطبيق مبدأ الأرض مقابل السلام.‏

"وأول التحديات(برأي الحكومة المصرية) يتمثل في أنه يتعين قبل كل شيء آخر إنهاء الفصل المأساوي للصراع العربي الإسرائيلي، على أساس الأرض مقابل السلام، وبما يؤدي إلى سلام عادل وشامل في الشرق الأوسط، بمنح حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، والانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة في 1967، وتوفير السلام الكامل والحقيقي للجميع، وهنا يتعين علينا مباشرة بحث وتنقيب جديد عن السلام والأمن والتنمية".(187)‏

وتؤكد الورقة المصرية وجوب إقامة علاقات جديدة بين دول المنطقة ترتكز علىأربع دعامات تشكل فيما بينها نهجاً اندماجياً ومتداخلاً وهي:‏

1)التسوية السياسية. 2)الأمن الإقليمي وضبط التسلح. 3)التنمية الإقليمية. 4)متطلبات التعاون الإقليمي.‏

وتضمنت الورقة الرؤية المصرية للشرق الأوسط الجديد حيث جاء فيها:‏

"إن تحقيق سلام قابل للبقاء وتعاون اقتصادي على المستوى الإقليمي يقتضي الالتزام بمجموعة من القواعد والأسس المحددة، ذلك أنه:‏

1- يجب أن تحتكم الأطراف الإقليمية في علاقاتها بالقانون الدولي وجوهره متمثلاً في أغراض ومبادئ الأمم المتحدة.‏

2- يجب أن يكون التعاون الإقليمي في سياق السلام والأمن الشاملين لكافة الأطراف المعنية.‏

3- يتعين أن يقلل التعاون الإقليمي من التباينات والتناقضات الاقتصادية قدر الإمكان.‏

4- لابد من توازن المكاسب التي تحرزها كافة الأطراف المشتركة في العملية وأن تحرز منافع متبادلة على نحو متساوٍ متكافئ.‏

5- لابد من أن يرفع ذلك التعاون من درجة اندماج المنطقة في الأسواق العالمية.‏

6- لابد من أن يؤدي التعاون الإقليمي إلى ترقيه ورفع مكانة القطاع الخاص وأن يشمله بصورة فعالة.‏

7- إنه من المحتم تأسيس إطار عمل مؤسسي اقليمي لمواجهة القضايا والأمور المختلفة ذات الأهمية الحيوية لإحداث تنمية قابلة للبقاء في المنطقة، وذلك بإقامة عدد وافر من المؤسسات التي تدعو الحاجة إليها لمواجهة كافة القضايا سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية"(188).‏

وتمضي الورقة المصرية وتقول: "وتعتمد استراتيجية مصر للتنمية في المستقبل على خمسة عناصر رئيسية كل منها سوف يخدم الغايات والأهداف الإقليمية الخاصة بالنمو السريع والسلام والمساواة.‏

ويتمثل أول هذه العناصر: في دعم تنمية القطاع الخاص بالإسراع في تخفيض وتقليص دور الدولة وتحويلها إلى حكم ومنظم للنشاط الاقتصادي فقط.‏

العنصر الثاني: يكمن في تحويل الاقتصاد وتوجيهه نحو الإنتاج بغرض التصدير للخارج للسلع المصنعة عن طريق اتباع إجراء المزيد من تخفيف القيود الجمركية والتعريفية.....‏

المقوم الثالث: في استراتيجية مصر هو التركيز على التنمية البشرية باعتبارها مجالاً يمثل الأولوية في الاستثمار العام(الإنفاق العام) خلال العقدين القادمين. فقد حدث تحسن ملحوظ في مجالات الصحة والتعليم وتنظيم النسل خلال العقود الماضية.‏

ومن المتوقع حدوث المزيد من التحسن نتيجة تنفيذ برامج كبيرة لمحو الأمية والتوسع في الرعاية الصحية ومقاومة الأمراض ومد شبكات المياه والصرف الصحي وتأمين الفقراء بمظلة جيدة للضمان الإجتماعي.‏

العنصر الخامس والأخير: من استراتيجية مصر للمستقبل يتمثل في التحول من اقتصاد قائم على الصناعة إلى اقتصاد مرتكز على المعرفة.‏

إن القوة الرئيسية لمصر خاصة، وللمنطقة عامة تكمن في"رأسمالها الفكري" والذي إذا ما أُحسن استخدامه بالأسلوب المناسب، فإنه يتيح إنتاج سلع وخدمات ذات قيمة فائقة في مجالات مثل إنتاج برامج الكومبيوتر والتكنولوجيا الحيوية والذكاء الصناعي وخدمات المعلومات والاتصال. وستكون بمثابة المحرك الذي يدفع عجلة التسريع بالتنمية في المنطقة إلى الأمام من خلال تأثيرها على الإنتاجية الفردية والمؤسسية والإدارية."(189)‏



جمعية رجال الأعمال المصريين والتطبيع‏

زار وفد من جمعية رجال الأعمال المصريين إسرائيل في الفترة الواقعة من 4-11 تشرين الثاني عام 1994. وضم الوفد(35) من أعضاء الجمعية وبعض رجال الصحافة من جريدتي الأخبار والأهرام.‏

وقابل الوفد عزرا فايتسمان، رئيس دولة الكيان الصهيوني، وشمعون بيرس، وزير الخارجية وشمعون شتريت، وزير الاقتصاد والتخطيط.‏

شارك الوفد في مؤتمر القدس الثالث حول السوق الشرق أوسطية الذي حضره حوالي ألفين من رجال الأعمال من مختلف دول العالم. وأكد المؤتمر على إنهاء المقاطعة العربية بكافة أشكالها مع إسرائيل. وحضر حفل الافتتاح الجنرال رابين وتانسو تشيلر، رئيسة وزراء تركيا. وطالبا برفع الحواجز النفسية بين شعوب المنطقة، وتنمية منطقة الشرق الأوسط وترسيخ السلام.‏

وأكد المؤتمر بما فيه وفد الجمعية المصرية أن ليس هناك بديل عن قيام السوق الشرق أوسطية حتى يمكن لشعوب المنطقة مواجهة التكتلات الاقتصادية العالمية.‏

وأعلم بيرس وفد الجمعية الذي زاره في مكتبه بمقر وزارة الخارجية أنه لا يمكن نجاح الجهود السياسية دون نجاح الجهود الاقتصادية. وأشار إلى أهمية التنمية الاقتصادية لترسيخ عملية السلام في منطقة الشرق الأوسط ودور مصرف التنمية في تمويل مشاريع حيوية في مجالات الزراعة والصناعة والسياحة. واخبر الوفد عن مشروع سياحي هام يربط منطقة طابا وإيلات والعقبة، ثم يمكن ضم مناطق سعودية للمشروع بعد استقرار عملية السلام. وطالب أعضاء وفد الجمعية نسيان الماضي والعمل للمستقبل.‏

وجاء في خلاصة تقرير وفد الجمعية الذي وضعه بعد عودته إلى القاهرة مايلي:‏

* يوجد لدى مجتمع الأعمال الدولي إقبال على التعاون مع إسرائيل في كافة المجالات الإقتصادية والتجارية.‏

* إن هناك في إسرائيل تطورات اقتصادية وتنموية غير محدودة تتزايد بزيادة فرص السلام في المنطقة.‏

* إن هناك رغبة من مجتمع الأعمال الإسرائيلي والقيادات الإسرائيلية في التعاون مع مجتمع الأعمال المصري.‏

* من المتوقع أن تتضاعف حركة النمو الاقتصادي وضخ الاستثمارات داخل إسرائيل مما سيضاعف أهميتها الاقتصادية في المنطقة أمام التكتلات الاقتصادية العالمية ومؤسسات التمويل الدولية.‏

* تتخوف الشركات الإسرائيلية المنتجة لكثير من السلع والخدمات التي يحتاجها السوق الإسرائيلي والأسواق المحيطة به من إقبال الشركات المتعددة الجنسية إلى إسرائيل ودول المنطقة، مما سيؤثر على القدرة التنافسية للسلع والخدمات الإسرائيلية.‏

وأوصى تقرير الجمعية بمايلي: 1)الاتفاق بين الحكومتين لإلغاء تراخيص الاستيراد للسلع المصرية إلى الأسواق الإسرائيلية والفلسطينية أسوة بما قامت به الحكومة المصرية. 2)إعادة النظر في التعرفة الجمركية لتكون متساوية على مستوى السلع بين البلدين، وإلغاء الرسوم الإضافية على الواردات المصرية إلى إسرائيل.‏

3)السماح بشحن البضائع المصرية والإسرائيلية براً إلى أسواق البلدين مباشرة دون تفريغ البضائع على الحدود. 4)توقيع اتفاقيتي ضمان وحماية الاستثمار، وعدم الإزدواج الضريبي بين البلدين. 5)التعاون في مجال إقامة المناطق الحرة على الحدود المشتركة بين مصر وفلسطين وإسرائيل لخدمة أغراض استراتيجية في تلك الدول. 6)الاهتمام بالتنمية السياحية على المستوى الاستراتيجي لدول مصر وإسرائيل والأردن وتنفيذ مشروع .....البحر الأحمر. 7)فتح قنوات اتصال سريعة مباشرة مع الشركات الكبرى الإسرائيلية للتعاون في مجالات إقامة مشروعات البنية الأساسية مثل الطرق والسكك الحديدية والاتصالات ومشروعات الزراعة والمياه والتعاون في مجالات- أسواق ثالثة- وأوصى التقرير بإعادة النظر في السياسة الإعلامية والثقافية للبلدين لكسر الحواجز النفسية المتواجدة حالياً.‏



التطبيع في مجال الزراعة‏

تشكل الزراعة أهم النشاطات الاقتصادية في معظم البلدان العربية، ولا تزال غير متطورة وتعتمد على أساليب متخلفة في الري واستغلال الأراضي، وتوفر فرص العمل والغذاء للأغلبية العظمى من المواطنين. وتخطط إسرائيل زيادة أرباحها عن طريق ربط الأقطار العربية بمشاريع زراعية مشتركة معها لكي تتسلل إلى عصب الحياة فيها لاختراقها، لأن نشاطها في مجال التعاون الزراعي مع البلدان العربية سيبرمج ويخطط بحيث يخدم بصورة مباشرة الأهداف الإسرائيلية.‏

ذكر سيمحا إيرليخ، وزير الزراعة الإسرائيلي السابق بعض الأهداف الإسرائيلية في مجال التعاون الزراعي مع العرب وقال: "إن المشاريع والنشاطات الزراعية العربية ستعتمد على الخبرة والتجربة والتكنولوجيا الإسرائيلية. وإن أية محاولة لإنهاء دور إسرائيل في هذا المجال مستقبلاً ستكون متعذرة، لأن معنى ذلك التسبب في خسائر اقتصادية كبيرة قد تنجم عن توقف هذه المشاريع".(190)‏

وترمي إسرائيل من نشاطها في مجال الزراعة إلى التغلغل في هذا القطاع الاقتصادي الهام وتوجهه لخدمة الأهداف الإسرائيلية وذلك عن طريق التحكم بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالسياسات الزراعية العربية لتأمين حاجة إسرائيل من المواد الأولية اللازمة للصناعة فيها.‏

وتخطط إسرائيل على أساس المقايضة بتنفيذ مشاريع زراعية ضخمة في سيناء تعتمد على وسائل الري الحديثة مقابل جر مياه النيل إلى النقب، ومشاريع زراعية أخرى في الأردن وسورية ولبنان مقابل الانتفاع بحصة كبيرة من منابع الأردن واليرموك وبانياس والحاصباني والليطاني.‏

وتعتقد إسرائيل أن التعاون في مجال الزراعة سيقود إلى خلق علاقات بين المزارعين العرب وبينها من خلال الاستعانة بالخبرة الإسرائيلية والخبراء الإسرائيلين والمعدات الإسرائيلية مما يؤدي حتماً إلى خلق رابطة مصلحية، حيث "أن هذه الرابطة قد تؤدي إلى انبهار المزارعين المحليين بما حققته إسرائيل في مجال الزراعة وإعجابهم بمنجزاتها ويجعلهم يشعرون أنهم لا يستطيعون أن يستغنوا عن هذه الخبرة والخبراء".(191).‏

وحددت الدراسة التي وضعتها مؤسسة أرمند هامر نقل الخبرة الإسرائيلية في مجال استصلاح الأراضي ونظم الري الحديثة إلى مصر، وحددت التعاون المشترك في مجالات:‏

* التبادل التجاري في مجال المنتجات الزراعية.‏

* نقل المعرفة التكنولوجية الخاصة بالأبحاث وتصحيحات المشروعات المتطورة.‏

* المشاركة في الصناعات الغذائية التي تعتمد على القطاع الخاص.‏

* إمداد الحكومة بأنظمة التدريب الإسرائيلية وتوظيف نظام البحوث للتدريب والذي سيتم تطويره في إسرائيل.‏



وتخطط إسرائيل لبيع الأسمدة والمبيدات والهرمونات والاستفادة من منح مصر تسهيلات وامتيازات ومنح كثيرة.‏

وتتذرع إسرائيل بوقاحة منقطعة النظير بحاجتها إلى نقل مياه النيل إليها لحل المشاكل المائية في الأردن والضفة الغربية وقطاع غزة، وهي التي تسرق وتنهب المياه في هذه المناطق العربية وتمنع أصحابها العرب من استغلالها والاستفادة منها.." وترى إسرائيل أن مصر تتولى مشروع ايصال مياه النيل إلى سيناء، وأن المشروع لن يحتاج إلا توسيعه لينقل هذه المياه المطلوبة في إسرائيل......‏

والمعروف أيضاً أن إسرائيل تقوم بسحب(50) ألف م3 يومياً من مياه جوفية عميقة في سيناء لصالح مستعمراتها في النقب"(192).‏

وقعت مصر كأول دولة عربية في تاريخ الصراع العربي الصهيوني اتفاقية للتعاون الزراعي في تل أبيب بتاريخ 24/3/1980 وشملت الاتفاقية أوجه التعاون الفني الزراعي التالية:‏

* تبادل البعثات الدراسية للخبراء الزراعيين وإعداد دورات تعليمية مشتركة.‏

* التعاون في مجال تطوير الزراعة للخضراوات والفواكه والتوابل والنباتات الطبيعية.‏

* التعاون في مجال البحث التطبيقي في جميع فروع الزراعة وتبادل الخبرات العلمية.‏

* التعاون في مجال الخدمات البيطرية ووقاية النباتات والإدارة المشتركة لمزارع تربية الدواجن وحظائر المواشي والتلقيح الصناعي.‏

* تنظيم تعاونيات زراعية لإنتاج وتسويق منتجات زراعية.‏

* التعاون المشترك في إقامة ثلاجات ومعامل تعبئة وتغليف. ومسالخ آلية.‏

وكان قد تأسس في عام 1977 الصندوق الأميركي الإسرائيلي المشترك للبحث والتطوير وأنفق خلال عشر سنوات أي حتى عام 1987 حوالي(63) مليون دولار على 374 مشروعاً لإدارة المياه ووسائل تحسين الإنتاج الزراعي وتطوير أنواع من النباتات ذات قدرة على مقاومة الجفاف.‏

وأقر الكونغرس الأميركي(وهو الكنيست الثاني) برنامجين للمساعدات لتمويل المشروعات العلمية في مجال استصلاح الأراضي الزراعية والنباتات والمحاصيل الزراعية بين إسرائيل والدول العربية.‏

وتضمن التقرير الذي وضعه وفد غرفة الصناعة المصرية بعد عودته من زيارة قام بها لإسرائيل موقف إسرائيل في مجال الزراعة مع مصر أنه"يمكن بناء تعاون زراعي بين البلدين مبني على الخبرة الإسرائيلية. ويرغب الإسرائيليون في التعاون مع مصر في توزيع منتجاتهم الزراعية إلى دول الخليج التي تستورد بمليارات الدولارات من هذه المنتجات وترغب إسرائيل في إقامة مشروعات زراعية مشتركة في مصر تقوم على أساس استخدام التكنولوجيا الحديثة التي تتمتع بها إسرائيل بدرجة عالية."(193).‏

ووضعت إسرائيل إمكاناتها التكنولوجية في مجال الزراعة بصيغة فريدة من نوعها ولكنها غير حقيقية لأن التكنولوجيا الزراعية وأنظمة الري الحديثة موجودة في العديد من بلدان العالم.‏

"كما أن الخبرة الإسرائيلية التي كانت وراء مشروع الصالحية بمصر قد أدت به إلى خسائر فادحة سرعان ما أوصلته للإفلاس، وكذلك مشروع الألبان بنفس المشروع والذي اعتمد تقريباً على كل شيء من إسرائيل فإنه لقي نفس المصير". (194).‏

"كما أن تجارب المصريين مع التطبيع الزراعي الرسمي وهو تسليم مزرعة مستوطنة ينعوت سيناي عند تسليم العريش. ورغم أن الاتفاق هو تسليمها تعمل إلاّ أن مصر قد تسلمتها خراباً ونقلوا كل ما يمكن نقله وقاموا بحرق مالم يمكن نقله ومن بينها المزروعات كما قاموا بنسف آبار الري وخزانات المياه في مستعمرة ياميت. وابقوا الأنفاق التي كانت تربط المستعمرة بإسرائيل لتسهيل هروبهم في تهريب المزروعات ومئات الأطنان من المبيدات المحظورة دولياً والتقاوي الفاسدة والتي بها إشعاع والأسمدة الورقية غير الصالحة والهرمونات المحظور استخدامها دولياً. وأكدت مصادر مؤتمر التنمية الزراعية الذي عقد في الإسكندرية في عام 1992 أن مصر شهدت تسرب 85 نوعاً من البذور والأسمدة والمبيدات والهرمونات الضارة من إسرائيل".‏

كما قامت إسرائيل بإدخال العديد من الأمراض للإنسان والحيوان والنباتات والنحل وكان آخرها مرض صانعة الأنفاق في الموالح الذي دمر70% من إنتاج مصر من الموالح. كما قامت بسرقة العديد من الجينات الوراثية للنخيل وطماطم تتحمل الملوحة وشعير بري وخيار بري وأغنام من واحة الفرافرة وماعز الزرابي المشهور ودواجن مصرية عارية الرقبة كل ذلك استعداداً لتنفيذ اتفاقية الجات."(195).‏

التطبيع في مجال المياه‏

أصبحت قلة المياه عاملاً أساسياً يعرقل التوسع الزراعي واستصلاح الأراضي في البلدان العربية، مما يعرقل تحقيق الأمن الغذائي العربي، لذلك تدرك الحكومات العربية مدى الحاجة الماسة لتطوير وتنمية الموارد المائية والاستخدام الرشيد لها.‏

وضعت مراكز البحث العلمي والجمعيات والوزارات الإسرائيلية مخططات لاستغلال المياه العربية. وزعمت أن لها حقوقاً في مياه الأنهار العربية والمياه الجوفية. ونجحت بتشكيل لجنة للمياه انبثقت عن المفاوضات المتعددة الأطراف.‏

وتطمح تركيا عن طريق تحالفها العسكري مع العدو الإسرائيلي في لعب دور إقليمي كبير يحقق لها مكاسب سياسية واقتصادية وعسكرية في إطار الصراع للسيطرة على النفط العربي وأمواله وأسواقه والسيطرة على المياه في الوطن العربي والتحكم فيها.‏

ويعتقد حكام إسرائيل وتركيا أن الحرب القادمة في الشرق الأوسط قد تنشب بسبب المياه، حيث تتحكم تركيا بشكل تعسفي يخالف مبادئ القانون الدولي في مياه نهري دجلة والفرات وتملك فائضاً هائلاً من الثروة المائية. وتطرح المياه التركية مقابل النفط العربي: برميل مياه مقابل برميل نفط. ومن ضمن المشاريع المائية التي تطرحها تركيا وإسرائيل: مشروع أنابيب السلام التركي، حيث سيتم سحب المياه من نهري سيحون وجيحون، جنوب تركيا في خطوط للأنابيب تصل إلى العدو الإسرائيلي وبعض دول الخليج العربية.‏

وتنوي تركيا تحقيق أرباح مالية هائلة مقابل بيع المياه لدول الخليج دون أن تتحمل تركيا النفقات الباهظة للمشروع. وتكمن خطورته في كون أن له طبيعة استراتيجية وسياسية واقتصادية لتركيا وإسرائيل، حيث يتعلق بالسيادة العربية على مياه الأنهر العربية وبهيمنة إسرائيل وتركيا على شرايين الحياة الاقتصادية في البلدان العربية.‏

وتحاول تركيا عن طريق تحالفها مع إسرائيل أن تلعب دوراً كبيراً في النظام الإقليمي الشرق أوسطي عبر مشاريع المياه ونقل النفط والتعاون الأمني والعسكري، خصوصاً بعد أن أقفلت في وجهها أبواب البلقان والدول الإسلامية في آسيا الوسطى وعلاقاتها متوترة بشكل دائم مع قبرص واليونان والعراق وسورية.‏

وتشير وثائق ومحادثات اللجان المنبثقة عن المفاوضات المتعددة الأطراف إلى رغبة تركيا وإسرائيل القيام بدور هام ومتحكم في قضايا المياه والنقل والمبادلات التجارية.‏

لقد طالب شمعون بيرس في كلمته إمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ بتاريخ 9 آذار 1993 ببناء شرق أوسط جديد، من خلال إنشاء سوق شرق أوسطية مشتركة، على أساس من المياه والسياحة، مثلما قامت السوق الأوروبية المشتركة على أساس من الفحم والحديد.‏

وتناول بيرس في كتابه" الشرق الأوسط الجديد" مشكلة المياه وأشار إلى أن سياسات الدول في المنطقة لا تأخذ في الاعتبار احتياجات الدول المجاورة والأجيال القادمة وأوضح أن المياه في المنطقة هي ملك للمنطقة كلها وليس لبلد من البلدان.‏

وورد في كتاب أصدرته مؤسسة أرمند هامر عام 1992 حول"المياه والسلام" "أن وفرة المياه في بعض المناطق، مقارنة بشحها في مناطق أخرى، تستدعي حلاً إقليمياً مشتركاً. وينبغي أن ينتج من الحل الإقليمي هذا إعادة توزيع الموارد المائية وفق اتفاق يقوم على نقل المياه إلى المناطق التي لا تحصل عليها بصورةً طبيعيةً".(196).‏

ويؤكد مؤلفا الكتاب" الموارد المائية في المنطقة هي نتيجةأوضاع جغرافية عشوائية. وهذه العشوائية تطرح تساؤلات بشأن مفاهيم مثل الملكية والشرعية للاستخدام المحلي الخاص." وبتعبير آخر: "إن مصلحة إسرائيل هي التي تحدد، بالملموس، الأساس الذي يُعتمد في كل مجالات العلاقة مع المحيط."(197).‏

وتنهب إسرائيل بشكل بشع مياه الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان ولبنان. وتعمل بمساعدة الولايات المتحدة على ضمان حقوق استغلال المياه الممارسة حالياً بقوة العدوان والاحتلال والتي تعتمد على التدفق المائي من الجولان إلى الجليل ونهر اليرموك. ونظراً لنقص المياه في الضفة والقطاع والأردن تطرح المشاريع الإسرائيلية فكرة استيراد المياه من الليطاني واليرموك والنيل وتركيا.‏

ولقد نجحت إسرائيل في فرض تصوراتها وشروطها على الأردن فيما يتعلق بموضوع المياه بدءاً من مشكلة سد الوحدة ومروراً بالمياه الجوفية في الأراضي التي تنازلت عنها الأردن بموجب اتفاق وادي عربة ووصولاً إلى مياه اليرموك، وأمور أخرى سرية لم يعلن عنها حتى الآن.‏

وتقترح إسرائيل على مصر بيع مياه النيل ونقلها إلى النقب، بينما تقترح على لبنان تحويل مياه الليطاني إلى بحيرة طبرية والاستغلال المشترك لمياه نهر الحاصباني.‏

وقامت جامعة تل أبيب بإعداد دراسة تناولت وفرة المياه والأراضي الصالحة للزراعة في لبنان. وترى أنه يمكن التعاون في مجال المشروعات الزراعية واستصلاح الأراضي وتقول الدراسة: "إن وجود سياسة حكيمة لتوحيد وضم الأراضي عبر الحدود الإسرائيلية واللبنانية يمكن أن يؤدي إلى توزيع أكثر كفاءة للمياه، وأن ذلك يحتاج إلى تكثيف عمليات الاستيطان، كما ترى إسرائيل أن لبنان يمكن أن يصبح معبراً لمنتجاتها الزراعية إلى الدول العربية عبر تجار لبنانيين وبدون علامات تجارية إسرائيلية."(198).‏

وتنهب إسرائيل مياه الجولان منذ حرب حزيران العدوانية التي أشعلتها عام 1967 وتسرقها بالكامل وخاصة المتدفقة منه إلى بحيرة طبريا بالإضافة إلى العيون والآبار الإرتوازية الموجودة في الهضبة السورية المحتلة. كما يقوم المستوطنون اليهود بزراعة الأراضي السورية التي كان يفلحها المزارع السوري قبل عدوان عام (1967).‏

منعت إسرائيل الشعب الفلسطيني من حقه في السيادة على مياهه وأرضه وسمائه في الضفة والقطاع. وأبقت السيطرة على المياه والتحكم فيها بأيديها وليس بأيدي سلطة الحكم الذاتي. وحددت كمية المياه للفلسيطيني وتسرق معظم المياه الفلسطينية للمستعمرات اليهودية ولاسرائيل. وحددت الأراضي الفلسطينية التي تزرع وفتحت الأسواق الفلسطينية أمام المنتجات الإسرائيلية وأغلقت أبوابها أمام المنتجات الفلسطينية الزراعية.‏

ووصلت الاطماع والوقاحة الإسرائيلية حداً أكد فيه مركز يافه للدراسات الاستراتيجية في جامعة تل أبيب"أن تخلي إسرائيل تخلياً واسع النطاق عن سيطرتها على مصادر المياه في الضفة الغربية يمكن أن يلحق باقتصاد إسرائيل وزراعتها وبيئتها كوارث. إن الوضع النهائي للتسوية ينبغي أن يضمن سيطرة إسرائيلية طويلة المدى على الخزانات الجوفية، وهي المناطق التي استوطنتها إسرائيل بكثافة نسبياً منذ 1967."(199).‏

وتعلن إسرائيل بصلف لا نظير له وبتضليل منقطع النظير أن مشروعات التطبيع في مجالي المياه والزراعة تعتمد على المصالح المشتركة لإسرائيل والأطراف العربية وتوفر عامل الثقة(التي لا يمكن لها أن تتوفر في نفسية اليهودي) لإيجاد أسس حقيقية في استمرار السلام(الإسرئيلي).‏

إن المشروعات الإسرائيلية سواء كانت خاصة أو مشتركة تنطلق من مصلحة إسرائيل أولاً وأخيراً. وتضيف لها موارد جديدة من المياه والطاقة عن طريق مياه نهر اليرموك والليطاني والحاصباني والوزان والنيل. وتوفر التمويل الدولي بشروط تزيد من فرص تحقيق المخططات الإسرائيلية. بينما لا تستفيد الأطراف العربية من هذه المشروعات سوى استفحال أزماتها المائية وخاصة الأردن وسورية ومصر.‏

وتؤمن إسرائيل من هذه المشروعات حاجتها لاستيعاب المهاجرين اليهود كما تكرس سيطرة إسرائيل على الموارد المائية العربية.‏

ونجحت إسرائيل من خلال الاحتلال ومن خلال اتفاقات الإذعان في أوسلو وملحقاتها في الاستمرار في نهب الموارد المائية الفلسطينية حيث بلورت وزارة الزراعة الإسرائيلية موقفها في وثيقة تضمنت:‏

"1- ليس في الإمكان الفصل بين مرفقي المياه في إسرائيل والإدارة الذاتية.‏

2- إدارة مرفق المياه في مناطق الإدارة الذاتية تتم بواسطة هيئة مشتركة.‏

3- أن ينص أي اتفاق يوقع بين إسرائيل والفلسطينيين على عدم تقليص حصص المياه المخصصة للمستوطنات اليهودية.‏

4- فتح الحدود بين إسرائيل والإدارة الذاتية سيكون بالتدريج من أجل الحيلولة دون انهيار الزراعة في إسرائيل".(200).‏

وأقرت اتفاقات الإذعان في أوسلو ووادي عربة هذه الشروط وحق إسرائيل في السيطرة على المياه الفلسطينية. كما اعترف الأردن بحق إسرائيل في مياه الأردن واليرموك ملغياً حقوق الفلسطينيين ومتجاهلاً حقوق سورية في مياه النهرين.‏

إن مشاريع إسرائيل المائية المطروحة تظهر بجلاء أطماع إسرائيل في تغطية احتياجاتها المائية الراهنة والمستقبلية والتي تزداد باستمرار بكميات كبيرة نظراً لاستمرار الهجرة اليهودية والتوسع في المجال الصناعي. وتنطلق المشاريع المائية من مصلحة إسرائيل متجاهلة مبدأ الحقوق والتكافؤ وموقف القانون الدولي وتتجاهل بشكل فاضح حقوق العرب ومصالحهم ولا تنطلق ولا تهتم إلاّ بمصلحتها على حساب مصالح العرب المائية الحيوية كما يحدث حالياً في قطاع غزة والضفة الغربية والأردن والجولان وجنوب لبنان.‏

ولا أستبعد أن تلجأ إسرائيل في حال نجاحها مع الدول العربية في فرض تصوراتها ومخططاتها المائية عليهم وقبولهم لها أن تقوم بتعميم هذا المبدأ على النفط والغاز، كما لا أستبعد أن ترفض في المستقبل سداد ثمن النفط والغاز ولتبلِّط قطر على سبيل المثال البحرين البحر المتوسط والبحر الأحمر .‏

"إن المقترحات والمشاريع الإسرائيلية، فيما يتعلق ببعض مشاريع البنية التحتية على الأقل، تقود إلى دمج إسرائيل في المنطقة دمجاً غير متكافئ ويمنحها ميزات مهمة.".(201)‏

