العودة   منتديات المفتاح > المفتاح الثقافي و الأدبي > مفتاح الكتب الألكترونية ( العلمية والأدبية والفنية والتاريخية ) > الكتب السياســــية

الكتب السياســــية السياسة المتنفس والممارســـــــة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 04-20-2010, 04:21 PM   رقم المشاركة : 11
الهادي الزغيدي
عضو





الهادي الزغيدي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: - القمم والمؤتمرات الاقتصادية والأمنية من التطبيع إلى الهيمنة -

البيان الختامي

اختتم المؤتمر الاقتصادي الثالث للشرق الأوسط وشمال افريقيا في 14/11/1996 أعماله ببيان حمل اسم "إعلان القاهرة" وتميز بلهجة دبلوماسية أكثر من اللزوم، إذ تعمد عدم ذكر الطرف الذي يعرقل التوصل إلى السلام وهو "إسرائيل".‏

كما تجنب البيان تحميل إسرائيل مسؤولية إغلاق المناطق الفلسطينية واكتفى بالنص على "رفع الإغلاق" بوصفه أساساً لوقف تدهور أوضاع الفلسطينيين وتحسين الأجواء المحيطة بعملية السلام ككل".(78).‏

وجاء فيه حول الاقتصاد الفلسطيني أيضاً" ويشدد المشاركون على الأهمية الكبرى لتطوير الاقتصاد الفلسطيني مع إبداء قلقهم لضعف الاقتصاد الفلسطيني بناء على القيود المفروضة والإغلاق مما يعرقل تحرك العمالة الفلسطينية وتجارتها"(79).‏

ويتضمن البيان دعوة واضحة إلى الالتزام بصيغة مدريد وقرارات مجلس الأمن الدولي وجاء فيه: "كما يعرب المشاركون عن التزامهم التام بتحقيق سلام عادل وشامل في الشرق الأوسط على أساس ماتم الاتفاق عليه في مؤتمر مدريد للسلام وعلى أسس قرارات مجلس الأمن خاصة رقمي 242 و 338" (80).‏

ورحب البيان بتأسيس "اتحاد السفر والسياحة في الشرق الأوسط" في العاصمة تونس وإنشاء بنك التعاون الاقتصادي ومقره القاهرة.‏

"وأعاد المشاركون في المؤتمر التزامهم بالاستمرار في إنشاء مجلس تجارة إقليمي ودفع هذا المطلب إلى الأمام".(81).‏

وقرر المشاركون في المؤتمر في بيانهم الختامي الاجتماع مرة أخرى في أواخر عام 1997 في مدينة الدوحة بقطر لعقد المؤتمر الاقتصادي الرابع هناك.‏

ويعتقد بعض المحللين العرب أن مؤتمر القاهرة قطع الصلة بينه وبين قمتي الدار البيضاء وعمان، بإخراج رهانات الشرق أوسطية من التمحور حول إسرائيل وتوجيهها نحو احتمالات لتعاون عربي- عربي.‏

واعتبر وزير الخارجية المصري أن المواقف الأخيرة لإسرائيل أغضبت الجميع، وندد بالحصار الإسرائيلي المفروض على الأراضي الفلسطينية وآثاره الضارة على الاقتصاد الفلسطيني، وقال إن الحكومة الإسرائيلية تتحدث عن التعاون الإقليمي في الوقت الذي تغلق أبواب فلسطين، وهذا كلام متناقض وبهذه السياسة لا يمكن أن تكافأ إسرائيل. وأشار إلى أن المؤتمر خصص جلسة رسمية للتعاون العربي- العربي وشدد عليه كركيزة أساسية للتعاون الإقليمي ثم التعاون بين أوروبا ودول المتوسط ورفض كلياً المقولة الإسرائيلية حول الأمن وقال: "نحن نرى أن مفهوم الأمن هو الأمن الشامل للجميع وليس الأمن الإسرائيلي فقط"(83).‏

وقال وزير الخارجية المصري في هذا الخصوص: كان هناك انطباع في مؤتمري الدار البيضاء وعمان يجعل من دولة معينة (إسرائيل) أساساً للتعاون الإقليمي، وأضاف أنه في القاهرة" تم تصحيح هذا المفهوم الخاطئ ولم يعد التعاون الإقليمي منصباً على دولة بعينها وأصبح التعاون العربي- العربي هو أساس التعاون الإقليمي من دون استبعاد أي دولة أخرى" (84).‏

وأشار عمرو موسى إلى أن الممارسات الإسرائيلية ولدت لدى شعوب المنطقة مشاعر من الإحباط واليأس تجاه مستقبل عملية السلام. وفي حال إصرارها على موقفها السلبي الحالي فسيكون لنا موقفنا الرافض للتعاون معها.‏

وأعلن رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي كلاوس شفاب أنه "إذا لم تسجل خطوات جديدة وأساسية في اتجاه تحقيق السلام في الشرق الأوسط فلن تكون لعقد المؤتمر أهمية. إنني أعتقد أن المؤتمر كان ناجحاً لمجرد أنه انعقد. إن الهدف من المؤتمرات إيجاد فئات من المستفيدين من عملية التسوية دولاً وحكومات وأفراداً وشركات. وكانت السنوات الأولى للسلام منعشة للاقتصاد الإسرائيلي، بحيث بدأوا يتحدثون عن عدم حاجتهم للمساعدات الأميركية"(85).‏

لقد تضمنت اتفاقات أوسلو وباريس وطابا والقاهرة التي وقعتها إسرائيل مع عرفات بنوداً اقتصادية، ولكن إسرائيل خرقت معظم تلك البنود وفرضت الإغلاق والحصار والدمار على الصادرات الفلسطينية إلى الأسواق الخارجية، مما عرّض المنتجات الزراعية للتلّف. وأغلقت في الوقت نفسه أبواب الرزق والعمل للعمال الفلسطينيين، كما منعت الضفة الغربية وقطاع غزة من استيراد الحاجات الضرورية للبنية التحتية وأعادت الشاحنات الضخمة إلى الأردن ومصر.‏

وواصلت الحكومة الإسرائيلية الإغلاق والحصار والتجويع ومنعت سلطة الحكم الذاتي من فتح مطار غزة ومن استكمال بناء ميناء المدينة .‏

وتضع العراقيل أمام الدول المانحة وتسعى جاهدة إلى أن تستحوذ على معظم الأموال عن طريق اصرارها على المشاركة في جميع المشروعات التي تنوي سلطة الحكم الذاتي تنفيذها في مناطق الحكم الذاتي. وعملت أحياناً على وقف هذه المساعدات لخنق الاقتصاد الفلسطيني والعمل على تدهور حياة أبناء فلسطين، سكان البلاد الأصليين وأصحابها الشرعيين.‏

وعملت مصر جاهدة خلال انعقاد المؤتمر الاقتصادي على كشف سياسة الإغلاق والحصار الإسرائيلي للاقتصاد الفلسطيني وأكدت أن ممارسات إسرائيل هي استمرار للاحتلال بصورة أخرى، وأن الدول العربية لن تفتح الباب أمام إسرائيل التي تغلق الأبواب أمام تطور الاقتصاد الفلسطيني وتقدمه؛ وذلك لفرض الفقر والجهل والتخلف على الفلسطينيين تحقيقاً لمقولة شعب الله المختار وعنصرية اليهودية والصهيونية.‏

لقد اختلفت التفسيرات العربية والإسرائيلية حول تقييم المؤتمر لاختلاف المصالح. ولكن البيان الختامي ركز على أهمية سرعة تنفيذ الاتفاقات المبرمة، ودعا إسرائيل إلى إنهاء إغلاق الأراضي الفلسطينية ومساندة الاقتصاد الفلسطيني، ونالت معاناة الشعب الفلسطيني حظاً وفيراً من المساندة العربية واعتبرت قضية أساسية في المؤتمر، وقال بعض الإسرائيليين إنهم عزلوا في المؤتمر.‏

لقد مهدت القمتان الاقتصاديتان الأولى والثانية لإجراء التعاون بين العرب وإسرائيل. ووضعتا الآليات لدفعها إلى الأمام، وتحسين صورة إسرائيل ومكانتها لدى بعض الحكومات العربية.‏

وسيطرت إسرائيل سيطرة تامة على القمتين، ولكن في مؤتمر القاهرة الثالث غابت زعامات إسرائيل عن المؤتمر وغاب الوجود الإسرائيلي المكثّف والفعّال والمميز.‏

يقول البعض إن المؤتمر أهدى الحكومة الإسرائيلية فرصاً لتصعيد مناورة العلاقات العامة للعالم أظهرت فيها أنها مستعدة للحوار للوصول إلى تسوية سلمية وأن حضور الوفد الإسرائيلي للقاهرة منح الحكومة الإسرائيلية فرصة لصرف الانتباه عن عدم التزامها بالاتفاقيات الموقعة مع السلطة الفلسطينية، قالت وزيرة الاتصالات الإسرائيلية لإذاعة لندن في 17/11/1996: أعتقد أن حضور المؤتمر والاجتماع برجال الأعمال من كل بلدان العالم مفيد جداً لإسرائيل ومصر والأردن والفلسطينيين، كما اعتقد أن الاجتماع بين الأشخاص يقود للتفكير في التعاون بينهم، وهذا هو السبيل الأمثل للتطبيع وإحلال السلام في المنطقة. ورحبت الوزيرة الإسرائيلية بعقد الاتفاقات بين رجال الأعمال العرب والإسرائيليين.‏

وكانت أبرز نتيجة سجّلت من وجهة نظر رجال الأعمال الإسرائيليين هي القرار الذي اتخذه حوالي (50) رجل أعمال من مصر وإسرائيل والقاضي بتشكيل مجلس لرجال الأعمال من الجانبين.‏

وذكر أن المجلس يضم لجنة سياسية هدفها الضغط على الحكومة الإسرائيلية، من أجل مواصلة عملية السلام. وقال د. مصطفى السعيد، رئيس اللجنة الاقتصادية في مجلس الشعب المصري إن أي اتفاقية اقتصادية لابد وأن تمر عبر اتفاق سياسي لتحقيق السلام، وأن أهم النتائج أنه مرة أخرى جرى تأكيد أي محاولة لتحقيق التعاون الاقتصادي بين الدول العربية وإسرائيل لابد وأن تمر من خلال اتفاق كامل لتحقيق السلام الشامل والعادل وتنفيذ كافة الاتفاقيات التي وقعت،وأن نتيجة مسيرة السلام إحقاق حقوق الشعب الفلسطيني وحل مشكلة القدس.‏

وقالت الوزيرة الإسرائيلية إن إسرائيل وقعت اتفاقات سياسية مع الدول العربية وإن العلاقات الاقتصادية أصبحت ملحة الآن. توصلنا إلى اتفاق مع مصر قبل (17) عاماً لذلك كان يجب أن يعقد المؤتمر قبل الآن وقد آن الأوان لإقامة علاقات اقتصادية بين مصر وإسرائيل وأعتقد أنه إذا مشينا خطوة خطوة سواء في العملية السياسية أو التعاون الاقتصادي فإننا سنتوصل إلى تطبيع العلاقات وتحقيق السلام. وعلينا أن نتعاون وتكون لدينا مصالح مشتركة وتطبيع العلاقات.‏

وأكد د. مصطفى أن الجانب العربي أراد أن يوضح بأنه غير مسؤول عن عرقلة عملية السلام.‏

وقالت الوزيرة الإسرائيلية : "لدى إسرائيل الكثير مما يمكن أن تقدمه للمنطقة وخاصة في قطاع الاتصالات وأنه بإمكاننا أن ندخل في مشاريع مشتركة مع المصريين والأردنيين والفلسطينيين بهدف تطوير المنطقة ككل. إن مانريده هو العيش بسلام في ظل تعاون اقتصادي".‏

وقال د. السعيد: "إن الحديث عن التبادل التجاري دون أي مزايا أخرى يخدم الجانب الإسرائيلي"، وقالت الوزيرة الإسرائيلية عن الانطباع الذي خرجت به من مقابلاتها مع رجال الأعمال العرب:‏

"اكتشفت أن الأجواء كانت ودية وجيدة وقال البعض أنها أفضل من أجواء القمتين الأولى والثانية وأعتقد أن مؤتمر القاهرة كان أفضل مؤتمر اقتصادي عقد في هذه المنطقة حتى الآن. وأنه بيننا مصالح مشتركة واننا نتقاسم نفس المنطقة وأنه بإمكاننا أن نبرم الصفقات التجارية مع العرب وبإمكان العرب أن يبرموا الصفقات التجارية معنا. ورأيت أن الصحافة كلها في مصر ليست معادية لإسرائيل وأن رجال الأعمال في مصر يحبون التعاون وربط علاقات الصداقة معنا" .‏

وقال د. السعيد: "إنه يختلف معها لأنه لاحظ تحفظ كثير من رجال الأعمال العرب في الدخول بمناقشات جدية أو حوار بشأن مشروعات مشتركة مع إسرائيل في المرحلة الحالية".‏