وتؤدي المشاريع المطروحة إلى توسيع الفجوة في توزيع المياه والتي نتجت عن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية لمصلحة إسرائيل وعلى حساب البلدان العربية.‏

وورد في وثيقة صادرة عن وزارة الخارجية الإسرائيلية ووزعت في حزيران 1994في بروكسل لتحديد موقف إسرائيل من مشكلة المياه في المفاوضات المتعددة الأطراف ما يلي:‏

"يشكل نقص المياه قضية أساسية في عموم أنحاء الشرق الأوسط. وعلى العديد من الدول أن تتقاسم، بشكل عام، الموارد الموجودة، لأن الحدود السياسية تفقد كل دلالاتها عندما يتعلق الأمر بالإستعمال المشترك للموارد الموجودة، لذا يصبح ممكناً أن تكون المياه عاملاً مساعداً في إقامة تنسيق لاحلال السلام في المنطقة وتطويرها،، بدلاً من أن تكون عامل نزاعات وأزمات وتوتر."‏

وتعني هذه العبارة أن موقف إسرائيل من المياه العربية يقوم على إجبار البلدان العربية المجاورة لفلسطين على اقتسام مياهها مع اسرائيل وتطرح نفسها مركزاً لتجميع المياه العربية في بحيراتها وبحارها(البحر الميت) وأنهرها، وبالتالي وضعها تحت سيطرة إسرائيل لتتحكم بتوزيعها وهي المتفوقة عسكرياً وتملك الأسلحة النووية والعلاقات الحميمة مع الولايات المتحدة حتى يمكن القول إن القرار الأميركي في قضايا الشرق الأوسط وبشكل خاص الدول العربية والإسلامية قرار إسرائيلي.‏

ويبين استغلال إسرائيل البشع للمياه في الضفة الغربية وجنوب لبنان الموقف الإسرائيلي القائم على أخذ احتياجاتها المائية المتزايدة بالقوة ونهبها بشكل منظم. وتستهلك المطابخ والمزارع الإسرائيلية ثلث احتياجاتها المائية من مياه الضفة الغربية، ناهيك عن نهب إسرائيل لمياه الحاصباني والوزان والليطاني والمياه الجوفية في الجنوب اللبناني والجولان، حيث قامت بحفر(4) آبار في مجدل شمس، تنقل مياه ثلاثة منها إلى إسرائيل. وتبيع مياه البئر الرابعة لأهالي البلدة..‏

وتظهر أطماع إسرائيل في المياه العربية بالمخططات الإسرائيلية التي تتناول مشكلة المياه الإسرائيلية في إطار التطبيع حيث تؤكد أن أي اتفاق سلام إقليمي ستكون مشكلة المياه بنداً من بنوده لتقاسم مياه المنطقة وخاصة خزانات المياه الجوفية المرتبطة بنهر اليرموك ووادي عربة والتي تشترك فلسطين والأردن فيها وخزانات المياه الجوفية في الضفة والقطاع.‏

وتعتبر إسرائيل أن مشكلات المياه يمكن أن تشكل خطراً على السلام لضمان أكبر نصيب ممكن من المياه العربية للمهاجرين والمستوطنين اليهود وخاصة نقص المياه المتزايد في الضفة والقطاع الذي تقوم إسرائيل بسرقته يومياً. وتقترح أن تحل مشكلة المياه من خلال:‏

1- اتفاقات مع مصر من خلال التعاون الثنائي في استخدام الموارد المصرية من أرض ومياه في الأراضي المصرية.‏

2- نقل مياه النيل إلى إسرائيل.‏

ومن خلال اتفاقات مع الأردن تقوم على إدارة الأحواض المشتركة بين الدولتين وتخزين مياه اليرموك في بحيرة طبريا، وإقامة قناة البحرين لجر مياه البحر الأحمر إلى البحر الميت. وتقوم بتخزين مياه اليرموك التي تستغلها الأردن في بحيرة طبريا فيتوفر لإسرائيل حوالي(300) مليون م3 لاستهلاكها و(19) مليون م3 لصالح الأردن ومن خلال اتفاقات مع لبنان تقوم على نقل مياه الليطاني إلى إسرائيل واستغلال مياه الحاصباني في الري وتوليد الكهرباء وتزويد المستهلكين الإسرائيليين بالمياه اللبنانية. والعمل على تحلية مياه البحر.‏

وبالمقابل تقترح تزويد الضفة والقطاع بمياه من مصادر خارجية لكي تستمر في نهب وسرقة مياه الأراضي الفلسطينية.‏

وتنظر إلى التعاون المصري في مجال المياه إلى استغلال مياه النيل في مشروعات زراعية مشتركة في مصر تعتمد على الأرض والمياه والعمالة المصرية ورأس المال والتكنولوجيا الإسرائيلية وإدارة إسرائيلية لزيادة أرباحها.‏




التوقيع

إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بدّ أن يستجيب القــــدر
و لا بــــدّ لليــل أن ينجلــي
و لا بـــدّ للقيــد أن ينكسـر
رد مع اقتباس
قديم 04-20-2010, 05:57 PM   رقم المشاركة : 25
الهادي الزغيدي
عضو





الهادي الزغيدي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: - القمم والمؤتمرات الاقتصادية والأمنية من التطبيع إلى الهيمنة -

التطبيع في مجالي النفط والغاز
تستغل إسرائيل موقع فلسطين الجغرافي المطل على البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر وقربها من منابع النفط في الخليج العربي وأوروبا وتوسطها في القارتين آسيا وافريقيا لتطبيع العلاقات في مجالات النفط والغاز والطاقة.‏
وتعمل لكي تكون المركز لتجميع النفط والغاز وتصديره للخارج منافسة بذلك دور مصر ومحاصرته لتنفرد بالتعاون مع يهود العالم في نقل وتسويق وتجارة النفط والغاز والمنتجات البترولية. وتتكون الاستراتيجية الإسرائيلية في هذا المجال من عدة عناصر:‏
الأول: إقامة شبكة من خطوط الأنابيب لنقل النفط العربي والإيراني (مستقبلاً) إلى إسرائيل.‏
الثاني: إقامة مركز لتجميع الغاز لسد حاجاتها منه بشكل مجاني وتسويقه في العالم.‏
والثالث: إقامة مجموعة من مصافي البترول المشتركة مع الدول العربية.‏
وساعد توقيع اتفاق الإذعان في أوسلو على إخراج الدراسات من مراكز البحث والوزارات الإسرائيلية المختصة إلى العلن وتحويلها إلى مشروعات مشتركة مع بعض الدول العربية كمصر وقطر.‏
وتخطط إسرائيل من خلال مجموعة من خطوط نقل النفط العربي لكي تكون مركز التجمع الرئيسي للنفط العربي القادم من الخليج بما فيه العراق وتصديره إلى أوروبا والولايات المتحدة الأميركية وكندا..‏
ووضع المركز الإسرائيلي لتكنولوجيا المستقبل معلومات وخرائط جغرافية وطبوغرافية عن شبكة أنابيب النفط المزمع إقامتها. وأعد منها الإسرائيلي جدعون فيثلسون دراسة عن احتياطي النفط العربي ومساراته وحجم الإنتاج اليومي. وجاء فيها: "إن البترول العربي هو أهم مادة خام موجودة في الشرق الأوسط من حيث الإنتاج اليومي والاحتياطي، وتمثل عملية نقل النفط من الخليج العربي إلى أسواق أوروبا وأميركا الشمالية حجماً كبيراً من سوق النقل ومن ثم فإن عائد النفط يجب تقسيم فوائده على الدول الموجودة في منطقة الشرق الأوسط"(202).‏
وتقترح الدراسة إقامة شبكة من خطوط نقل النفط إلى إيلات:‏
* خط يبدأ من رأس تنورة السعودي إلى العقبة /إيلات.‏
* خط من الكويت إلى العقبة/ إيلات.‏
* خط من الإمارات العربية إلى الخط السعودي ومنه إلى العقبة/ إيلات.‏
* إعادة تشغيل خط التابلاين القديم القادم من العراق عبر سورية إلى حيفا.‏
وترمي إسرائيل فيما بعد إلى نقل النفط من إيلات إلى الموانئ الإسرائيلية في اسدود وعسقلان ومن ثم إلى أوروبا وأميركا. ويحقق هذا المشروع لإسرائيل فكرة إنشاء مشاريع إقليمية مشتركة تغطي حاجات إسرائيل من النفط والغاز العربي بشكل مجاني وتجلب لها الارباح الطائلة لاستيعاب المزيد من المهاجرين اليهود والاستمرار في المحافظة على قوتها العسكرية الضاربة، كما توفر لها الأموال العربية اللازمة لإنشاء شبكة جديدة من الطرق البرية وخطوط السكك الحديدية لنقل الأفراد والسلع.‏
وسينشط هذا المشروع حركة الشحن والنقل ومصافي تكرير النفط الإسرائيلية، ويضعف دور قناة السويس ويوجه ضربة قوية إلى المشروع العربي المشترك لنقل النفط (سوميد). ويقضي على فكرة إقامة خط أنابيب لنقل النفط العراقي إلى ميناء العقبة الأردني وعلى أي دور للأردن في تجميع النفط العربي والاستفادة منه.‏
وكانت إسرائيل قد أقامت مع شاه إيران عام 1976 خط أنابيب إيلات- عسقلان كبديل لقناة السويس ولنقل البترول الإيراني إلى بعض مصافي النفط الأوروبية، ويبلغ طوله 254 كم.‏
وبعد اتفاق الإذعان في أوسلو بدأت إسرائيل بتوسيعه لزيادة طاقته إلى 33% وذلك:‏
* لمرور أكبر حجم من النفط الإيراني بدلاً من قناة السويس وخط سوميد العربي.‏
* لتزويد مصافي تكرير النفط الإسرائيلية باحتياجاتها الإضافية من النفط الخام.‏
* ولإنشاء مستودعات لتخزين النفط لحساب الزبائن وطرحه في الأسواق حين الطلب.‏
وقد أشار رئيس الوحدة الاقتصادية بهيئة قناة السويس، فاروق أبو طالب، إلى أن تشغيل وتوسيع خط أنابيب إيلات/ عسقلان"، منافس خطير لخط سوميد ولقناة السويس خاصة لو اعتمد عليه الإيرانيون في نقل وتسويق بترولهم لدى أوروبا وأميركا الشمالية(203).‏
وانطلاقاً من مساحة إسرائيل الصغيرة ورغبتها في المحافظة على نقاء البيئة وحمايتها من التلوث اتفقت إسرائيل مع مصر لإقامة مصفاة مشتركة لتكرير النفط في مصر عرفت باسم "ميدور". وكان قد ألح الجنرال رابين وبيرس في زيارتهما الأولى للقاهرة بعد توقيع اتفاق أوسلو على الإسراع في تنفيذ بناء المصفاة كمؤشر عملي على البدء في إقامة السوق الشرق أوسطية. وتبلغ تكاليف إقامتها مليار دولار.‏
واشترك فيها بعض رجال الأعمال المصريين ومنهم حسين سالم والهيئة المصرية العامة للبترول. وقدم بنك الاستثمار الأوروبي تمويلاً للمصفاة قدره (300) مليون دولار.‏
وتخطط إسرائيل لإقامة مصافي مشتركة لتكرير النفط مع الأردن وأرتيريا...‏
وتبين الأرقام أن ثلث احتياطي الغاز في العالم يوجد في منطقة الشرق الأوسط ولا يستخدم بطريقة تجارية كما أنه لا يلوث البيئة لذلك فإن إسرائيل تسعى لتكون المركز الأساسي لتجميع الغاز في المنطقة وتسويقه بشروطها.‏
فاقترحت على مصر عام 1989 تطبيقاً للدراسة التي وضعها حاييم بن شاهار تجميع الغاز المصري من حقول شمال الدلتا في خط يبدأ من بور فؤاد ثم شمال سيناء حتى مستعمرة "كريم شالوم". ومدينة بئر السبع لتشغيل المصانع في مستعمرة روش بينا. ويتجه الخط إلى مدينة اسدود لتزويد محطة الكهرباء في المدينة. وجرى تخطيط مشروع أنبوب الغاز على أن يعبر أولاً الكيان الصهيوني ومنه إلى أراضي سلطة الحكم الذاتي في غزة.‏
"ومن فوائد المشروع أن الفرق في تكلفة النقل عبر أنبوب الغاز أو نقلة بواسطة البواخر يحقق خفضاً قدره 23 دولاراً في الطن الواحد. وقد أعلنت إسرائيل أن المشروع يستهدف المرور بالغاز إلى لبنان ومنه إلى تركيا ثم يعبر البوسفور نحو جنوب أوروبا (204).‏
وتأخرت الموافقة على المشروع بسبب عدم الاتفاق على السعر الذي ستبيعه مصر لإسرائيل، ولكن إسرائيل فاجأت مصر في القمة الاقتصادية في عمان بالتوقيع على اتفاق إسرائيلي- أميركي- قطري تحصل إسرائيل بموجبه على الغاز القطري.‏
وتعقدت مشاريع الغاز الإسرائيلية مع مصر وقطر بسبب الإصرار على تهويد القدس العربية وتصاعد سياسة إسرائيل الاستيطانية والإرهابية ومجيء نتنياهو إلى الحكم وتعيين مجرم الحرب الجنرال شارون وزيراً للبنى التحتية بما فيها وزارة الطاقة. وعرقل إصرار إسرائيل على شراء الغاز المصري بأقل من السعر العالمي بكثير المفاوضات.‏
ودخلت إسرائيل في مفاوضات مع روسيا لإحضار الغاز الروسي عن طريق تركيا وتصعيد التنافس بين روسيا ومصر- وقطر على بيع الغاز لكي تحصل على أفضل الأسعار.‏
دارت مفاوضات سرية بين قطر وإسرائيل حول صفقة الغاز أكثر من 4 سنوات قبل الإعلان عنها في قمة عمان الاقتصادية لنقل الغاز السائل بالبواخر إلى إيلات ثم نقله عبر خط أنابيب إلى الموانئ الإسرائيلية على البحر الأبيض المتوسط ومنها إلى أوروبا.‏
وقامت الولايات المتحدة بدور كبير في إخراج الصفقة إلى حيز الوجود حتى أن جيمس بيكر وزير الخارجية الأميركي السابق لعب دور الوسيط بين شركة اينرون الأميركية وبين قطر وإسرائيل.‏
وتخطط إسرائيل تطوير هذا المشروع بعد التوقيع على التسوية النهائية حيث تقترح إنشاء خط أنابيب لنقل الغاز السائل من المملكة العربية السعودية إلى العقبة بالبواخر ثم ضخه في الخط الإسرائيلي لتقوم إسرائيل بتسويقه.‏
وتبلغ تكاليف المشروع 4 مليارات دولار. وتقوم شركة دانكنر وشركة ماشاف الإسرائيليتان ببناء خط أنبوب للغاز القطري من العقبة حتى عسقلان.‏
وبالرغم من الرفض العربي الشعبي للمشاريع المشتركة مع العدو الإسرائيلي وفي طليعتها مشاريع النفط والغاز إلاّ أن مشروع الغاز القطري أضر بالموقف المصري في التفاوض على سعر ملائم. ويأتي الضرر الذي يلحقه مشروع الغاز القطري بمصر من عاملين:‏
* الاتجاه الأول: استقواء موقف المفاوض الإسرائيلي تجاه مسألة تسعير الغاز المصري المتجه لإسرائيل.‏
* الاتجاه الثاني: حرمان مصر من مرور بواخر الغاز القطري عبر قناة السويس، لأن البواخر ستقوم بتفريغ حمولتها في محطة التجميع والتفريغ في العقبة / إيلات، وتلك خسارة كبيرة لقناة السويس(205).‏
وتجري إسرائيل منذ عام 1995، مفاوضات سرية مع شركة بوتاش التركية، وهي المؤسسة الحكومية لإقامة أنبوب من الغاز ليجري فيه الغاز الروسي ويخترق عدة مدن تركية إلى أن يصل إلى الخط المصري- الإسرائيلي الذي ينطلق عبر لبنان وسورية وتركيا.‏
وتبدي إسرائيل أطماعها في غاز منطقة تبوك بالسعودية ونقله إلى محطة التجميع في ميناء العقبة، وحققت إسرائيل بعض النجاحات في علاقاتها النفطية مع بعض الدول العربية، حيث تحصل من مصر على مليون طن سنوياً من النفط الخام وعلى مليونين آخرين عن طريق التجار الذين يحصلون على حصص سنوية من الهيئة المصرية العامة للبترول. واتفقت مع مصر على مشروع خط أنابيب الغاز ومصفاة ميدور لتكرير النفط ومشروع الربط الكهربائي.‏
ووقعت مع الأردن مشروع بناء محطة الغاز في العقبة وإقامة عدة محطات مشتركة للكهرباء وتسعى إسرائيل لإقامة شبكة من خطوط أنابيب نقل النفط من قطر والكويت والبحرين والسعودية وعمان لتصبح أهم المراكز لتجميع النفط العربي ونقله عبرها وتسويقه في أوروبا.‏
وباختصار تخطط إسرائيل لتوظيف سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني المحدود والأردن والعديد من دول الخليج العربية لتحقيق مصالحها وجني الأرباح الطائلة للمحافظة على قوتها العسكرية ولاستيعاب المزيد من المهاجرين اليهود وإقامة المزيد من المستعمرات اليهودية وتهويد المزيد من القدس العربية. وتخطط لإقامة خط أنابيب لنقل النفط العراقي إلى العقبة ومن ثم إلى إسرائيل وتشغيل خط التابلاين العراقي في حيفا.‏
وتسعى جاهدة لتكون المركز الأساسي وتلعب الدور الفعال في تجارة النفط والغاز العربي وحركة النقل والشحن والمشتقات البترولية بحيث تصبح بورصة الشرق الأوسط لهاتين السلعتين الهامتين في زمن السلم والحرب وجني الأرباح الخيالية.‏
وترمي المشاريع الإسرائيلية إلى تقوية الاقتصاد الإسرائيلي وتوفير النفط والغاز والكهرباء لإسرائيل بأرخص الأثمان والتغلغل في البنى التحتية والأساسية للاقتصادات العربية لفرض الهيمنة الإسرائيلية عليها.‏
وتهدف المشاريع أيضاً إلى جعل إسرائيل المركز والقائد والقلب والموزع والمسيطر على النفط والغاز والمياه والنقل في المنطقة دون المساس بتفوقها العسكري وامتلاكها للسلاح النووي، والذي سيقود حتماً في المستقبل إلى فرض شروط إسرائيلية جديدة لا يمكن التنبؤ بها حالياً، وذلك انطلاقاً من أطماع اليهود في الثروات العربية وانطلاقاً من نهب وسرقة إسرائيل للمياه والثروات والأراضي العربية بحجج ومزاعم وأساطير خرافية توراتية وتلمودية.‏
وتعمل للانتقال من مرحلة التطبيع الثنائي إلى مرحلة توظيف أدوار الآخرين للهيمنة على ثروات المنطقة العربية في مجالات النفط والغاز والمياه.‏
ويطرح عمرو كمال حمودة مجموعة عناصر لمواجهة مساعي إسرائيل في استغلال النفط والغاز.‏
* ضرورة إيجاد حوار فعال مع إيران حتى لا يتجه النفط الإيراني لخط إيلات/ عسقلان.‏
* البحث عن بديل عن مشروع الغاز المصري- الإسرائيلي عن طريق التحول غرباً والربط مع خط الغاز الليبي ثم الجزائري إلى أوروبا.‏
* الاتصال مع العراق لإقناعه بتمرير جزء من إنتاجه النفطي عبر خط أنابيب سوميد.‏
* دفع مشروع الكوبري المعلق بين المملكة العربية السعودية ومصر وربط خط لنقل البترول السعودي ووصله مع الخط المصري سوميد.‏
* إعلان هيئة قناة السويس "حرب أسعار" بالنسبة لنقل الغاز والبترول حتى يتوقف المشروع الإسرئيلي - القطري للغاز، والتفاوض مع قطر لنقل الغاز عبر قناة السويس بأسعار مخفضة.‏
* تشجيع المشروعات العربية التي تمت دراستها وإقرارها من قبل بواسطة منظمة الأوبك في مجال خطوط الأنابيب وناقلات البترول والتخزين.‏
* إحلال رجال الاستثمار العرب مكان إسرائيل في مشروع مصفاة التكرير "ميدور" طالما أن التمويل قد دخل المشروع من بنك الاستثمار الأوروبي.‏
* إنشاء بنك عربي متخصص في تمويل العمليات البترولية، ليتولى تمويل تجارة ونقل البترول وتمويل عمليات البحث والتنقيب وكذلك المشروعات الضخمة مثل نقل الغاز والنفط والبترو كيماويات وشراء وتأجير وبناء ناقلات السفن البترولية ومصافي التكرير.‏
التطبيع في مجال السياحة‏
تولي إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية التجارة الإسرائيلية مع الدول العربية أهمية خاصة، حيث تضغط الولايات المتحدة الأميركية باستمرار على الدول العربية لإنهاء المقاطعة وإقامة علاقات تجارية مع إسرائيل في نفس الوقت الذي تشدد فيه الولايات المتحدة حصارها على ليبيا والعراق والسودان وكوبا وكوريا الشمالية.‏
وترمي الولايات المتحدة إلى دخول السلع والمنتجات الإسرائيلية إلى جميع الأسواق العربية ومنها إلى كل بيت عربي، وذلك لأسباب اقتصادية وسياسية ونفسية، وكجزء أساسي من تحقيق الاستراتيجية الصهيونية، باعتبار إسرائيل دولة صناعية متطورة تعيش على المساعدات الأميركية والألمانية وبحاجة إلى الأسواق والأموال والمواد الخام والأيدي العاملة العربية لحل أزماتها الاقتصادية.‏
وتمارس الولايات المتحدة الضغط والابتزاز والترغيب على الدول العربية للإسراع في فتح أسواقها أمام التجارة مع إسرائيل، وذلك للفوائد العديدة التي سيجنيها العدو الإسرائيلي ومنها:‏
* قرب الأسواق العربية من أماكن التصدير الإسرائيلية مما يخفف من نفقات الشحن.‏
* السرعة في شحن المنتجات مما يجعلها تصل بمدة أقصر من البضائع المستوردة من أوروبا واليابان وربما خلال يوم.‏
* انخفاض تكاليف الإنتاج في إسرائيل عنها في أوروبا والولايات المتحدة مما يجعل البضائع الإسرائيلية أكثر قدرة على المنافسة من غيرها.‏
ويتوقع الخبراء الإسرائيليون أن تقود التجارة مع الدول العربية إلى:‏
أولاً: تحويل إسرائيل إلى مركز تجاري إقليمي والحلول محل لبنان والتفوق عليه بسبب التطور الصناعي فيها وعلاقاتها الدولية وموقعها الجغرافي.‏
ثانياً: إقامة سوق شرق أوسطية تحتل إسرائيل فيها مركز القائد وتحصل من جرائها على تسهيلات هائلة من دول الاتحاد الأوروبي.‏
وتولي إسرائيل قطاع السياحة أهمية خاصة، نظراً للأموال الضخمة التي ستحصل عليها من جراء العلاقات والاتفاقيات السياحية بينها وبين البلدان العربية، وذلك للأسباب التالية:‏
* تعتبر إسرائيل من أهم البلدان المتطورة في مجال السياحة في الشرق الأوسط.‏
* وجود الأماكن المقدسة لدى الديانات الثلاث في القدس وبيت لحم والناصرة وطبريا ونهر الأردن مما يشجع على الحج والسياحة الدينية.‏
* وجود معالم سياحية جذابة على سواحل البحر الأبيض المتوسط والبحر الميت وبحيرة طبرية، مما يشجع السياح على المجيء إلى إسرائيل وربط رحلاتهم السياحية بزيارة أهم المعالم السياحية في مصر وغيرها من الدول العربية.‏
* وجود سياحة صيفية وشتوية وصحراوية وعلاجية بسبب تنوع المناخ والتضاريس.‏
* توافر المنشآت السياحية ومحلات اللهو والترفيه التي تناسب الوضع الاقتصادي والاجتماعي للسائح. وتتضمن المخططات الإسرائيلية للسياحة بناء الفنادق والمعالم السياحية على الحدود العربية وإنشاء مشاريع سياحية مشتركة، وبناء مجموعة من الفنادق الضخمة في القدس العربية وعلى جبل أبو غنيم للحلول محل مدينة بيت لحم وتهويد القدس العربية كمقدمة للاستيلاء على المسجد الأقصى. ويأتي مشروع "ريفيرا البحر الأحمر" في مقدمة هذه المشاريع والذي يربط بين ساحل إيلات والعقبة وطابا ويتطلب قيام تعاون إقليمي بين إسرائيل ومصر والأردن والسعودية.‏
ويهدف المشروع إلى تحويل الشاطئ الممتد على ساحل البحر الأحمر حتى السعودية إلى منطقة واحدة وتتطلب إزالة الحدود السياسية بين مصر والأردن وإسرائيل وذلك لقصر وضيق الساحل الإسرائيلي بخلاف الساحلين الأردني والمصري.‏
وتقترح إسرائيل على الدول العربية المنوي إشراكها في المشروع الإسرائيلي أن تتنازل عن جزء من سيادتها بحيث يزور السائح "الريفيرا بدون إبراز وثائق سفر أو حتى الحصول على فيزا من الدول صاحبة السيادة، وذلك لزيادة أرباح إسرائيل من الدخل السياحي.‏
وأعدت وزارة السياحة الإسرائيلية وثيقة حول تعاون إقليمي سياحي مشترك، وتناولت فيها التسويق السياحي المشترك في المنطقة، وفتح جسر بري بين العقبة وإيلات وتسيير خطوط بحرية بين ميناء اسدود وميناء بور سعيد.‏
ونشرت وزارة السياحة الإسرائيلية والأردنية وسلطة الحكم الذاتي الفلسطيني المحدود إعلانات سياحية مشتركة في الولايات المتحدة الأميركية جاء فيها: "نحن ملتزمون بالسلام، إن الإسرائيليين والأردنيين والفلسطينيين يبسطون ذراعاتهم ويفتحون قلوبهم ويدعون الجمهور الأميركي لزيارة الأردن والسلطة الفلسطينية وإسرائيل".‏
(جريدة شيحان الأردنية 15-20/2/1997).‏
وتتوقع المصادر الإسرائيلية الحصول على أموال ضخمة من جراء استقبال السياح العرب وتصدير الخدمات السياحية للبلدان العربية، مما سيجلب لها الأموال الضخمة وفوائد نفسية وسياسية تمكنها من التغلغل حتى في أوساط المواطنين العرب.‏
ووضعت إسرائيل تصوراً جديداً للسياحة في الشرق الأوسط طرحه عوزي برعام، وزير السياحة ويتألف من 12 نقطة وهي:‏
1- تسويق إقليمي دولي للسياحة في المنطقة.‏
2- إقامة مؤسسات سياحية وسلسلة من الفنادق الضخمة.‏
3- تغيير سياسة الطيران والاستعداد لعصر السلام في مجال السياحة والاستفادة من موقع إسرائيل كجسر بين القارات.‏
4- تنظيم رحلات بحرية وعبور في السفن الجوالة.‏
5- تطوير سواحل البحر المتوسط لخلق ريفيرا من لبنان على طول سواحل إسرائيل باتجاه مصر.‏
6- الاستفادة من البحر الميت في مجال الاستحمام بالمياه المعدنية وتطوير مشروع إسرائيلي- أردني- فلسطيني في مجال السياحة والكهرباء.‏
7- سياحة برية حيث يتيح السلام تطوير هذا النوع من السياحة.‏
8- تطوير الريفيرا على البحر الأحمر بالتعاون بين إسرائيل والأردن ومصر والسعودية في المستقبل.‏
9- مفهوم إقليمي للأماكن المقدسة وطرق السياحة المؤدية إليها.‏
10- أعمال سياحية مشتركة مع سلطة الحكم الذاتي.‏
11- اجتماعات سياحية إقليمية وتنظيم مؤتمرات ومهرجانات إقليمية.‏
12- السرعة في التصديق على بنية تحتية لمشاريع سياحية وتبسيط إجراءات التخطيط والبناء في فرع السياحة(206).‏
وتعتبر منطقة البحر الأحمر من أجمل المناطق السياحية في العالم، فهي معروفة بشواطئها الرملية ومواقع الغوص الجميلة وهدوء البحر الأحمر والمناظر الطبيعية الخلابة.‏

التطبيع في مجال المواصلات‏
يتناول التخطيط الإسرائيلي لمستقبل المنطقة العربية موضوع المواصلات، إذ أن وقوع فلسطين في قلب الوطن العربي ، يؤهلها للقيام بدور أساسي في شبكة المواصلات البرية والبحرية والجوية، بسبب الموقع الهام لمطار اللد والموانيء البحرية الضخمة بدءاً من حيفا وعكا ومروراً بيافا واسدود وحتى ايلات.‏
يعتبر النقل والمواصلات من طرق سريعة وموانئ بحرية ومطارات جوية من أهم العوامل لتحقيق النظام الإقليمي الجديد والسوق الشرق أوسطية. وهي ذات أهمية كبرى لزيادة التبادل التجاري وتنقل الأفراد وانتقال البضائع عبر الحدود وتخدم توسع وامتداد السوق الإسرائيلية في البلدان العربية. وتقدم خدمات جلى للصناعة والسياحة الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط.‏
ويأتي الطريق السريع المقترح، الذي يربط بلدان شمال افريقيا بدءاً من الساحل الممتد من موريتانيا غرباً عبر المغرب والجزائر وتونس وليبيا إلى الاسكندرية والقاهرة ورفح وحيفا وطرابلس وطرطوس واللاذقية إلى ماردين وديار بكر في تركيا في مقدمة هذه الشبكة. وتتفرع من هذه الطريق عدة فروع منها وصلة تمتد إلى تبوك في شبه الجزيرة العربية، لتتصل بالطريق الدولي في منطقة الخليج.‏
ويشمل مشروع الطريق هذا تحسين وإنشاء ورفع كفاءة الطريق بدءاً من الحدود التركية حتى مصر لربط دول شرق البحر المتوسط بأوروبا وبلدان شمال افريقيا على أن تكون إسرائيل المركز والمحور لخدمة الصناعة والسياحة والتجارة فيها.‏
أما مشروع طريق العقبة الإقليمي المقترح فهو يربط بين مصر وإسرائيل والأردن حيث يبدأ من القاهرة ويمتد إلى السويس ثم طابا ويتصل بطريق دائري يمر حول طابا وإيلات والعقبة.‏
وتنطلق مشاريع إسرائيل للنقل والمواصلات من ربط إسرائيل بالدول العربية انطلاقاً من شبكة المواصلات التي كانت تربط فلسطين، بالبلدان العربية قبل عام 1948 واستخدام السكك الحديدية والموانئ وتقترح إسرائيل تطوير ثلاثة طرق برية تربط مصر بإسرائيل عبر سيناء، كما تقترح الطرق البرية التالية مع الأردن:‏
* طريق اسدود - القدس- عمان وطوله 170 كم.‏
* طريق حيفا- عمان- وطوله 260 كم.‏
* طريق غزة- اسدود- القدس- عمان.‏
وكشف المدير العام لوزارة الإسكان الإسرائيلية، اريه مزارحي النقاب عن أن إسرائيل تعتزم شق طرق تربط الضفة الغربية وقطاع غزة بالموانئ الإسرائيلية وبمطار بن غوريون من أجل تحول إسرائيل إلى هونغ كونغ الشرق الأوسط. وقال إن إسرائيل ستصبح البوابة الرئيسية لدخول المناطق المحتلة ومن ثم الأردن وسورية والمملكة العربية السعودية. وأكد أنه خصصت موازنة قدرها 1.6 مليار دولار لهذه الطرق(207).‏
ويقوم التصور الإسرائيلي على جعل ميناء حيفا أهم ميناء مركزي للحاويات في المنطقة وتخصيص 1200 إلى 3000 شاحنة لنقل البضائع و 1100 باص بالإضافة إلى 1000-3000 سيارة تاكسي لنقل السياح براً من إسرائيل إلى العواصم العربية، وكذلك تخصيص عدة قطارات لتعمل خطوط السكك الحديدية مع مصر والأردن وسورية ولبنان وتركيا.‏
وتخطط إسرائيل لكي تصبح أهم مركز للحدود في المنطقة لانطلاق مواطنيها ومواطني البلدان العربية إلى الدول الأوروبية ولتنشيط صادراتها ووارداتها وحركة السياحة فيها وتطبيع علاقاتها مع البلدان العربية.‏
وستفتح إسرائيل خطوطاً جوية مع العواصم العربية، مما سيجعل مطار اللد المطار الرئيسي في المنطقة نظراً لعلاقات إسرائيل الجيدة مع الدول الأوروبية وبسبب الخدمات والصيانة فيها ذلك لإحكام هيمنتها على جميع المرافق والمجالات في منطقة الشرق الأوسط.‏
ويتناول المخطط الإسرائيلي للتطبيع إقامة مشاريع مشتركة بين إسرائيل والدول العربية في البحر الميت ونهر اليرموك وخليج العقبة والأغوار وسيناء، ومشاريع بتروكيماوية ومجمعات لصناعة النفط ومصافي النفط وخطوط لنقله وتكريره وتسويقه في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية.‏
وخططت لإقامة مشاريع مشتركة مع الأردن وأقيم البعض منها لاستخراج الفوسفات والبوتاس والبرومين من البحر الميت وإقامة مشاريع مشتركة مع مصر في الزراعة والسياحة واستثمار الثروات الطبيعية في سيناء. وتتلخص المشاريع المشتركة التي تطرحها إسرائيل بما يلي:‏
* دمج ميناء العقبة بأيلات وبناء مطار دولي مشترك في العقبة.‏
* إقامة قناة بحرية تصل إلى البحر الميت في إطار التعاون الإقليمي.‏
* إقامة شبكة كهربائية مشتركة بين إسرائيل وعدد من الدول العربية.‏
* مشاريع لأنابيب النفط والغاز وإعادة ضخ النفط العربي إلى مصفاة حيفا.‏
* مشاريع متعددة للتعاون الإقليمي في المجالات الصناعية والزراعية والسياحية.‏
ويلعب رجال الأعمال اليهود في الولايات المتحدة وأوروبا دوراً كبيراً في المشاريع والاستثمارات المشتركة.‏
وستجني إسرائيل معظم المكاسب والأرباح من تأسيس المشاريع المشتركة وستتمكن إسرائيل من جراء التطبيع من الخروج من أزماتها الاقتصادية والقضاء على التضخم والعجز في ميزان المدفوعات وتسديد الديون الخارجية.‏




التوقيع

إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بدّ أن يستجيب القــــدر
و لا بــــدّ لليــل أن ينجلــي
و لا بـــدّ للقيــد أن ينكسـر
رد مع اقتباس
قديم 04-20-2010, 05:57 PM   رقم المشاركة : 26
الهادي الزغيدي
عضو





الهادي الزغيدي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: - القمم والمؤتمرات الاقتصادية والأمنية من التطبيع إلى الهيمنة -

التطبيع في مجالي النفط والغاز
تستغل إسرائيل موقع فلسطين الجغرافي المطل على البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر وقربها من منابع النفط في الخليج العربي وأوروبا وتوسطها في القارتين آسيا وافريقيا لتطبيع العلاقات في مجالات النفط والغاز والطاقة.‏
وتعمل لكي تكون المركز لتجميع النفط والغاز وتصديره للخارج منافسة بذلك دور مصر ومحاصرته لتنفرد بالتعاون مع يهود العالم في نقل وتسويق وتجارة النفط والغاز والمنتجات البترولية. وتتكون الاستراتيجية الإسرائيلية في هذا المجال من عدة عناصر:‏
الأول: إقامة شبكة من خطوط الأنابيب لنقل النفط العربي والإيراني (مستقبلاً) إلى إسرائيل.‏
الثاني: إقامة مركز لتجميع الغاز لسد حاجاتها منه بشكل مجاني وتسويقه في العالم.‏
والثالث: إقامة مجموعة من مصافي البترول المشتركة مع الدول العربية.‏
وساعد توقيع اتفاق الإذعان في أوسلو على إخراج الدراسات من مراكز البحث والوزارات الإسرائيلية المختصة إلى العلن وتحويلها إلى مشروعات مشتركة مع بعض الدول العربية كمصر وقطر.‏
وتخطط إسرائيل من خلال مجموعة من خطوط نقل النفط العربي لكي تكون مركز التجمع الرئيسي للنفط العربي القادم من الخليج بما فيه العراق وتصديره إلى أوروبا والولايات المتحدة الأميركية وكندا..‏
ووضع المركز الإسرائيلي لتكنولوجيا المستقبل معلومات وخرائط جغرافية وطبوغرافية عن شبكة أنابيب النفط المزمع إقامتها. وأعد منها الإسرائيلي جدعون فيثلسون دراسة عن احتياطي النفط العربي ومساراته وحجم الإنتاج اليومي. وجاء فيها: "إن البترول العربي هو أهم مادة خام موجودة في الشرق الأوسط من حيث الإنتاج اليومي والاحتياطي، وتمثل عملية نقل النفط من الخليج العربي إلى أسواق أوروبا وأميركا الشمالية حجماً كبيراً من سوق النقل ومن ثم فإن عائد النفط يجب تقسيم فوائده على الدول الموجودة في منطقة الشرق الأوسط"(202).‏
وتقترح الدراسة إقامة شبكة من خطوط نقل النفط إلى إيلات:‏
* خط يبدأ من رأس تنورة السعودي إلى العقبة /إيلات.‏
* خط من الكويت إلى العقبة/ إيلات.‏
* خط من الإمارات العربية إلى الخط السعودي ومنه إلى العقبة/ إيلات.‏
* إعادة تشغيل خط التابلاين القديم القادم من العراق عبر سورية إلى حيفا.‏
وترمي إسرائيل فيما بعد إلى نقل النفط من إيلات إلى الموانئ الإسرائيلية في اسدود وعسقلان ومن ثم إلى أوروبا وأميركا. ويحقق هذا المشروع لإسرائيل فكرة إنشاء مشاريع إقليمية مشتركة تغطي حاجات إسرائيل من النفط والغاز العربي بشكل مجاني وتجلب لها الارباح الطائلة لاستيعاب المزيد من المهاجرين اليهود والاستمرار في المحافظة على قوتها العسكرية الضاربة، كما توفر لها الأموال العربية اللازمة لإنشاء شبكة جديدة من الطرق البرية وخطوط السكك الحديدية لنقل الأفراد والسلع.‏
وسينشط هذا المشروع حركة الشحن والنقل ومصافي تكرير النفط الإسرائيلية، ويضعف دور قناة السويس ويوجه ضربة قوية إلى المشروع العربي المشترك لنقل النفط (سوميد). ويقضي على فكرة إقامة خط أنابيب لنقل النفط العراقي إلى ميناء العقبة الأردني وعلى أي دور للأردن في تجميع النفط العربي والاستفادة منه.‏
وكانت إسرائيل قد أقامت مع شاه إيران عام 1976 خط أنابيب إيلات- عسقلان كبديل لقناة السويس ولنقل البترول الإيراني إلى بعض مصافي النفط الأوروبية، ويبلغ طوله 254 كم.‏
وبعد اتفاق الإذعان في أوسلو بدأت إسرائيل بتوسيعه لزيادة طاقته إلى 33% وذلك:‏
* لمرور أكبر حجم من النفط الإيراني بدلاً من قناة السويس وخط سوميد العربي.‏
* لتزويد مصافي تكرير النفط الإسرائيلية باحتياجاتها الإضافية من النفط الخام.‏
* ولإنشاء مستودعات لتخزين النفط لحساب الزبائن وطرحه في الأسواق حين الطلب.‏
وقد أشار رئيس الوحدة الاقتصادية بهيئة قناة السويس، فاروق أبو طالب، إلى أن تشغيل وتوسيع خط أنابيب إيلات/ عسقلان"، منافس خطير لخط سوميد ولقناة السويس خاصة لو اعتمد عليه الإيرانيون في نقل وتسويق بترولهم لدى أوروبا وأميركا الشمالية(203).‏
وانطلاقاً من مساحة إسرائيل الصغيرة ورغبتها في المحافظة على نقاء البيئة وحمايتها من التلوث اتفقت إسرائيل مع مصر لإقامة مصفاة مشتركة لتكرير النفط في مصر عرفت باسم "ميدور". وكان قد ألح الجنرال رابين وبيرس في زيارتهما الأولى للقاهرة بعد توقيع اتفاق أوسلو على الإسراع في تنفيذ بناء المصفاة كمؤشر عملي على البدء في إقامة السوق الشرق أوسطية. وتبلغ تكاليف إقامتها مليار دولار.‏
واشترك فيها بعض رجال الأعمال المصريين ومنهم حسين سالم والهيئة المصرية العامة للبترول. وقدم بنك الاستثمار الأوروبي تمويلاً للمصفاة قدره (300) مليون دولار.‏
وتخطط إسرائيل لإقامة مصافي مشتركة لتكرير النفط مع الأردن وأرتيريا...‏
وتبين الأرقام أن ثلث احتياطي الغاز في العالم يوجد في منطقة الشرق الأوسط ولا يستخدم بطريقة تجارية كما أنه لا يلوث البيئة لذلك فإن إسرائيل تسعى لتكون المركز الأساسي لتجميع الغاز في المنطقة وتسويقه بشروطها.‏
فاقترحت على مصر عام 1989 تطبيقاً للدراسة التي وضعها حاييم بن شاهار تجميع الغاز المصري من حقول شمال الدلتا في خط يبدأ من بور فؤاد ثم شمال سيناء حتى مستعمرة "كريم شالوم". ومدينة بئر السبع لتشغيل المصانع في مستعمرة روش بينا. ويتجه الخط إلى مدينة اسدود لتزويد محطة الكهرباء في المدينة. وجرى تخطيط مشروع أنبوب الغاز على أن يعبر أولاً الكيان الصهيوني ومنه إلى أراضي سلطة الحكم الذاتي في غزة.‏
"ومن فوائد المشروع أن الفرق في تكلفة النقل عبر أنبوب الغاز أو نقلة بواسطة البواخر يحقق خفضاً قدره 23 دولاراً في الطن الواحد. وقد أعلنت إسرائيل أن المشروع يستهدف المرور بالغاز إلى لبنان ومنه إلى تركيا ثم يعبر البوسفور نحو جنوب أوروبا (204).‏
وتأخرت الموافقة على المشروع بسبب عدم الاتفاق على السعر الذي ستبيعه مصر لإسرائيل، ولكن إسرائيل فاجأت مصر في القمة الاقتصادية في عمان بالتوقيع على اتفاق إسرائيلي- أميركي- قطري تحصل إسرائيل بموجبه على الغاز القطري.‏
وتعقدت مشاريع الغاز الإسرائيلية مع مصر وقطر بسبب الإصرار على تهويد القدس العربية وتصاعد سياسة إسرائيل الاستيطانية والإرهابية ومجيء نتنياهو إلى الحكم وتعيين مجرم الحرب الجنرال شارون وزيراً للبنى التحتية بما فيها وزارة الطاقة. وعرقل إصرار إسرائيل على شراء الغاز المصري بأقل من السعر العالمي بكثير المفاوضات.‏
ودخلت إسرائيل في مفاوضات مع روسيا لإحضار الغاز الروسي عن طريق تركيا وتصعيد التنافس بين روسيا ومصر- وقطر على بيع الغاز لكي تحصل على أفضل الأسعار.‏
دارت مفاوضات سرية بين قطر وإسرائيل حول صفقة الغاز أكثر من 4 سنوات قبل الإعلان عنها في قمة عمان الاقتصادية لنقل الغاز السائل بالبواخر إلى إيلات ثم نقله عبر خط أنابيب إلى الموانئ الإسرائيلية على البحر الأبيض المتوسط ومنها إلى أوروبا.‏
وقامت الولايات المتحدة بدور كبير في إخراج الصفقة إلى حيز الوجود حتى أن جيمس بيكر وزير الخارجية الأميركي السابق لعب دور الوسيط بين شركة اينرون الأميركية وبين قطر وإسرائيل.‏
وتخطط إسرائيل تطوير هذا المشروع بعد التوقيع على التسوية النهائية حيث تقترح إنشاء خط أنابيب لنقل الغاز السائل من المملكة العربية السعودية إلى العقبة بالبواخر ثم ضخه في الخط الإسرائيلي لتقوم إسرائيل بتسويقه.‏
وتبلغ تكاليف المشروع 4 مليارات دولار. وتقوم شركة دانكنر وشركة ماشاف الإسرائيليتان ببناء خط أنبوب للغاز القطري من العقبة حتى عسقلان.‏
وبالرغم من الرفض العربي الشعبي للمشاريع المشتركة مع العدو الإسرائيلي وفي طليعتها مشاريع النفط والغاز إلاّ أن مشروع الغاز القطري أضر بالموقف المصري في التفاوض على سعر ملائم. ويأتي الضرر الذي يلحقه مشروع الغاز القطري بمصر من عاملين:‏
* الاتجاه الأول: استقواء موقف المفاوض الإسرائيلي تجاه مسألة تسعير الغاز المصري المتجه لإسرائيل.‏
* الاتجاه الثاني: حرمان مصر من مرور بواخر الغاز القطري عبر قناة السويس، لأن البواخر ستقوم بتفريغ حمولتها في محطة التجميع والتفريغ في العقبة / إيلات، وتلك خسارة كبيرة لقناة السويس(205).‏
وتجري إسرائيل منذ عام 1995، مفاوضات سرية مع شركة بوتاش التركية، وهي المؤسسة الحكومية لإقامة أنبوب من الغاز ليجري فيه الغاز الروسي ويخترق عدة مدن تركية إلى أن يصل إلى الخط المصري- الإسرائيلي الذي ينطلق عبر لبنان وسورية وتركيا.‏
وتبدي إسرائيل أطماعها في غاز منطقة تبوك بالسعودية ونقله إلى محطة التجميع في ميناء العقبة، وحققت إسرائيل بعض النجاحات في علاقاتها النفطية مع بعض الدول العربية، حيث تحصل من مصر على مليون طن سنوياً من النفط الخام وعلى مليونين آخرين عن طريق التجار الذين يحصلون على حصص سنوية من الهيئة المصرية العامة للبترول. واتفقت مع مصر على مشروع خط أنابيب الغاز ومصفاة ميدور لتكرير النفط ومشروع الربط الكهربائي.‏
ووقعت مع الأردن مشروع بناء محطة الغاز في العقبة وإقامة عدة محطات مشتركة للكهرباء وتسعى إسرائيل لإقامة شبكة من خطوط أنابيب نقل النفط من قطر والكويت والبحرين والسعودية وعمان لتصبح أهم المراكز لتجميع النفط العربي ونقله عبرها وتسويقه في أوروبا.‏
وباختصار تخطط إسرائيل لتوظيف سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني المحدود والأردن والعديد من دول الخليج العربية لتحقيق مصالحها وجني الأرباح الطائلة للمحافظة على قوتها العسكرية ولاستيعاب المزيد من المهاجرين اليهود وإقامة المزيد من المستعمرات اليهودية وتهويد المزيد من القدس العربية. وتخطط لإقامة خط أنابيب لنقل النفط العراقي إلى العقبة ومن ثم إلى إسرائيل وتشغيل خط التابلاين العراقي في حيفا.‏
وتسعى جاهدة لتكون المركز الأساسي وتلعب الدور الفعال في تجارة النفط والغاز العربي وحركة النقل والشحن والمشتقات البترولية بحيث تصبح بورصة الشرق الأوسط لهاتين السلعتين الهامتين في زمن السلم والحرب وجني الأرباح الخيالية.‏
وترمي المشاريع الإسرائيلية إلى تقوية الاقتصاد الإسرائيلي وتوفير النفط والغاز والكهرباء لإسرائيل بأرخص الأثمان والتغلغل في البنى التحتية والأساسية للاقتصادات العربية لفرض الهيمنة الإسرائيلية عليها.‏
وتهدف المشاريع أيضاً إلى جعل إسرائيل المركز والقائد والقلب والموزع والمسيطر على النفط والغاز والمياه والنقل في المنطقة دون المساس بتفوقها العسكري وامتلاكها للسلاح النووي، والذي سيقود حتماً في المستقبل إلى فرض شروط إسرائيلية جديدة لا يمكن التنبؤ بها حالياً، وذلك انطلاقاً من أطماع اليهود في الثروات العربية وانطلاقاً من نهب وسرقة إسرائيل للمياه والثروات والأراضي العربية بحجج ومزاعم وأساطير خرافية توراتية وتلمودية.‏
وتعمل للانتقال من مرحلة التطبيع الثنائي إلى مرحلة توظيف أدوار الآخرين للهيمنة على ثروات المنطقة العربية في مجالات النفط والغاز والمياه.‏
ويطرح عمرو كمال حمودة مجموعة عناصر لمواجهة مساعي إسرائيل في استغلال النفط والغاز.‏
* ضرورة إيجاد حوار فعال مع إيران حتى لا يتجه النفط الإيراني لخط إيلات/ عسقلان.‏
* البحث عن بديل عن مشروع الغاز المصري- الإسرائيلي عن طريق التحول غرباً والربط مع خط الغاز الليبي ثم الجزائري إلى أوروبا.‏
* الاتصال مع العراق لإقناعه بتمرير جزء من إنتاجه النفطي عبر خط أنابيب سوميد.‏
* دفع مشروع الكوبري المعلق بين المملكة العربية السعودية ومصر وربط خط لنقل البترول السعودي ووصله مع الخط المصري سوميد.‏
* إعلان هيئة قناة السويس "حرب أسعار" بالنسبة لنقل الغاز والبترول حتى يتوقف المشروع الإسرئيلي - القطري للغاز، والتفاوض مع قطر لنقل الغاز عبر قناة السويس بأسعار مخفضة.‏
* تشجيع المشروعات العربية التي تمت دراستها وإقرارها من قبل بواسطة منظمة الأوبك في مجال خطوط الأنابيب وناقلات البترول والتخزين.‏
* إحلال رجال الاستثمار العرب مكان إسرائيل في مشروع مصفاة التكرير "ميدور" طالما أن التمويل قد دخل المشروع من بنك الاستثمار الأوروبي.‏
* إنشاء بنك عربي متخصص في تمويل العمليات البترولية، ليتولى تمويل تجارة ونقل البترول وتمويل عمليات البحث والتنقيب وكذلك المشروعات الضخمة مثل نقل الغاز والنفط والبترو كيماويات وشراء وتأجير وبناء ناقلات السفن البترولية ومصافي التكرير.‏
التطبيع في مجال السياحة‏
تولي إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية التجارة الإسرائيلية مع الدول العربية أهمية خاصة، حيث تضغط الولايات المتحدة الأميركية باستمرار على الدول العربية لإنهاء المقاطعة وإقامة علاقات تجارية مع إسرائيل في نفس الوقت الذي تشدد فيه الولايات المتحدة حصارها على ليبيا والعراق والسودان وكوبا وكوريا الشمالية.‏
وترمي الولايات المتحدة إلى دخول السلع والمنتجات الإسرائيلية إلى جميع الأسواق العربية ومنها إلى كل بيت عربي، وذلك لأسباب اقتصادية وسياسية ونفسية، وكجزء أساسي من تحقيق الاستراتيجية الصهيونية، باعتبار إسرائيل دولة صناعية متطورة تعيش على المساعدات الأميركية والألمانية وبحاجة إلى الأسواق والأموال والمواد الخام والأيدي العاملة العربية لحل أزماتها الاقتصادية.‏
وتمارس الولايات المتحدة الضغط والابتزاز والترغيب على الدول العربية للإسراع في فتح أسواقها أمام التجارة مع إسرائيل، وذلك للفوائد العديدة التي سيجنيها العدو الإسرائيلي ومنها:‏
* قرب الأسواق العربية من أماكن التصدير الإسرائيلية مما يخفف من نفقات الشحن.‏
* السرعة في شحن المنتجات مما يجعلها تصل بمدة أقصر من البضائع المستوردة من أوروبا واليابان وربما خلال يوم.‏
* انخفاض تكاليف الإنتاج في إسرائيل عنها في أوروبا والولايات المتحدة مما يجعل البضائع الإسرائيلية أكثر قدرة على المنافسة من غيرها.‏
ويتوقع الخبراء الإسرائيليون أن تقود التجارة مع الدول العربية إلى:‏
أولاً: تحويل إسرائيل إلى مركز تجاري إقليمي والحلول محل لبنان والتفوق عليه بسبب التطور الصناعي فيها وعلاقاتها الدولية وموقعها الجغرافي.‏
ثانياً: إقامة سوق شرق أوسطية تحتل إسرائيل فيها مركز القائد وتحصل من جرائها على تسهيلات هائلة من دول الاتحاد الأوروبي.‏
وتولي إسرائيل قطاع السياحة أهمية خاصة، نظراً للأموال الضخمة التي ستحصل عليها من جراء العلاقات والاتفاقيات السياحية بينها وبين البلدان العربية، وذلك للأسباب التالية:‏
* تعتبر إسرائيل من أهم البلدان المتطورة في مجال السياحة في الشرق الأوسط.‏
* وجود الأماكن المقدسة لدى الديانات الثلاث في القدس وبيت لحم والناصرة وطبريا ونهر الأردن مما يشجع على الحج والسياحة الدينية.‏
* وجود معالم سياحية جذابة على سواحل البحر الأبيض المتوسط والبحر الميت وبحيرة طبرية، مما يشجع السياح على المجيء إلى إسرائيل وربط رحلاتهم السياحية بزيارة أهم المعالم السياحية في مصر وغيرها من الدول العربية.‏
* وجود سياحة صيفية وشتوية وصحراوية وعلاجية بسبب تنوع المناخ والتضاريس.‏
* توافر المنشآت السياحية ومحلات اللهو والترفيه التي تناسب الوضع الاقتصادي والاجتماعي للسائح. وتتضمن المخططات الإسرائيلية للسياحة بناء الفنادق والمعالم السياحية على الحدود العربية وإنشاء مشاريع سياحية مشتركة، وبناء مجموعة من الفنادق الضخمة في القدس العربية وعلى جبل أبو غنيم للحلول محل مدينة بيت لحم وتهويد القدس العربية كمقدمة للاستيلاء على المسجد الأقصى. ويأتي مشروع "ريفيرا البحر الأحمر" في مقدمة هذه المشاريع والذي يربط بين ساحل إيلات والعقبة وطابا ويتطلب قيام تعاون إقليمي بين إسرائيل ومصر والأردن والسعودية.‏
ويهدف المشروع إلى تحويل الشاطئ الممتد على ساحل البحر الأحمر حتى السعودية إلى منطقة واحدة وتتطلب إزالة الحدود السياسية بين مصر والأردن وإسرائيل وذلك لقصر وضيق الساحل الإسرائيلي بخلاف الساحلين الأردني والمصري.‏
وتقترح إسرائيل على الدول العربية المنوي إشراكها في المشروع الإسرائيلي أن تتنازل عن جزء من سيادتها بحيث يزور السائح "الريفيرا بدون إبراز وثائق سفر أو حتى الحصول على فيزا من الدول صاحبة السيادة، وذلك لزيادة أرباح إسرائيل من الدخل السياحي.‏
وأعدت وزارة السياحة الإسرائيلية وثيقة حول تعاون إقليمي سياحي مشترك، وتناولت فيها التسويق السياحي المشترك في المنطقة، وفتح جسر بري بين العقبة وإيلات وتسيير خطوط بحرية بين ميناء اسدود وميناء بور سعيد.‏
ونشرت وزارة السياحة الإسرائيلية والأردنية وسلطة الحكم الذاتي الفلسطيني المحدود إعلانات سياحية مشتركة في الولايات المتحدة الأميركية جاء فيها: "نحن ملتزمون بالسلام، إن الإسرائيليين والأردنيين والفلسطينيين يبسطون ذراعاتهم ويفتحون قلوبهم ويدعون الجمهور الأميركي لزيارة الأردن والسلطة الفلسطينية وإسرائيل".‏
(جريدة شيحان الأردنية 15-20/2/1997).‏
وتتوقع المصادر الإسرائيلية الحصول على أموال ضخمة من جراء استقبال السياح العرب وتصدير الخدمات السياحية للبلدان العربية، مما سيجلب لها الأموال الضخمة وفوائد نفسية وسياسية تمكنها من التغلغل حتى في أوساط المواطنين العرب.‏
ووضعت إسرائيل تصوراً جديداً للسياحة في الشرق الأوسط طرحه عوزي برعام، وزير السياحة ويتألف من 12 نقطة وهي:‏
1- تسويق إقليمي دولي للسياحة في المنطقة.‏
2- إقامة مؤسسات سياحية وسلسلة من الفنادق الضخمة.‏
3- تغيير سياسة الطيران والاستعداد لعصر السلام في مجال السياحة والاستفادة من موقع إسرائيل كجسر بين القارات.‏
4- تنظيم رحلات بحرية وعبور في السفن الجوالة.‏
5- تطوير سواحل البحر المتوسط لخلق ريفيرا من لبنان على طول سواحل إسرائيل باتجاه مصر.‏
6- الاستفادة من البحر الميت في مجال الاستحمام بالمياه المعدنية وتطوير مشروع إسرائيلي- أردني- فلسطيني في مجال السياحة والكهرباء.‏
7- سياحة برية حيث يتيح السلام تطوير هذا النوع من السياحة.‏
8- تطوير الريفيرا على البحر الأحمر بالتعاون بين إسرائيل والأردن ومصر والسعودية في المستقبل.‏
9- مفهوم إقليمي للأماكن المقدسة وطرق السياحة المؤدية إليها.‏
10- أعمال سياحية مشتركة مع سلطة الحكم الذاتي.‏
11- اجتماعات سياحية إقليمية وتنظيم مؤتمرات ومهرجانات إقليمية.‏
12- السرعة في التصديق على بنية تحتية لمشاريع سياحية وتبسيط إجراءات التخطيط والبناء في فرع السياحة(206).‏
وتعتبر منطقة البحر الأحمر من أجمل المناطق السياحية في العالم، فهي معروفة بشواطئها الرملية ومواقع الغوص الجميلة وهدوء البحر الأحمر والمناظر الطبيعية الخلابة.‏