وأكد أن إغلاق المناطق الفلسطينية يتعارض مع الحديث عن التنمية في المنطقة.‏

إن وجود العنف ضد الاحتلال... ليس مبرراً لمعاقبة شعب بأكمله واعزل وفي ظروف صعبة، وقال : الحكومة الجديدة في إسرائيل تريد أن تأخذ كل شيء دون أن تعطي أي شيء.‏

اتسم الموقف المصري الرسمي بالعزف على نغمة النجاح الباهر لمصر وصواب قرار عقد المؤتمر في موعده المحدد، وإجماع المؤتمر على وجود فرص هائلة للاستثمار في مصر وتهميش دور إسرائيل الإقليمي.‏

إن هذا الموقف الرسمي خداع للرأي العام المصري والعربي وبيع الوهم للناس تماماً كما جرى في تسويق القيادة الفلسطينية لاتفاق أوسلو والحكومة الأردنية لاتفاق وادي عربة. لقد حاولت الحكومة المصرية تحجيم مكانة إسرائيل ودورها في المؤتمر، فأبعدتها عن منصة الرئاسة ولم تدرج كلمة لها في الجلسة الافتتاحية. وأكدت على رجال الأعمال المصريين عدم إبرام صفقات مع الإسرائيليين خلال انعقاد المؤتمر.‏

وركزت الحكومة المصرية على ثلاثة مواضيع جعلت مؤتمر القاهرة يختلف عن قمتي الدار البيضاء وعمان وهي كما أعلنت ذلك رسمياً:‏

الأول: وضع إطار جديد للتعاون الإقليمي ليس محوره إسرائيل وإنما يقوم على التعاون العربي العربي، إلاّ أن التعاون العربي العربي لا يحتاج إلى مؤتمر القاهرة الاقتصادي وإنما إلى تطبيق قرارات قمة عمان الاقتصادية وقمة القاهرة العربية.‏

الثاني: تهميش إسرائيل إقليمياً، إذ جرى التعامل معها كمجرد دولة من الدول المشاركة، ولم تحظَ بالوضع الخاص والمتميز الذي حصلت عليه في قمتي الدار البيضاء وعمان.‏

الثالث: تدفق الاستثمارات الأجنبية على مصر.‏

هكذا كان الموقف المصري الرسمي بعد انتهاء المؤتمر، ولكن القول بأن المؤتمر وضع إطاراً جديداً للتعاون الإقليمي ليست إسرائيل محوره، أمر لا دليل عليه.‏

إن مؤتمر القاهرة يصب في النهاية في التعاون الاقتصادي الإقليمي، حيث عقد تحت شعار: " البناء من أجل المستقبل.. إيجاد بيئة مؤاتية للاستثمار". وأشار البيان الختامي إلى أن المؤتمر أتاح الفرصة لتشجيع الاستثمار الدولي والإقليمي، وإبراز إمكانات المنطقة في مجالات الاقتصاد والتجارة والتبادل التجاري.‏

إن آليات التعاون الإقليمي تخدم إسرائيل والتطبيع معها والنظام الشرق أوسطي ودور إسرائيل القائد والمهيمن في المنطقة، واحتلت إسرائيل ومخططاتها للشرق أوسطية مكاناً بارزاً في المؤتمر. فالمؤتمر اعتمد رسمياً الموقف الإسرائيلي القائم على "أولوية الاقتصاد على السياسة"، وتنمية المصالح المشتركة، مما يجعل التطبيع والعلاقات مع إسرائيل والشرق أوسطية سابقة، على التسوية السياسية، فالمؤتمر ناقش التعاون الاقتصادي بين العرب وإسرائيل بعد أن أعلنت الحكومة الإسرائيلية تنصلها مما وافقت عليه ووصلت التسوية إلى حد الانهيار.‏

واحتلت آليات التعاون الإقليمي مكاناً بارزاً في المؤتمر. وأقام المؤتمر مصرف التنمية، ومؤسسة "الشرق الأوسط والمتوسط للسفر والسياحة".‏

وكانت إسرائيل أحد أعضاء لجنة التسيير في المؤتمر، وخصص الوفد الإسرائيلي جلسة خاصة في مقر المؤتمر في 13/11/1996 لطرح المشروعات الإسرائيلية، كما أعلنت جمعية رجال الأعمال المصريين عن تشكيل مجلس أعمال مصري- إسرائيلي. وعقدت المجموعة الوزارية لدول إعلان طابا وهي مصر وإسرائيل وسلطة الحكم الذاتي والأردن والولايات المتحدة اجتماعاً قررت فيه فتح الأسواق وضمان حرية للمستثمرين في أسواق هذه الدول.‏

كان الهدف من المؤتمرات الاقتصادية إرضاء إسرائيل وحل معضلاتها الاقتصادية المزمنة التي استنزفت الولايات المتحدة وألمانيا الاتحادية وجعل بعض الحكومات والشركات ورجال الأعمال يستفيدون حيث بنت الولايات المتحدة وإسرائيل قصوراً من الرمال للمهرولين من العرب إلى تل أبيب.‏

ولقد نجحت مصر في تحجيم التعاون الإقليمي أي التعاون بين العرب وإسرائيل، وطرحت فكرة التعاون العربي-العربي. وعاملت الكيان الصهيوني معاملة عادية بلا امتيازات وبلا وضع خاص، وبلا كلمة في الجلسة الافتتاحية وربما لأن مؤتمر القاهرة جاء في مناخ مغاير للمناخ الذي ساد في مؤتمري القمة في الدار البيضاء وعمان.‏

وعلى الرغم من ذلك أبقى المؤتمر على فكرة التعاون الإقليمي الشرق أوسطي واجتمعت دول إعلان طابا. واتفقت على رفع القيود التجارية بين هذه الدول مما يشكل مكسباً كبيراً لإسرائيل وخسارة للعرب باستمرار التعاون الاقتصادي بين هذه الدول كقاعدة أساسية "للشرق الأوسط الجديد".‏

لقد تجنبت الوفود العربية إلى حد ما الوفد الإسرائيلي وتناقص عدد المهرولين لعقد الصفقات والتطبيع معه، حيث لم يعد مفهوم الهرولة القائم على أساس أن المصالحة ستشجع العدو على استكمال مسار التسوية على الجبهات السورية واللبنانية يلقى صدى يذكر، بل إن المقولة التي تقوم على ضرورة الامتناع عن توفير الثمار الاقتصادية والتطبيع بوصفها آخر ماتبقى للضغط على إسرائيل هي التي بدأت تسيطر على الموقف العربي.‏

وأظهرت ممارسات إسرائيل القمعية والاستيطانية وعدم رغبتها في الانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة خطأ المهرولين الفادح بخصوص الحقوق الوطنية والقومية والدينية للعرب والمسلمين في فلسطين وبيت المقدس، إذ لا يمكن على الإطلاق الجمع بين مصالح العدو الإسرائيلي والمصالح العربية، فإذا تعاونت دولة عربية مع إسرائيل فإن مثل هذا التعاون سيوجه لغزو البلدان العربية وسيسخر في خدمة الهيمنة الإسرائيلية على الثروات العربية.‏

لقد أثبت مؤتمر القاهرة أن الاقتصاد لا يزال تابعاً للسياسة، وبالتالي فشلت السياسية الأميركية القائمة على عقد المؤتمرات الاقتصادية مع تجنب التسوية السياسية، حيث حاولت الولايات المتحدة دفع التعاون الإقليمي لينأى عن الحل السياسي. وربطت مصر في المؤتمر التعاون الإقليمي بالتقدم في عملية السلام.‏

ولكن إسرائيل أرادت تغيير المعادلة بتقديم التعاون الاقتصادي على السياسة والتمتع بفوائد التعاون الاقتصادي قبل تحقيق السلام العادل والشامل. ونجحت بذلك في الدار البيضاء وعمان وفشلت في مؤتمر القاهرة، حيث تفوق دعاة تقديم السياسة على الاقتصاد.‏

إن ماتم إحرازه في المنطقة من اتفاقات إذعان أجبرت الولايات المتحدة الأميركية العرب على توقيعها مع العدو الإسرائيلي بالترغيب والترهيب والتضليل والمناورة لم ولن توفر أي فرصة للتطور والتقدم والإزدهار في المنطقة، ولا توجد آفاق لتأمين الهدوء والاستقرار والعدالة فيها مادامت إسرائيل قوية.‏

إن المرحلة الراهنة وحقيقة أطماع إسرائيل في الأرض والثروات العربية لم تعد تسمح لأحد بإطلاق الرهان على أحلام النمو والإزدهار الإقليميين.‏

والمطلوب عربياً ألاّ نقبل باتفاقات الإذعان التي صاغتها إسرائيل وسوقتها الولايات المتحدة،وأن نرفض الخضوع والذل والهوان، ونقاوم التسلط والهيمنة والغطرسة الإسرائيلية، ونقاوم التطبيع والتعايش ونعيد المقاطعة العربية. ونعمل على توحيد الكلمة والموقف العربي. فالاستسلام للعدو الإسرائيلي خيانة وطنية وقومية ودينية لا تغتفر.‏

والمطلوب إزاء ذلك إقامة النظام العربي كبديل "للشرق الأوسط الجديد". وإقامة السوق العربية المشتركة كبديل عن السوق "الشرق أوسطية". والاستمرار في الصراع بأساليب وأشكال جديدة إلى أن تعود الأرض والحقوق المغتصبة لأصحابها.‏




التوقيع

إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بدّ أن يستجيب القــــدر
و لا بــــدّ لليــل أن ينجلــي
و لا بـــدّ للقيــد أن ينكسـر
رد مع اقتباس
قديم 04-20-2010, 04:21 PM   رقم المشاركة : 12
الهادي الزغيدي
عضو





الهادي الزغيدي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: - القمم والمؤتمرات الاقتصادية والأمنية من التطبيع إلى الهيمنة -

البيان الختامي

اختتم المؤتمر الاقتصادي الثالث للشرق الأوسط وشمال افريقيا في 14/11/1996 أعماله ببيان حمل اسم "إعلان القاهرة" وتميز بلهجة دبلوماسية أكثر من اللزوم، إذ تعمد عدم ذكر الطرف الذي يعرقل التوصل إلى السلام وهو "إسرائيل".‏

كما تجنب البيان تحميل إسرائيل مسؤولية إغلاق المناطق الفلسطينية واكتفى بالنص على "رفع الإغلاق" بوصفه أساساً لوقف تدهور أوضاع الفلسطينيين وتحسين الأجواء المحيطة بعملية السلام ككل".(78).‏

وجاء فيه حول الاقتصاد الفلسطيني أيضاً" ويشدد المشاركون على الأهمية الكبرى لتطوير الاقتصاد الفلسطيني مع إبداء قلقهم لضعف الاقتصاد الفلسطيني بناء على القيود المفروضة والإغلاق مما يعرقل تحرك العمالة الفلسطينية وتجارتها"(79).‏

ويتضمن البيان دعوة واضحة إلى الالتزام بصيغة مدريد وقرارات مجلس الأمن الدولي وجاء فيه: "كما يعرب المشاركون عن التزامهم التام بتحقيق سلام عادل وشامل في الشرق الأوسط على أساس ماتم الاتفاق عليه في مؤتمر مدريد للسلام وعلى أسس قرارات مجلس الأمن خاصة رقمي 242 و 338" (80).‏

ورحب البيان بتأسيس "اتحاد السفر والسياحة في الشرق الأوسط" في العاصمة تونس وإنشاء بنك التعاون الاقتصادي ومقره القاهرة.‏

"وأعاد المشاركون في المؤتمر التزامهم بالاستمرار في إنشاء مجلس تجارة إقليمي ودفع هذا المطلب إلى الأمام".(81).‏

وقرر المشاركون في المؤتمر في بيانهم الختامي الاجتماع مرة أخرى في أواخر عام 1997 في مدينة الدوحة بقطر لعقد المؤتمر الاقتصادي الرابع هناك.‏

ويعتقد بعض المحللين العرب أن مؤتمر القاهرة قطع الصلة بينه وبين قمتي الدار البيضاء وعمان، بإخراج رهانات الشرق أوسطية من التمحور حول إسرائيل وتوجيهها نحو احتمالات لتعاون عربي- عربي.‏

واعتبر وزير الخارجية المصري أن المواقف الأخيرة لإسرائيل أغضبت الجميع، وندد بالحصار الإسرائيلي المفروض على الأراضي الفلسطينية وآثاره الضارة على الاقتصاد الفلسطيني، وقال إن الحكومة الإسرائيلية تتحدث عن التعاون الإقليمي في الوقت الذي تغلق أبواب فلسطين، وهذا كلام متناقض وبهذه السياسة لا يمكن أن تكافأ إسرائيل. وأشار إلى أن المؤتمر خصص جلسة رسمية للتعاون العربي- العربي وشدد عليه كركيزة أساسية للتعاون الإقليمي ثم التعاون بين أوروبا ودول المتوسط ورفض كلياً المقولة الإسرائيلية حول الأمن وقال: "نحن نرى أن مفهوم الأمن هو الأمن الشامل للجميع وليس الأمن الإسرائيلي فقط"(83).‏