التطبيع في مجال المواصلات‏
يتناول التخطيط الإسرائيلي لمستقبل المنطقة العربية موضوع المواصلات، إذ أن وقوع فلسطين في قلب الوطن العربي ، يؤهلها للقيام بدور أساسي في شبكة المواصلات البرية والبحرية والجوية، بسبب الموقع الهام لمطار اللد والموانيء البحرية الضخمة بدءاً من حيفا وعكا ومروراً بيافا واسدود وحتى ايلات.‏
يعتبر النقل والمواصلات من طرق سريعة وموانئ بحرية ومطارات جوية من أهم العوامل لتحقيق النظام الإقليمي الجديد والسوق الشرق أوسطية. وهي ذات أهمية كبرى لزيادة التبادل التجاري وتنقل الأفراد وانتقال البضائع عبر الحدود وتخدم توسع وامتداد السوق الإسرائيلية في البلدان العربية. وتقدم خدمات جلى للصناعة والسياحة الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط.‏
ويأتي الطريق السريع المقترح، الذي يربط بلدان شمال افريقيا بدءاً من الساحل الممتد من موريتانيا غرباً عبر المغرب والجزائر وتونس وليبيا إلى الاسكندرية والقاهرة ورفح وحيفا وطرابلس وطرطوس واللاذقية إلى ماردين وديار بكر في تركيا في مقدمة هذه الشبكة. وتتفرع من هذه الطريق عدة فروع منها وصلة تمتد إلى تبوك في شبه الجزيرة العربية، لتتصل بالطريق الدولي في منطقة الخليج.‏
ويشمل مشروع الطريق هذا تحسين وإنشاء ورفع كفاءة الطريق بدءاً من الحدود التركية حتى مصر لربط دول شرق البحر المتوسط بأوروبا وبلدان شمال افريقيا على أن تكون إسرائيل المركز والمحور لخدمة الصناعة والسياحة والتجارة فيها.‏
أما مشروع طريق العقبة الإقليمي المقترح فهو يربط بين مصر وإسرائيل والأردن حيث يبدأ من القاهرة ويمتد إلى السويس ثم طابا ويتصل بطريق دائري يمر حول طابا وإيلات والعقبة.‏
وتنطلق مشاريع إسرائيل للنقل والمواصلات من ربط إسرائيل بالدول العربية انطلاقاً من شبكة المواصلات التي كانت تربط فلسطين، بالبلدان العربية قبل عام 1948 واستخدام السكك الحديدية والموانئ وتقترح إسرائيل تطوير ثلاثة طرق برية تربط مصر بإسرائيل عبر سيناء، كما تقترح الطرق البرية التالية مع الأردن:‏
* طريق اسدود - القدس- عمان وطوله 170 كم.‏
* طريق حيفا- عمان- وطوله 260 كم.‏
* طريق غزة- اسدود- القدس- عمان.‏
وكشف المدير العام لوزارة الإسكان الإسرائيلية، اريه مزارحي النقاب عن أن إسرائيل تعتزم شق طرق تربط الضفة الغربية وقطاع غزة بالموانئ الإسرائيلية وبمطار بن غوريون من أجل تحول إسرائيل إلى هونغ كونغ الشرق الأوسط. وقال إن إسرائيل ستصبح البوابة الرئيسية لدخول المناطق المحتلة ومن ثم الأردن وسورية والمملكة العربية السعودية. وأكد أنه خصصت موازنة قدرها 1.6 مليار دولار لهذه الطرق(207).‏
ويقوم التصور الإسرائيلي على جعل ميناء حيفا أهم ميناء مركزي للحاويات في المنطقة وتخصيص 1200 إلى 3000 شاحنة لنقل البضائع و 1100 باص بالإضافة إلى 1000-3000 سيارة تاكسي لنقل السياح براً من إسرائيل إلى العواصم العربية، وكذلك تخصيص عدة قطارات لتعمل خطوط السكك الحديدية مع مصر والأردن وسورية ولبنان وتركيا.‏
وتخطط إسرائيل لكي تصبح أهم مركز للحدود في المنطقة لانطلاق مواطنيها ومواطني البلدان العربية إلى الدول الأوروبية ولتنشيط صادراتها ووارداتها وحركة السياحة فيها وتطبيع علاقاتها مع البلدان العربية.‏
وستفتح إسرائيل خطوطاً جوية مع العواصم العربية، مما سيجعل مطار اللد المطار الرئيسي في المنطقة نظراً لعلاقات إسرائيل الجيدة مع الدول الأوروبية وبسبب الخدمات والصيانة فيها ذلك لإحكام هيمنتها على جميع المرافق والمجالات في منطقة الشرق الأوسط.‏
ويتناول المخطط الإسرائيلي للتطبيع إقامة مشاريع مشتركة بين إسرائيل والدول العربية في البحر الميت ونهر اليرموك وخليج العقبة والأغوار وسيناء، ومشاريع بتروكيماوية ومجمعات لصناعة النفط ومصافي النفط وخطوط لنقله وتكريره وتسويقه في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية.‏
وخططت لإقامة مشاريع مشتركة مع الأردن وأقيم البعض منها لاستخراج الفوسفات والبوتاس والبرومين من البحر الميت وإقامة مشاريع مشتركة مع مصر في الزراعة والسياحة واستثمار الثروات الطبيعية في سيناء. وتتلخص المشاريع المشتركة التي تطرحها إسرائيل بما يلي:‏
* دمج ميناء العقبة بأيلات وبناء مطار دولي مشترك في العقبة.‏
* إقامة قناة بحرية تصل إلى البحر الميت في إطار التعاون الإقليمي.‏
* إقامة شبكة كهربائية مشتركة بين إسرائيل وعدد من الدول العربية.‏
* مشاريع لأنابيب النفط والغاز وإعادة ضخ النفط العربي إلى مصفاة حيفا.‏
* مشاريع متعددة للتعاون الإقليمي في المجالات الصناعية والزراعية والسياحية.‏
ويلعب رجال الأعمال اليهود في الولايات المتحدة وأوروبا دوراً كبيراً في المشاريع والاستثمارات المشتركة.‏
وستجني إسرائيل معظم المكاسب والأرباح من تأسيس المشاريع المشتركة وستتمكن إسرائيل من جراء التطبيع من الخروج من أزماتها الاقتصادية والقضاء على التضخم والعجز في ميزان المدفوعات وتسديد الديون الخارجية.‏




التوقيع

إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بدّ أن يستجيب القــــدر
و لا بــــدّ لليــل أن ينجلــي
و لا بـــدّ للقيــد أن ينكسـر
رد مع اقتباس
قديم 04-20-2010, 06:01 PM   رقم المشاركة : 27
الهادي الزغيدي
عضو





الهادي الزغيدي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: - القمم والمؤتمرات الاقتصادية والأمنية من التطبيع إلى الهيمنة -

الفصل الرابع: تحالف كوبنهاغن‏

المقدمة‏

بدأت الولايات المتحدة الأميركية واليهودية العالمية وأجهزتها الأمنية وخاصة المخابرات المركزية والموساد بالتركيز على المثقفين العرب. فظهرت ولأول مرة علناً وثيقة أميركية بعد كمب ديفيد تتضمن أهمية الدور الذي يقوم به المثقف العربي في تمرير المخططات والمشاريع الإسرائيلية والأميركية حول "السلام الإسرائيلي" والشرق أوسطية، وذلك لأن المثقف من صناع التوجهات العامة عبر الأجهزة الإعلامية والثقافية.‏

ومن هنا تأتي الأهمية التي توليها إسرائيل والولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي للتطبيع الثقافي، وذلك لتغيير المفاهيم والقناعات لدى أبناء الأمة العربية وتبني المفاهيم الإسرائيلية حول الوحدة العربية والشرق أوسطية والتطبيع والهيمنة اليهودية ليس فقط على المنطقة وإنما على العالم.‏

وبالفعل أخذت حفنة من المثقفين العرب تعمل على هدم المقولات والمبادئ الوطنية والقومية التي آمنت بها الأمة العربية لتكريس وتخليد الاغتصاب اليهودي لفلسطين العربيةبما فيها مدينة القدس قلب الأمة العربية والإسلامية ومدينة الإسراء والمعراج وأولى القبلتين وثالث الحرمين.‏

بدأت هذه الحفنة من المثقفين العرب المتصهينين بتدمير وهدم وتغيير أهم مبادئ ومنطلقات الصراع العربي الصهيوني فحطموا مقولة أن الصراع صراع وجود ومصير وأن فلسطين عربية ويجب أن تعود عربية، ومقولة "ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة"، ومقولة الوحدة العربية والنظام العربي وأحلوا محلها نظام الشرق الأوسط الجديد والسوق الشرق أوسطية".‏

وأصبحت الدعوة إلى الوحدة العربية والتكامل الاقتصادي العربي والقومية العربية والنظام العربي واستعادة الحقوق المغتصبة والتصدي للمزاعم والخرافات والأطماع والأكاذيب اليهودية من مخلفات الماضي. وأصبح الميثاق الوطني الفلسطيني واستعادة الأراضي العربية المحتلة وتدمير وتفكيك المستعمرات اليهودية في الأراضي العربية المحتلة من مخلفات المرحلة الماضية التي عفا عليها الزمن.‏

وأصبحت الشطارة والمهارة والذكاء هي أن نأخذ ما نستطيع أخذه من "الكعكة" الشرق أوسطية ولا نتركها لإسرائيل وحدها وبعض الأطراف الأخرى.‏

وفي إطار الشطارة الجديدة و"الواقعية العلمية" يصبح مفهوم الثقافة القومية من مخلفات الماضي الذي تجاوزه الزمن والذي يجب أن يزول ويتجه المثقف العربي إلى القبول بالأمر الواقع الجديد ونقبل بالتطبيع مع إسرائيل.‏

لكن السؤال الذي أطرحه على حفنة المثقفين العرب، دعاة التطبيع، هل يمكن أن تتعامل معنا إسرائيل بنديّة وهي تريد الهيمنة على الوطن العربي بالقنابل النووية والتفوق العسكري والعلم وقوة اليهودية العالمية وانحياز الولايات المتحدة الأميركية لها وقد عملت وتعمل على تدمير ازدهار وتقدم البلدان العربية المحيطة بها؟!‏

إن إسرائيل تطلب من البلدان العربية المزيد من التنازل عن الأرض والمياه والسيادة والحقوق والمزيد من التطبيع والاندماج والذوبان. وتطلب حتى عدم عقد قمة عربية، لأنها تريد الاستفراد بكل طرف عربي على حدة للحصول على المزيد من الامتيازات والتنازلات العربية كما حصل في دهاليز أوسلو السرية.‏

وعلى الرغم من شراسة الهجمة اليهودية والأميركية واستسلام بعض الحكام العرب لها نستطيع أن نقول إن المقاومة الصلبة التي يبديها المثقفون العرب والأحزاب السياسية والنقابات واللجان الشعبية لمكافحة الصهيونية ومقاومة التطبيع والنظام الإقليمي الجديد والسوق الشرق أوسطية والهيمنة الأميركية والإسرائيلية بتصاعد مستمر.‏

إن المطلوب القيام بعمل شعبي واسع على مستوى قومي ضد الاستسلام والتطبيع والمشروع الشرق أوسطي.‏

تحالف كوبنهاجن الدولي‏

بالرغم من الحقائق والوقائع المأساوية التي سببها الكيان الصهيوني يطلع علينا بعض المثقفين العرب ويطلبون منا أن ننسى الماضي الصهيوني وأن نصمت عليه وعلى سياسة الإرهاب والعنصرية والمجازر الجماعية التي يرتكبها الكيان الصهيوني.‏

فأي مردود ثقافي تجلبه هذه الحفنة من المثقفين العرب لأمتنا العربية ولقوافل الشهداء الذين رووا أرضنا العربية بدمائهم الزكية.‏

عاش بعض الملوك والأمراء والحكام العرب بعض الأوهام عن اليهود ودولتهم ووجودها فهل تريد هذه الحفنة من المثقفين أن تعيش أوهام هؤلاء الحكام الماضية بأساليب جديدة؟!‏

يجب علينا أن نرسخ في أذهاننا وأذهان الأجيال القادمة أن دولة اليهود، دولة المستعمرين اليهود دولة غريبة دخيلة على منطقتنا العربية قامت على أنقاض فلسطين العربية وشعبها العربي، وذلك لنغذي روح المقاومة والتصدي للصهيونية أو الاستسلام لها ولمخططاتها التدميرية.‏

إن القول بأن شعبنا العربي يرفض التطبيع قول حق يراد به باطل، وذلك بسبب هيمنة الحكومات العربية على المؤسسات السياسية والاقتصادية والثقافية على أجهزة الإعلام، مما يجعل خطر التطبيع قائماً تماماً كما تعمل سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني والتي نجحت ليس فقط في فرض التطبيع وتبني الشرق أوسطية وإنما في صهينة أوساط فلسطينية واسعة. والشعب العربي في ظل تسلط نظم الحكم لا يستطيع أن يمنع التطبيع إلاّ في حدود ضيقة.‏

إن أمتنا العربية لا مستقبل لها إذا وافقت على شروط وإملاءات إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، إذا وافقت على الاستسلام والتطبيع والهيمنة للكيان الصهيوني عدو العروبة والإسلام.‏

لا طريق أمامنا إلاّ في دفع النضال الشعبي بتراثه التاريخي والاستمرار في مقاومة العدو ومقاطعته ورفض الصلح والاعتراف والتعايش معه ورفض كافة أشكال العلاقات والتطبيع معه.‏

إن الثقافة المقاومة هي الثقافة القومية التي تدافع عن ثقافة الشعب العربي، عن قيمه ومبادئه وأفكاره وتقاليده في وجه قيم وأفكار وتقاليد وافدة من الخارج والتي تشكل غزواً ثقافياً ولا تتجاوب مع تاريخ وتراث وروح الشعب العربي وتشكك بتقاليده وتراثه.‏

وترافقت الثقافة العربية المقاومة في التصدي للمحتل والغريب والدخيل اليهودي والغرب ببعث الثقافة القومية. فلا يمكن لأحد أن يتجاهل التمسك بتراثنا في دفاعنا ضد المغتصب والدخيل والمحتل والعدو لأمتنا وديننا وقوميتنا.‏

إن الثقافة القومية تتصدى لغزو الصهيونية لفلسطين العربية وسلب الأرض عن طريق عمليات عسكرية، حروب عدوانية وإقامة مستعمرات يهودية، لذلك ستستمر المقاومة حتى نحصل على الاستقلال والحرية والهوية.‏

ويعتبر الاستعمار اليهودي من أبشع أنواع الاستعمار الذي شهده الوطن العربي وأخطره.‏

إن آليات الغزو الثقافي الصهيوني تقوم على مخططات جاهزة منظمة طويلة النفس، لذلك فمقاومتها والتصدي لها تتطلب أن يرتكز النضال على خطط مدروسة ومنظمة وطويلة النفس.‏

فالتصدي لها يعني أننا نتصدى لمخططات وآليات ومعلومات ومقولات يملكها العدو.‏

والمقاومة الثقافية و الإعلامية حق للشعوب المقهورة للدفاع عن الذات، عن الوجود والهوية والتراث والتاريخ واللغة والدين.‏

الموساد وتحالف كوبنهاجن‏

تحت رعاية الحكومة الدنماركية والاتحاد الأوروبي عقد اجتماع في كوبنهاجن بتاريخ 29و30 كانون الثاني 1997 شاركت فيه حفنة من المثقفين العرب من مصر والأردن وفلسطين مع إسرائيليين وانتهى الاجتماع بصدور إعلان كوبنهاجن وإقامة التحالف العربي الإسرائيلي.‏

تعود فكرة إقامة هذا التحالف إلى فترة ما بعد كمب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية وتأسيس ما يسمى بـ "حركة السلام الآن في إسرائيل" لمواجهة القطاعات الشعبية المعادية لكمب ديفيد في مصر وبقية البلدان العربية وإسرائيل. ولم تتجاوب مع الفكرة الأوساط المثقفة العربية على الإطلاق.‏

نشطت الأوساط اليهودية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، ووكالة المخابرات المركزية، ومنظمة الاشتراكية الدولية وحكوماتها ومؤسساتها وأحزابها ومراكز البحث والدراسات فيها إلى عقد مؤتمرات وندوات واجتماعات سرية بين مثقفين عرب ويهود، وبين فلسطينيين وإسرائيليين، لاشراك المثقف العربي في تعميم كمب ديفيد على بقية الجبهات العربية وتطبيع العلاقات مع العدو الإسرائيلي ودفع التسوية الأمريكية-الإسرائيلية إلى الأمام للتوصل إلى حل نهائي للصراع بالشروط والإملاءات الإسرائيلية.‏

لقد واجه المواطن العربي في مصر وبقية البلدان العربية الاتفاقات التي فرضتها إسرائيل عن طريق الولايات المتحدة الأمريكية والنتائج التي تمخضت عنها ومجمل مسيرة الاستسلام والتطبيع بمعارضة ورفض شديدين. ففشل التطبيع في مصر. ونظمت في الأردن الأحزاب والنقابات والاتحادات والقوى والشخصيات الوطنية صفوفها في لجان ومؤتمرات شعبية انبثقت عنها مؤسسات دائمة لمقاومة التطبيع.‏

ولكن من المؤلم حقاً أن سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني كانت وماتزال من أكثر الجهات العربية تطبيعاً مع العدو وأكثرها حماساً للتحالف معه في اتحاد ثلاثي على غرار اتحاد بنيلوكس حيث بلغت مشترياتها من منتجات العدو الإسرائيلي عام 1996 مليار ونصف المليار دولار.‏

وتتبنى علناً المخططات الإسرائيلية "للشرق أوسطية" وتعتبر نفسها ركيزة من ركائزها الأساسية، وبالتالي غيرت موقعها من الموقع العربي إلى الموقع الإسرائيلي.‏

ونجحت في صهينة أوساط فلسطينية واسعة في الضفة والقطاع باستخدام الترهيب والترغيب ودولارات الدول المانحة التي تقوم إسرائيل بإستجدائها لياسر عرفات.‏

لقد ثبت لي من خلال عملي في فيينا كممثل لمنظمة التحرير الفلسطينية أن المخابرات المركزية كانت ترعى وتمول جميع اللقاءات العربية-اليهودية، والفلسطينية-الإسرائيلية.‏

وكانت الدول الاسكندنافية في طليعة الأدوات الأمريكية والإسرائيلية لترويض القيادة الفلسطينية وحملها على الموافقة على الشروط والإملاءات الإسرائيلية. لذلك أصبحنا كمواطنين عرب ننظر بعين الريبة والشك إلى كل تحرك يأتي من العواصم الاسكندنافية، وذلك لوقوف المخابرات المركزية والموساد وراء تحركاتهم التي تصب في خدمة العدو الإسرائيلي.‏

إن العدو الإسرائيلي وعملاءه يعملون منذ توقيع اتفاقات الإذعان في أوسلو ووداي عربة على تحويل الهرولة الرسمية للتطبيع معه إلى هرولة شعبية بمساعدة الولايات المتحدة والدول الاسكندنافية بدءاً من السويد والنرويج ومروراً بغرناطة وحتى كوبنهاجن.‏

وتشكلت قوى ضغط عالمية هائلة لاختراق القوى السياسية والجبهة الثقافية العربية ومنها:‏

زعماء المؤتمر اليهودي العالمي وشخصيات يهودية قيادية في منظمة الاشتراكية الدولية.‏

سياسيون إسرائيليون منهم شمعون بيرس وموشي ديان والجنرال ميتتياهو بيليد ويوري أفنيري. وحركة السلام الآن الإسرائيلية.‏

واستجاب لمساعيهم الملك المغربي وحسن التهامي ومصطفى خليل والسرطاوي وأبو مازن وياسر عرفات وبعض القيادات اليسارية الفلسطينية.‏

ولكنهم فشلوا باختراق الجسد العربي وفشلوا باختراق الشعوب العربية وبشكل خاص الجبهة الثقافية. ولكن توقيع اتفاق الإذعان في أوسلو ووادي عربة أدى إلى انتعاش مساعي التطبيع الشعبي مجدداً. فنظم شمعون بيرس في إسبانيا لقاء غرناطة في الفترة الواقعة ما بين 9-12كانون الأول 1993. أي بعد توقيع اتفاق الإذعان في أوسلو بتاريخ 13 أيلول 1993 حضره بيرس وعرفات ومجموعة من المثقفين العرب والإسرائيليين لدعم اتفاق أوسلو واختراق الجبهة الثقافية وفرض الاستسلام والتطبيع على الأمة العربية ولمسح الذاكرة العربية وغسل عقول بعض المثقفين العرب وتطويعهم للمزاعم والخرافات والأكاذيب اليهودية. ويأتي إعلان كوبنهاجن في هذا السياق.‏

اقترح الدانماركي هربرت بونديك، المزدوج الجنسية والولاء وعميل الموساد على وزارة الخارجية الدنماركية رعاية اجتماعات عربية إسرائيلية لتطبيع العلاقات بين المثقفين العرب والإسرائيلين. ويرأس هربرت بونديك تحرير مجلة "بولتكين" الدنماركية. وقَبِل رئاسة التحرير فيها على أن يقيم ستة أشهر في إسرائيل وستة الأشهر الأخرى في كوبنهاجن. ونجح بطبخ مخطط التحالف في إسرائيل والدنمارك ثم توجه في نهاية 1994 إلى القاهرة بحجة التعرف على رأي عدد من المثقفين المصريين. وكان اولو الأمر في إسرائيل (الموساد) قد وضعوا له قائمة بأسماء ستة وعشرين مثقفاً مصرياً واتصل بكل واحد منهم على حدة.‏

وكان يرافقه في بعض الزيارات الكاتب الإسرائيلي أموس ألون، ورجل الموساد ديفيد كمحي والدبلوماسي الدنماركي توريين بريل، مسؤول مكتب العلاقات مع إسرائيل والبلدان العربية في وزارة الخارجية الدنماركية.‏

وكان الجانب الإسرائيلي يطرح في نقاشه مع بعض المثقفين المصريين أن أنصار السلام في إسرائيل يعانون خطر التمزق والإنعزال بسبب عدم تجاوب المثقفين العرب معهم في مواجهة اليمين الإسرائيلي. وطرحوا فكرة الحوار وإقامة التحالف مع مثقفين عرب. ووافق بعض المثقفين المصريين على الفكرة.‏

ووجهت وزارة الخارجية الدنماركية الدعوة إلى لطفي الخولي، وأحمد فخر، ومحمد سيد أحمد، ود: منى مكرم عبيد لإجراء الحوار مع الجانب الإسرائيلي: ديفيد كمحي، واموس الون، واشر ساسر (مدير معهد ديان في تل أبيب) وافيشاي مارجيليت.‏

وأعقب هذا اللقاء لقاء آخر في كوبنهاجن في الثلاثين من أيلول 1995 ووافق الحضور على رغبة إسرائيل بخلق آليات لتنشيط التطبيع على المستوى الشعبي، أي تحقيق الهرولة الشعبية نحو إسرائيل باسم العمل من أجل السلام.‏

وجرت الدورة الثانبة للحوار في شباط 1996 واشترك فيها من الجانب المصري: لطفي الخولي، ود:محمد السيد سعيد، ود: جمال عبد الجواد، ود: سميحة فوزي.‏

ومن الجانب الإسرائيلي: دان ميريدور (وزير المالية)، وديفيد كمحي، وشولاميت هاريفي ويوناثان ليرنر. واعتبر لطفي الخولي اشتراك دان ميريدور (عضو قيادة الليكود) اختراقاً له وزنه لجبهة اليمين ولمصلحة قوى السلام الإسرائيلية.‏

وتقرر أن تجري الدورة الثالثة للحوار في 13/5/1996 ولكن لطفي الخولي وجماعته امتنعوا عن حضورها بسبب حرب شمعون بيرس العدوانية في لبنان وارتكاب جيش العدو الإسرائيلي لمجزرتي قانا والنبطية الجماعيتين.‏

وخلال دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة التي بدأت في أيلول1996 أخبر وزير خارجية الدنمارك عمرو موسى وزير خارجية مصر عن مبادرة كوبنهاجن ورجاه أن يتدخل لدى المثقفين المصريين للعدول عن موقفهم ومتابعة الحوار مع الإسرائيليين.‏

وفي نهاية عام 1996 وصل إلى القاهرة ديفيد كمحي وهربرت بونديك والدبلوماسي الدنماركي توربين بريل. وبدأوا مرحلة جديدة من الحوار مع لطفي الخولي وبعض المثقفين المصريين. وبدأت الدورة الرابعة من الحوار في التاسع والعشرين من كانون الثاني 1997 وانتهت في الثلاثين منه بإعلان كوبنهاجن.‏

إن الدول الاسكندنافية معروفة بمشاعرها المؤيدة لإسرائيل والحركة الصهيونية وانحيازها إلى مواقف وممارسات إسرائيل دون أي اعتبار لمبادئ الحق والعدالة والقانون الدولي ودون أي اعتبار للموقف العربي والحق العربي والدول العربية.‏

ووصل الانحياز الدنماركي حداً سفيهاً أجاب فيه رئيس الوزراء الدنماركي بول شلوتر عن سياسته تجاه الدول العربية بالحديث عن عمق العلاقات التي تربط الدنمارك بإسرائيل، فلما ذكره الصحفي بأن السؤال عن العلاقات مع الدول العربية، ضحك رئيس الوزراء الدنماركي بصوت عال وقال له نريد التأكيد في كل مناسبة على اهتمامنا بإسرائيل وأولويتها في الشرق الأوسط.‏

لقد لعب اليهودي هربرت بونديك الدنماركي والإسرائيلي الجنسية الدور الأساسي في إعداد كوبنهاجن انطلاقاً من يهوديته، حيث كانت أول خطوة قام بها أن توجه إلى إسرائيل واتفق مع ديفيد كمحي على مضمونها (وبالتأكيد مع غيره من الإسرائيليين). ثم طارا معاً إلى القاهرة وعرضاها على لطفي الخولي وأقنعاه بالتحرك من أجلها.‏

ويعتبر هربرت بونديك من أكبر رموز اللوبي اليهودي المؤيد لإسرائيل في الدول الاسكندنافية وأحد أبرز القادة الصهاينة على المستوى الأوروبي، وله الكثير من النشاطات لصالح إسرائيل ودعم سياستها الاستيطانية والقمعية والعنصرية بقلمه وبمساهماته وعلاقاته لحشد الدعم والتأييد لها.‏

لقد طالب الإرهابي نتن ياهو خلال جولته في الولايات المتحدة الأمريكية في شباط 1997 الحكومات والشعوب العربية بأن يتعلموا التكيف مع السياسات الإسرائيلية. وجاءت جماعة كوبنهاجن لتؤكد استجابتها بالتكيف مع سياسات العدو الإسرائيلي وأخذت على عاتقها المشاركة في التكيف والتأقلم مع المزاعم والخرافات والأكاذيب اليهودية. لقد فشلت محاولات الاختراق اليهودي للمجتمعات العربية في المرحلة الماضية ولكنها للأسف أخذت بعد اتفاق الإذعان في أوسلو ووداي عربة تلقى النجاح تلو الآخر بسبب دعم الجهات الرسمية الفلسطينية والأردنية. إننا أمام مرحلة جديدة خططت لها الصهيوينة العالمية لاختراق مجتمعاتنا العربية عن طريق حفنة من المثقفين الانتهازيين الذين يعملون على تنفيذ المخططات الصهيونية بدلاً من القيام بتحصين الوطن والمواطن وحمايتهم من سموم الصهيونية وأخطارها.‏

إن المرحلة الجديدة التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية والهيودية العالمية وأحزاب الاشتراكية الدولية الحاكمة في الدول الاسكندنافية وبقية الدول الأوروبية وترصد لها الأموال الطائلة وتستخدم فيها أساليب الإغراء ستزيد من إمكانية الاختراق اليهودي للجسد الثقافي والاقتصادي للأمة العربية وتخريب المجتمعات العربية.‏

حاولت إسرائيل وأحزابها المختلفة، كما حاولت الولايات المتحدة ومؤسساتها الكثيرة والإتحاد الأوروبي وأحزابه و منظماته، ومؤسسات اقتصادية وعلمية دولية، والمنظمات اليهودية المنتشرة في كل أنحاء العالم، حمل الشعب العربي على تطبيع العلاقات مع إسرائيل، العدو التاريخي للعروبة والإسلام ولكنهم فشلوا جميعاً..‏

واستفاد حزب العمل الصهيوني وزعيمه شمعون بيريز من التجارب الفاشلة في اختراق جسد الأمة العربية الثقافي والإقتصادي التي قامت بها المخابرات المركزية والموساد وعملائهما في البلدان الأوروبية والعربية فوضع بيريز مخططات أفضل من المخططات السابقة وعلى مراحل معينة لتفرض نفسها في نهاية الأمر. واستفاد بيريز من نجاح تجربته مع قيادة عرفات بإجراء اللقاءات السرية أولاً ثم إخراجها إلى العلن في العواصم الأوروبية وفي تونس والمغرب وبتمويل من المخابرات المركزية ووصل هذا النجاح حداً تصهينت فيه العديد من الأوساط الفلسطينية في الضفة والقطاع، من القيادات والكوادر حتى العديد من أجهزته الشرطية والمخابراتية. وتنطلق إسرائيل من أن التطبيع ضروري للسلام، بينما يرفض العرب هذا المطلب وينفون مشروعيته الفكرية والسياسية والواقعية، لأن مفهوم التطبيع هو مفهوم "إسرائيلي يكرس مكافأة إسرائيل المعتدية على حروبها العدوانية وسياستها العنصرية والاستيطانية.‏

فالتطبيع مطلب سياسي واقتصادي لإسرائيل يكلل انتصاراتها العسكرية على العرب، ويعني القبول العربي به قبول المهزوم بشروط واملاءات ومصالح المنتصر..‏

إن إسرائيل التي فرضت كافة شروطها واملاءاتها على العرب عن طريق الراعي الأمريكي المنحاز كلية لإسرائيل لم تكتف بمعاهدات السلام التي أملتها على الأطراف العربية بل خططت من خلال التطبيع كي تصبح بوابة الاستيراد والتصدير للبلدان العربية مع الولايات المتحدة وأوروبا واليابان.‏

إن التطبيع الثقافي اختراع إسرائيلي، ابتكره قادة حزب العمل ليحصلوا على الهرولة الشعبية بعد أن حصلوا على الهرولة الرسمية، لأنهم لمسوا أن اتفاقات الإذعان لا يمكن أن تلزم المواطن العربي بالتعامل مع إسرائيل، فالعلاقات الدبلوماسية لا تشمل مثل هذا الشكل من العلاقات.‏

ونظراً لانحياز الولايات المتحدة الأميركية الكامل لإسرائيل في عملية التسوية ضغطت وتضغط على كل الدول العربية لتطبيع العلاقات مع إسرائيل. وانصاعت سطلة الحكم الذاتي الفلسطيني المحدود والحكومة الأردنية للمطلب الإسرائيلي-الأمريكي وتبنتا سياسة الهرولة في تطبيع العلاقات مع العدو الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه اضطرت سورية ولبنان إلى ربط التطبيع بالتقدم في العملية السلمية لعدم توفر الخيارات الأخرى أمامهما "ولفرملة" بعض الجهات العربية في التطبيع مع الكيان الصهيوني..‏

وأصبحت معادلة التطبيع من جراء سياسة الضغط والابتزاز والإغراء التي تمارسها إدارة الرئيس كلنتون على الشكل التالي: "وافقت بعض الأطراف العربية على الهرولة إلى التطبيع، بينما ربطت جهات عربية أخرى التطبيع بالتقدم نحو السلام."‏

ومن المتعارف عليه أن التوجه نحو السلام لا يفرض التطبيع إلاّ في الحدود الرسمية..‏

"ولأن التطبيع كان منذ البداية مطلباً إسرائيلياً، وأصبح من وجهة النظر العربية الرسمية ورقة سياسية في إطار عملية التسوية، فإن ذلك يكشف عن هشاشة الإرتباط والتلازم بين السلام والتطبيع، فالتوجه للسلام لا يفرض التطبيع إلاّ في الحدود الرسمية أي العلاقات العادية بين الدول لكن لا يمنحه مشروعية شعبية...‏

إنه ليس بمقدور أحد أن يحمل الناس على إقامة علاقات مع من يرونه عدواً لهم حتى الآن، يحتل الأراضي ويهدد بالويل وبالثبور وعظائم الأمور لمن يقاوم احتلاله أو يطالبه بالجلاء عن الأراضي التي احتلها". المصدر: عبد العيلم محمد، الحياة، في 25/2/1997.‏

لقد رفض محمد السيد أحمد الذي شارك في دورات الحوار توقيع إعلان كوبنهاغن ووضح أسباب رفضه بقوله:‏

"يعود اعتراضي إلى أن لقاء كوبنهاغن قد خصص لإصدار بيان بعنوان تحالف من أجل السلام" وهو بيان معد سلفاً، ومطلوب من المشاركين توقيعه دون مناقشة. المصدر الحياة 28/1/1997. ويمضي محمد سيد أحمد متسائلاً: "كيف يمكن مطالبة مثقفين بتوقيع بيان دون أن تتاح لهم فرصة مناقشته مناقشة مستفيضة؟ كيف يتسق ذلك مع مفهوم المثقف أصلاً؟ ثم كيف يتسق هذا المنطق مع قضايا الشرق الأوسط العويصة بالذات؟ ويمضي الكاتب المصري قائلاً: لا أتصور ممكناً أن يكتب النجاح لعملية تطالب المثقفين العرب بالقفز دفعة واحدة من مقاطعة إسرائيل مقاطعة تكاد تكون شاملة إلى التحالف مع مثقفيها وبدلاً من بلورة "قوى سلام" في إسرائيل كفيلة بالتصدي لسياسات نتن ياهو المناهضة للسلام، سيفضي إلى تعميق الإنقسام في الصفوف العربية "الحياة 24/1/1997.‏

ولم يلب محمد سيد أحمد الدعوة لحضور إعلان كوبنهاغن لاحتجاجه أيضاً على عدم تضمين الوثيقة أية إشارة إلى الحقوق الفلسطينية المشروعة، وكذلك امتنعت عن الحضور د.منى مكرم عبيد، والدكتور محمد السيد سعيد والسفير تحسين البشير.‏

وفي الثلاثين من كانون الثاني 1997 أعلن في العاصمة الدانماركية عن تأسيس التحالف العربي الإسرائيلي من أجل السلام "كهيئة عالمية-إقليمية شعبية بهدف إشراك الشعوب في توجيه ورقابة مسار الصراع العربي الإسرائيلي والمفاوضات المتعثرة وقيام التحالف كآلية لدفع ورقابة الحكومات المراوغة في التفاوض..‏

وضم الوفد المصري.. لطفي الخولي، حسن الحيان، د.عبد المنعم سعيد، علي الشلقاني، رمسيس مرزوق، د. مراد وهبة، أحمد شوقي، السفير صلاح بسيوني، ود. رضا محرم.‏

وتكون الوفد الأردني من عدنان أبو عودة وزيرالإعلام السابق، واللواء إحسان شردوم، رئيس سلاح الجو الأردني السابق، وتيسير عبد الجبار الوزير السابق، ومروان دودين، وزياد صلاح، وجورج حواتمة ورامي ضرري.‏

وضم الوفد الفلسطيني: مروان البرغوثي (حركة فتح-اللجنة المركزية) -وجواد الطيبي، وحامد عبد القادر، ورياض المالكي، وحنا سنيورة، وخالد العسلي، وسري نسيبة، ومحمد حوارني وغسان الشكعة، ومحمد جاد الله.‏

وضم الوفد الإسرائيلي أربعة من أعضاء الكنيست: مكسيم ليفي وأيهود لانكري من حزب جيشر، واثنين من حزب العمل باثيل ديان ودافيد كمحي، وناديا هيلو، وامون ايلون، واوري برنستن، واديت فوبرتال،ومايكل أور، وايهود يائيري، ويورام كينوك ورون بونديك.‏

وتشكلت سكرتارية دائمة من دافيد كمحي، لطفي الخولي، عدنان أبو عودة، وسري نسيبه.‏

فما هي حقيقة هذا التحالف؟ وما هي أهداف إعلان كوبنهاغن؟‏

يتبين للمرء من قراءة الإعلان أنه:‏

*لايشير إلى الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي العربية المحتلة..‏

*وأسقط حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم الذي كرسته وتكرسه مبادئ وأهداف وقرارات الشرعية الدولية التي تمثل الحد الأدنى الذي قبلته الدول العربية..‏

*تنازل الإعلان عن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس وعن الحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني...‏

*أهمل الإعلان المطالبة بوجوب إزالة المستعمرات اليهودية التي غرستها سلطات الإحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان..‏

ولم يتطرق الإعلان إلى طبيعة الاستعمار الاستيطاني اليهودي حتى أنه لم يذكر كلمة الاحتلال الإسرائيلي ولو مرة واحدة..‏

ويعني الإعلان إقامة التحالف المشبوه مع عدو غاصب وعنصري وكذاب والزج بالعرب في مستنقع التطبيع معه، ويعني التخلي العربي عن آخر ورقة بيد المفاوض السوري واللبناني وهي تطبيع العلاقات قبل التوصل إلى السلام الشامل والعادل، وبالتالي يعني انفراد إسرائيل بسورية ولبنان وتهديد الأمن القومي العربي...‏

وأسقط الإعلان القناع عن وجوه دعاة التطبيع الفلسطينيين والعرب، دعاة السلام الكاذب، السلام الإسرائيلي الذي يعني الهيمنة الإسرائيلية السياسية والإقتصادية والعسكرية والثقافية على الأمة العربية...‏

وعند التحليل الدقيق للإعلان ولدورات الحوار يتبين أن عملاء الموساد وضعوا شروطاً على حفنة المثقفين العرب الذين قبلوا ووافقوا عليها بدون تردد وهي:‏

*لايجوز اشتراط إزالة المستعمرات اليهودية من الأراضي العربية فهي قضية منتهية..‏

*لايجوز التحدث عن الانسحاب الإسرائيلي من القدس العربية التي احتلتها إسرائيل فهي أيضاً قضية منتهية، فالقدس الموحدة عاصمة إسرائيل الأبدية..‏

*لايجوز التحدث عن عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم تطبيقاً لقرارات الأمم المتحدة، ومبادئ القانون الدولي والإعلان العالمي لحقوق الإنسان...‏

*لايجوز المطالبة... بنزع سلاح إسرائيل النووي...‏

*لايحوز التحدث عن وقف الهجرة اليهودية التي تهدد أمن واستقرار المنطقة العربية بشكل دائم وتنذر باندلاع حروب جديدة لاستيعاب المزيد من المهاجرين اليهود..‏

*لايجوز انتقاد عنصرية الصهيونية وعنصرية القوانين الإسرائيلية وممارسة إسرائيل للإرهاب والعنصرية والإبادة الجماعية كسياسية رسمية..‏

*يجب محاربة الاتجاهات الوطنية والقومية والإسلامية في البلدان العربية...‏

*يجب محاربة القومية العربية والوحدة العربية والتكامل الاقتصادي العربي ويجب التخلي عن مقاومة الاحتلال ونعتها بالإرهاب..‏

*إن إعلان كوبنهاغن محاولة يهودية لاختراق السياسة والاقتصاد والثقافة العربية لجر الشعب العربي للقبول بالأكاذيب والأساطير والخرافات والمزاعم اليهودية وإن هدف التحالف الجديد إعلان الحرب على كل المثقفين العرب الذين يرفضون الصلح والاعتراف بالعدو التاريخي للأمة ويرفضون تطبيع العلاقات معه وهيمنته على الوطن العربي.‏

ويطالب الإعلان مضاعفة جهود الشعوب لإقامة الآليات المناسبة لتدشين التحالف من أجل السلام ويعتبر الكفاح المسلح ضد الاحتلال عدو السلام ويجب التعامل معه على هذا الأساس.‏

يتحدث الإعلان عن "السعي الحثيث للاستقرار والأمن والتنمية في المنطقة؟ فأي استقرار في المنطقة يقصده الإعلان؟‏

هل الاستقرار والأمن لإسرائيل الكبرى أم لهيمنة إسرائيل العظمى على الاقتصادات العربية؟ هل الأمن والاستقرار لتهويد القدس العربية والخليل وبقاء المستعمرات اليهودية في الأراضي الفلسطينية والسورية المحتلة؟‏

هل الأمن والاستقرار الذي يريده هؤلاء الحفنة من المثقفين العرب لاستمرار إسرائيل في نهب المياه العربية في لبنان والجولان والضفة الغربية وحتى في الباقورة الأردنية؟‏

إن خطورة إعلان كوبنهاغن في كونه لا يمثل صيحة من مثقفين حول السلام والأمن في المنطقة وإنما يرمي إلى إيجاد واقع سياسي ثقافي عربي يخدم المطامع والأكاذيب اليهودية في الأرض والثروات العربية والقضاء على أي شكل من أشكال استمرار الصراع حتى ولو بالكلمة وبيت الشعر والكتاب..‏

"إن المزدوجات الثنائيات والتناقضات تزخر بها ممارسات إسرائيل، وحتى توجهها للتطبيع مع العرب يبدو متناقضاً مع الصلف والعسف، فالعلاقات الطبيعية تقوم بين أنداد وأكفاء، وليس مع طرف يتميز بالاستعلاء ويشعر بالتفوق وتحقير المحيط الذي يوجد فيه ". (المصدر: عبد العليم محمد الحياة في 25/2/1997..)‏

ويعلق عبد العليم محمد، رئيس برنامج البحوث الإسرائيلية في مركز دراسات الأهرام في القاهرة على إعلان كوبنهاغن والمثقفين الذين اشتركوا فيه ويقول:‏

"إن هذه الفئة من المثقفين أفسدها التطلع إلى النفوذ والسلطة، فالمثقف متحرر من القيود التي يعاني منها السياسي، فالأخير تكتنف ممارساته قيود علاقات القوى والمعطيات القائمة في اللحظة. " (المصدر: عبد العليم محمد الحياة 25/2/1997م)‏

ويمضي رئيس برنامج البحوث الإسرائيلية في مركز دراسات الأهرام ويستنتج من إعلان كوبنهاغن أن الصراع العربي الإسرائيلي في تقديرهم لم يعد صراعاً بين إسرائيل والدول العربية وإنما صراع بين أنصار السلام وأعدائه في الجانبين ويؤكد أن هذه المقولة لا تتفق ومجريات الوقائع والأحداث، وفي هذا الإطاروضع إعلان كوبنهاغن الفاعليات الفكرية والسياسية في إطار جدول أعمال مفروض من الخارج، من إسرائيل والدول التي تناصرها في حين إننا بحاجة لجدول أعمال قومي نابع من حوار عربي حول القضايا الكبرى التي تواجه أمتنا..‏

إن جماعة كبونهاجن حفنة من المثقفين الذين لا يمثلون إلا أنفسهم وكشفوا عن حقيقة دورهم الانتهازي المشبوه، فهذه الفئة المنحرفة والانتهازية تدعو إلى إقامة منظمة للتحالف العربي الإسرائيلي وإسرائيل ترتكب المجازر الجماعية ومصادرة الأراضي العربية وإقامة المستعمرات اليهودية عليها وترفض الإنسحاب من القدس والجولان وجنوب لبنان..‏

إن إسرائيل التي يريدون إقامة التحالف معها هي إسرائيل دير ياسين وبحر البقر وأبو زعبل وداعل وقانا، وهي التي اغتصبت أرض فلسطين وحقنت أطفال الإنتفاضة بفيروس الإيدز، وأجرت وتجري التجارب الطبية والجرثومية وغازات الأعصاب على الأسرى من الفدائيين..‏

إن جماعة كوبنهاغن يريدون أن ينهزم العرب سياسياً ومعنوياً وثقافياً، فالهزائم هذه مدمرة للوطن والمواطن لأنها تقر بشرعية إسرائيل الغاصبة والمعتدية، ويرمون إلى تحويل الهرولة الرسمية إلى هرولة شعبية بمساعدة اسكندنافية وأمريكية وفلسطينية وأردنية لذلك نحذر من الهرولة والتطبيع مع العدو، كما نحذر من الدعوات المشبوهة لإقامة التحالف العربي الإسرائيلي الذي رافق تصريحات رئيس وزراء العدو المعادية للعرب والتي وصلت إلى حد مطالبتهم بترك أوطانهم ومغادرة المنطقة إن لم يقبلوا بسياسية القوة والردع والهيمنة الإسرائيلية. ويتبين من تحليل الإعلان أن لا قيمة سياسية له على صعيد التسوية السياسية، وإنما يهدف إلى توريط المثقف العربي في التطبيع مع العدو أسوة بالنظم العربية، وبالتالي يهدف إلى تحقيق التطبيع الثقافي، لحمل المثقف العربي على إعادة النظر في صورة إسرائيل الكريهة والبغيضة لديه ويقبل بسلام القوة والهيمنة والأمر الواقع..‏

إن عبارة التحالف العربي الإسرائيلي تحتوي على معاني ومدلولات في منتهى الخطورة فالتحالف ضد من؟ إنه ضد كل عربي يدافع عن الحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني والحقوق القومية للأمة العربية، ويدافع عن المقدسات الإسلامية والمسيحية ويتصدى للإرهاب والعنصرية والاستيطان اليهودي، فالتحالف الجديد موجه ضد كل مثقف عربي يحب وطنه وأمته ودينه ويرفض هيمنة إسرائيل على المقدرات العربية.‏

وتزعم جماعة كوبنهاغن أن هدفهم دفع مسيرة السلام المتعثرة على أبواب القرن الحادي والعشرين فهل يعتقد القارئ بأن هذه الحفنة من المثقفين ورجال الأعمال بمقدورها القيام بذلك بعد أن عجز العالم بأسره عن القيام بمثل هذا الدور؟‏

لذلك يرى المفكر المصري صلاح الدين حافظ أن التوقيع على وثيقة كوبنهاغن له رد فعل مماثل لزيارة السادات للقدس وغزو العراق للكويت، وحرب عاصفة الصحراء التي خاضها التحالف الدولي، وبالتالي فإن إقامة تحالف كوبنهاغن الدولي والآليات التي انبثقت عنه ستثير حرباً طاحنة بين المثقفين العرب وستعمل وكالة المخابرات المركزية والموساد على تسعير أوارها، وفي أهدأ الأحوال سيقود هذا إلى شق صفوف المثقفين ويبعدهم عن مخاطر الاستيطان والتهويد والاحتلال وممارسة إسرائيل للإرهاب والعنصرية والاستيطان والإستعلاء وكراهية العرب واستباحة أرضهم ومياههم وثرواتهم كسياسة رسمية تلقى الدعم والتأييد الكاملين من الولايات المتحدة وأموالها وأموال ألمانيا وسويسرا لتغطية تكاليف الهجرة اليهودية والاستيطان اليهودي في فلسطين العربية..‏

ويؤكد جمال الغيطاني أن بعض إخواننا الفلسطينيين يدفعون بعض المثقفين للتعامل مع إسرائيل ولهم أصدقاء يلعبون دوراً خطيراً..( الحياة 5/3/1997).‏

اسمحوا لي أن أضع النقاط على الحروف واستنتج من كلام الغيطاني أن المقصود هو لطفي الخولي والذي حسب معلوماتي التي استقيتها من شخصيات فلسطينية كان يتلقى شهرياً ولسنوات عديدة عشرة آلاف دولار من ياسر عرفات..‏

إن التطبيع يخدم مصلحة إسرائيل واليهودية العالمية ويقود إلى التنازل العربي الرسمي والشعبي عن الحقوق والأرض والمطالب العربية، والمطبعون يقدمون خدمات مجانية لإسرائيل على حساب الوطن والمواطن والمقدسات الإسلامية والمسيحية في مدينة الإسراء والمعراج وأولى القبلتين وثالث الحرمين..‏

ولقد قبلت بعض الجهات الرسمية بالتطبيع تنفيذاً لأوامر الولايات المتحدة الأمريكية، وبعضها الآخر قبل بالتطبيع أملاً في الحصول على بعض الفوائد الاقتصادية، وتناسى هؤلاء العرب الفوائد الهائلة التي يجنيها العدو من الاندفاع في التطبيع ومساعدته في تجاهل الحقوق العربية والقفز فوقها ومتابعة الاستيطان والغطرسة والاستهتار بالعرب وحقوقهم وثرواتهم وأراضيهم ومن هنا أستنكر وأرفض بشدة إعلان كوبنهاغن الذي وقعته حفنة من المثقفين العرب الذين وقعوا تحت تأثير إغراءات الدنمارك المادية والترفيهية وشباك الموساد السرية فالمال والجنس وحب السياحة والنجومية والمصالح المادية دفعتهم للموافقة على الإعلان فوقعوا في فخ الموساد وعملائه لشق صفوف المثقفين العرب واستقطاب بعضهم لتكوين جبهة يهودية-عربية-أوروبية لخدمة الأهداف الإسرائيلية..‏




التوقيع

إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بدّ أن يستجيب القــــدر
و لا بــــدّ لليــل أن ينجلــي
و لا بـــدّ للقيــد أن ينكسـر
رد مع اقتباس
قديم 04-20-2010, 06:01 PM   رقم المشاركة : 28
الهادي الزغيدي
عضو





الهادي الزغيدي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: - القمم والمؤتمرات الاقتصادية والأمنية من التطبيع إلى الهيمنة -

الفصل الرابع: تحالف كوبنهاغن‏

المقدمة‏

بدأت الولايات المتحدة الأميركية واليهودية العالمية وأجهزتها الأمنية وخاصة المخابرات المركزية والموساد بالتركيز على المثقفين العرب. فظهرت ولأول مرة علناً وثيقة أميركية بعد كمب ديفيد تتضمن أهمية الدور الذي يقوم به المثقف العربي في تمرير المخططات والمشاريع الإسرائيلية والأميركية حول "السلام الإسرائيلي" والشرق أوسطية، وذلك لأن المثقف من صناع التوجهات العامة عبر الأجهزة الإعلامية والثقافية.‏

ومن هنا تأتي الأهمية التي توليها إسرائيل والولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي للتطبيع الثقافي، وذلك لتغيير المفاهيم والقناعات لدى أبناء الأمة العربية وتبني المفاهيم الإسرائيلية حول الوحدة العربية والشرق أوسطية والتطبيع والهيمنة اليهودية ليس فقط على المنطقة وإنما على العالم.‏

وبالفعل أخذت حفنة من المثقفين العرب تعمل على هدم المقولات والمبادئ الوطنية والقومية التي آمنت بها الأمة العربية لتكريس وتخليد الاغتصاب اليهودي لفلسطين العربيةبما فيها مدينة القدس قلب الأمة العربية والإسلامية ومدينة الإسراء والمعراج وأولى القبلتين وثالث الحرمين.‏

بدأت هذه الحفنة من المثقفين العرب المتصهينين بتدمير وهدم وتغيير أهم مبادئ ومنطلقات الصراع العربي الصهيوني فحطموا مقولة أن الصراع صراع وجود ومصير وأن فلسطين عربية ويجب أن تعود عربية، ومقولة "ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة"، ومقولة الوحدة العربية والنظام العربي وأحلوا محلها نظام الشرق الأوسط الجديد والسوق الشرق أوسطية".‏

وأصبحت الدعوة إلى الوحدة العربية والتكامل الاقتصادي العربي والقومية العربية والنظام العربي واستعادة الحقوق المغتصبة والتصدي للمزاعم والخرافات والأطماع والأكاذيب اليهودية من مخلفات الماضي. وأصبح الميثاق الوطني الفلسطيني واستعادة الأراضي العربية المحتلة وتدمير وتفكيك المستعمرات اليهودية في الأراضي العربية المحتلة من مخلفات المرحلة الماضية التي عفا عليها الزمن.‏

وأصبحت الشطارة والمهارة والذكاء هي أن نأخذ ما نستطيع أخذه من "الكعكة" الشرق أوسطية ولا نتركها لإسرائيل وحدها وبعض الأطراف الأخرى.‏

وفي إطار الشطارة الجديدة و"الواقعية العلمية" يصبح مفهوم الثقافة القومية من مخلفات الماضي الذي تجاوزه الزمن والذي يجب أن يزول ويتجه المثقف العربي إلى القبول بالأمر الواقع الجديد ونقبل بالتطبيع مع إسرائيل.‏

لكن السؤال الذي أطرحه على حفنة المثقفين العرب، دعاة التطبيع، هل يمكن أن تتعامل معنا إسرائيل بنديّة وهي تريد الهيمنة على الوطن العربي بالقنابل النووية والتفوق العسكري والعلم وقوة اليهودية العالمية وانحياز الولايات المتحدة الأميركية لها وقد عملت وتعمل على تدمير ازدهار وتقدم البلدان العربية المحيطة بها؟!‏

إن إسرائيل تطلب من البلدان العربية المزيد من التنازل عن الأرض والمياه والسيادة والحقوق والمزيد من التطبيع والاندماج والذوبان. وتطلب حتى عدم عقد قمة عربية، لأنها تريد الاستفراد بكل طرف عربي على حدة للحصول على المزيد من الامتيازات والتنازلات العربية كما حصل في دهاليز أوسلو السرية.‏

وعلى الرغم من شراسة الهجمة اليهودية والأميركية واستسلام بعض الحكام العرب لها نستطيع أن نقول إن المقاومة الصلبة التي يبديها المثقفون العرب والأحزاب السياسية والنقابات واللجان الشعبية لمكافحة الصهيونية ومقاومة التطبيع والنظام الإقليمي الجديد والسوق الشرق أوسطية والهيمنة الأميركية والإسرائيلية بتصاعد مستمر.‏

إن المطلوب القيام بعمل شعبي واسع على مستوى قومي ضد الاستسلام والتطبيع والمشروع الشرق أوسطي.‏

تحالف كوبنهاجن الدولي‏

بالرغم من الحقائق والوقائع المأساوية التي سببها الكيان الصهيوني يطلع علينا بعض المثقفين العرب ويطلبون منا أن ننسى الماضي الصهيوني وأن نصمت عليه وعلى سياسة الإرهاب والعنصرية والمجازر الجماعية التي يرتكبها الكيان الصهيوني.‏

فأي مردود ثقافي تجلبه هذه الحفنة من المثقفين العرب لأمتنا العربية ولقوافل الشهداء الذين رووا أرضنا العربية بدمائهم الزكية.‏

عاش بعض الملوك والأمراء والحكام العرب بعض الأوهام عن اليهود ودولتهم ووجودها فهل تريد هذه الحفنة من المثقفين أن تعيش أوهام هؤلاء الحكام الماضية بأساليب جديدة؟!‏

يجب علينا أن نرسخ في أذهاننا وأذهان الأجيال القادمة أن دولة اليهود، دولة المستعمرين اليهود دولة غريبة دخيلة على منطقتنا العربية قامت على أنقاض فلسطين العربية وشعبها العربي، وذلك لنغذي روح المقاومة والتصدي للصهيونية أو الاستسلام لها ولمخططاتها التدميرية.‏

إن القول بأن شعبنا العربي يرفض التطبيع قول حق يراد به باطل، وذلك بسبب هيمنة الحكومات العربية على المؤسسات السياسية والاقتصادية والثقافية على أجهزة الإعلام، مما يجعل خطر التطبيع قائماً تماماً كما تعمل سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني والتي نجحت ليس فقط في فرض التطبيع وتبني الشرق أوسطية وإنما في صهينة أوساط فلسطينية واسعة. والشعب العربي في ظل تسلط نظم الحكم لا يستطيع أن يمنع التطبيع إلاّ في حدود ضيقة.‏

إن أمتنا العربية لا مستقبل لها إذا وافقت على شروط وإملاءات إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، إذا وافقت على الاستسلام والتطبيع والهيمنة للكيان الصهيوني عدو العروبة والإسلام.‏

لا طريق أمامنا إلاّ في دفع النضال الشعبي بتراثه التاريخي والاستمرار في مقاومة العدو ومقاطعته ورفض الصلح والاعتراف والتعايش معه ورفض كافة أشكال العلاقات والتطبيع معه.‏

إن الثقافة المقاومة هي الثقافة القومية التي تدافع عن ثقافة الشعب العربي، عن قيمه ومبادئه وأفكاره وتقاليده في وجه قيم وأفكار وتقاليد وافدة من الخارج والتي تشكل غزواً ثقافياً ولا تتجاوب مع تاريخ وتراث وروح الشعب العربي وتشكك بتقاليده وتراثه.‏

وترافقت الثقافة العربية المقاومة في التصدي للمحتل والغريب والدخيل اليهودي والغرب ببعث الثقافة القومية. فلا يمكن لأحد أن يتجاهل التمسك بتراثنا في دفاعنا ضد المغتصب والدخيل والمحتل والعدو لأمتنا وديننا وقوميتنا.‏

إن الثقافة القومية تتصدى لغزو الصهيونية لفلسطين العربية وسلب الأرض عن طريق عمليات عسكرية، حروب عدوانية وإقامة مستعمرات يهودية، لذلك ستستمر المقاومة حتى نحصل على الاستقلال والحرية والهوية.‏

ويعتبر الاستعمار اليهودي من أبشع أنواع الاستعمار الذي شهده الوطن العربي وأخطره.‏

إن آليات الغزو الثقافي الصهيوني تقوم على مخططات جاهزة منظمة طويلة النفس، لذلك فمقاومتها والتصدي لها تتطلب أن يرتكز النضال على خطط مدروسة ومنظمة وطويلة النفس.‏

فالتصدي لها يعني أننا نتصدى لمخططات وآليات ومعلومات ومقولات يملكها العدو.‏

والمقاومة الثقافية و الإعلامية حق للشعوب المقهورة للدفاع عن الذات، عن الوجود والهوية والتراث والتاريخ واللغة والدين.‏

الموساد وتحالف كوبنهاجن‏

تحت رعاية الحكومة الدنماركية والاتحاد الأوروبي عقد اجتماع في كوبنهاجن بتاريخ 29و30 كانون الثاني 1997 شاركت فيه حفنة من المثقفين العرب من مصر والأردن وفلسطين مع إسرائيليين وانتهى الاجتماع بصدور إعلان كوبنهاجن وإقامة التحالف العربي الإسرائيلي.‏

تعود فكرة إقامة هذا التحالف إلى فترة ما بعد كمب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية وتأسيس ما يسمى بـ "حركة السلام الآن في إسرائيل" لمواجهة القطاعات الشعبية المعادية لكمب ديفيد في مصر وبقية البلدان العربية وإسرائيل. ولم تتجاوب مع الفكرة الأوساط المثقفة العربية على الإطلاق.‏

نشطت الأوساط اليهودية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، ووكالة المخابرات المركزية، ومنظمة الاشتراكية الدولية وحكوماتها ومؤسساتها وأحزابها ومراكز البحث والدراسات فيها إلى عقد مؤتمرات وندوات واجتماعات سرية بين مثقفين عرب ويهود، وبين فلسطينيين وإسرائيليين، لاشراك المثقف العربي في تعميم كمب ديفيد على بقية الجبهات العربية وتطبيع العلاقات مع العدو الإسرائيلي ودفع التسوية الأمريكية-الإسرائيلية إلى الأمام للتوصل إلى حل نهائي للصراع بالشروط والإملاءات الإسرائيلية.‏

لقد واجه المواطن العربي في مصر وبقية البلدان العربية الاتفاقات التي فرضتها إسرائيل عن طريق الولايات المتحدة الأمريكية والنتائج التي تمخضت عنها ومجمل مسيرة الاستسلام والتطبيع بمعارضة ورفض شديدين. ففشل التطبيع في مصر. ونظمت في الأردن الأحزاب والنقابات والاتحادات والقوى والشخصيات الوطنية صفوفها في لجان ومؤتمرات شعبية انبثقت عنها مؤسسات دائمة لمقاومة التطبيع.‏

ولكن من المؤلم حقاً أن سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني كانت وماتزال من أكثر الجهات العربية تطبيعاً مع العدو وأكثرها حماساً للتحالف معه في اتحاد ثلاثي على غرار اتحاد بنيلوكس حيث بلغت مشترياتها من منتجات العدو الإسرائيلي عام 1996 مليار ونصف المليار دولار.‏

وتتبنى علناً المخططات الإسرائيلية "للشرق أوسطية" وتعتبر نفسها ركيزة من ركائزها الأساسية، وبالتالي غيرت موقعها من الموقع العربي إلى الموقع الإسرائيلي.‏

ونجحت في صهينة أوساط فلسطينية واسعة في الضفة والقطاع باستخدام الترهيب والترغيب ودولارات الدول المانحة التي تقوم إسرائيل بإستجدائها لياسر عرفات.‏

لقد ثبت لي من خلال عملي في فيينا كممثل لمنظمة التحرير الفلسطينية أن المخابرات المركزية كانت ترعى وتمول جميع اللقاءات العربية-اليهودية، والفلسطينية-الإسرائيلية.‏

وكانت الدول الاسكندنافية في طليعة الأدوات الأمريكية والإسرائيلية لترويض القيادة الفلسطينية وحملها على الموافقة على الشروط والإملاءات الإسرائيلية. لذلك أصبحنا كمواطنين عرب ننظر بعين الريبة والشك إلى كل تحرك يأتي من العواصم الاسكندنافية، وذلك لوقوف المخابرات المركزية والموساد وراء تحركاتهم التي تصب في خدمة العدو الإسرائيلي.‏