وقال وزير الخارجية المصري في هذا الخصوص: كان هناك انطباع في مؤتمري الدار البيضاء وعمان يجعل من دولة معينة (إسرائيل) أساساً للتعاون الإقليمي، وأضاف أنه في القاهرة" تم تصحيح هذا المفهوم الخاطئ ولم يعد التعاون الإقليمي منصباً على دولة بعينها وأصبح التعاون العربي- العربي هو أساس التعاون الإقليمي من دون استبعاد أي دولة أخرى" (84).‏

وأشار عمرو موسى إلى أن الممارسات الإسرائيلية ولدت لدى شعوب المنطقة مشاعر من الإحباط واليأس تجاه مستقبل عملية السلام. وفي حال إصرارها على موقفها السلبي الحالي فسيكون لنا موقفنا الرافض للتعاون معها.‏

وأعلن رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي كلاوس شفاب أنه "إذا لم تسجل خطوات جديدة وأساسية في اتجاه تحقيق السلام في الشرق الأوسط فلن تكون لعقد المؤتمر أهمية. إنني أعتقد أن المؤتمر كان ناجحاً لمجرد أنه انعقد. إن الهدف من المؤتمرات إيجاد فئات من المستفيدين من عملية التسوية دولاً وحكومات وأفراداً وشركات. وكانت السنوات الأولى للسلام منعشة للاقتصاد الإسرائيلي، بحيث بدأوا يتحدثون عن عدم حاجتهم للمساعدات الأميركية"(85).‏

لقد تضمنت اتفاقات أوسلو وباريس وطابا والقاهرة التي وقعتها إسرائيل مع عرفات بنوداً اقتصادية، ولكن إسرائيل خرقت معظم تلك البنود وفرضت الإغلاق والحصار والدمار على الصادرات الفلسطينية إلى الأسواق الخارجية، مما عرّض المنتجات الزراعية للتلّف. وأغلقت في الوقت نفسه أبواب الرزق والعمل للعمال الفلسطينيين، كما منعت الضفة الغربية وقطاع غزة من استيراد الحاجات الضرورية للبنية التحتية وأعادت الشاحنات الضخمة إلى الأردن ومصر.‏

وواصلت الحكومة الإسرائيلية الإغلاق والحصار والتجويع ومنعت سلطة الحكم الذاتي من فتح مطار غزة ومن استكمال بناء ميناء المدينة .‏

وتضع العراقيل أمام الدول المانحة وتسعى جاهدة إلى أن تستحوذ على معظم الأموال عن طريق اصرارها على المشاركة في جميع المشروعات التي تنوي سلطة الحكم الذاتي تنفيذها في مناطق الحكم الذاتي. وعملت أحياناً على وقف هذه المساعدات لخنق الاقتصاد الفلسطيني والعمل على تدهور حياة أبناء فلسطين، سكان البلاد الأصليين وأصحابها الشرعيين.‏

وعملت مصر جاهدة خلال انعقاد المؤتمر الاقتصادي على كشف سياسة الإغلاق والحصار الإسرائيلي للاقتصاد الفلسطيني وأكدت أن ممارسات إسرائيل هي استمرار للاحتلال بصورة أخرى، وأن الدول العربية لن تفتح الباب أمام إسرائيل التي تغلق الأبواب أمام تطور الاقتصاد الفلسطيني وتقدمه؛ وذلك لفرض الفقر والجهل والتخلف على الفلسطينيين تحقيقاً لمقولة شعب الله المختار وعنصرية اليهودية والصهيونية.‏

لقد اختلفت التفسيرات العربية والإسرائيلية حول تقييم المؤتمر لاختلاف المصالح. ولكن البيان الختامي ركز على أهمية سرعة تنفيذ الاتفاقات المبرمة، ودعا إسرائيل إلى إنهاء إغلاق الأراضي الفلسطينية ومساندة الاقتصاد الفلسطيني، ونالت معاناة الشعب الفلسطيني حظاً وفيراً من المساندة العربية واعتبرت قضية أساسية في المؤتمر، وقال بعض الإسرائيليين إنهم عزلوا في المؤتمر.‏

لقد مهدت القمتان الاقتصاديتان الأولى والثانية لإجراء التعاون بين العرب وإسرائيل. ووضعتا الآليات لدفعها إلى الأمام، وتحسين صورة إسرائيل ومكانتها لدى بعض الحكومات العربية.‏

وسيطرت إسرائيل سيطرة تامة على القمتين، ولكن في مؤتمر القاهرة الثالث غابت زعامات إسرائيل عن المؤتمر وغاب الوجود الإسرائيلي المكثّف والفعّال والمميز.‏

يقول البعض إن المؤتمر أهدى الحكومة الإسرائيلية فرصاً لتصعيد مناورة العلاقات العامة للعالم أظهرت فيها أنها مستعدة للحوار للوصول إلى تسوية سلمية وأن حضور الوفد الإسرائيلي للقاهرة منح الحكومة الإسرائيلية فرصة لصرف الانتباه عن عدم التزامها بالاتفاقيات الموقعة مع السلطة الفلسطينية، قالت وزيرة الاتصالات الإسرائيلية لإذاعة لندن في 17/11/1996: أعتقد أن حضور المؤتمر والاجتماع برجال الأعمال من كل بلدان العالم مفيد جداً لإسرائيل ومصر والأردن والفلسطينيين، كما اعتقد أن الاجتماع بين الأشخاص يقود للتفكير في التعاون بينهم، وهذا هو السبيل الأمثل للتطبيع وإحلال السلام في المنطقة. ورحبت الوزيرة الإسرائيلية بعقد الاتفاقات بين رجال الأعمال العرب والإسرائيليين.‏

وكانت أبرز نتيجة سجّلت من وجهة نظر رجال الأعمال الإسرائيليين هي القرار الذي اتخذه حوالي (50) رجل أعمال من مصر وإسرائيل والقاضي بتشكيل مجلس لرجال الأعمال من الجانبين.‏

وذكر أن المجلس يضم لجنة سياسية هدفها الضغط على الحكومة الإسرائيلية، من أجل مواصلة عملية السلام. وقال د. مصطفى السعيد، رئيس اللجنة الاقتصادية في مجلس الشعب المصري إن أي اتفاقية اقتصادية لابد وأن تمر عبر اتفاق سياسي لتحقيق السلام، وأن أهم النتائج أنه مرة أخرى جرى تأكيد أي محاولة لتحقيق التعاون الاقتصادي بين الدول العربية وإسرائيل لابد وأن تمر من خلال اتفاق كامل لتحقيق السلام الشامل والعادل وتنفيذ كافة الاتفاقيات التي وقعت،وأن نتيجة مسيرة السلام إحقاق حقوق الشعب الفلسطيني وحل مشكلة القدس.‏

وقالت الوزيرة الإسرائيلية إن إسرائيل وقعت اتفاقات سياسية مع الدول العربية وإن العلاقات الاقتصادية أصبحت ملحة الآن. توصلنا إلى اتفاق مع مصر قبل (17) عاماً لذلك كان يجب أن يعقد المؤتمر قبل الآن وقد آن الأوان لإقامة علاقات اقتصادية بين مصر وإسرائيل وأعتقد أنه إذا مشينا خطوة خطوة سواء في العملية السياسية أو التعاون الاقتصادي فإننا سنتوصل إلى تطبيع العلاقات وتحقيق السلام. وعلينا أن نتعاون وتكون لدينا مصالح مشتركة وتطبيع العلاقات.‏

وأكد د. مصطفى أن الجانب العربي أراد أن يوضح بأنه غير مسؤول عن عرقلة عملية السلام.‏

وقالت الوزيرة الإسرائيلية : "لدى إسرائيل الكثير مما يمكن أن تقدمه للمنطقة وخاصة في قطاع الاتصالات وأنه بإمكاننا أن ندخل في مشاريع مشتركة مع المصريين والأردنيين والفلسطينيين بهدف تطوير المنطقة ككل. إن مانريده هو العيش بسلام في ظل تعاون اقتصادي".‏

وقال د. السعيد: "إن الحديث عن التبادل التجاري دون أي مزايا أخرى يخدم الجانب الإسرائيلي"، وقالت الوزيرة الإسرائيلية عن الانطباع الذي خرجت به من مقابلاتها مع رجال الأعمال العرب:‏

"اكتشفت أن الأجواء كانت ودية وجيدة وقال البعض أنها أفضل من أجواء القمتين الأولى والثانية وأعتقد أن مؤتمر القاهرة كان أفضل مؤتمر اقتصادي عقد في هذه المنطقة حتى الآن. وأنه بيننا مصالح مشتركة واننا نتقاسم نفس المنطقة وأنه بإمكاننا أن نبرم الصفقات التجارية مع العرب وبإمكان العرب أن يبرموا الصفقات التجارية معنا. ورأيت أن الصحافة كلها في مصر ليست معادية لإسرائيل وأن رجال الأعمال في مصر يحبون التعاون وربط علاقات الصداقة معنا" .‏

وقال د. السعيد: "إنه يختلف معها لأنه لاحظ تحفظ كثير من رجال الأعمال العرب في الدخول بمناقشات جدية أو حوار بشأن مشروعات مشتركة مع إسرائيل في المرحلة الحالية".‏

وأكد أن إغلاق المناطق الفلسطينية يتعارض مع الحديث عن التنمية في المنطقة.‏

إن وجود العنف ضد الاحتلال... ليس مبرراً لمعاقبة شعب بأكمله واعزل وفي ظروف صعبة، وقال : الحكومة الجديدة في إسرائيل تريد أن تأخذ كل شيء دون أن تعطي أي شيء.‏

اتسم الموقف المصري الرسمي بالعزف على نغمة النجاح الباهر لمصر وصواب قرار عقد المؤتمر في موعده المحدد، وإجماع المؤتمر على وجود فرص هائلة للاستثمار في مصر وتهميش دور إسرائيل الإقليمي.‏

إن هذا الموقف الرسمي خداع للرأي العام المصري والعربي وبيع الوهم للناس تماماً كما جرى في تسويق القيادة الفلسطينية لاتفاق أوسلو والحكومة الأردنية لاتفاق وادي عربة. لقد حاولت الحكومة المصرية تحجيم مكانة إسرائيل ودورها في المؤتمر، فأبعدتها عن منصة الرئاسة ولم تدرج كلمة لها في الجلسة الافتتاحية. وأكدت على رجال الأعمال المصريين عدم إبرام صفقات مع الإسرائيليين خلال انعقاد المؤتمر.‏

وركزت الحكومة المصرية على ثلاثة مواضيع جعلت مؤتمر القاهرة يختلف عن قمتي الدار البيضاء وعمان وهي كما أعلنت ذلك رسمياً:‏

الأول: وضع إطار جديد للتعاون الإقليمي ليس محوره إسرائيل وإنما يقوم على التعاون العربي العربي، إلاّ أن التعاون العربي العربي لا يحتاج إلى مؤتمر القاهرة الاقتصادي وإنما إلى تطبيق قرارات قمة عمان الاقتصادية وقمة القاهرة العربية.‏

الثاني: تهميش إسرائيل إقليمياً، إذ جرى التعامل معها كمجرد دولة من الدول المشاركة، ولم تحظَ بالوضع الخاص والمتميز الذي حصلت عليه في قمتي الدار البيضاء وعمان.‏

الثالث: تدفق الاستثمارات الأجنبية على مصر.‏

هكذا كان الموقف المصري الرسمي بعد انتهاء المؤتمر، ولكن القول بأن المؤتمر وضع إطاراً جديداً للتعاون الإقليمي ليست إسرائيل محوره، أمر لا دليل عليه.‏

إن مؤتمر القاهرة يصب في النهاية في التعاون الاقتصادي الإقليمي، حيث عقد تحت شعار: " البناء من أجل المستقبل.. إيجاد بيئة مؤاتية للاستثمار". وأشار البيان الختامي إلى أن المؤتمر أتاح الفرصة لتشجيع الاستثمار الدولي والإقليمي، وإبراز إمكانات المنطقة في مجالات الاقتصاد والتجارة والتبادل التجاري.‏

إن آليات التعاون الإقليمي تخدم إسرائيل والتطبيع معها والنظام الشرق أوسطي ودور إسرائيل القائد والمهيمن في المنطقة، واحتلت إسرائيل ومخططاتها للشرق أوسطية مكاناً بارزاً في المؤتمر. فالمؤتمر اعتمد رسمياً الموقف الإسرائيلي القائم على "أولوية الاقتصاد على السياسة"، وتنمية المصالح المشتركة، مما يجعل التطبيع والعلاقات مع إسرائيل والشرق أوسطية سابقة، على التسوية السياسية، فالمؤتمر ناقش التعاون الاقتصادي بين العرب وإسرائيل بعد أن أعلنت الحكومة الإسرائيلية تنصلها مما وافقت عليه ووصلت التسوية إلى حد الانهيار.‏

واحتلت آليات التعاون الإقليمي مكاناً بارزاً في المؤتمر. وأقام المؤتمر مصرف التنمية، ومؤسسة "الشرق الأوسط والمتوسط للسفر والسياحة".‏

وكانت إسرائيل أحد أعضاء لجنة التسيير في المؤتمر، وخصص الوفد الإسرائيلي جلسة خاصة في مقر المؤتمر في 13/11/1996 لطرح المشروعات الإسرائيلية، كما أعلنت جمعية رجال الأعمال المصريين عن تشكيل مجلس أعمال مصري- إسرائيلي. وعقدت المجموعة الوزارية لدول إعلان طابا وهي مصر وإسرائيل وسلطة الحكم الذاتي والأردن والولايات المتحدة اجتماعاً قررت فيه فتح الأسواق وضمان حرية للمستثمرين في أسواق هذه الدول.‏

كان الهدف من المؤتمرات الاقتصادية إرضاء إسرائيل وحل معضلاتها الاقتصادية المزمنة التي استنزفت الولايات المتحدة وألمانيا الاتحادية وجعل بعض الحكومات والشركات ورجال الأعمال يستفيدون حيث بنت الولايات المتحدة وإسرائيل قصوراً من الرمال للمهرولين من العرب إلى تل أبيب.‏

ولقد نجحت مصر في تحجيم التعاون الإقليمي أي التعاون بين العرب وإسرائيل، وطرحت فكرة التعاون العربي-العربي. وعاملت الكيان الصهيوني معاملة عادية بلا امتيازات وبلا وضع خاص، وبلا كلمة في الجلسة الافتتاحية وربما لأن مؤتمر القاهرة جاء في مناخ مغاير للمناخ الذي ساد في مؤتمري القمة في الدار البيضاء وعمان.‏

وعلى الرغم من ذلك أبقى المؤتمر على فكرة التعاون الإقليمي الشرق أوسطي واجتمعت دول إعلان طابا. واتفقت على رفع القيود التجارية بين هذه الدول مما يشكل مكسباً كبيراً لإسرائيل وخسارة للعرب باستمرار التعاون الاقتصادي بين هذه الدول كقاعدة أساسية "للشرق الأوسط الجديد".‏

لقد تجنبت الوفود العربية إلى حد ما الوفد الإسرائيلي وتناقص عدد المهرولين لعقد الصفقات والتطبيع معه، حيث لم يعد مفهوم الهرولة القائم على أساس أن المصالحة ستشجع العدو على استكمال مسار التسوية على الجبهات السورية واللبنانية يلقى صدى يذكر، بل إن المقولة التي تقوم على ضرورة الامتناع عن توفير الثمار الاقتصادية والتطبيع بوصفها آخر ماتبقى للضغط على إسرائيل هي التي بدأت تسيطر على الموقف العربي.‏

وأظهرت ممارسات إسرائيل القمعية والاستيطانية وعدم رغبتها في الانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة خطأ المهرولين الفادح بخصوص الحقوق الوطنية والقومية والدينية للعرب والمسلمين في فلسطين وبيت المقدس، إذ لا يمكن على الإطلاق الجمع بين مصالح العدو الإسرائيلي والمصالح العربية، فإذا تعاونت دولة عربية مع إسرائيل فإن مثل هذا التعاون سيوجه لغزو البلدان العربية وسيسخر في خدمة الهيمنة الإسرائيلية على الثروات العربية.‏

لقد أثبت مؤتمر القاهرة أن الاقتصاد لا يزال تابعاً للسياسة، وبالتالي فشلت السياسية الأميركية القائمة على عقد المؤتمرات الاقتصادية مع تجنب التسوية السياسية، حيث حاولت الولايات المتحدة دفع التعاون الإقليمي لينأى عن الحل السياسي. وربطت مصر في المؤتمر التعاون الإقليمي بالتقدم في عملية السلام.‏

ولكن إسرائيل أرادت تغيير المعادلة بتقديم التعاون الاقتصادي على السياسة والتمتع بفوائد التعاون الاقتصادي قبل تحقيق السلام العادل والشامل. ونجحت بذلك في الدار البيضاء وعمان وفشلت في مؤتمر القاهرة، حيث تفوق دعاة تقديم السياسة على الاقتصاد.‏

إن ماتم إحرازه في المنطقة من اتفاقات إذعان أجبرت الولايات المتحدة الأميركية العرب على توقيعها مع العدو الإسرائيلي بالترغيب والترهيب والتضليل والمناورة لم ولن توفر أي فرصة للتطور والتقدم والإزدهار في المنطقة، ولا توجد آفاق لتأمين الهدوء والاستقرار والعدالة فيها مادامت إسرائيل قوية.‏

إن المرحلة الراهنة وحقيقة أطماع إسرائيل في الأرض والثروات العربية لم تعد تسمح لأحد بإطلاق الرهان على أحلام النمو والإزدهار الإقليميين.‏

والمطلوب عربياً ألاّ نقبل باتفاقات الإذعان التي صاغتها إسرائيل وسوقتها الولايات المتحدة،وأن نرفض الخضوع والذل والهوان، ونقاوم التسلط والهيمنة والغطرسة الإسرائيلية، ونقاوم التطبيع والتعايش ونعيد المقاطعة العربية. ونعمل على توحيد الكلمة والموقف العربي. فالاستسلام للعدو الإسرائيلي خيانة وطنية وقومية ودينية لا تغتفر.‏

والمطلوب إزاء ذلك إقامة النظام العربي كبديل "للشرق الأوسط الجديد". وإقامة السوق العربية المشتركة كبديل عن السوق "الشرق أوسطية". والاستمرار في الصراع بأساليب وأشكال جديدة إلى أن تعود الأرض والحقوق المغتصبة لأصحابها.‏




التوقيع

إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بدّ أن يستجيب القــــدر
و لا بــــدّ لليــل أن ينجلــي
و لا بـــدّ للقيــد أن ينكسـر
رد مع اقتباس
قديم 04-20-2010, 04:25 PM   رقم المشاركة : 13
الهادي الزغيدي
عضو





الهادي الزغيدي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: - القمم والمؤتمرات الاقتصادية والأمنية من التطبيع إلى الهيمنة -

رابعاً مؤتمر الدوحة الاقتصادي الرابع

إصرار قطر على عقد المؤتمر‏

ركزت قطر على انعقاد المؤتمر بحجة "التزام دولي" لابد من تنفيذه وكأن تنفيذ الالتزامات الدولية محصور بالعرب. كانت الفرصة ملائمة جداً لقطر لتأجيل انعقاده أو عدم توجيه الدعوة للعدو الإسرائيلي وذلك بسبب تصعيد سياسته الاستيطانية والإرهابية وتخليه عن تنفيذ الاتفاقات التي التزم بتحقيقها. وهنا يبرز السؤال التالي لحكومة قطر:‏

لماذا تلتزم بتنفيذ الالتزام الدولي ولا تلتزم بتنفيذ الالتزام العربي الذي وافقت عليه في قمة القاهرة العربية في حزيران 1996، ووافق عليه مجلس الجامعة العربية في 30 آذار 1997 بوقف التطبيع مع الكيان الصهيوني؟ وبالتالي تكون قطر قد ضربت بالالتزام العربي عرض الحائط، ونفذت تعهدها باستضافة مؤتمر الدوحة نزولاً لرغبة الولايات المتحدة. إن قطر كافأت إسرائيل باستضافتها في بلد عربي وجنباً إلى جنب مع الدول العربية ورجال الاستثمار العرب في نفس الوقت الذي تتنكر فيه إسرائيل لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ومبادئ الشرعية الدولية، وتروّج مقولة "الأمن مقابل السلام". مما يشجعها على السير قدماً في مساعيها لفرض الهيمنة الاقتصادية على البلدان العربية وعدم الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة".‏

إن القول بأن حضور إسرائيل لا يُعد تطبيعاً، وإن قطر لا تنتهك قرار قمة القاهرة العربية قول غير صحيح، إذ ان مشاركة إسرائيل في المؤتمر جزء لا يتجزأ من عملية التطبيع القسرية التي تفرضها الإدارة الأميركية على الدول العربية.‏

وبالتالي تكون قطر قد سحبت من الدول العربية الورقة الوحيدة التي تملكها للوقوف أمام الأطماع والمزاعم والأساطير والخرافات والمجازر اليهودية. فرفض التطبيع هو الورقة الوحيدة التي يملكها العرب.‏

أما التبرير الذي يعتمد على القول بأن عقد المؤتمر ومشاركة إسرائيل فيه يشجعها على المضي في عملية التسوية فلا أساس له من الصحة. فلماذا تكون عملية دفع التسوية على حساب الحقوق العربية؟‏

وهل مؤتمر الدوحة كفيل بأن يسهم في عملية التسوية أم أنه يضع العراقيل في وجهها؟!‏

"إن الظهور بمظهر الإصرار على عقد مؤتمر الدوحة على هذا النحو، لم يعد يحمل معنى التمسك بشيء منسوب إلى عملية السلام، وإنما أصبح يبدو وكأنما هو إسهام عن وعي أو غير وعي في التعجيل بتصفية عملية السلام تصفية شاملة. هذا مايتطلع إليه نتنياهو، وهاهي أميركا راعية عملية السلام، بصدد أن تيسر له تحقيق تطلعه، بإصرارها على عقد مؤتمر الدوحة الاقتصادي في موعده. إنها تهيئ لنتنياهو فرصة وضع مخططه موضع التنفيذ، بدلاً من التصدي لمحاولاته نسف مبدأ مبادلة الأرض بالسلام، وتوجيه ضربة في الصميم "للقرار 242"(86).‏

كانت الحكمة والموقف الحكيم والسليم هو في تأجيل أو إلغاء المؤتمر الاقتصادي الرابع في الدوحة، ولكن حاكم قطر ذهب بعيداً في التجاوب مع الإرادتين الأميركية واليهودية. فحجة "احترام الالتزامات الدولية" ليست كافية أو مقنعة وتسقط إذا كانت تعرّض المصالح الوطنية والقومية والدينية إلى مخاطر كبيرة.‏

بالفعل الحق عقد المؤتمر الإضرار بمصالح قطر نفسها، وفي علاقاتها مع جيرانها وأشقائها العرب. واستضافت قطر المؤتمر كما أعلنت مراراً وتكراراً كالتزام دولي، وبناء على إلحاح أميركي. وقاطعته الدول العربية لأنها ربطت حضورها بإحراز تقدم في عملية التسوية.‏

وعندما انعقد مؤتمرا لدوحة، تغيبت عنه مصر والسعودية وسورية (الرافضة للمفاوضات المتعددة الأطراف والقمم والمؤتمرات الاقتصادية) والمغرب الذي احتضن القمة الاقتصادية الأولى في الدار البيضاء والسلطة الفلسطينية، وبالتالي لم يبق للمؤتمر أي معنى عربياً أو اقليمياً.‏

إن موقف قطر أحدث المزيد من الانقسام بين الدول العربية، بدلاً من تضامنها وتعاونها، حول موقف عربي موحد، ووجه طعنة إلى صميم الإجماع العربي وهو تفريط بالحقوق العربية وهدية إلى نتنياهو على إرهابه وغطرسته واستيطانه.‏

وجاء التصميم القطري على عقد المؤتمر بعدما أدت سياسة الحكومة الإسرائيلية وممارساتها إلى انهيار عملية السلام، وبعدما اقتنع العرب بأن مسلسل القمم الاقتصادية يجب أن يتوقف وأن البديل الوحيد للتعاون الاقتصادي الإقليمي هو التعاون الاقتصادي العربي.‏

إن المشاركة العربية في مؤتمر الدوحة تعني الموافقة العربية على الانخراط في التعاون الاقتصادي مع العدو الإسرائيلي قبل إحلال السلام العادل والشامل مع الأطراف العربية كافة.‏

كانت إسرائيل الطرف الوحيد الذي حقق أهدافه ومخططاته من القمم والمؤتمرات الاقتصادية وامتدت نشاطاتها الاقتصادية والتجارية والأمنية إلى الأردن وقطر وعُمان والمغرب وتونس، لتصل إلى البلدان العربية من المحيط إلى الخليج، كما حصلت على الاستثمارات الأجنبية الهائلة.‏

فلماذا إذن تعطي قطر "إسرائيل" المجال لتحقيق المزيد من المكاسب على حساب الأرض والثروات والحقوق العربية؟ لماذا أصرت قطر على عقد المؤتمر بعدما وصلت التسوية السياسية إلى الطريق المسدود؟!‏

لماذا تستفز قطر إيران التي عارضت عقد المؤتمر وتنظر بعين القلق إلى وصول النفوذ الإسرائيلي إلى حدودها؟ في بادئ الأمر اشترطت قطر تخلي نتنياهو عن بناء المستوطنات، واستئناف المفاوضات مع سورية من النقطة التي توقفت عندها، لكي توافق على استضافة المؤتمر.‏

ولكن الحكومة الإسرائيلية لم تحقق ذلك، بل صعدت من سياسة الاستيطان والقمع والتجويع والإرهاب. فلماذا تمسكت قطر بالرغم من ذلك بعقد المؤتمر في موعده المحدد؟! حتى المغرب عراب القمم الاقتصادية ألغت المؤتمر الوزاري الأوروبي - المتوسطي حتى لا تحضره إسرائيل.‏