إن العدو الإسرائيلي وعملاءه يعملون منذ توقيع اتفاقات الإذعان في أوسلو ووداي عربة على تحويل الهرولة الرسمية للتطبيع معه إلى هرولة شعبية بمساعدة الولايات المتحدة والدول الاسكندنافية بدءاً من السويد والنرويج ومروراً بغرناطة وحتى كوبنهاجن.‏

وتشكلت قوى ضغط عالمية هائلة لاختراق القوى السياسية والجبهة الثقافية العربية ومنها:‏

زعماء المؤتمر اليهودي العالمي وشخصيات يهودية قيادية في منظمة الاشتراكية الدولية.‏

سياسيون إسرائيليون منهم شمعون بيرس وموشي ديان والجنرال ميتتياهو بيليد ويوري أفنيري. وحركة السلام الآن الإسرائيلية.‏

واستجاب لمساعيهم الملك المغربي وحسن التهامي ومصطفى خليل والسرطاوي وأبو مازن وياسر عرفات وبعض القيادات اليسارية الفلسطينية.‏

ولكنهم فشلوا باختراق الجسد العربي وفشلوا باختراق الشعوب العربية وبشكل خاص الجبهة الثقافية. ولكن توقيع اتفاق الإذعان في أوسلو ووادي عربة أدى إلى انتعاش مساعي التطبيع الشعبي مجدداً. فنظم شمعون بيرس في إسبانيا لقاء غرناطة في الفترة الواقعة ما بين 9-12كانون الأول 1993. أي بعد توقيع اتفاق الإذعان في أوسلو بتاريخ 13 أيلول 1993 حضره بيرس وعرفات ومجموعة من المثقفين العرب والإسرائيليين لدعم اتفاق أوسلو واختراق الجبهة الثقافية وفرض الاستسلام والتطبيع على الأمة العربية ولمسح الذاكرة العربية وغسل عقول بعض المثقفين العرب وتطويعهم للمزاعم والخرافات والأكاذيب اليهودية. ويأتي إعلان كوبنهاجن في هذا السياق.‏

اقترح الدانماركي هربرت بونديك، المزدوج الجنسية والولاء وعميل الموساد على وزارة الخارجية الدنماركية رعاية اجتماعات عربية إسرائيلية لتطبيع العلاقات بين المثقفين العرب والإسرائيلين. ويرأس هربرت بونديك تحرير مجلة "بولتكين" الدنماركية. وقَبِل رئاسة التحرير فيها على أن يقيم ستة أشهر في إسرائيل وستة الأشهر الأخرى في كوبنهاجن. ونجح بطبخ مخطط التحالف في إسرائيل والدنمارك ثم توجه في نهاية 1994 إلى القاهرة بحجة التعرف على رأي عدد من المثقفين المصريين. وكان اولو الأمر في إسرائيل (الموساد) قد وضعوا له قائمة بأسماء ستة وعشرين مثقفاً مصرياً واتصل بكل واحد منهم على حدة.‏

وكان يرافقه في بعض الزيارات الكاتب الإسرائيلي أموس ألون، ورجل الموساد ديفيد كمحي والدبلوماسي الدنماركي توريين بريل، مسؤول مكتب العلاقات مع إسرائيل والبلدان العربية في وزارة الخارجية الدنماركية.‏

وكان الجانب الإسرائيلي يطرح في نقاشه مع بعض المثقفين المصريين أن أنصار السلام في إسرائيل يعانون خطر التمزق والإنعزال بسبب عدم تجاوب المثقفين العرب معهم في مواجهة اليمين الإسرائيلي. وطرحوا فكرة الحوار وإقامة التحالف مع مثقفين عرب. ووافق بعض المثقفين المصريين على الفكرة.‏

ووجهت وزارة الخارجية الدنماركية الدعوة إلى لطفي الخولي، وأحمد فخر، ومحمد سيد أحمد، ود: منى مكرم عبيد لإجراء الحوار مع الجانب الإسرائيلي: ديفيد كمحي، واموس الون، واشر ساسر (مدير معهد ديان في تل أبيب) وافيشاي مارجيليت.‏

وأعقب هذا اللقاء لقاء آخر في كوبنهاجن في الثلاثين من أيلول 1995 ووافق الحضور على رغبة إسرائيل بخلق آليات لتنشيط التطبيع على المستوى الشعبي، أي تحقيق الهرولة الشعبية نحو إسرائيل باسم العمل من أجل السلام.‏

وجرت الدورة الثانبة للحوار في شباط 1996 واشترك فيها من الجانب المصري: لطفي الخولي، ود:محمد السيد سعيد، ود: جمال عبد الجواد، ود: سميحة فوزي.‏

ومن الجانب الإسرائيلي: دان ميريدور (وزير المالية)، وديفيد كمحي، وشولاميت هاريفي ويوناثان ليرنر. واعتبر لطفي الخولي اشتراك دان ميريدور (عضو قيادة الليكود) اختراقاً له وزنه لجبهة اليمين ولمصلحة قوى السلام الإسرائيلية.‏

وتقرر أن تجري الدورة الثالثة للحوار في 13/5/1996 ولكن لطفي الخولي وجماعته امتنعوا عن حضورها بسبب حرب شمعون بيرس العدوانية في لبنان وارتكاب جيش العدو الإسرائيلي لمجزرتي قانا والنبطية الجماعيتين.‏

وخلال دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة التي بدأت في أيلول1996 أخبر وزير خارجية الدنمارك عمرو موسى وزير خارجية مصر عن مبادرة كوبنهاجن ورجاه أن يتدخل لدى المثقفين المصريين للعدول عن موقفهم ومتابعة الحوار مع الإسرائيليين.‏

وفي نهاية عام 1996 وصل إلى القاهرة ديفيد كمحي وهربرت بونديك والدبلوماسي الدنماركي توربين بريل. وبدأوا مرحلة جديدة من الحوار مع لطفي الخولي وبعض المثقفين المصريين. وبدأت الدورة الرابعة من الحوار في التاسع والعشرين من كانون الثاني 1997 وانتهت في الثلاثين منه بإعلان كوبنهاجن.‏

إن الدول الاسكندنافية معروفة بمشاعرها المؤيدة لإسرائيل والحركة الصهيونية وانحيازها إلى مواقف وممارسات إسرائيل دون أي اعتبار لمبادئ الحق والعدالة والقانون الدولي ودون أي اعتبار للموقف العربي والحق العربي والدول العربية.‏

ووصل الانحياز الدنماركي حداً سفيهاً أجاب فيه رئيس الوزراء الدنماركي بول شلوتر عن سياسته تجاه الدول العربية بالحديث عن عمق العلاقات التي تربط الدنمارك بإسرائيل، فلما ذكره الصحفي بأن السؤال عن العلاقات مع الدول العربية، ضحك رئيس الوزراء الدنماركي بصوت عال وقال له نريد التأكيد في كل مناسبة على اهتمامنا بإسرائيل وأولويتها في الشرق الأوسط.‏

لقد لعب اليهودي هربرت بونديك الدنماركي والإسرائيلي الجنسية الدور الأساسي في إعداد كوبنهاجن انطلاقاً من يهوديته، حيث كانت أول خطوة قام بها أن توجه إلى إسرائيل واتفق مع ديفيد كمحي على مضمونها (وبالتأكيد مع غيره من الإسرائيليين). ثم طارا معاً إلى القاهرة وعرضاها على لطفي الخولي وأقنعاه بالتحرك من أجلها.‏

ويعتبر هربرت بونديك من أكبر رموز اللوبي اليهودي المؤيد لإسرائيل في الدول الاسكندنافية وأحد أبرز القادة الصهاينة على المستوى الأوروبي، وله الكثير من النشاطات لصالح إسرائيل ودعم سياستها الاستيطانية والقمعية والعنصرية بقلمه وبمساهماته وعلاقاته لحشد الدعم والتأييد لها.‏

لقد طالب الإرهابي نتن ياهو خلال جولته في الولايات المتحدة الأمريكية في شباط 1997 الحكومات والشعوب العربية بأن يتعلموا التكيف مع السياسات الإسرائيلية. وجاءت جماعة كوبنهاجن لتؤكد استجابتها بالتكيف مع سياسات العدو الإسرائيلي وأخذت على عاتقها المشاركة في التكيف والتأقلم مع المزاعم والخرافات والأكاذيب اليهودية. لقد فشلت محاولات الاختراق اليهودي للمجتمعات العربية في المرحلة الماضية ولكنها للأسف أخذت بعد اتفاق الإذعان في أوسلو ووداي عربة تلقى النجاح تلو الآخر بسبب دعم الجهات الرسمية الفلسطينية والأردنية. إننا أمام مرحلة جديدة خططت لها الصهيوينة العالمية لاختراق مجتمعاتنا العربية عن طريق حفنة من المثقفين الانتهازيين الذين يعملون على تنفيذ المخططات الصهيونية بدلاً من القيام بتحصين الوطن والمواطن وحمايتهم من سموم الصهيونية وأخطارها.‏

إن المرحلة الجديدة التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية والهيودية العالمية وأحزاب الاشتراكية الدولية الحاكمة في الدول الاسكندنافية وبقية الدول الأوروبية وترصد لها الأموال الطائلة وتستخدم فيها أساليب الإغراء ستزيد من إمكانية الاختراق اليهودي للجسد الثقافي والاقتصادي للأمة العربية وتخريب المجتمعات العربية.‏

حاولت إسرائيل وأحزابها المختلفة، كما حاولت الولايات المتحدة ومؤسساتها الكثيرة والإتحاد الأوروبي وأحزابه و منظماته، ومؤسسات اقتصادية وعلمية دولية، والمنظمات اليهودية المنتشرة في كل أنحاء العالم، حمل الشعب العربي على تطبيع العلاقات مع إسرائيل، العدو التاريخي للعروبة والإسلام ولكنهم فشلوا جميعاً..‏

واستفاد حزب العمل الصهيوني وزعيمه شمعون بيريز من التجارب الفاشلة في اختراق جسد الأمة العربية الثقافي والإقتصادي التي قامت بها المخابرات المركزية والموساد وعملائهما في البلدان الأوروبية والعربية فوضع بيريز مخططات أفضل من المخططات السابقة وعلى مراحل معينة لتفرض نفسها في نهاية الأمر. واستفاد بيريز من نجاح تجربته مع قيادة عرفات بإجراء اللقاءات السرية أولاً ثم إخراجها إلى العلن في العواصم الأوروبية وفي تونس والمغرب وبتمويل من المخابرات المركزية ووصل هذا النجاح حداً تصهينت فيه العديد من الأوساط الفلسطينية في الضفة والقطاع، من القيادات والكوادر حتى العديد من أجهزته الشرطية والمخابراتية. وتنطلق إسرائيل من أن التطبيع ضروري للسلام، بينما يرفض العرب هذا المطلب وينفون مشروعيته الفكرية والسياسية والواقعية، لأن مفهوم التطبيع هو مفهوم "إسرائيلي يكرس مكافأة إسرائيل المعتدية على حروبها العدوانية وسياستها العنصرية والاستيطانية.‏

فالتطبيع مطلب سياسي واقتصادي لإسرائيل يكلل انتصاراتها العسكرية على العرب، ويعني القبول العربي به قبول المهزوم بشروط واملاءات ومصالح المنتصر..‏

إن إسرائيل التي فرضت كافة شروطها واملاءاتها على العرب عن طريق الراعي الأمريكي المنحاز كلية لإسرائيل لم تكتف بمعاهدات السلام التي أملتها على الأطراف العربية بل خططت من خلال التطبيع كي تصبح بوابة الاستيراد والتصدير للبلدان العربية مع الولايات المتحدة وأوروبا واليابان.‏

إن التطبيع الثقافي اختراع إسرائيلي، ابتكره قادة حزب العمل ليحصلوا على الهرولة الشعبية بعد أن حصلوا على الهرولة الرسمية، لأنهم لمسوا أن اتفاقات الإذعان لا يمكن أن تلزم المواطن العربي بالتعامل مع إسرائيل، فالعلاقات الدبلوماسية لا تشمل مثل هذا الشكل من العلاقات.‏

ونظراً لانحياز الولايات المتحدة الأميركية الكامل لإسرائيل في عملية التسوية ضغطت وتضغط على كل الدول العربية لتطبيع العلاقات مع إسرائيل. وانصاعت سطلة الحكم الذاتي الفلسطيني المحدود والحكومة الأردنية للمطلب الإسرائيلي-الأمريكي وتبنتا سياسة الهرولة في تطبيع العلاقات مع العدو الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه اضطرت سورية ولبنان إلى ربط التطبيع بالتقدم في العملية السلمية لعدم توفر الخيارات الأخرى أمامهما "ولفرملة" بعض الجهات العربية في التطبيع مع الكيان الصهيوني..‏

وأصبحت معادلة التطبيع من جراء سياسة الضغط والابتزاز والإغراء التي تمارسها إدارة الرئيس كلنتون على الشكل التالي: "وافقت بعض الأطراف العربية على الهرولة إلى التطبيع، بينما ربطت جهات عربية أخرى التطبيع بالتقدم نحو السلام."‏

ومن المتعارف عليه أن التوجه نحو السلام لا يفرض التطبيع إلاّ في الحدود الرسمية..‏

"ولأن التطبيع كان منذ البداية مطلباً إسرائيلياً، وأصبح من وجهة النظر العربية الرسمية ورقة سياسية في إطار عملية التسوية، فإن ذلك يكشف عن هشاشة الإرتباط والتلازم بين السلام والتطبيع، فالتوجه للسلام لا يفرض التطبيع إلاّ في الحدود الرسمية أي العلاقات العادية بين الدول لكن لا يمنحه مشروعية شعبية...‏

إنه ليس بمقدور أحد أن يحمل الناس على إقامة علاقات مع من يرونه عدواً لهم حتى الآن، يحتل الأراضي ويهدد بالويل وبالثبور وعظائم الأمور لمن يقاوم احتلاله أو يطالبه بالجلاء عن الأراضي التي احتلها". المصدر: عبد العيلم محمد، الحياة، في 25/2/1997.‏

لقد رفض محمد السيد أحمد الذي شارك في دورات الحوار توقيع إعلان كوبنهاغن ووضح أسباب رفضه بقوله:‏

"يعود اعتراضي إلى أن لقاء كوبنهاغن قد خصص لإصدار بيان بعنوان تحالف من أجل السلام" وهو بيان معد سلفاً، ومطلوب من المشاركين توقيعه دون مناقشة. المصدر الحياة 28/1/1997. ويمضي محمد سيد أحمد متسائلاً: "كيف يمكن مطالبة مثقفين بتوقيع بيان دون أن تتاح لهم فرصة مناقشته مناقشة مستفيضة؟ كيف يتسق ذلك مع مفهوم المثقف أصلاً؟ ثم كيف يتسق هذا المنطق مع قضايا الشرق الأوسط العويصة بالذات؟ ويمضي الكاتب المصري قائلاً: لا أتصور ممكناً أن يكتب النجاح لعملية تطالب المثقفين العرب بالقفز دفعة واحدة من مقاطعة إسرائيل مقاطعة تكاد تكون شاملة إلى التحالف مع مثقفيها وبدلاً من بلورة "قوى سلام" في إسرائيل كفيلة بالتصدي لسياسات نتن ياهو المناهضة للسلام، سيفضي إلى تعميق الإنقسام في الصفوف العربية "الحياة 24/1/1997.‏

ولم يلب محمد سيد أحمد الدعوة لحضور إعلان كوبنهاغن لاحتجاجه أيضاً على عدم تضمين الوثيقة أية إشارة إلى الحقوق الفلسطينية المشروعة، وكذلك امتنعت عن الحضور د.منى مكرم عبيد، والدكتور محمد السيد سعيد والسفير تحسين البشير.‏

وفي الثلاثين من كانون الثاني 1997 أعلن في العاصمة الدانماركية عن تأسيس التحالف العربي الإسرائيلي من أجل السلام "كهيئة عالمية-إقليمية شعبية بهدف إشراك الشعوب في توجيه ورقابة مسار الصراع العربي الإسرائيلي والمفاوضات المتعثرة وقيام التحالف كآلية لدفع ورقابة الحكومات المراوغة في التفاوض..‏

وضم الوفد المصري.. لطفي الخولي، حسن الحيان، د.عبد المنعم سعيد، علي الشلقاني، رمسيس مرزوق، د. مراد وهبة، أحمد شوقي، السفير صلاح بسيوني، ود. رضا محرم.‏

وتكون الوفد الأردني من عدنان أبو عودة وزيرالإعلام السابق، واللواء إحسان شردوم، رئيس سلاح الجو الأردني السابق، وتيسير عبد الجبار الوزير السابق، ومروان دودين، وزياد صلاح، وجورج حواتمة ورامي ضرري.‏

وضم الوفد الفلسطيني: مروان البرغوثي (حركة فتح-اللجنة المركزية) -وجواد الطيبي، وحامد عبد القادر، ورياض المالكي، وحنا سنيورة، وخالد العسلي، وسري نسيبة، ومحمد حوارني وغسان الشكعة، ومحمد جاد الله.‏

وضم الوفد الإسرائيلي أربعة من أعضاء الكنيست: مكسيم ليفي وأيهود لانكري من حزب جيشر، واثنين من حزب العمل باثيل ديان ودافيد كمحي، وناديا هيلو، وامون ايلون، واوري برنستن، واديت فوبرتال،ومايكل أور، وايهود يائيري، ويورام كينوك ورون بونديك.‏

وتشكلت سكرتارية دائمة من دافيد كمحي، لطفي الخولي، عدنان أبو عودة، وسري نسيبه.‏

فما هي حقيقة هذا التحالف؟ وما هي أهداف إعلان كوبنهاغن؟‏

يتبين للمرء من قراءة الإعلان أنه:‏

*لايشير إلى الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي العربية المحتلة..‏

*وأسقط حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم الذي كرسته وتكرسه مبادئ وأهداف وقرارات الشرعية الدولية التي تمثل الحد الأدنى الذي قبلته الدول العربية..‏

*تنازل الإعلان عن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس وعن الحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني...‏

*أهمل الإعلان المطالبة بوجوب إزالة المستعمرات اليهودية التي غرستها سلطات الإحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان..‏

ولم يتطرق الإعلان إلى طبيعة الاستعمار الاستيطاني اليهودي حتى أنه لم يذكر كلمة الاحتلال الإسرائيلي ولو مرة واحدة..‏

ويعني الإعلان إقامة التحالف المشبوه مع عدو غاصب وعنصري وكذاب والزج بالعرب في مستنقع التطبيع معه، ويعني التخلي العربي عن آخر ورقة بيد المفاوض السوري واللبناني وهي تطبيع العلاقات قبل التوصل إلى السلام الشامل والعادل، وبالتالي يعني انفراد إسرائيل بسورية ولبنان وتهديد الأمن القومي العربي...‏

وأسقط الإعلان القناع عن وجوه دعاة التطبيع الفلسطينيين والعرب، دعاة السلام الكاذب، السلام الإسرائيلي الذي يعني الهيمنة الإسرائيلية السياسية والإقتصادية والعسكرية والثقافية على الأمة العربية...‏

وعند التحليل الدقيق للإعلان ولدورات الحوار يتبين أن عملاء الموساد وضعوا شروطاً على حفنة المثقفين العرب الذين قبلوا ووافقوا عليها بدون تردد وهي:‏

*لايجوز اشتراط إزالة المستعمرات اليهودية من الأراضي العربية فهي قضية منتهية..‏

*لايجوز التحدث عن الانسحاب الإسرائيلي من القدس العربية التي احتلتها إسرائيل فهي أيضاً قضية منتهية، فالقدس الموحدة عاصمة إسرائيل الأبدية..‏

*لايجوز التحدث عن عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم تطبيقاً لقرارات الأمم المتحدة، ومبادئ القانون الدولي والإعلان العالمي لحقوق الإنسان...‏

*لايجوز المطالبة... بنزع سلاح إسرائيل النووي...‏

*لايحوز التحدث عن وقف الهجرة اليهودية التي تهدد أمن واستقرار المنطقة العربية بشكل دائم وتنذر باندلاع حروب جديدة لاستيعاب المزيد من المهاجرين اليهود..‏

*لايجوز انتقاد عنصرية الصهيونية وعنصرية القوانين الإسرائيلية وممارسة إسرائيل للإرهاب والعنصرية والإبادة الجماعية كسياسية رسمية..‏

*يجب محاربة الاتجاهات الوطنية والقومية والإسلامية في البلدان العربية...‏

*يجب محاربة القومية العربية والوحدة العربية والتكامل الاقتصادي العربي ويجب التخلي عن مقاومة الاحتلال ونعتها بالإرهاب..‏

*إن إعلان كوبنهاغن محاولة يهودية لاختراق السياسة والاقتصاد والثقافة العربية لجر الشعب العربي للقبول بالأكاذيب والأساطير والخرافات والمزاعم اليهودية وإن هدف التحالف الجديد إعلان الحرب على كل المثقفين العرب الذين يرفضون الصلح والاعتراف بالعدو التاريخي للأمة ويرفضون تطبيع العلاقات معه وهيمنته على الوطن العربي.‏

ويطالب الإعلان مضاعفة جهود الشعوب لإقامة الآليات المناسبة لتدشين التحالف من أجل السلام ويعتبر الكفاح المسلح ضد الاحتلال عدو السلام ويجب التعامل معه على هذا الأساس.‏

يتحدث الإعلان عن "السعي الحثيث للاستقرار والأمن والتنمية في المنطقة؟ فأي استقرار في المنطقة يقصده الإعلان؟‏

هل الاستقرار والأمن لإسرائيل الكبرى أم لهيمنة إسرائيل العظمى على الاقتصادات العربية؟ هل الأمن والاستقرار لتهويد القدس العربية والخليل وبقاء المستعمرات اليهودية في الأراضي الفلسطينية والسورية المحتلة؟‏

هل الأمن والاستقرار الذي يريده هؤلاء الحفنة من المثقفين العرب لاستمرار إسرائيل في نهب المياه العربية في لبنان والجولان والضفة الغربية وحتى في الباقورة الأردنية؟‏

إن خطورة إعلان كوبنهاغن في كونه لا يمثل صيحة من مثقفين حول السلام والأمن في المنطقة وإنما يرمي إلى إيجاد واقع سياسي ثقافي عربي يخدم المطامع والأكاذيب اليهودية في الأرض والثروات العربية والقضاء على أي شكل من أشكال استمرار الصراع حتى ولو بالكلمة وبيت الشعر والكتاب..‏

"إن المزدوجات الثنائيات والتناقضات تزخر بها ممارسات إسرائيل، وحتى توجهها للتطبيع مع العرب يبدو متناقضاً مع الصلف والعسف، فالعلاقات الطبيعية تقوم بين أنداد وأكفاء، وليس مع طرف يتميز بالاستعلاء ويشعر بالتفوق وتحقير المحيط الذي يوجد فيه ". (المصدر: عبد العليم محمد الحياة في 25/2/1997..)‏

ويعلق عبد العليم محمد، رئيس برنامج البحوث الإسرائيلية في مركز دراسات الأهرام في القاهرة على إعلان كوبنهاغن والمثقفين الذين اشتركوا فيه ويقول:‏

"إن هذه الفئة من المثقفين أفسدها التطلع إلى النفوذ والسلطة، فالمثقف متحرر من القيود التي يعاني منها السياسي، فالأخير تكتنف ممارساته قيود علاقات القوى والمعطيات القائمة في اللحظة. " (المصدر: عبد العليم محمد الحياة 25/2/1997م)‏

ويمضي رئيس برنامج البحوث الإسرائيلية في مركز دراسات الأهرام ويستنتج من إعلان كوبنهاغن أن الصراع العربي الإسرائيلي في تقديرهم لم يعد صراعاً بين إسرائيل والدول العربية وإنما صراع بين أنصار السلام وأعدائه في الجانبين ويؤكد أن هذه المقولة لا تتفق ومجريات الوقائع والأحداث، وفي هذا الإطاروضع إعلان كوبنهاغن الفاعليات الفكرية والسياسية في إطار جدول أعمال مفروض من الخارج، من إسرائيل والدول التي تناصرها في حين إننا بحاجة لجدول أعمال قومي نابع من حوار عربي حول القضايا الكبرى التي تواجه أمتنا..‏

إن جماعة كبونهاجن حفنة من المثقفين الذين لا يمثلون إلا أنفسهم وكشفوا عن حقيقة دورهم الانتهازي المشبوه، فهذه الفئة المنحرفة والانتهازية تدعو إلى إقامة منظمة للتحالف العربي الإسرائيلي وإسرائيل ترتكب المجازر الجماعية ومصادرة الأراضي العربية وإقامة المستعمرات اليهودية عليها وترفض الإنسحاب من القدس والجولان وجنوب لبنان..‏

إن إسرائيل التي يريدون إقامة التحالف معها هي إسرائيل دير ياسين وبحر البقر وأبو زعبل وداعل وقانا، وهي التي اغتصبت أرض فلسطين وحقنت أطفال الإنتفاضة بفيروس الإيدز، وأجرت وتجري التجارب الطبية والجرثومية وغازات الأعصاب على الأسرى من الفدائيين..‏

إن جماعة كوبنهاغن يريدون أن ينهزم العرب سياسياً ومعنوياً وثقافياً، فالهزائم هذه مدمرة للوطن والمواطن لأنها تقر بشرعية إسرائيل الغاصبة والمعتدية، ويرمون إلى تحويل الهرولة الرسمية إلى هرولة شعبية بمساعدة اسكندنافية وأمريكية وفلسطينية وأردنية لذلك نحذر من الهرولة والتطبيع مع العدو، كما نحذر من الدعوات المشبوهة لإقامة التحالف العربي الإسرائيلي الذي رافق تصريحات رئيس وزراء العدو المعادية للعرب والتي وصلت إلى حد مطالبتهم بترك أوطانهم ومغادرة المنطقة إن لم يقبلوا بسياسية القوة والردع والهيمنة الإسرائيلية. ويتبين من تحليل الإعلان أن لا قيمة سياسية له على صعيد التسوية السياسية، وإنما يهدف إلى توريط المثقف العربي في التطبيع مع العدو أسوة بالنظم العربية، وبالتالي يهدف إلى تحقيق التطبيع الثقافي، لحمل المثقف العربي على إعادة النظر في صورة إسرائيل الكريهة والبغيضة لديه ويقبل بسلام القوة والهيمنة والأمر الواقع..‏

إن عبارة التحالف العربي الإسرائيلي تحتوي على معاني ومدلولات في منتهى الخطورة فالتحالف ضد من؟ إنه ضد كل عربي يدافع عن الحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني والحقوق القومية للأمة العربية، ويدافع عن المقدسات الإسلامية والمسيحية ويتصدى للإرهاب والعنصرية والاستيطان اليهودي، فالتحالف الجديد موجه ضد كل مثقف عربي يحب وطنه وأمته ودينه ويرفض هيمنة إسرائيل على المقدرات العربية.‏

وتزعم جماعة كوبنهاغن أن هدفهم دفع مسيرة السلام المتعثرة على أبواب القرن الحادي والعشرين فهل يعتقد القارئ بأن هذه الحفنة من المثقفين ورجال الأعمال بمقدورها القيام بذلك بعد أن عجز العالم بأسره عن القيام بمثل هذا الدور؟‏

لذلك يرى المفكر المصري صلاح الدين حافظ أن التوقيع على وثيقة كوبنهاغن له رد فعل مماثل لزيارة السادات للقدس وغزو العراق للكويت، وحرب عاصفة الصحراء التي خاضها التحالف الدولي، وبالتالي فإن إقامة تحالف كوبنهاغن الدولي والآليات التي انبثقت عنه ستثير حرباً طاحنة بين المثقفين العرب وستعمل وكالة المخابرات المركزية والموساد على تسعير أوارها، وفي أهدأ الأحوال سيقود هذا إلى شق صفوف المثقفين ويبعدهم عن مخاطر الاستيطان والتهويد والاحتلال وممارسة إسرائيل للإرهاب والعنصرية والاستيطان والإستعلاء وكراهية العرب واستباحة أرضهم ومياههم وثرواتهم كسياسة رسمية تلقى الدعم والتأييد الكاملين من الولايات المتحدة وأموالها وأموال ألمانيا وسويسرا لتغطية تكاليف الهجرة اليهودية والاستيطان اليهودي في فلسطين العربية..‏

ويؤكد جمال الغيطاني أن بعض إخواننا الفلسطينيين يدفعون بعض المثقفين للتعامل مع إسرائيل ولهم أصدقاء يلعبون دوراً خطيراً..( الحياة 5/3/1997).‏

اسمحوا لي أن أضع النقاط على الحروف واستنتج من كلام الغيطاني أن المقصود هو لطفي الخولي والذي حسب معلوماتي التي استقيتها من شخصيات فلسطينية كان يتلقى شهرياً ولسنوات عديدة عشرة آلاف دولار من ياسر عرفات..‏

إن التطبيع يخدم مصلحة إسرائيل واليهودية العالمية ويقود إلى التنازل العربي الرسمي والشعبي عن الحقوق والأرض والمطالب العربية، والمطبعون يقدمون خدمات مجانية لإسرائيل على حساب الوطن والمواطن والمقدسات الإسلامية والمسيحية في مدينة الإسراء والمعراج وأولى القبلتين وثالث الحرمين..‏

ولقد قبلت بعض الجهات الرسمية بالتطبيع تنفيذاً لأوامر الولايات المتحدة الأمريكية، وبعضها الآخر قبل بالتطبيع أملاً في الحصول على بعض الفوائد الاقتصادية، وتناسى هؤلاء العرب الفوائد الهائلة التي يجنيها العدو من الاندفاع في التطبيع ومساعدته في تجاهل الحقوق العربية والقفز فوقها ومتابعة الاستيطان والغطرسة والاستهتار بالعرب وحقوقهم وثرواتهم وأراضيهم ومن هنا أستنكر وأرفض بشدة إعلان كوبنهاغن الذي وقعته حفنة من المثقفين العرب الذين وقعوا تحت تأثير إغراءات الدنمارك المادية والترفيهية وشباك الموساد السرية فالمال والجنس وحب السياحة والنجومية والمصالح المادية دفعتهم للموافقة على الإعلان فوقعوا في فخ الموساد وعملائه لشق صفوف المثقفين العرب واستقطاب بعضهم لتكوين جبهة يهودية-عربية-أوروبية لخدمة الأهداف الإسرائيلية..‏




التوقيع

إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بدّ أن يستجيب القــــدر
و لا بــــدّ لليــل أن ينجلــي
و لا بـــدّ للقيــد أن ينكسـر
رد مع اقتباس
قديم 04-20-2010, 06:05 PM   رقم المشاركة : 29
الهادي الزغيدي
عضو





الهادي الزغيدي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: - القمم والمؤتمرات الاقتصادية والأمنية من التطبيع إلى الهيمنة -

ردود الفعل على إعلان كوبنهاجن

أظهرت ردود الفعل على إعلان كوبنهاجن أن المفكرين والمثقفين العرب يرفضون التطبيع مع العدو الإسرائيلي الذي تحاول الولايات المتحدة والدول الأوروبية فرضه على الأمة العربية بعد أن نجحوا في فرضه على العديد من الدول العربية.‏

لقد أثار إعلان كوبنهاجن بإقامة التحالف الدولي من أجل السلام العربي- الإسرائيلي ردود فعل عنيفة في الأوساط السياسية والفكرية والثقافية العربية وبشكل خاص في جمهورية مصر العربية.‏

وجاء ظهور التحالف المشبوه والخطير بعد أن طلب اليهودي هربرت بونديك ومن خلفه اللوبي اليهودي في الدانمارك والموساد أن تقوم الدانمارك باحتضان التحالف، وذلك أسوة بما قام به عملاء الموساد في النرويج في إغراء وترويض أبو العلاء لتوقيع اتفاق الإذعان في أوسلو.‏

واستغل الموساد أموال الدانمارك لإغراء هذه الحفنة من المثقفين الانتهازيين بتحقيق الهدف الإسرائيلي بإخراج التحالف إلى حيز الوجود وخلق آليات جديدة للوصول إلى التطبيع الشعبي مع العدو الإسرائيلي.‏

ورضخت هذه الحفنة من المثقفين ورجال الأعمال العرب للقبول بالأمر الواقع الذي فرضته إسرئيل في المنطقة العربية بالقوة والغطرسة والاستعلاء وأساليب الإبادة الجماعية وتدمير المنجزات العربية وقبلوا القيام بدور معقد وشائك ومشبوه لتحقيق ماعجزت بعض الحكومات العربية والولايات المتحدة الأميركية عن تحقيقه وهو الهرولة الشعبية لتطبيع العلاقات مع إسرائيل عدوة الوطن والمواطن والعروبة والإسلام.‏

قبلت هذه الحفنة من العرب بالهزيمة وتريد بمساعدة الدول الأوروبية وأموالها وإغراءاتها حمل الأمة العربية بأسرها على اللحاق بالطابور الرسمي للاستسلام والإذعان والتطبيع.‏

فكيف يتحالف شعب احتلت أرضه واغتصبت حقوقه وهدرت كرامته مع عدوه التاريخي؟ ومن هنا جاءت ردود الفعل في الأوساط الثقافية العربية عنيفة وقوية على إقامة هذا التحالف.‏

فاستنكر اتحاد المحامين العرب إعلان كوبنهاجن، ووصفه الأمين العام للاتحاد بأنه اختراق لحالة المقاطعة العربية والغضب الشعبي المتنامي ضد إسرائيل وسياستها العدوانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة وفي الجولان وجنوب لبنان(208).‏

وحذر اتحاد الصحفيين العرب في القاهرة جميع الصحفيين من التورط في محاولات التطبيع مع إسرائيل حتى يتم السلام العادل والشامل في الشرق الأوسط. وطالب الأمين العام للاتحاد صلاح الدين حافظ بـ محاسبة أي صحافي عربي يخرج على هذا الالتزام المهني والقومي. ودعا إلى مقاومة مايسمى التحالف العربي- الإسرائيلي باعتباره إحدى محاولات التطبيع مع إسرائيل، واعتبر بيان اتحاد الصحفيين العرب أن الذين شاركوا في التحالف من المثقفين والصحفيين العرب لا يملكون إلاّ أنفسهم وأن ذلك يواجه استنكار كل القوى النقابية والديمقراطية والشعبية في الوطن العربي. وأكد أن الاتحاد باعتباره منظمة نقابية قومية يقف بكل القوة ضد محاولات تفتيت الجبهة الشعبية العربية المقاومة للتعنت الإسرائيلي، سواء بالهرولة أو الاختراق بالتطبيع(209).‏

وأصدرت اللجنة التحضيرية للجبهة القومية للاتحادات المهنية والنقابية العربية بياناً نددت فيه بهذا التحالف، وأشارت إلى أن الجماهير العربية صاحبة الكلمة العليا في الحرب والسلم والدفاع عن أرضها ومكانتها وحقوقها وترفض رفضاً قاطعاً أن ينوب عنها نفر قليل مهما يكن وضعهم. وأكدت الجبهة على نسف أية محاولة لاختراق الصف الشعبي العربي ووحدة الجماهير العربية وتصديها ورفضها ومقاومتها للتطبيع مع إسرائيل أو الاستسلام لها(210).‏

وجاء في بيان الاتحاد العام للفنانين العرب: "إن هدف هذا التحالف هو تفتيت الإجماع الوطني للمثقفين المصريين في مواجهة العدو الإسرائيلي الذي تكسرت على صخرته كل محاولات الاختراق في السنوات الماضية. إننا نحذر هؤلاء المتعاطفين مع إسرائيل من أن يزعموا أنهم يمثلون مجموعة أو طائفة. وفي الوقت نفسه يدهشنا أن تقوم دولة كالدنمارك ليست طرفاً في أية من مشاكل الشرق الأوسط باستضافة هذا المؤتمر.‏

إن الاتحاد العام للفنانين العرب الذي يضم الفنانين في جميع البلدان العربية يستنكر هذه المحاولات للإساءة إلى المثقفين العرب والمصريين يؤكد موقفه الدائم برفض المفاوضة والتطبيع مع العدو الإسرائيلي حتى تتحقق عودة الأرض العربية لأصحابها وعودة حقوق الشعب الفلسطيني إليه وفي مقدمتها القدس الشريف.(211).‏

وجاء في بيان اتحاد كتاب مصر مايلي:‏

"في الوقت الذي تتضافر فيه جهود الدول العربية المعنية بعملية السلام في اتخاذ موقف موحد بشأن الاستمرار في مسيرة السلام وفق قرارات الشرعية الدولية ومبدأ الأرض مقابل السلام، خرجت علينا مجموعة من الأفراد تضم كتاباً ورجال أعمال مصريين وأردنيين وفلسطينيين وإسرائيليين لا يمثلون لا شعوباً ولا نقابات ولا اتحادات ولا حتى جمعيات بزعم الدفاع عن السلام وتكوين تحالف تحت عنوان: "تحالف من أجل السلام"، إن هذا التحالف يضم أفراداً على علاقات وثيقة بإسرائيل ويؤكد أن الهدف الحقيقي من هذا التحالف هو إيجاد مفهوم للتسوية علىالطريقة الأميركية - الإسرائيلية".(212).‏

وجاء في بيان رابطة المثقفين المصريين:‏

"ساعة وعشرين دقيقة فقط يحتاجها (40) من دعاة الاستسلام لإصدار بيانهم ،تحالف من أجل السلام وهو في الحقيقة تحالف من أجل الشيطان. فبعد مرور (20) عاماً من عملية التطبيع بين الكيان الصهيوني وبين الحكومة المصرية مازالت كل القوى الشعبية في مصر ترفض التطبيع على جميع المستويات الحزبية أو النقابية والجماهيرية أيضاً. من هنا كانت دهشة المثقف العربي بل والمواطن العادي من خروج قلة لا تمثل إلا نفسها بلا صفة لتشارك في التوقيع على هذا البيان الذي دعا إليه وزير خارجية الدانمارك في محاولة مكشوفة لاختراق الموقف الرافض للمثقف المصري للتطبيع مع الكيان الصهيوني، إننا نعلن أن استمرار تلك المساعي الفردية لا تعبر إلاّ عن موقف ووجهة نظر أصحابها وبدون أية تشنجات أو أية رغبة في إهالة التراب على أحد تمثل طريقاً خطراً على عملية السلام الشامل والعادل ذاتها".(213).‏

وأكدت الأمانة العامة لحزب التجمع المصري رفضها للقاء كوبنهاجن، ونفت أية علاقة للحزب به، واعتبرته انزلاّقاً إلى التطبيع مع إسرائيل. وجاء في التصريح أن الأمانة العامة تؤكد للرأي العام المصري والعربي والعالمي مايلي:‏

" 1- رفض أي تطبيع للعلاقات مع إسرائيل. مالم يتم التوصل إلى تسوية شاملة وعادلة على كل جبهات الصراع في إطار الثوابت العربية وطبقاً لقرارات وآليات الشرعية الدولية.‏



2- إن التفاوض من أجل التسوية السياسية منوط بالحكومات العربية وحدها، فهي المسؤولة أمام شعوبها و مؤسساتها الدستورية والسياسية ولا مجال هنا للهواة أو المتطوعين أو المدعين وبناء على ماسبق فإن الأمانة المركزية لحزب التجمع ترفض لقاء كوبنهاجن وتنفي أية علاقة لحزب التجمع به، وتعتبره انزلاقاً إلى التطبيع مع إسرائيل في ظروف غيرمناسبة وتوقيت غير مفيد وعلى أسس خاطئة، وبآليات غير مقبولة".(214)‏

ودعت الحركة الشعبية لمقاومة الصهيونية ومقاطعة إسرائيل القوى الوطنية إلى شن حملة ثقافية مضادة لبيان كوبنهاجن لتعرية رموز التطبيع الثقافي. ووصفت تحالف كوبنهاجن بأنه تحالف مشبوه، هدفه تفتيت الإجماع الوطني للمثقفين المصريين في مواجهة العدو الصهيوني وهو يتجه من ناحية أخرى إلى خدمة مخططات العدو الصهيوني بنشر ثقافة التطبيع والترويج لمفاهيم انهزامية"(215).‏

ووصف الحزب الشيوعي المصري وثيقة كوبنهاجن بأنها تدشن مرحلة جديدة وخطيرة في محاولة التطبيع مع العدو على المستوى الشعبي". وأشار بيان السكرتارية المركزية للحزب إلى أن هذا التحرك يأتي في وقت بلغ فيه التعنت الإسرائيلي الصهيوني الذروة وتوالت فيه التنازلات الرسمية العربية. ودعا الحزب المثقفين المصريين بوجه خاص والعرب بوجه عام إلى إدانة هؤلاء الذين لا يعبرون إلاّ عن ذواتهم، وكشف أهدافهم وعزلهم. كما دعا إلى تشديد النضال بكل الوسائل ضد الاستسلام والتطبيع مع العدو ومن أجل الحصول على الحقوق العربية كاملة".(216).‏

ودعا نقيب المحررين في لبنان، نائب رئيس اتحاد الصحفيين العرب ملحم كرم إلى "ضرورة التصدي لتحركات مشبوهة يقوم بها مايسمى التحالف الشعبي العربي-الإسرائيلي (تحالف كوبنهاجن)، من أجل السلام، وأضاف: "إن اتحاد الصحفيين العرب يدعو إلى عدم التورط في محاولات التطبيع مع إسرائيل وعدم كسر مبادئ المقاطعة العربية حتى يتم السلام العادل والشامل"(217).‏

وقال د. اسحق الفرحان، الأمين العام لحزب جبهة العمل الإسلامي في الأردن: "إن التحالف الدولي من أجل سلام عربي- إسرائيلي... يأتي ضمن مسلسل التطبيع الذي يسعى إليه اليهود وتسانده الدول الغربية وتهرول في قنواته دول عربية. إننا إذ نستنكر ونرفض هذا التطبيع فإننا ندعو أبناء أمتنا إلى مقاومته ورفض كل أشكاله. وإن الذين حضروا المؤتمر من الأردن وفلسطين لا يمثلون نبض الأمة وضميرها، وحضورهم يمثلهم فقط. بل يدعو المراقبين إلى وضعهم في دائرة الشبهة".(218).‏

وعلق د. يعقوب زيادين، الأمين العام للحزب الشيوعي الأردني وقال إن جوهر "هذا الإعلان السييء موضوع من قبل صهاينة خبثاء طرقوا المشكلة بشكل لبق ليؤثروا على الأوروبيين الذين لا يعلمون بحقائق الأمور. وهذا لا يخدم أي قرار دولي بل يطلب من العرب أن يتنازلوا أكثر".(219).‏

واعتبر النائب في البرلمان الأردني د. نزيه عمارين إعلان كوبنهاجن إحدى الخطوات المرسومة لتسريع عملية التطبيع، ولو على حساب المصلحة العربية. وتساءل عن سلام بدون سورية وبدون انسحاب كامل من الجولان المحتل وقال: "لقد كان على الوفد الذي شارك أن يدرك أن خطر إسرائيل ليس فقط على فلسطين بل على الأردن والأمة العربية ولم يتوقف عند حدود، ولهذا لا يجوز أن نشارك ونلتقي إلاّ لإدانتهم"(220).‏

ووقع أكثر من (300) من المثقفين العرب بياناً اعتبر أن ماتم في كوبنهاجن هو خطوة في عملية متصلة ومتصاعدة تخطط بدأب ودهاء لكسر إجماع المثقفين العرب على رفض المشروع الصهيوني ورفض كل أشكال التطبيع مع الإسرائيليين... إن العرب الذين أسسوا هذا التحالف "انطلقوا من الشروط الإسرائيلية واتفاقات الصلح التي أبرمت بين الحكومات، واتخذوا موقفاً حيادياً وأحياناً مؤيداً للموقف الإسرائيلي من كل القضايا الجوهرية في الصراع العربي- الإسرائيلي. من هنا شكل البيان تنازلاً واضحاً عن الموقف الشعبي العربي الذي يزعمون تمثيله، بل قبل بصياغات أدنى حتى من قرارات الشرعية الدولية. ودان البيان كل نشاط يترتب على إعلان التحالف".(221).‏

وأجرى الإعلامي حمدي قنديل مواجهة مباشرة بين مؤيدي ومعارضي بيان كوبنهاجن في محطة تلفزيون وراديو العرب (أ.ر.ت) بين ثلاثة من المثقفين المصريين الذين اشتركوا في المفاوضات التي سبقت إعلان كوبنهاجن واشتركوا في التوقيع عليه وهم :لطفي الخولي وعبد المنعم سعيد ومحمد رضا محرم، وأربعة من المعارضين وهم: سعد الدين وهبة، وعبد العظيم أنيس وصلاح الدين حافظ ومحمد سيد أحمد، كما دعا سعيد كمال، الأمين العام المساعد للجامعة العربية. وقال المؤيدون: إن بيان كوبنهاجن يقدم مساهمة جديدة على طريق التسوية السلمية للصراع العربي- الإسرائيلي اجتذب قطاعات شعبية واسعة.‏



وقال المعارضون: إن البيان خدمة لإسرائيل باختراقه لجبهة المثقفين المعارضين لقضية التطبيع. وعرض سعد الدين وهبة وجهة نظره في الندوة وقال: "ماهو وزن وثيقة لبعض المثقفين أمام عشرات القرارات التي أصدرتها الأمم المتحدة بإدانة إسرائيل ولم تنفذ؟! ومن هو الذي يعطي المثقف الحق في أن يفاوض؟! وباسم من؟!‏

إن دور المثقف هو أن يعرف حدود مطالب أمته القومية ويدافع عنها بالقلم. والسؤال الذي يطرح نفسه على المثقف المصري والعربي محايد بالنسبة للقضية التي تناقشها وثيقة كوبنهاجن؟!‏

وهل المثقف المصري محايد بين إسرائيل وبين العرب والفلسطينيين؟! وهل معنى كلام د. عبد المنعم سعيد أن الوثيقة لم تتكلم عن سورية لعدم مشاركة السوريين في الاجتماع، أن نعاقب سورية؟! وهل الدفاع عن الحقوق السورية يتطلب مشاركة السوريين في هذا التحالف؟! ألا نعرف ماهي الحقوق السورية للدفاع عنها؟!‏

إن مسألة تحييد مصر بين العرب والإسرائيليين مطروحة منذ رفض جمال عبد الناصر الدخول في حلف بغداد حتى اليوم، وهي سياسة فشلت، وجاء مؤتمر القمة العربي الأخير في القاهرة ليؤكد أن الدول والشعوب العربية تعتبر مصر قوة مضافة لصالح العرب أمام إسرائيل. ووثيقة كوبنهاجن تقول عكس ذلك تماماً. بجعل مثقفين عرب مراقبين محايدين، يناشدون الأطراف المختلفة الصلح، ويساوون فيما بينها. ما أود أن أعرفه! إنشاء تحالف ضد من؟! ونحن كمثقفين مصريين وعرب نرفض ماجاء في هذه الوثيقة، فهل ياترى يكون هذا التحالف موجهاً ضد العناصر الوطنية في الوطن العربي التي تطالب باسترداد الحقوق العربية كاملة بما في ذلك الجلاء عن الجولان وجنوب لبنان وإعادة القدس العربية التي احتلت عام 1967.‏

إن وثيقة كوبنهاجن لا تلبي المطالب العربية الدنيا، ولكنها بوضوح تقدم وجهة نظر إسرائيل وحلفائها من الأمريكيين في حل مايسمى بالصراع العربي-الإسرائيلي وجوهر الصراع في المنطقة إن إسرائيل تحتل أرضاً عربية وإن العرب يريدون حقوقهم وإسرائيل ترفض ذلك ودعوة الطرفين الإسرائيلي والعربي لتقديم تنازلات هي دعوة لصالح إسرائيل، فليس لدى العرب شيء يستطيعون التنازل عنه. وهذه الوثيقة لا تقدم أية مصلحة للطرف العربي بشكل عام ولا لمصر بشكل خاص التي قدمت مائة ألف شهيد دفاعاً عن القضية الفلسطينية، والتي اعتبرتها طوال الصراع العربي الإسرائيلي قضية مصرية في المقام الأول(222).‏

وقال محمد سيد أحمد في الندوة: "إنني غير معترض على مبدأ الحوار مع المثقفين الإسرائيليين في ظروف معينة وينصبُّ اعتراضي على اجتماع كوبنهاجن ونهجه لاعتراضي على كلمة تحالف.. إن استخدام كلمة تحالف ماهو إلاّ عملية إعلامية مشوهة للحقائق الموجودة بالفعل على أرض الواقع. أما النقطة الأخرى فإنني أعترض أن يكون هذا هو دور المثقفين. فليس من دور المثقفين البحث عن اتفاقيات فهذا دور المفاوضين، ولذلك فأنا مع كلام سعد الدين وهبة من أن هناك خلطاً متعمداً في هذه الوثيقة بين وظيفتين متميزتين فلا ينبغي أن نوظف مثقفينا في سبيل أن نصدرهم لتغطية عمليات في جوهرها هي عمليات تفاوض ، وهي اختصاص أجهزة الدولة وليست اختصاص أفراد مستقلين.. وعندما يقال إن دورنا وهو دور المراقب فهذا عمل المفاوضين لا المثقفين(223).‏

وقال صلاح الدين حافظ في الندوة: مايلي:‏

"أنا سأنطلق من أنني أرفض البيان والتحالف جملة وتفصيلاً من حيث الشكل والمضمون. ولكي لا يقال نحن أعداء السلام الذي قام هذاالتحالف لمحاربته، لا أحد منا ضد السلام، وإنما أي سلام نختار تلك هي القضية المحورية. الملاحظة الأخرى أنني أعتقد أن التركيز على فكرة إدماج المثقفين في عملية التطبيع قضية قديمة وتأججت أخيراً، ويمكن أن يكون بيرس من أبرز المنادين بها وبهرت عدداً من المثقفين والمفكرين العرب في فترة من الفترات، لكن الأمور اختلفت الآن.‏

وباختصار فلدي أربعة أسباب لمعارضتي لبيان كوبنهاجن ولتحالفه. النقطة الأولى هي الحديث حول التحالف من حيث المبدأ والتوقيت. فمن الخطورة بمكان في اعتقادي، أن نتحول من الحوار مرة قفزاً إلى المجهول وهو التحالف مع إسرائيليين انتماءاتهم السياسية والأيديولوجية واضحة، من الليكود يميناً إلى حزب العمل وغير ذلك ممن يسمون الليبراليين وفي هذا التوقيت الذي يصر فيه نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل حتى الآن على التصلب والتعنت بشكل مطلق تجاه الدولة الفلسطينية وقضية الاستيطان ومسألة القدس وأسلحة الدمار الشامل، أي تجاه كل القضايا الخلافية الرئيسية.. النقطة الثانية تتعلق بالأسلوب الذي تم به إعداد الوثيقة وإعلانها في كوبنهاجن وأعتقد أن إعداد وثيقة عمل أوتفاهم لإقامة تحالف بين أطراف معينة كالمثقفين فقد كان يفترض من هؤلاء المثقفين أن يجاهروا برأيهم إنما هناك ظروف غامضة وسرية تم بها إعداد الوثيقة ولأول مرة أسمع اليوم من عرض الأستاذ لطفي الخولي أن القضية يعد لها منذ فترة طويلة. وتثير هذه السرية الشك والريبة حتى لو كان الهدف صحيحاً فما بالك والهدف ملتبس وغامض بالنسبة لنا ثم إنه إذا كان التحالف صريحاً ويتسم بالشفافية والصراحة فلماذا يتم في كوبنهاجن ولا يطرح على الرأي العام ويدعى المثقفون لمناقشته؟!‏

أما النقطة الثالثة فهي تبرز إلى ذهني رداً على ماقاله د. عبد المنعم سعيد، وأتساءل ماذا يمكن أن يفعله هذا التحالف؟! وإلى أي مدى يمكن أن يؤثر على السياسات العنصرية المتطرفة في إسرائيل؟! هل يستطيع أن يغير موقف إسرائيل من القضايا الجوهرية في القدس والاستيطان؟.... وأعتقد أن هذا التحالف سوف يثير معركة شرسة، وخصوصاً بين المثقفين العرب ما أغنانا عنها. النقطة الرابعة والأخيرة، وتتعلق بدور المثقفين في القضايا القومية الأساسية، ود. عبدالمنعم سعيد يقول وهل أنتم جيوش القومية العربية، وأنا أتساءل وهل دور المثقفين أن يجروا الأمة إلى مزالق؟! أم أن دورهم هو تنبيه الأمة إلى خطورة هذه المزالق وحقيقتها؟!... ولقد كان من القضايا المحورية في عقل شمعون بيرس على مدى سنوات طويلة، قضية كيف يمكن أن ينجح التطبيع مع مصر وهي الدولة الأولى التي وقعت أول اتفاق سلام 1979، ومنذ ذلك التاريخ والتطبيع الشعبي لم ينجح في مصر. وأعتقد أن بيرس كان أول من طرح فكرة الاختراق والتطبيع مع المثقفين المصريين وصولاً إلى المثقفين العرب".‏

وقال د. عبد العظيم أنيس: " الوثيقة التي سأناقش بنودها، لا أهمية لها في الحقيقة، لافتقارها لأي ضمان لتنفيذها، فهي ليست أشطر من قرارات الأمم المتحدة المعطلة حتى الآن عن التنفيذ. لكن القضية الأساسية التي استفاد منها الإسرائيليون، أنهم وجدوا أن المثقفين المصريين وقفوا منذ معاهدة السلام عقبة أمام التطبيع، وبالتالي مطلوب البحث عن طريقة لاختراق هذه الجهة الصلبة من المثقفين التي قاومت التطبيع، وفي رأيي إن اجتماع كوبنهاجن كان أحد أساليب هذا الاختراق المطلوب وفقاً لإلحاح الإسرائيليين والغربيين، أن تكون مثل هذه الاجتماعات جسراً يعبر منه الإسرائيليون إلى المثقفين العرب عموماً والمصريين على وجه الخصوص. وتأتي الوثيقة لتقول "نحن الشعوب"، ثم وصف الاجتماع بأنه اجتماع شعبي ودولي، بينما هم لا يمثلون لا الشعوب ولا المثقفين المصريين من قريب أو بعيد... والدليل على التزييف أن يوصف الوفد الأردني بأنه شعبي، مع إنه وفد حكومي يضم رئيس الديوان الملكي، مروراً بقائد سلاح الجو الأردني السابق، انتهاءً بوزراء سابقين، وهذا لا يمثل الشعب الأردني... وإن محاولة تصوير أن الشعب الفلسطيني كله كان ممثلاً هي محاولة غير صحيحة على الإطلاق... والكلام حول أعداء السلام في هذا البيان لا يقصد به سوى المثقفين المصريين الذين عارضوا هذه الاتجاهات ليصبح المشاركون في كوبنهاجن هم أنصاره، فأعداء السلام هم: سعد الدين وهبة وصلاح الدين حافظ وعبد العظيم أنيس ومحمد سيد أحمد، وكثيرون غيرهم. خلاصة الأمر أن الوفد المصري لا هو شعبي ولا يمثل المثقفين المصريين. والكلام الوارد في البيان مؤكد إنه لن ينفذ لأنه لا آلية ولا ضماناً لتنفيذه، ولم يكسب منه سوى الإسرائيليين(224).‏

هذه أبرز الردود العربية على إعلان كوبنهاجن والآليات التي انبثقت عنه التي أطلعت عليها. ولكن حزّ في نفسي مشاركة الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين والقيادي البارز رياض المالكي من الجبهة الشعبية سابقاً بشكل رسمي في لقاء كوبنهاجن حيث أكد محمد جاد الله ، عضو اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بأنه حضر مؤتمر كوبنهاجن بصفته الرسمية، ودافع عن حضوره.‏

ومن المؤلم حقاً أن يشن الشاعر سميح القاسم حملة شعواء على رافضي التطبيع وقال في مجلة المصور مفتخراً : "أنا نفسي حاورت مائير كاهانا (أقذر عنصري في إسرائيل)، وقلت للمثقفين العرب من إذاعة إسرائيل خلوا لكم النقاء الثوري في الكافتيريا وسيبوا لنا وسخ الحوار. نحن نحتمل وسخه إذا كان به وسخ. نحن عندنا هواية قومية أن نتوهم فزاعة ثم نخاف منها والتطبيع فزاعة، وأرى كل حكاية التطبيع والخوف منها كلاماً فارغاً.(225)‏

لقد أصبحت جماعة عرفات وأبو مازن من أكبر الجماعات المتصهينة في الوطن العربي وخدمة إسرائيل في اختراق النسيج الاقتصادي والثقافي للأمة العربية.‏

بهذا المنطق: يهاجم سميح القاسم المثقف العربي الذي يؤمن بأن وطن سميح القاسم "فلسطين عربية"، ويتمسك بالحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني، والحقوق القومية والدينية للعرب والمسلمين والمسيحيين في فلسطين والقدس العربية، وبطبيعة الحال فإن سميح القاسم مسرور بتحالف كوبنهاجن، حيث وصفت صحيفة معاريف الإسرائيلية تحالف كوبنهاجن بأنه يشبه حركة السلام الآن الإسرائيلية.‏

وأضافت معاريف أنه تم تشكيل لجنة رباعية لتوجيه التحالف من ديفيد كمحي ولطفي الخولي وعدنان أبو عودة وسري نسيبة، وسوف تقدم حكومة الدانمارك الرعاية والتمويل"(226).‏

إن تحليل طبيعة الحفنة العربية المشاركة في إعلان كوبنهاجن تظهر بجلاء أنهم لا يمثلون ضمير الشعب والأمة ولا يتمسكون بالحقوق والثوابت العربية. بخلاف الجانب الإسرائيلي الذي هو أقرب إلى جانب المفاوض الإسرائيلي الرسمي الملتزم بأجماع تجمع العمل وتكتل الليكود وبالخطوط الحمر التي وضعتها حكومة نتنياهو.‏

وينفذ الفلسطينيون توجيهات ياسر عرفات، رئيس سلطة الحكم الذاتي المحدود. ويمثل الأردنيون الموقف الرسمي للحكومة الأردنية وهم مع الفلسطينيين يعرضون تصورات عرفات والحكومة الأردنية دون أن يعلن الطرفان ذلك لكي يتحملوا هم وحدهم عواقب الفشل كما لا يستطيعان الزعم بأنهما يمثلان أحداً حتى أن سلطة الحكم الذاتي والسلطات الأردنية لم تعلنا الدعم العلني لهما.‏

لقد أثبتت اتفاقات الإذعان في أوسلو ووادي عربة والخليل أن صراع الأمة العربية ودولة اليهود، الدخيلة على المنطقة والغريبة عنها والمغتصبة للأرض والحقوق والثروات العربية لا يمكن أن يتوقف بل سيتخذ أشكالاً وأساليب جديدة، فالصراع صراع وجود، والتطورات السياسية تكشف يوماً بعد يوم مدى عمق الأزمة، والمأساة والكارثة التي حلت بالأمة جراء اتفاق الإذعان في أوسلو وماتبعه من اتفاقات. لذلك علينا أن نتمسك بمقاومة الاحتلال أكثر من أي وقت مضى ووقف كل العلاقات والتطبيع معه الذي أقدمت عليه بعض الجهات العربية والإسلامية لتحرير الأرض واستعادة الحقوق والقضاء على الطابع العنصري والكولونيالي والإرهابي للصهيونية كأيديولوجية وحركة وكيان.‏




التوقيع

إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بدّ أن يستجيب القــــدر
و لا بــــدّ لليــل أن ينجلــي
و لا بـــدّ للقيــد أن ينكسـر
رد مع اقتباس
قديم 04-20-2010, 06:05 PM   رقم المشاركة : 30
الهادي الزغيدي
عضو