تذرعت قطر في الماضي بعقد المؤتمر، بحجة أن التعاون الاقتصادي بين العرب وإسرائيل يشجعها على استكمال مسيرة السلام. فأين هي مسيرة السلام الآن؟!‏

إن الأحداث والتطورات أثبتت خطورة هذه المقولة، لأنها تشجع إسرائيل على المضي في سياستها الاستيطانية والإرهابية.‏

هل تستطيع إمارة قطر بعدد سكانها وحجمها ووزنها أن تحمل إسرائيل على المضي قدماً في العملية السلميَّة إذا عقدت مؤتمر الدوحة في موعده المحدد؟!‏

إن مواجهة الموقف الإسرائيلي الرافض للسلام العادل لا يأتي من خلال القبول بهيمنة إسرائيل على الاقتصادات العربية وإنما من خلال موقف عربي موحد، يحمل الولايات المتحدة على التحرك الفعلي والجاد، إذ أنه بعد عملية مدريد، وبعد توقيع اتفاق الإذعان في أوسلو ووادي عربة لم تتبدل الصهيونية، ولم يتغير الكيان الصهيوني، بل تابع سياسته المدمرة القائمة على التمسك بالاحتلال وتصعيد الاستيطان والهجرة والترحيل.‏

ولابد هنا من الإشارة إلى أن مشاركة اليمن في مؤتمر الدوحة، بحجة مكافأة قطر على دعمها للوحدة اليمنية يعبِّر عن التمويه والتضليل، لأنه لا يمكن تصوير الموقف الذي يخدم مصالح إسرائيل على أنه مكافأة لقطر.‏

إن الموقف اليمني خروج على الموقف العربي الموحد، ويضعف الموقف العربي في مواجهة إسرائيل، ويعزز الشرذمة العربية، ويبارك مواصله العدو الإسرائيلي لسياسته القمعية والاستيطانية، ومكافأة لحكومة قطر على تمردها على الإجماع العربي.‏



مصر ومؤتمر الدوحة‏

أحجمت مصر عن الإعلان عن المشاركة أو عدم المشاركة في مؤتمر الدوحة الاقتصادي حتى اللحظة الأخيرة. واشترطت مشاركتها فيه بإحراز تقدم ملموس في عملية السلام.‏

ويعني الموقف المصري تأكيد أن التعاون الإقليمي في المنطقة يرتبط بعملية السلام. فلماذا اتخذت مصر هذا الموقف؟!‏

نظمّت الولايات المتحدة المفاوضات المتعددة الأطراف لتحقيق التعاون الإقليمي في المنطقة وجاء اتفاق الإذعان في أوسلو عام 1993 ومعاهدة وادي عربة عام 1994 للتخفيف من الحواجز السياسية والنفسية وإتاحة الفرصة لعقد المؤتمر الاقتصادي الأول في الدار البيضاء في تشرين الثاني عام 1994.‏

فالمفاوضات الثنائية والمتعددة الأطراف والقمم والمؤتمرات الاقتصادية نجمت عن مؤتمر مدريد وكامتداد لعملية التسوية في المنطقة وكجزء لا يتجزأ منها. ولذلك كان من الطبيعي أن تتأثر المؤتمرات الاقتصادية بوصول عملية التسوية إلى الطريق المسدود.‏

لذلك انعكس التعثر في عملية التسوية ووصولها إلى الطريق المسدود على كافة المسارات وعلى المؤتمر الاقتصادي الرابع في الدوحة.‏

وأخذت بعض البلدان العربية التي كانت متحمسة جداً للمؤتمرات الاقتصادية كالمغرب في مراجعة موقفها تضامناً ودعماً لسورية ولبنان لاسترجاع أراضيهما المحتلة من العدو الإسرائيلي.‏

وانطلقت مصر في تحديد موقفها من أن المشاركة تعني مكافأة إسرائيل على ممارساتها واعتداءاتها في حين أن عدم المشاركة يعني رفض المواقف والممارسات الإسرائيلية والاحتجاج عليها والتحذير منها.‏

إن إسرائيل تسعى جاهدة بمساعدة الولايات المتحدة وبعض بلدان أوروبا الغربية إلى أن تتعامل مع البلدان العربية من موقع المتفوق عسكرياً وتريد أن تفرض علاقات اقتصادية من موقع القوة والتفوق والتمسك بالاحتلال والتهديد بالحرب والاستمرار في سياسة الاعتداءات اليومية على الشعبين الفلسطيني واللبناني.‏

إن مغزى تعليق مشاركة مصر حتى اللحظة الأخيرة يعني "هو أن مصر لا تعترض على التعاون الاقتصادي الإقليمي من حيث المبدأ ولكنها تعترض على الشروط التي يتم فيها هذا التعاون، وطبيعة علاقته بعملية السلام. فالتعاون الاقتصادي الإقليمي من وجهة النظر المصرية مطلوب ومرغوب، ليس فقط لدعم السلام وإنما أيضاً لما يمكن أن يحققه من تنمية وتطوير لكافة بلدان المنطقة(87).‏

ويعتقد المحللون السياسيون أن تأجيل إعلان الموقف المصري حتى اللحظة الأخيرة يعني حرص مصر الشديد على عدم الضغط على أي بلد عربي لعدم المشاركة في المؤتمر.‏

"فكلا الموقفين (المصري والأميركي) ينطوي على ضغط معين! الموقف المصري يستهدف عقد المؤتمر والحضور فيه، كورقة للضغط على الإسرائيليين للمضي قدماً في عملية السلام. أما الموقف الأميركي فينطوي على ضغط على الدول العربية لعقد المؤتمر وتأمين الحضور فيه، للمضي قدماً في مشروعات التعاون الاقتصادي الإقليمي بصرف النظر عن عملية السلام، بصرف النظر عن التعثر أو التراجع في عملية السلام"(88).‏

ويمكن تلخيص المبررات التي دفعت مصر لعدم المشاركة على الشكل التالي:‏

* إن مقاطعة المؤتمر تضاعف الضغوط الداخلية في إسرائيل على الحكومة وتزيد من التناقضات داخل تحالف الليكود وبينه وبين المعارضة العمالية.‏

* إن مقاطعة المؤتمر تؤكد للأميركيين والإسرائيليين رفض مصر لسياسة الحكومة الإسرائيلية الحالية التي تدمر عملية السلام ورفضها للسياسة الأميركية التي تكيل بمكيالين.‏

* يعطي الحضور العربي للمؤتمر الانطباع بأننا أمة ضعيفة ورهن إشارة الغير، رهن إشارة الولايات المتحدة واليهودية العالمية.‏

*أما قول بعض الأطراف العربية بأن الحضور يدفع "عملية السلام" إلى الأمام ويعري إسرائيل أمام العالم فإن هذه التعرية واضحة ولا تحتاج للمشاركة في المؤتمر.‏

وتعمل الحكومة الإسرائيلية وبتأييد من قطعان المستوطنين وغالبية الشعب الإسرائيلي على فرض السلام الإسرائيلي الذي يستند إلى منطق القوة والردع ويركز على التفوق العسكري واستخدام القوة أو التهديد باستخدامها.‏

وتعمل أيضاً على إجهاض ماتم التوصل إليه من اتفاقات إذعان صاغتها وأملتها حكومة حزب العمل السابقة وذلك من خلال عدم تنفيذ الاتفاقات المبرمة والتوسع ببناء المستوطنات، والاعتداءات المتكررة على المقدسات الإسلامية في الحرم الإبراهيمي والمسجد الأقصى.‏

وأدت السياسة الإسرائيلية التوسعية والاستيطانية والإرهابية إلى إحراج الدول العربية التي وقعت اتفاقات مع الكيان الصهيوني أمام شعوبها، وتأكيد مصداقية الموقف الشعبي الرافض للسلام الإسرائيلي وتطبيع العلاقات، وتراجع أصحاب رؤوس الأموال عن الاستثمار في مشروعات التنمية، وعدم الوثوق بالاتفاقات التي توقعها إسرائيل.‏

إن التعاون العربي- العربي يجب أن يكون جوهر وأساس ومحور التعاون الإقليمي، لذلك لا يجوز إطلاقاً أن يجلس بلد عربي ويتفاوض مع العدو الإسرائيلي ويبحث معه في التعاون الاقتصادي الإقليمي، فالمؤتمرات الاقتصادية الإقليمية ترمي إلى إفقاد النظام العربي هويته ودمجه في "الشرق أوسطية" التي تعمل الولايات المتحدة على إعطاء إسرائيل وتركيا قيادتها. كما يشارك في مؤسساتها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وبعض الدول الآسيوية مما قد يؤثر في الأحداث في غير مصلحة الدول العربية.‏

ويقوم الموقف المصري على التزاوج بين المصلحة العربية والالتزام باستراتيجية السلام واعتبار التعاون العربي-العربي محور التعاون الإقليمي والأساس في أي حوار شرق أوسطي أو متوسطي. إن ماحدث في الدوحة خرج تماماً عن الحرص على الحقوق والمصالح العربية والتضامن ووحدة الموقف العربي وتنفيذ التزامات قطر العربية. ويعتبر بداية مرحلة جديدة وخطيرة تكرسها قطر معادية للحقوق والمصالح العربية وضد السلام العادل والشامل.‏

لقد أبلغ الرئيس مبارك بتاريخ 11/11/1997، أعضاء الهيئة البرلمانية للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم قرار مصر عدم حضور مؤتمر الدوحة وقال: "إن لكل دولة قرارها الخاص النابع من سيادتها وتقديرها للمصالح والنتائج التي يمكن أن يحققها المؤتمر".(89).‏

وأعلن الرئيس مبارك أن مصر لن ترسل وفداً رسمياً لحضوره.‏

كما أعلن وزير الخارجية المصري عمرو موسى أن المؤتمر يأتي في وقت غير مناسب لأن عملية السلام متوقفة وأكد الرئيس مبارك" إن المعيار الذي وضعته مصر في اعتبارها هو مدى مايحققه انعقاد المؤتمر من مصالح سواء على مستوى الدولة الواحدة أو مدى استفادة الأمة العربية من نتائجه"(90).‏

وقال الرئيس مبارك: "إن الهدف من عقد مؤتمر اقتصادي هو خلق تعاون بين إسرائيل والمجتمع العربي وذلك أمر مرهون بالسلام والتزام إسرائيل بتنفيذ الاتفاقيات. وشدد على أن ليس في استطاعته تجاهل توجهات الرأي العام المصري بكل ميوله واتجاهاته والتي أجمعت كلها على رفض المشاركة في المؤتمر الاقتصادي.‏

ورحبت الأحزاب والقوى السياسية في مصر بقرار الرئيس مبارك مقاطعة المؤتمر، واعتبرته استجابة للرأي العام الشعبي.‏

وأكد السيد ضياء الدين داوود، الأمين العام للحزب الناصري ترحيبه بالقرار وقال: "إنه "جاء متأخراً" لكنه استجاب إلى مطالب الرأي العام المصري"(91).‏

وقال إن عدم المشاركة يجب أن ينطلق من موقف مبدئي مضاد لمخططات ساعية إلى السيطرة على المنطقة وإلغاء هويتها، والمؤتمرات الاقتصادية جزء من هذه الأفكار.‏

وأكدّ أيضاً الناطق الرسمي في حزب التجمع : "ترحيبه البالغ بقرار عدم المشاركة في المؤتمر". واعتبر أنه جاء استجابة للرأي العام والأحزاب والقوى السياسية التي وقفت منذ البداية ضد النظام الشرق أوسطي.‏

وأعرب دينس روس، منسق عملية السلام عن خيبة الأمل لقرار مصر التي اعتبرها "شريكة وصديقة وحليفة للولايات المتحدة الأميركية"، وقال: "إن مؤتمر الدوحة ليس خدمة لأحد"، وشدد مارتن انديك تعليقاً على مقاطعة مصر للمؤتمر وقال: " نشعر بالخيبة لأن بعض أصدقائنا لا يشاركوننا هناك، ونشعر أننا لا نستطيع أن نسمح لمؤسسات عملية السلام أن تنهار لأنه سيكون من الصعب إحياؤها"(92).‏



الموقف العربي من عقد المؤتمر‏

أكد وزير الخارجية السعودية أن بلاده لن تشارك في المؤتمر لأنه "لم يحصل تقدم في عملية السلام حتى تغيِّر من موقفها. إن السياسة الإسرائيلية الهوجاء هي التي تمنع أي تعاون إقليمي في المنطقة وتعطّل عملية السلام".(93).‏

وجاء الرفض السعودي بعد الزيارة التي قام بها مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط مارتن انديك إلى السعودية، وبعدما تعرضت السعودية لضغوط أميركية قوية للمشاركة في مؤتمر الدوحة.‏

وانضمَّت الإمارات العربية والبحرين إلى مقاطعي المؤتمر وكذلك المغرب.‏

وفي أبو ظبي أكدت دولة الإمارات عدم مشاركتها في المؤتمر وأعلن مصدر مسؤول: "إن دولة الإمارات قررت عدم حضور المؤتمر لعدم حصول تقدم ملموس في عملية السلام في الشرق الأوسط وعلى المسارات المختلفة"(94).‏