الهادي الزغيدي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: - القمم والمؤتمرات الاقتصادية والأمنية من التطبيع إلى الهيمنة -

ردود الفعل على إعلان كوبنهاجن

أظهرت ردود الفعل على إعلان كوبنهاجن أن المفكرين والمثقفين العرب يرفضون التطبيع مع العدو الإسرائيلي الذي تحاول الولايات المتحدة والدول الأوروبية فرضه على الأمة العربية بعد أن نجحوا في فرضه على العديد من الدول العربية.‏

لقد أثار إعلان كوبنهاجن بإقامة التحالف الدولي من أجل السلام العربي- الإسرائيلي ردود فعل عنيفة في الأوساط السياسية والفكرية والثقافية العربية وبشكل خاص في جمهورية مصر العربية.‏

وجاء ظهور التحالف المشبوه والخطير بعد أن طلب اليهودي هربرت بونديك ومن خلفه اللوبي اليهودي في الدانمارك والموساد أن تقوم الدانمارك باحتضان التحالف، وذلك أسوة بما قام به عملاء الموساد في النرويج في إغراء وترويض أبو العلاء لتوقيع اتفاق الإذعان في أوسلو.‏

واستغل الموساد أموال الدانمارك لإغراء هذه الحفنة من المثقفين الانتهازيين بتحقيق الهدف الإسرائيلي بإخراج التحالف إلى حيز الوجود وخلق آليات جديدة للوصول إلى التطبيع الشعبي مع العدو الإسرائيلي.‏

ورضخت هذه الحفنة من المثقفين ورجال الأعمال العرب للقبول بالأمر الواقع الذي فرضته إسرئيل في المنطقة العربية بالقوة والغطرسة والاستعلاء وأساليب الإبادة الجماعية وتدمير المنجزات العربية وقبلوا القيام بدور معقد وشائك ومشبوه لتحقيق ماعجزت بعض الحكومات العربية والولايات المتحدة الأميركية عن تحقيقه وهو الهرولة الشعبية لتطبيع العلاقات مع إسرائيل عدوة الوطن والمواطن والعروبة والإسلام.‏

قبلت هذه الحفنة من العرب بالهزيمة وتريد بمساعدة الدول الأوروبية وأموالها وإغراءاتها حمل الأمة العربية بأسرها على اللحاق بالطابور الرسمي للاستسلام والإذعان والتطبيع.‏

فكيف يتحالف شعب احتلت أرضه واغتصبت حقوقه وهدرت كرامته مع عدوه التاريخي؟ ومن هنا جاءت ردود الفعل في الأوساط الثقافية العربية عنيفة وقوية على إقامة هذا التحالف.‏

فاستنكر اتحاد المحامين العرب إعلان كوبنهاجن، ووصفه الأمين العام للاتحاد بأنه اختراق لحالة المقاطعة العربية والغضب الشعبي المتنامي ضد إسرائيل وسياستها العدوانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة وفي الجولان وجنوب لبنان(208).‏

وحذر اتحاد الصحفيين العرب في القاهرة جميع الصحفيين من التورط في محاولات التطبيع مع إسرائيل حتى يتم السلام العادل والشامل في الشرق الأوسط. وطالب الأمين العام للاتحاد صلاح الدين حافظ بـ محاسبة أي صحافي عربي يخرج على هذا الالتزام المهني والقومي. ودعا إلى مقاومة مايسمى التحالف العربي- الإسرائيلي باعتباره إحدى محاولات التطبيع مع إسرائيل، واعتبر بيان اتحاد الصحفيين العرب أن الذين شاركوا في التحالف من المثقفين والصحفيين العرب لا يملكون إلاّ أنفسهم وأن ذلك يواجه استنكار كل القوى النقابية والديمقراطية والشعبية في الوطن العربي. وأكد أن الاتحاد باعتباره منظمة نقابية قومية يقف بكل القوة ضد محاولات تفتيت الجبهة الشعبية العربية المقاومة للتعنت الإسرائيلي، سواء بالهرولة أو الاختراق بالتطبيع(209).‏

وأصدرت اللجنة التحضيرية للجبهة القومية للاتحادات المهنية والنقابية العربية بياناً نددت فيه بهذا التحالف، وأشارت إلى أن الجماهير العربية صاحبة الكلمة العليا في الحرب والسلم والدفاع عن أرضها ومكانتها وحقوقها وترفض رفضاً قاطعاً أن ينوب عنها نفر قليل مهما يكن وضعهم. وأكدت الجبهة على نسف أية محاولة لاختراق الصف الشعبي العربي ووحدة الجماهير العربية وتصديها ورفضها ومقاومتها للتطبيع مع إسرائيل أو الاستسلام لها(210).‏

وجاء في بيان الاتحاد العام للفنانين العرب: "إن هدف هذا التحالف هو تفتيت الإجماع الوطني للمثقفين المصريين في مواجهة العدو الإسرائيلي الذي تكسرت على صخرته كل محاولات الاختراق في السنوات الماضية. إننا نحذر هؤلاء المتعاطفين مع إسرائيل من أن يزعموا أنهم يمثلون مجموعة أو طائفة. وفي الوقت نفسه يدهشنا أن تقوم دولة كالدنمارك ليست طرفاً في أية من مشاكل الشرق الأوسط باستضافة هذا المؤتمر.‏

إن الاتحاد العام للفنانين العرب الذي يضم الفنانين في جميع البلدان العربية يستنكر هذه المحاولات للإساءة إلى المثقفين العرب والمصريين يؤكد موقفه الدائم برفض المفاوضة والتطبيع مع العدو الإسرائيلي حتى تتحقق عودة الأرض العربية لأصحابها وعودة حقوق الشعب الفلسطيني إليه وفي مقدمتها القدس الشريف.(211).‏

وجاء في بيان اتحاد كتاب مصر مايلي:‏

"في الوقت الذي تتضافر فيه جهود الدول العربية المعنية بعملية السلام في اتخاذ موقف موحد بشأن الاستمرار في مسيرة السلام وفق قرارات الشرعية الدولية ومبدأ الأرض مقابل السلام، خرجت علينا مجموعة من الأفراد تضم كتاباً ورجال أعمال مصريين وأردنيين وفلسطينيين وإسرائيليين لا يمثلون لا شعوباً ولا نقابات ولا اتحادات ولا حتى جمعيات بزعم الدفاع عن السلام وتكوين تحالف تحت عنوان: "تحالف من أجل السلام"، إن هذا التحالف يضم أفراداً على علاقات وثيقة بإسرائيل ويؤكد أن الهدف الحقيقي من هذا التحالف هو إيجاد مفهوم للتسوية علىالطريقة الأميركية - الإسرائيلية".(212).‏

وجاء في بيان رابطة المثقفين المصريين:‏

"ساعة وعشرين دقيقة فقط يحتاجها (40) من دعاة الاستسلام لإصدار بيانهم ،تحالف من أجل السلام وهو في الحقيقة تحالف من أجل الشيطان. فبعد مرور (20) عاماً من عملية التطبيع بين الكيان الصهيوني وبين الحكومة المصرية مازالت كل القوى الشعبية في مصر ترفض التطبيع على جميع المستويات الحزبية أو النقابية والجماهيرية أيضاً. من هنا كانت دهشة المثقف العربي بل والمواطن العادي من خروج قلة لا تمثل إلا نفسها بلا صفة لتشارك في التوقيع على هذا البيان الذي دعا إليه وزير خارجية الدانمارك في محاولة مكشوفة لاختراق الموقف الرافض للمثقف المصري للتطبيع مع الكيان الصهيوني، إننا نعلن أن استمرار تلك المساعي الفردية لا تعبر إلاّ عن موقف ووجهة نظر أصحابها وبدون أية تشنجات أو أية رغبة في إهالة التراب على أحد تمثل طريقاً خطراً على عملية السلام الشامل والعادل ذاتها".(213).‏

وأكدت الأمانة العامة لحزب التجمع المصري رفضها للقاء كوبنهاجن، ونفت أية علاقة للحزب به، واعتبرته انزلاّقاً إلى التطبيع مع إسرائيل. وجاء في التصريح أن الأمانة العامة تؤكد للرأي العام المصري والعربي والعالمي مايلي:‏

" 1- رفض أي تطبيع للعلاقات مع إسرائيل. مالم يتم التوصل إلى تسوية شاملة وعادلة على كل جبهات الصراع في إطار الثوابت العربية وطبقاً لقرارات وآليات الشرعية الدولية.‏



2- إن التفاوض من أجل التسوية السياسية منوط بالحكومات العربية وحدها، فهي المسؤولة أمام شعوبها و مؤسساتها الدستورية والسياسية ولا مجال هنا للهواة أو المتطوعين أو المدعين وبناء على ماسبق فإن الأمانة المركزية لحزب التجمع ترفض لقاء كوبنهاجن وتنفي أية علاقة لحزب التجمع به، وتعتبره انزلاقاً إلى التطبيع مع إسرائيل في ظروف غيرمناسبة وتوقيت غير مفيد وعلى أسس خاطئة، وبآليات غير مقبولة".(214)‏

ودعت الحركة الشعبية لمقاومة الصهيونية ومقاطعة إسرائيل القوى الوطنية إلى شن حملة ثقافية مضادة لبيان كوبنهاجن لتعرية رموز التطبيع الثقافي. ووصفت تحالف كوبنهاجن بأنه تحالف مشبوه، هدفه تفتيت الإجماع الوطني للمثقفين المصريين في مواجهة العدو الصهيوني وهو يتجه من ناحية أخرى إلى خدمة مخططات العدو الصهيوني بنشر ثقافة التطبيع والترويج لمفاهيم انهزامية"(215).‏

ووصف الحزب الشيوعي المصري وثيقة كوبنهاجن بأنها تدشن مرحلة جديدة وخطيرة في محاولة التطبيع مع العدو على المستوى الشعبي". وأشار بيان السكرتارية المركزية للحزب إلى أن هذا التحرك يأتي في وقت بلغ فيه التعنت الإسرائيلي الصهيوني الذروة وتوالت فيه التنازلات الرسمية العربية. ودعا الحزب المثقفين المصريين بوجه خاص والعرب بوجه عام إلى إدانة هؤلاء الذين لا يعبرون إلاّ عن ذواتهم، وكشف أهدافهم وعزلهم. كما دعا إلى تشديد النضال بكل الوسائل ضد الاستسلام والتطبيع مع العدو ومن أجل الحصول على الحقوق العربية كاملة".(216).‏

ودعا نقيب المحررين في لبنان، نائب رئيس اتحاد الصحفيين العرب ملحم كرم إلى "ضرورة التصدي لتحركات مشبوهة يقوم بها مايسمى التحالف الشعبي العربي-الإسرائيلي (تحالف كوبنهاجن)، من أجل السلام، وأضاف: "إن اتحاد الصحفيين العرب يدعو إلى عدم التورط في محاولات التطبيع مع إسرائيل وعدم كسر مبادئ المقاطعة العربية حتى يتم السلام العادل والشامل"(217).‏

وقال د. اسحق الفرحان، الأمين العام لحزب جبهة العمل الإسلامي في الأردن: "إن التحالف الدولي من أجل سلام عربي- إسرائيلي... يأتي ضمن مسلسل التطبيع الذي يسعى إليه اليهود وتسانده الدول الغربية وتهرول في قنواته دول عربية. إننا إذ نستنكر ونرفض هذا التطبيع فإننا ندعو أبناء أمتنا إلى مقاومته ورفض كل أشكاله. وإن الذين حضروا المؤتمر من الأردن وفلسطين لا يمثلون نبض الأمة وضميرها، وحضورهم يمثلهم فقط. بل يدعو المراقبين إلى وضعهم في دائرة الشبهة".(218).‏

وعلق د. يعقوب زيادين، الأمين العام للحزب الشيوعي الأردني وقال إن جوهر "هذا الإعلان السييء موضوع من قبل صهاينة خبثاء طرقوا المشكلة بشكل لبق ليؤثروا على الأوروبيين الذين لا يعلمون بحقائق الأمور. وهذا لا يخدم أي قرار دولي بل يطلب من العرب أن يتنازلوا أكثر".(219).‏

واعتبر النائب في البرلمان الأردني د. نزيه عمارين إعلان كوبنهاجن إحدى الخطوات المرسومة لتسريع عملية التطبيع، ولو على حساب المصلحة العربية. وتساءل عن سلام بدون سورية وبدون انسحاب كامل من الجولان المحتل وقال: "لقد كان على الوفد الذي شارك أن يدرك أن خطر إسرائيل ليس فقط على فلسطين بل على الأردن والأمة العربية ولم يتوقف عند حدود، ولهذا لا يجوز أن نشارك ونلتقي إلاّ لإدانتهم"(220).‏

ووقع أكثر من (300) من المثقفين العرب بياناً اعتبر أن ماتم في كوبنهاجن هو خطوة في عملية متصلة ومتصاعدة تخطط بدأب ودهاء لكسر إجماع المثقفين العرب على رفض المشروع الصهيوني ورفض كل أشكال التطبيع مع الإسرائيليين... إن العرب الذين أسسوا هذا التحالف "انطلقوا من الشروط الإسرائيلية واتفاقات الصلح التي أبرمت بين الحكومات، واتخذوا موقفاً حيادياً وأحياناً مؤيداً للموقف الإسرائيلي من كل القضايا الجوهرية في الصراع العربي- الإسرائيلي. من هنا شكل البيان تنازلاً واضحاً عن الموقف الشعبي العربي الذي يزعمون تمثيله، بل قبل بصياغات أدنى حتى من قرارات الشرعية الدولية. ودان البيان كل نشاط يترتب على إعلان التحالف".(221).‏

وأجرى الإعلامي حمدي قنديل مواجهة مباشرة بين مؤيدي ومعارضي بيان كوبنهاجن في محطة تلفزيون وراديو العرب (أ.ر.ت) بين ثلاثة من المثقفين المصريين الذين اشتركوا في المفاوضات التي سبقت إعلان كوبنهاجن واشتركوا في التوقيع عليه وهم :لطفي الخولي وعبد المنعم سعيد ومحمد رضا محرم، وأربعة من المعارضين وهم: سعد الدين وهبة، وعبد العظيم أنيس وصلاح الدين حافظ ومحمد سيد أحمد، كما دعا سعيد كمال، الأمين العام المساعد للجامعة العربية. وقال المؤيدون: إن بيان كوبنهاجن يقدم مساهمة جديدة على طريق التسوية السلمية للصراع العربي- الإسرائيلي اجتذب قطاعات شعبية واسعة.‏



وقال المعارضون: إن البيان خدمة لإسرائيل باختراقه لجبهة المثقفين المعارضين لقضية التطبيع. وعرض سعد الدين وهبة وجهة نظره في الندوة وقال: "ماهو وزن وثيقة لبعض المثقفين أمام عشرات القرارات التي أصدرتها الأمم المتحدة بإدانة إسرائيل ولم تنفذ؟! ومن هو الذي يعطي المثقف الحق في أن يفاوض؟! وباسم من؟!‏

إن دور المثقف هو أن يعرف حدود مطالب أمته القومية ويدافع عنها بالقلم. والسؤال الذي يطرح نفسه على المثقف المصري والعربي محايد بالنسبة للقضية التي تناقشها وثيقة كوبنهاجن؟!‏

وهل المثقف المصري محايد بين إسرائيل وبين العرب والفلسطينيين؟! وهل معنى كلام د. عبد المنعم سعيد أن الوثيقة لم تتكلم عن سورية لعدم مشاركة السوريين في الاجتماع، أن نعاقب سورية؟! وهل الدفاع عن الحقوق السورية يتطلب مشاركة السوريين في هذا التحالف؟! ألا نعرف ماهي الحقوق السورية للدفاع عنها؟!‏

إن مسألة تحييد مصر بين العرب والإسرائيليين مطروحة منذ رفض جمال عبد الناصر الدخول في حلف بغداد حتى اليوم، وهي سياسة فشلت، وجاء مؤتمر القمة العربي الأخير في القاهرة ليؤكد أن الدول والشعوب العربية تعتبر مصر قوة مضافة لصالح العرب أمام إسرائيل. ووثيقة كوبنهاجن تقول عكس ذلك تماماً. بجعل مثقفين عرب مراقبين محايدين، يناشدون الأطراف المختلفة الصلح، ويساوون فيما بينها. ما أود أن أعرفه! إنشاء تحالف ضد من؟! ونحن كمثقفين مصريين وعرب نرفض ماجاء في هذه الوثيقة، فهل ياترى يكون هذا التحالف موجهاً ضد العناصر الوطنية في الوطن العربي التي تطالب باسترداد الحقوق العربية كاملة بما في ذلك الجلاء عن الجولان وجنوب لبنان وإعادة القدس العربية التي احتلت عام 1967.‏

إن وثيقة كوبنهاجن لا تلبي المطالب العربية الدنيا، ولكنها بوضوح تقدم وجهة نظر إسرائيل وحلفائها من الأمريكيين في حل مايسمى بالصراع العربي-الإسرائيلي وجوهر الصراع في المنطقة إن إسرائيل تحتل أرضاً عربية وإن العرب يريدون حقوقهم وإسرائيل ترفض ذلك ودعوة الطرفين الإسرائيلي والعربي لتقديم تنازلات هي دعوة لصالح إسرائيل، فليس لدى العرب شيء يستطيعون التنازل عنه. وهذه الوثيقة لا تقدم أية مصلحة للطرف العربي بشكل عام ولا لمصر بشكل خاص التي قدمت مائة ألف شهيد دفاعاً عن القضية الفلسطينية، والتي اعتبرتها طوال الصراع العربي الإسرائيلي قضية مصرية في المقام الأول(222).‏

وقال محمد سيد أحمد في الندوة: "إنني غير معترض على مبدأ الحوار مع المثقفين الإسرائيليين في ظروف معينة وينصبُّ اعتراضي على اجتماع كوبنهاجن ونهجه لاعتراضي على كلمة تحالف.. إن استخدام كلمة تحالف ماهو إلاّ عملية إعلامية مشوهة للحقائق الموجودة بالفعل على أرض الواقع. أما النقطة الأخرى فإنني أعترض أن يكون هذا هو دور المثقفين. فليس من دور المثقفين البحث عن اتفاقيات فهذا دور المفاوضين، ولذلك فأنا مع كلام سعد الدين وهبة من أن هناك خلطاً متعمداً في هذه الوثيقة بين وظيفتين متميزتين فلا ينبغي أن نوظف مثقفينا في سبيل أن نصدرهم لتغطية عمليات في جوهرها هي عمليات تفاوض ، وهي اختصاص أجهزة الدولة وليست اختصاص أفراد مستقلين.. وعندما يقال إن دورنا وهو دور المراقب فهذا عمل المفاوضين لا المثقفين(223).‏

وقال صلاح الدين حافظ في الندوة: مايلي:‏

"أنا سأنطلق من أنني أرفض البيان والتحالف جملة وتفصيلاً من حيث الشكل والمضمون. ولكي لا يقال نحن أعداء السلام الذي قام هذاالتحالف لمحاربته، لا أحد منا ضد السلام، وإنما أي سلام نختار تلك هي القضية المحورية. الملاحظة الأخرى أنني أعتقد أن التركيز على فكرة إدماج المثقفين في عملية التطبيع قضية قديمة وتأججت أخيراً، ويمكن أن يكون بيرس من أبرز المنادين بها وبهرت عدداً من المثقفين والمفكرين العرب في فترة من الفترات، لكن الأمور اختلفت الآن.‏

وباختصار فلدي أربعة أسباب لمعارضتي لبيان كوبنهاجن ولتحالفه. النقطة الأولى هي الحديث حول التحالف من حيث المبدأ والتوقيت. فمن الخطورة بمكان في اعتقادي، أن نتحول من الحوار مرة قفزاً إلى المجهول وهو التحالف مع إسرائيليين انتماءاتهم السياسية والأيديولوجية واضحة، من الليكود يميناً إلى حزب العمل وغير ذلك ممن يسمون الليبراليين وفي هذا التوقيت الذي يصر فيه نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل حتى الآن على التصلب والتعنت بشكل مطلق تجاه الدولة الفلسطينية وقضية الاستيطان ومسألة القدس وأسلحة الدمار الشامل، أي تجاه كل القضايا الخلافية الرئيسية.. النقطة الثانية تتعلق بالأسلوب الذي تم به إعداد الوثيقة وإعلانها في كوبنهاجن وأعتقد أن إعداد وثيقة عمل أوتفاهم لإقامة تحالف بين أطراف معينة كالمثقفين فقد كان يفترض من هؤلاء المثقفين أن يجاهروا برأيهم إنما هناك ظروف غامضة وسرية تم بها إعداد الوثيقة ولأول مرة أسمع اليوم من عرض الأستاذ لطفي الخولي أن القضية يعد لها منذ فترة طويلة. وتثير هذه السرية الشك والريبة حتى لو كان الهدف صحيحاً فما بالك والهدف ملتبس وغامض بالنسبة لنا ثم إنه إذا كان التحالف صريحاً ويتسم بالشفافية والصراحة فلماذا يتم في كوبنهاجن ولا يطرح على الرأي العام ويدعى المثقفون لمناقشته؟!‏

أما النقطة الثالثة فهي تبرز إلى ذهني رداً على ماقاله د. عبد المنعم سعيد، وأتساءل ماذا يمكن أن يفعله هذا التحالف؟! وإلى أي مدى يمكن أن يؤثر على السياسات العنصرية المتطرفة في إسرائيل؟! هل يستطيع أن يغير موقف إسرائيل من القضايا الجوهرية في القدس والاستيطان؟.... وأعتقد أن هذا التحالف سوف يثير معركة شرسة، وخصوصاً بين المثقفين العرب ما أغنانا عنها. النقطة الرابعة والأخيرة، وتتعلق بدور المثقفين في القضايا القومية الأساسية، ود. عبدالمنعم سعيد يقول وهل أنتم جيوش القومية العربية، وأنا أتساءل وهل دور المثقفين أن يجروا الأمة إلى مزالق؟! أم أن دورهم هو تنبيه الأمة إلى خطورة هذه المزالق وحقيقتها؟!... ولقد كان من القضايا المحورية في عقل شمعون بيرس على مدى سنوات طويلة، قضية كيف يمكن أن ينجح التطبيع مع مصر وهي الدولة الأولى التي وقعت أول اتفاق سلام 1979، ومنذ ذلك التاريخ والتطبيع الشعبي لم ينجح في مصر. وأعتقد أن بيرس كان أول من طرح فكرة الاختراق والتطبيع مع المثقفين المصريين وصولاً إلى المثقفين العرب".‏

وقال د. عبد العظيم أنيس: " الوثيقة التي سأناقش بنودها، لا أهمية لها في الحقيقة، لافتقارها لأي ضمان لتنفيذها، فهي ليست أشطر من قرارات الأمم المتحدة المعطلة حتى الآن عن التنفيذ. لكن القضية الأساسية التي استفاد منها الإسرائيليون، أنهم وجدوا أن المثقفين المصريين وقفوا منذ معاهدة السلام عقبة أمام التطبيع، وبالتالي مطلوب البحث عن طريقة لاختراق هذه الجهة الصلبة من المثقفين التي قاومت التطبيع، وفي رأيي إن اجتماع كوبنهاجن كان أحد أساليب هذا الاختراق المطلوب وفقاً لإلحاح الإسرائيليين والغربيين، أن تكون مثل هذه الاجتماعات جسراً يعبر منه الإسرائيليون إلى المثقفين العرب عموماً والمصريين على وجه الخصوص. وتأتي الوثيقة لتقول "نحن الشعوب"، ثم وصف الاجتماع بأنه اجتماع شعبي ودولي، بينما هم لا يمثلون لا الشعوب ولا المثقفين المصريين من قريب أو بعيد... والدليل على التزييف أن يوصف الوفد الأردني بأنه شعبي، مع إنه وفد حكومي يضم رئيس الديوان الملكي، مروراً بقائد سلاح الجو الأردني السابق، انتهاءً بوزراء سابقين، وهذا لا يمثل الشعب الأردني... وإن محاولة تصوير أن الشعب الفلسطيني كله كان ممثلاً هي محاولة غير صحيحة على الإطلاق... والكلام حول أعداء السلام في هذا البيان لا يقصد به سوى المثقفين المصريين الذين عارضوا هذه الاتجاهات ليصبح المشاركون في كوبنهاجن هم أنصاره، فأعداء السلام هم: سعد الدين وهبة وصلاح الدين حافظ وعبد العظيم أنيس ومحمد سيد أحمد، وكثيرون غيرهم. خلاصة الأمر أن الوفد المصري لا هو شعبي ولا يمثل المثقفين المصريين. والكلام الوارد في البيان مؤكد إنه لن ينفذ لأنه لا آلية ولا ضماناً لتنفيذه، ولم يكسب منه سوى الإسرائيليين(224).‏

هذه أبرز الردود العربية على إعلان كوبنهاجن والآليات التي انبثقت عنه التي أطلعت عليها. ولكن حزّ في نفسي مشاركة الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين والقيادي البارز رياض المالكي من الجبهة الشعبية سابقاً بشكل رسمي في لقاء كوبنهاجن حيث أكد محمد جاد الله ، عضو اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بأنه حضر مؤتمر كوبنهاجن بصفته الرسمية، ودافع عن حضوره.‏

ومن المؤلم حقاً أن يشن الشاعر سميح القاسم حملة شعواء على رافضي التطبيع وقال في مجلة المصور مفتخراً : "أنا نفسي حاورت مائير كاهانا (أقذر عنصري في إسرائيل)، وقلت للمثقفين العرب من إذاعة إسرائيل خلوا لكم النقاء الثوري في الكافتيريا وسيبوا لنا وسخ الحوار. نحن نحتمل وسخه إذا كان به وسخ. نحن عندنا هواية قومية أن نتوهم فزاعة ثم نخاف منها والتطبيع فزاعة، وأرى كل حكاية التطبيع والخوف منها كلاماً فارغاً.(225)‏

لقد أصبحت جماعة عرفات وأبو مازن من أكبر الجماعات المتصهينة في الوطن العربي وخدمة إسرائيل في اختراق النسيج الاقتصادي والثقافي للأمة العربية.‏

بهذا المنطق: يهاجم سميح القاسم المثقف العربي الذي يؤمن بأن وطن سميح القاسم "فلسطين عربية"، ويتمسك بالحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني، والحقوق القومية والدينية للعرب والمسلمين والمسيحيين في فلسطين والقدس العربية، وبطبيعة الحال فإن سميح القاسم مسرور بتحالف كوبنهاجن، حيث وصفت صحيفة معاريف الإسرائيلية تحالف كوبنهاجن بأنه يشبه حركة السلام الآن الإسرائيلية.‏

وأضافت معاريف أنه تم تشكيل لجنة رباعية لتوجيه التحالف من ديفيد كمحي ولطفي الخولي وعدنان أبو عودة وسري نسيبة، وسوف تقدم حكومة الدانمارك الرعاية والتمويل"(226).‏

إن تحليل طبيعة الحفنة العربية المشاركة في إعلان كوبنهاجن تظهر بجلاء أنهم لا يمثلون ضمير الشعب والأمة ولا يتمسكون بالحقوق والثوابت العربية. بخلاف الجانب الإسرائيلي الذي هو أقرب إلى جانب المفاوض الإسرائيلي الرسمي الملتزم بأجماع تجمع العمل وتكتل الليكود وبالخطوط الحمر التي وضعتها حكومة نتنياهو.‏

وينفذ الفلسطينيون توجيهات ياسر عرفات، رئيس سلطة الحكم الذاتي المحدود. ويمثل الأردنيون الموقف الرسمي للحكومة الأردنية وهم مع الفلسطينيين يعرضون تصورات عرفات والحكومة الأردنية دون أن يعلن الطرفان ذلك لكي يتحملوا هم وحدهم عواقب الفشل كما لا يستطيعان الزعم بأنهما يمثلان أحداً حتى أن سلطة الحكم الذاتي والسلطات الأردنية لم تعلنا الدعم العلني لهما.‏

لقد أثبتت اتفاقات الإذعان في أوسلو ووادي عربة والخليل أن صراع الأمة العربية ودولة اليهود، الدخيلة على المنطقة والغريبة عنها والمغتصبة للأرض والحقوق والثروات العربية لا يمكن أن يتوقف بل سيتخذ أشكالاً وأساليب جديدة، فالصراع صراع وجود، والتطورات السياسية تكشف يوماً بعد يوم مدى عمق الأزمة، والمأساة والكارثة التي حلت بالأمة جراء اتفاق الإذعان في أوسلو وماتبعه من اتفاقات. لذلك علينا أن نتمسك بمقاومة الاحتلال أكثر من أي وقت مضى ووقف كل العلاقات والتطبيع معه الذي أقدمت عليه بعض الجهات العربية والإسلامية لتحرير الأرض واستعادة الحقوق والقضاء على الطابع العنصري والكولونيالي والإرهابي للصهيونية كأيديولوجية وحركة وكيان.‏




التوقيع

إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بدّ أن يستجيب القــــدر
و لا بــــدّ لليــل أن ينجلــي
و لا بـــدّ للقيــد أن ينكسـر
رد مع اقتباس
إضافة رد

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
القلم الأزرق يتهم القلم الأحمر بكتابة اللون الأزرق الشاعرة التونسية جنة أماني منتدى فن الكاريكاتير 0 10-05-2012 11:21 PM
القلم الأزرق يتهم القلم الأحمر بكتابة اللون الأزرق الشاعرة التونسية جنة أماني منتدى فن الكاريكاتير 0 10-05-2012 11:16 PM
محمد بن راشد يستقبل سيف بن زايد والقيادات العسكرية والأمنية ياسمينة دمشق عالم الصحافة 0 07-26-2012 11:19 PM
محمد بن راشد يستقبل سيف بن زايد والقيادات العسكرية والأمنية ياسمينة دمشق عالم الصحافة 0 07-26-2012 10:22 PM
سورية بين الإرهاب والمؤتمرات الدولية المفتاح عالم الصحافة 0 07-24-2012 07:50 AM


الساعة الآن 02:03 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By alhotcenter