وكان الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان قد حدد موقف دولة الإمارات في آب 1997 بعدم المشاركة في المؤتمر لأنه يضر بمصالح دول عربية شقيقة. وقال الشيخ زايد: "إن الإمارات لا يمكنها حضور مؤتمر الدوحة إرضاء لدولة عربية شقيقة على حساب دولة عربية شقيقة أخرى".‏

وكانت الإمارات العربية قد ربطت مشاركتها في المؤتمر بحدوث تقدم على كل المسارات، بما فيها المسارين السوري واللبناني.‏

وأعلنت البحرين مقاطعتها للمؤتمر بالرغم من أنها ترتبط بعلاقات قوية مع الولايات المتحدة الأميركية، فالبحرين هي مقر الأسطول الخامس الأميركي في الخليج، حيث أن بينها وبين واشنطن اتفاقية أمنية ودفاعية وتعتمد في تسليحها على الصناعات العسكرية الأميركية بصفة أساسية، إضافة إلى ذلك يعتقد بعض المحللين السياسيين أن أي انزعاج أميركي من البحرين يدفع الإدارة الأميركية إلى تبني معزوفة حقوق الإنسان أو بعض الشعارات التي يرفعها الشارع البحريني.‏

كما يلعب النزاع البحريني- القطري حول الحدود دوراً في تحديد موقف البحرين من المشاركة في مؤتمر الدوحة. ومن الجدير بالذكر إن المناخ الشعبي في البحرين يعارض تطبيع العلاقات مع العدو الإسرائيلي، إذ أن هناك معارضة قوية ومتزايدة تعارض أي شكل من أشكال التطبيع معه.‏

ونوّهت الصحف السورية بالتزام مصر والسعودية والمغرب بقرارات الجامعة العربية في القاهرة وأكدت أن مواقف هذه الدول "تستحق التقدير وتؤسس لتضامن عربي حقيقي ولعمل عربي مشترك له فاعليته في الساحة، ويتصدى لمخططات الحكومة الإسرائيلية"(95).‏

وانتقدت الصحف موقف الأردن والكويت واليمن التي أعلنت مشاركتها في المؤتمر في وقت تجاهر فيه الحكومة الإسرائيلية بعزمها على ابتلاع القدس ومعظم أراضي الضفة الغربية إلى جانب الجولان، مع تأكيد استمرار احتلال أجزاء من جنوب لبنان.‏

وقال وزير خارجية اليمن، عبد الكريم الأرياني: "إننا نشارك في مؤتمر الدوحة مجاملة لقطر وليس للجلوس مع الإسرائيليين. وإن الوفد اليمني المشارك غير مسموح له بالاجتماع مع أي إسرائيلي في المؤتمر. ولكن اليمن اتخذت قرار المشاركة لإرضاء الولايات المتحدة بالدرجة الأولى حيث قال وزير الإعلام اليمني، عبد الرحمن الأكوع: "إن المبعوث الأميركي مارتن انديك الذي طاف بالعواصم العربية قد طالب العرب بضرورة المشاركة في مؤتمر الدوحة حتى لا تصاب وزيرة الخارجية الأميركية بالإحباط".(96).‏

لم تعلن الكويت موقفها من المشاركة في مؤتمر الدوحة إلاّ بعد أن قام مارتن انديك بزيارتها في إطار جولة شملت دول الخليج كلها ومصر واليمن، حاملاً رسائل من الرئيس الأميركي يحث فيها على المشاركة في مؤتمر الدوحة.‏

وكان متوقعاً إلاّ تتخذ الكويت موقفاً يتعارض مع التوجه الأميركي مع الأخذ بعين الاعتبار موقف دول الخليج.‏

وانطلاقاً من هذين الاعتبارين أعلن مسؤول كويتي: "إن المسألة بالنسبة للكويت ليست الحضور أم لا بل مستوى التمثيل".(97).‏

وتعود مشاركة الكويت في مؤتمر الدوحة إلى حرب الخليج الثانية والعلاقة الخاصة جداً بينها وبين الولايات المتحدة والتي توطدت من جراء الحرب والنتائج التي تمخضت عنها والتواجد العسكري الأميركي فيها.‏

وفي مسقط أعلنت سلطنة عُمان مشاركتها في المؤتمر الاقتصادي وصدر بيان عن وزارة الخارجية العمانية جاء فيه أن السلطنة ستشارك بوفد يترأسه وكيل وزارة التجارة والصناعة. وعزّا البيان مشاركة السلطنة في المؤتمر إلى أنه سيعقد في إحدى دول مجلس التعاون الخليجي وإلى الجهود الأميركية التي تبذل لإعادة مسار المفاوضات.‏

وفي الرباط أكد مسؤول مغربي رفيع المستوى أن بلاده لن تشارك في مؤتمر الدوحة وقال: "إن المغرب لن يحضر مؤتمر الدوحة لأنه لم يحدث أي انفراج في عملية السلام (98). وفي تونس صرح وزير الخارجية بأن تونس ستحضر المؤتمر لأنه يندرج في إطار إنقاذ عملية السلام رغم تعنت الحكومة الإسرائيلية.‏

وأكد عمرو موسى ، وزير خارجية مصر أن انعقاد مؤتمر الدوحة جاء في وقت غير مناسب، وأن مصداقيته غير مقبولة في المنطقة، وهناك رفض كبير لحضوره، وأنه كان من الأفضل إعادة النظر في هذا الموضوع في ظل الظروف الحالية.(99).‏

وعلق وزير الخارجية القطري على الموقف المصري وقال "براحتهم". وكرر أن مسألة انعقاد المؤتمر قضية مبدأ والتزام دولي.‏

واعتبر وزير خارجية إيران كمال خرازي: "إن تطبيع بعض الدول العربية العلاقات مع الكيان الصهيوني ضربة كبيرة للجسد الإسلامي".(100).‏

اعتبر الرأي العام العربي أن عقد مؤتمر الدوحة في ظل تصاعد المواقف والممارسات العدوانية والإرهابية والاستيطانية الإسرائيلية كتهويد القدس، ورفض الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة بمثابة مباركة عربية لجرائم إسرائيل واعتداءاتها وتهويدها للأرض والمقدسات العربية.‏

ونظم المؤتمر الشعبي اللبناني اعتصاماً أمام سفارة قطر في بيروت، يوم افتتاح المؤتمر احتجاجاً على انعقاده في الدوحة. وطالب المتحدثون بالاعتصام" بتجميد عضوية قطر في الجامعة العربية وباعتبار المؤتمر باطلاً وقراراته باطلة، وبأن يسحب لبنان سفيره من قطر، ويطلب من السفير القطري مغادرة لبنان".(101).‏

وقال وزير الاقتصاد اللبناني ياسين جابر إن مؤتمر الدوحة سيفشل، داعياً إلى تحصين أنفسنا في المستقبل لمواجهة مايطرح في مؤتمرات شبيهة بمؤتمر الدوحة. وقال: "إن مواجهة التحديات في مؤتمرات الشرق الأوسط لا تتم إلاّ من خلال عمل عربي مشترك في كل المجالات وخصوصاً في المجال الاقتصادي. ومن هنا ترتدي المنطقة العربية التجارية الحرة المزمع البدء بتنفيذها في أول كانون الثاني 1998 أهمية خاصة كونها ستكون المدخل والبداية للوصول إلى السوق العربية المشتركة".(102).‏

ووجه فاروق أبو عيسى، الأمين العام لاتحاد المحامين العرب التحية إلى الرئيس حسني مبارك على قراره بمقاطعة مؤتمر الدوحة، وقال: "إن هذا الموقف العظيم يعبر عن إرادة شعب مصر والأمة العربية التي ترفض أي تعامل مع إسرائيل حتى يتحقق السلام الشامل والعادل وتحرر كل الأرض العربية.‏

إن اتحاد المحامين العرب له موقف مبدئي ضد مايسمى بمؤتمرات الشرق أوسطية التي تهدف إلى تعزيز القوة الإسرائيلية"(103).‏

ورأى شمعون بيرس أن مؤتمر الدوحة رسالة ناجحة، مبدياً ارتياحه إلى رد وزير خارجية قطر على مصر حين انتقدت المؤتمر.‏

لقد أغضبت قطر حلفاءها الأقوياء في دول مجلس التعاون الخليجي وفي بقية البلدان العربية لعقد المؤتمر، واتهمها هؤلاء الحلفاء الأقوياء بأنها تبث الفرقة بين البلدان العربية لإرضاء إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية. وحاولوا إقناعها بإلغاء المؤتمر أو تأجيله احتراماً لمشاعر الدول العربية والرأي العام العربي والإسلامي، لكن أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي أطاح بأبيه رفض الاستجابة للموقف العربي الذي أقرته الجامعة العربية لذلك وضع المؤتمر قطر على الجانب المعادي للعرب.‏



عقد المؤتمر‏

افتتح أمير دولة قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني مؤتمر الدوحة في 16/11/1997 منتقداً في كلمته الافتتاحية الدعوات التي صدرت لتأجيل المؤتمر الاقتصادي أو إلغائه. وذكّر بالظروف التي أحاطت بعقد المؤتمر وأدت إلى اتخاذ مواقف تجاهه وصلت إلى درجة المناداة بتأجيله أو إلغائه أو مقاطعته، وقال:‏

"مع احترامنا لتلك المواقف نؤكد أن استضافة قطر هذا المؤتمر لا تنطلق من مصلحة خاصة بها دون غيرها وإنما كان قرارها تنفيذاً لالتزام دولي".‏

وباسم الرئيس كلينتون نوهت أولبرايت بجهود قطر في تنظيم المؤتمر، مشدّدة على أهمية الأمن والسلام والرفاهية لكل شعوب المنطقة وعلى أن بذور الكراهية لن تؤدي إلى السلام، وتحدثت أولبرايت عن هدف المؤتمرات الاقتصادية، وهو:"أن نتعاون مع بعضنا بعضاً"(104). وحاولت التغطية على فشل المؤتمر بالتحريض على العراق. وغاب عن المؤتمر الحديث عن مشروعات مشتركة وصفقات تجارية واتفاقات اقتصادية وآليات ومؤسسات لترسيخ نظام الشرق الأوسط الجديد.‏

وكان الاتفاق الوحيد هو الاتفاق الذي قدمه الأُردن لإسرائيل والولايات المتحدة وهو توقيع اتفاق أردني-إسرائيلي- أميركي لإقامة منطقة للتبادل التجاري الحر في إربد على مقربة من الحدود السورية.‏

وأثارت مقاطعة الدول العربية للمؤتمر شكوكاً وتساؤلات حول الجدوى من عقد المؤتمرات الاقتصادية، بحيث لم تتقدم ولا دولة واحدة لاستضافة المؤتمر الاقتصادي الخامس. وتقرر تأجيل هذا الأمر إلى مطلع العام 1998.‏

وباستثناء الأردن تمثلت الدول العربية بوكلاء وزارات أو وزراء دولة. وترأس ناتان شارانسكي وزير الصناعة والتجارة الوفد الإسرائيلي. ويذكر أن شارانسكي قال إن إسرائيل مستعدة لقبول عقد المؤتمر القادم في بيت لحم.‏

وعلق وزير الخارجية السوري فاروق الشرع على مؤتمر الدوحة وقال: "إن كل مؤتمر لا يجمع عليه العرب هو مؤتمر فاشل وبالنسبة للمشاركة العربية فهي ليست ذات شأن"(105).‏

واختتم المؤتمر الاقتصادي الرابع في الدوحة في 18/11/1997 بتحقيق إسرائيل نجاحاً في تخفيف حدة الانتقادات الموجهة لسياستها التي تسببت في تعطيل عملية التسوية، فيما أجمع المعلقون والمسؤولون السياسيون والاقتصاديون الذين شاركوا في المؤتمر على فشله.‏

ولكن وزير الدولة للشؤون الخارجية أحمد بن عبد الله المحمود أعلن نجاح المؤتمر وقلل من أهمية المقاطعة العربية له.‏

وأصدر المشاركون بياناً ختامياً صاغته لجنة مؤلفة من إسرائيل وكندا والاتحاد الأوروبي واليابان والأردن وتونس وقطر والولايات المتحدة، وممثل لأمانة المؤتمرات الاقتصادية في الرباط، أكدوا فيه التزامهم الشديد بتحقيق السلام العادل والشامل والدائم في الشرق الأوسط.‏

واعتبر المشاركون في المؤتمر في البيان الختامي أن السلام يجب أن يقوم على قاعدة صيغة مؤتمر مدريد، أي الأرض مقابل السلام. وشددوا على تطبيق الاتفاقات الموقعة بين إسرائيل والفلسطينيين.‏

ودعوا إلى رفع فوري لجميع القيود وإجراءات الاغلاق، وانتقدوا الاغلاق المتكرر من قبل إسرائيل لمناطق السلطة الفلسطينية.‏

ووجهوا الشكر إلى قطر لاحترامها تعهدها الدولي باستضافة المؤتمر على الرغم من الظروف السياسية الصعبة.‏

وأرجأ المشاركون تحديد موعد ومكان انعقاد المؤتمر القادم إلى حين انعقاد المنتدى الاقتصادي العالمي دافوس في نهاية كانون الثاني عام 1998.‏

وأشار المدير المساعد للشؤون الاقتصادية في وزارة الخارجية الإسرائيلية إلى أن إسرائيل وجهت رسالة إلى رئاسة المؤتمر تعرب فيها عن تحفظها على ذكر مبدأ الأرض مقابل السلام.‏

واعترفت إسرائيل بأن الوفد الإسرائيلي إلى المؤتمر وجد نفسه معزولاً ولكنه نجح في الحد من الأضرار في البيان الختامي الذي كانت صيغته الأولى أشد قسوة مما جاء فيه.‏

وقال أعضاء في وفود رسمية شاركت في المؤتمر إن الولايات المتحدة مارست ضغوطاً على تونس وتركيا وسلطنة عمان لاستضافة المؤتمر القادم.‏

"وتوقع بيرس أن تعود الدول العربية إلى المشاركة في المؤتمرات المقبلة قائلاً:"إنها جاءت إلى المؤتمرات السابقة لذلك يمكنها أن تحضر إلى المؤتمرات المقبلة".‏

ويقول رجال أعمال عرب حضروا القمم الاقتصادية السابقة بحماس وأعلنوا مقاطعتهم لمؤتمر الدوحة: "إن القمم الاقتصادية لم تحقق الهدف الذي أقيمت من أجله وهو خلق مناخ شرق أوسطي ملائم لدمج إسرائيل في العملية الاقتصادية في المنطقة بعد تحولها من عدو إلى شريك في عملية سلام يفترض أن تنهي النزاع العربي -الإسرائيلي بتحقيق طموحات الشعب الفلسطيني(106).‏

ويقول رجل الأعمال العماني عبد القادر عسقلان: "إن أياً من الدول العربية لم تحقق إنجازات تذكر على أثر القمم السابقة. ليس هناك سوى مستفيد واحد من عملية التطبيع الجارية عبر هذه المؤتمرات الاقتصادية هو إسرائيل"(107).‏

ويقول مستثمر فلسطيني يقيم في نيويورك: "إن العديد من الصفقات التي أُبرمت وسط التهليل في حينه لم تنفذ، والوضع على الأرض في المناطق الفلسطينية بات كارثياً والشرق الأوسط الجديد الذي وُعِدنا به بات أسوأ من الشرق الأوسط القديم، وعليه يخلص إلى أن العجلة الاقتصادية لا يمكنها أن تتخطى العجلة السياسية.‏

لقد أثبتت المقاطعة العربية للمؤتمر الاقتصادي الرابع في الدوحة، بعد الضغط الأميركي الهائل على الدول العربية للمشاركة فيها أن لا تطبيع للعلاقات مع الكيان الصهيوني وأنه لا مكان له في الوطن العربي، وأثبتت بجلاء خطأ دعاة التطبيع معه والحوار مع حركة السلام الآن لأنه لا فرق بين العمل والليكود ولا فارق بين نتنياهو وبيرس جزار مذبحة قانا أو ايهود باراك، الإرهابي الذي تلطخت يداه باغتيال الشاعر كمال ناصر وكمال عدوان وابو يوسف النجار.‏

لذلك عندما أعلن الرئيس مبارك قراره بمقاطعة مؤتمر الدوحة كان يعبر بصدق عن ضمير الأمة ومشاعر الشعب العربي كله، ويجسد فهم مصر العميق لدور مصر القومي. فكيف تسمح حكومة عربية لنفسها أن تتمرد على الموقف العربي وتخرج عن وحدة الصف العربي وتعقد مؤتمراً فوق أرضها يخدم مصالح العدو الصهيوني وضد المصلحة العربية؟‍! كان الأجدر بقطر أن تبادر وتعلن عن تأجيل عقد المؤتمر المحكوم عليه بالفشل قبل انعقاده نصرة لعروبة القدس وانتصاراً للحقوق القومية والدينية للعرب والمسلمين، في أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ومدينة الإسراء والمعراج.‏

ووصلت وقاحة اليهودية مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية الأميركية حداً أصرّتْ فيه على عقد المؤتمر مهما كانت النتائج وأعلنت أنها ستذهب إلى الدوحة في الموعد المحدد ولو لشرب فنجان القهوة حتى ولو لم يكن أحد في قاعة المؤتمر.‏

الولايات المتحدة ومؤتمر الدوحة‏

فشلت الولايات المتحدة في تحقيق نجاح مؤتمر الدوحة الاقتصادي وتلقّتْ ضربتين:‏

الأولى: عندما فشلت في حشد أكبر مشاركة عربية للمؤتمر، حيث أرسلت وزيرة الخارجية ومنسق عملية التسوية ومعاون وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأوسط، وفشلوا في إقناع مصر والسعودية بالمشاركة، وبالتالي فشلت في إجبار الدول العربية على الخضوع والإذعان لمشيئتها القائمة على خدمة مصالحها ومصالح العدو الإسرائيلي وعلى حساب المصالح العربية.‏

والثانية: فشل المؤتمر في تحديد زمان ومكان انعقاد المؤتمر القادم، الأمر الذي اعتبره المحللون السياسيون بمثابة الضربة الثانية للولايات المتحدة الأميركية وعملية التطبيع.‏

وكان إعلان المغرب عدم المشاركة والذي لعب الدور الأساسي في إنجاح القمم الاقتصادية و التطبيع ضربة إضافية للسياسة الأميركية.‏

ونسبت صحيفة هآرتس الإسرائيلية إلى مسؤول أميركي قوله إن "أولبرايت أكدت في نقاش داخلي أنه إذا مافشل مؤتمر الدوحة فإن الذنب يقع بدرجة كبيرة على إسرائيل التي حالت بسبب عنادها دون حدوث تقدم في عملية السلام(108).‏

إن الأسباب التي أدت إلى فشل مؤتمر الدوحة هي:‏

أولاً: تجميد حكومة بيرس للمفاوضات على المسارين السوري واللبناني.‏

ثانياً: وصول اتفاق أوسلو الذي فتح الأبواب العربية أمام الاختراق الإسرائيلي للوطن العربي والتطبيع معه إلى طريق مسدود.‏

ثالثاً: تصاعد الاستيطان والإرهاب الإسرائيلي والعمل على تطبيق مقولة الأمن مقابل السلام.‏

رابعاً: تزايد الغضب والسخط العربي على الانحياز الأميركي المطلق لإسرائيل ومعاداة إدارة كلينتون المتصهينة لكل ماهو عربي، ومنع مجلس الأمن من معاقبة إسرائيل على مجزرة قانا والكيل بمكيالين وتشديد الحصار على العراق وليبيا والسودان.‏

وتدعم الإدارة الأميركية في الوقت نفسه ممارسة إسرائيل للإرهاب كسياسة رسمية.‏

وسقط منطق المراهنة على حياد الولايات المتحدة الأميركية، حيث ظهر بجلاء أن ارتماء بعض العرب في أحضان أميركا والاستجابة إلى مطالبها لا يغير من دعمها وتأييدها وانحيازها لإسرائيل ومعاداتها للحقوق والمصالح العربية. ويستخلص رئيس تحرير جريدة الأهرام من ردود الفعل الأميركية على مقاطعة مصر لمؤتمر الدوحة النقاط الثلاث التالية:‏

1- التأكيد على أن طبيعة العلاقة بين مصر والولايات المتحدة تسمح بالاختلاف بحكم أن لكل دولة منهما ظروفها، ومسؤولياتها دولياً وأقليمياً، وكذلك أوضاعها وارتباطاتها، سواء في المنطقة التي توجد فيها أو على المستوى الدولي.‏

2- تأكيد الاعتراف بأهمية دور مصر في دفع عملية السلام والاحتياج إليه، وإن هذا الدور قائم قبل حدوث أي خلاف، ثم إنه قائم ومستمر بعد حدوث أي خلاف بما في ذلك حضور مؤتمر الدوحة أو عدم حضوره.‏

3- إن الموقف الأميركي يستوعب استقلالية الدور المصري ويعترف بأنه قد يكون مفيداً له وليس على العكس، فعلى المستوى القومي تستطيع الجماهير العربية أن تثق في أن الاختيار المصري يستند إلى استقلالية إرادته وتفكيره، بالتأكيد تثق في تعبيره عن المصالح القومية المجردة، دون خضوع لأي ضغوط أو مؤثرات خارجية.(109).‏

إن فشل المؤتمر فشل أميركي بالدرجة الأولى. ويجسد الفشل الأميركي في عملية التسوية التي بدأتها الولايات المتحدة في ذروة انتصارها في حرب الخليج الثانية عام 1991، وبالتالي تعرَّضت أميركا لانتكاسة كبيرة في الشرق الأوسط، وفشلت حتى بالإيحاء أن عملية التسوية مازالت مستمرة ولكنها نسبت الفشل إلى رئيس الحكومة الإسرائيلية واعتبرت أن نتنياهو هو المسؤول عن الفشل.‏

إن السبب الأساسي في فشل مؤتمر الدوحة يعود إلى السياسة الأميركية وتأييدها المطلق لإسرائيل، مما جعل الحكومات الإسرائيلية تقرر دائماً ماتشاء وهي على ثقة من التأييد الأميركي المطلق لها داخل الأمم المتحدة وخارجها.‏

إن فشل المؤتمر فشل للسياسة الأميركية، وفشل للرئيس الأميركي بيل كلينتون ولوزيرة الخارجية مادلين أولبرايت، وفشل للجولات التي قامت بها أولبرايت ودينس روس ومارتن انديك في المنطقة في عشية انعقاده.‏



منطقة التجارة الحرة الأردنية- الإسرائيلية‏

وقع وزير الصناعة والتجارة الأردني هاني الملقي ووزير الصناعة والتجارة الإسرائيلي ناتان شارانسكي في الدوحة وقبل انعقاد الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الاقتصادي الرابع وبحضور مادلين أولبرايت اتفاقاً لإنشاء المنطقة الحرة في إربد بين الأردن وإسرائيل.‏

وصدر بيان بعد التوقيع أشار إلى أهمية قيام المنطقة الصناعية الحرة وفوائدها الكثيرة في مجال التجارة، وان قيامها يعني فرص عمل جديدة وفوائد وميزات استثمارية بين الأردن وإسرائيل. وأكد البيان أن الاتفاق يلبي رغبة الولايات المتحدة في دعم جهود التعاون والسلام، وإن مثل هذه الاتفاقات يساعد على التوصل إلى السلام في المنطقة، مشدداً على أن الولايات المتحدة ستبذل جهودها لتشجيع التعاون بين الأردن وإسرائيل.‏

ويتيح الاتفاق للبضائع المنتجة في المنطقة الحرة في إربد الدخول إلى الأسواق الأميركية بدون فرض رسوم جمركية عليها متمتعة بذلك باتفاق التجارة الحرة الموقع بين أميركا والكيان الصهيوني منذ أكثر من(10) سنوات.‏

وقالت أولبرايت، وزيرة الخارجية الأميركية التي حضرت توقيع الاتفاق مع ويليام وايلي وزير التجارة الأميركي "إن الولايات المتحدة التي تدعم هذه المنطقة باستقبال منتجاتها في أسواقها تثبت أن المشاركة الأميركية الفعالة في عملية السلام ليست بالحديث ولكن بالأفعال وهذه الرؤية هي أساس تلك المؤتمرات الخاصة بالتعاون الاقتصادي الإقليمي(110).‏

وأشادت أولبرايت بالخطوة الأردنية - الإسرائيلية الخاصة بتبادل رحلات الطيران ووصول الطائرات الإسرائيلية إلى مطار العقبة.‏

واعتبر العديد من المحللين والمختصين بشؤون المنطقة أن توقيع اتفاق المنطقة الحرة في إربد في مستهل مؤتمر الدوحة يمثل مكافأة لإسرائيل في الوقت الذي تمارس فيه أسوأ الممارسات ضد العرب.‏

وعقد وزير التجارة الأميركي وليم وايلي مؤتمراً صحفياً في الدوحة قال فيه "إن التبادل التجاري مع دول الشرق الأوسط يعادل 25 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي الأميركي. وإن صادرات واشنطون إلى المنطقة توفر(11) مليون وظيفة للمواطنين الأميركيين".(111)




التوقيع

إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بدّ أن يستجيب القــــدر
و لا بــــدّ لليــل أن ينجلــي
و لا بـــدّ للقيــد أن ينكسـر
رد مع اقتباس
قديم 04-20-2010, 04:25 PM   رقم المشاركة : 14
الهادي الزغيدي
عضو





الهادي الزغيدي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: - القمم والمؤتمرات الاقتصادية والأمنية من التطبيع إلى الهيمنة -

رابعاً مؤتمر الدوحة الاقتصادي الرابع

إصرار قطر على عقد المؤتمر‏

ركزت قطر على انعقاد المؤتمر بحجة "التزام دولي" لابد من تنفيذه وكأن تنفيذ الالتزامات الدولية محصور بالعرب. كانت الفرصة ملائمة جداً لقطر لتأجيل انعقاده أو عدم توجيه الدعوة للعدو الإسرائيلي وذلك بسبب تصعيد سياسته الاستيطانية والإرهابية وتخليه عن تنفيذ الاتفاقات التي التزم بتحقيقها. وهنا يبرز السؤال التالي لحكومة قطر:‏

لماذا تلتزم بتنفيذ الالتزام الدولي ولا تلتزم بتنفيذ الالتزام العربي الذي وافقت عليه في قمة القاهرة العربية في حزيران 1996، ووافق عليه مجلس الجامعة العربية في 30 آذار 1997 بوقف التطبيع مع الكيان الصهيوني؟ وبالتالي تكون قطر قد ضربت بالالتزام العربي عرض الحائط، ونفذت تعهدها باستضافة مؤتمر الدوحة نزولاً لرغبة الولايات المتحدة. إن قطر كافأت إسرائيل باستضافتها في بلد عربي وجنباً إلى جنب مع الدول العربية ورجال الاستثمار العرب في نفس الوقت الذي تتنكر فيه إسرائيل لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ومبادئ الشرعية الدولية، وتروّج مقولة "الأمن مقابل السلام". مما يشجعها على السير قدماً في مساعيها لفرض الهيمنة الاقتصادية على البلدان العربية وعدم الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة".‏

إن القول بأن حضور إسرائيل لا يُعد تطبيعاً، وإن قطر لا تنتهك قرار قمة القاهرة العربية قول غير صحيح، إذ ان مشاركة إسرائيل في المؤتمر جزء لا يتجزأ من عملية التطبيع القسرية التي تفرضها الإدارة الأميركية على الدول العربية.‏

وبالتالي تكون قطر قد سحبت من الدول العربية الورقة الوحيدة التي تملكها للوقوف أمام الأطماع والمزاعم والأساطير والخرافات والمجازر اليهودية. فرفض التطبيع هو الورقة الوحيدة التي يملكها العرب.‏

أما التبرير الذي يعتمد على القول بأن عقد المؤتمر ومشاركة إسرائيل فيه يشجعها على المضي في عملية التسوية فلا أساس له من الصحة. فلماذا تكون عملية دفع التسوية على حساب الحقوق العربية؟‏

وهل مؤتمر الدوحة كفيل بأن يسهم في عملية التسوية أم أنه يضع العراقيل في وجهها؟!‏

"إن الظهور بمظهر الإصرار على عقد مؤتمر الدوحة على هذا النحو، لم يعد يحمل معنى التمسك بشيء منسوب إلى عملية السلام، وإنما أصبح يبدو وكأنما هو إسهام عن وعي أو غير وعي في التعجيل بتصفية عملية السلام تصفية شاملة. هذا مايتطلع إليه نتنياهو، وهاهي أميركا راعية عملية السلام، بصدد أن تيسر له تحقيق تطلعه، بإصرارها على عقد مؤتمر الدوحة الاقتصادي في موعده. إنها تهيئ لنتنياهو فرصة وضع مخططه موضع التنفيذ، بدلاً من التصدي لمحاولاته نسف مبدأ مبادلة الأرض بالسلام، وتوجيه ضربة في الصميم "للقرار 242"(86).‏

كانت الحكمة والموقف الحكيم والسليم هو في تأجيل أو إلغاء المؤتمر الاقتصادي الرابع في الدوحة، ولكن حاكم قطر ذهب بعيداً في التجاوب مع الإرادتين الأميركية واليهودية. فحجة "احترام الالتزامات الدولية" ليست كافية أو مقنعة وتسقط إذا كانت تعرّض المصالح الوطنية والقومية والدينية إلى مخاطر كبيرة.‏

بالفعل الحق عقد المؤتمر الإضرار بمصالح قطر نفسها، وفي علاقاتها مع جيرانها وأشقائها العرب. واستضافت قطر المؤتمر كما أعلنت مراراً وتكراراً كالتزام دولي، وبناء على إلحاح أميركي. وقاطعته الدول العربية لأنها ربطت حضورها بإحراز تقدم في عملية التسوية.‏

وعندما انعقد مؤتمرا لدوحة، تغيبت عنه مصر والسعودية وسورية (الرافضة للمفاوضات المتعددة الأطراف والقمم والمؤتمرات الاقتصادية) والمغرب الذي احتضن القمة الاقتصادية الأولى في الدار البيضاء والسلطة الفلسطينية، وبالتالي لم يبق للمؤتمر أي معنى عربياً أو اقليمياً.‏

إن موقف قطر أحدث المزيد من الانقسام بين الدول العربية، بدلاً من تضامنها وتعاونها، حول موقف عربي موحد، ووجه طعنة إلى صميم الإجماع العربي وهو تفريط بالحقوق العربية وهدية إلى نتنياهو على إرهابه وغطرسته واستيطانه.‏

وجاء التصميم القطري على عقد المؤتمر بعدما أدت سياسة الحكومة الإسرائيلية وممارساتها إلى انهيار عملية السلام، وبعدما اقتنع العرب بأن مسلسل القمم الاقتصادية يجب أن يتوقف وأن البديل الوحيد للتعاون الاقتصادي الإقليمي هو التعاون الاقتصادي العربي.‏

إن المشاركة العربية في مؤتمر الدوحة تعني الموافقة العربية على الانخراط في التعاون الاقتصادي مع العدو الإسرائيلي قبل إحلال السلام العادل والشامل مع الأطراف العربية كافة.‏

كانت إسرائيل الطرف الوحيد الذي حقق أهدافه ومخططاته من القمم والمؤتمرات الاقتصادية وامتدت نشاطاتها الاقتصادية والتجارية والأمنية إلى الأردن وقطر وعُمان والمغرب وتونس، لتصل إلى البلدان العربية من المحيط إلى الخليج، كما حصلت على الاستثمارات الأجنبية الهائلة.‏

فلماذا إذن تعطي قطر "إسرائيل" المجال لتحقيق المزيد من المكاسب على حساب الأرض والثروات والحقوق العربية؟ لماذا أصرت قطر على عقد المؤتمر بعدما وصلت التسوية السياسية إلى الطريق المسدود؟!‏

لماذا تستفز قطر إيران التي عارضت عقد المؤتمر وتنظر بعين القلق إلى وصول النفوذ الإسرائيلي إلى حدودها؟ في بادئ الأمر اشترطت قطر تخلي نتنياهو عن بناء المستوطنات، واستئناف المفاوضات مع سورية من النقطة التي توقفت عندها، لكي توافق على استضافة المؤتمر.‏

ولكن الحكومة الإسرائيلية لم تحقق ذلك، بل صعدت من سياسة الاستيطان والقمع والتجويع والإرهاب. فلماذا تمسكت قطر بالرغم من ذلك بعقد المؤتمر في موعده المحدد؟! حتى المغرب عراب القمم الاقتصادية ألغت المؤتمر الوزاري الأوروبي - المتوسطي حتى لا تحضره إسرائيل.‏

تذرعت قطر في الماضي بعقد المؤتمر، بحجة أن التعاون الاقتصادي بين العرب وإسرائيل يشجعها على استكمال مسيرة السلام. فأين هي مسيرة السلام الآن؟!‏

إن الأحداث والتطورات أثبتت خطورة هذه المقولة، لأنها تشجع إسرائيل على المضي في سياستها الاستيطانية والإرهابية.‏

هل تستطيع إمارة قطر بعدد سكانها وحجمها ووزنها أن تحمل إسرائيل على المضي قدماً في العملية السلميَّة إذا عقدت مؤتمر الدوحة في موعده المحدد؟!‏

إن مواجهة الموقف الإسرائيلي الرافض للسلام العادل لا يأتي من خلال القبول بهيمنة إسرائيل على الاقتصادات العربية وإنما من خلال موقف عربي موحد، يحمل الولايات المتحدة على التحرك الفعلي والجاد، إذ أنه بعد عملية مدريد، وبعد توقيع اتفاق الإذعان في أوسلو ووادي عربة لم تتبدل الصهيونية، ولم يتغير الكيان الصهيوني، بل تابع سياسته المدمرة القائمة على التمسك بالاحتلال وتصعيد الاستيطان والهجرة والترحيل.‏

ولابد هنا من الإشارة إلى أن مشاركة اليمن في مؤتمر الدوحة، بحجة مكافأة قطر على دعمها للوحدة اليمنية يعبِّر عن التمويه والتضليل، لأنه لا يمكن تصوير الموقف الذي يخدم مصالح إسرائيل على أنه مكافأة لقطر.‏

إن الموقف اليمني خروج على الموقف العربي الموحد، ويضعف الموقف العربي في مواجهة إسرائيل، ويعزز الشرذمة العربية، ويبارك مواصله العدو الإسرائيلي لسياسته القمعية والاستيطانية، ومكافأة لحكومة قطر على تمردها على الإجماع العربي.‏



مصر ومؤتمر الدوحة‏

أحجمت مصر عن الإعلان عن المشاركة أو عدم المشاركة في مؤتمر الدوحة الاقتصادي حتى اللحظة الأخيرة. واشترطت مشاركتها فيه بإحراز تقدم ملموس في عملية السلام.‏

ويعني الموقف المصري تأكيد أن التعاون الإقليمي في المنطقة يرتبط بعملية السلام. فلماذا اتخذت مصر هذا الموقف؟!‏

نظمّت الولايات المتحدة المفاوضات المتعددة الأطراف لتحقيق التعاون الإقليمي في المنطقة وجاء اتفاق الإذعان في أوسلو عام 1993 ومعاهدة وادي عربة عام 1994 للتخفيف من الحواجز السياسية والنفسية وإتاحة الفرصة لعقد المؤتمر الاقتصادي الأول في الدار البيضاء في تشرين الثاني عام 1994.‏

فالمفاوضات الثنائية والمتعددة الأطراف والقمم والمؤتمرات الاقتصادية نجمت عن مؤتمر مدريد وكامتداد لعملية التسوية في المنطقة وكجزء لا يتجزأ منها. ولذلك كان من الطبيعي أن تتأثر المؤتمرات الاقتصادية بوصول عملية التسوية إلى الطريق المسدود.‏

لذلك انعكس التعثر في عملية التسوية ووصولها إلى الطريق المسدود على كافة المسارات وعلى المؤتمر الاقتصادي الرابع في الدوحة.‏

وأخذت بعض البلدان العربية التي كانت متحمسة جداً للمؤتمرات الاقتصادية كالمغرب في مراجعة موقفها تضامناً ودعماً لسورية ولبنان لاسترجاع أراضيهما المحتلة من العدو الإسرائيلي.‏

وانطلقت مصر في تحديد موقفها من أن المشاركة تعني مكافأة إسرائيل على ممارساتها واعتداءاتها في حين أن عدم المشاركة يعني رفض المواقف والممارسات الإسرائيلية والاحتجاج عليها والتحذير منها.‏

إن إسرائيل تسعى جاهدة بمساعدة الولايات المتحدة وبعض بلدان أوروبا الغربية إلى أن تتعامل مع البلدان العربية من موقع المتفوق عسكرياً وتريد أن تفرض علاقات اقتصادية من موقع القوة والتفوق والتمسك بالاحتلال والتهديد بالحرب والاستمرار في سياسة الاعتداءات اليومية على الشعبين الفلسطيني واللبناني.‏

إن مغزى تعليق مشاركة مصر حتى اللحظة الأخيرة يعني "هو أن مصر لا تعترض على التعاون الاقتصادي الإقليمي من حيث المبدأ ولكنها تعترض على الشروط التي يتم فيها هذا التعاون، وطبيعة علاقته بعملية السلام. فالتعاون الاقتصادي الإقليمي من وجهة النظر المصرية مطلوب ومرغوب، ليس فقط لدعم السلام وإنما أيضاً لما يمكن أن يحققه من تنمية وتطوير لكافة بلدان المنطقة(87).‏

ويعتقد المحللون السياسيون أن تأجيل إعلان الموقف المصري حتى اللحظة الأخيرة يعني حرص مصر الشديد على عدم الضغط على أي بلد عربي لعدم المشاركة في المؤتمر.‏

"فكلا الموقفين (المصري والأميركي) ينطوي على ضغط معين! الموقف المصري يستهدف عقد المؤتمر والحضور فيه، كورقة للضغط على الإسرائيليين للمضي قدماً في عملية السلام. أما الموقف الأميركي فينطوي على ضغط على الدول العربية لعقد المؤتمر وتأمين الحضور فيه، للمضي قدماً في مشروعات التعاون الاقتصادي الإقليمي بصرف النظر عن عملية السلام، بصرف النظر عن التعثر أو التراجع في عملية السلام"(88).‏

ويمكن تلخيص المبررات التي دفعت مصر لعدم المشاركة على الشكل التالي:‏

* إن مقاطعة المؤتمر تضاعف الضغوط الداخلية في إسرائيل على الحكومة وتزيد من التناقضات داخل تحالف الليكود وبينه وبين المعارضة العمالية.‏

* إن مقاطعة المؤتمر تؤكد للأميركيين والإسرائيليين رفض مصر لسياسة الحكومة الإسرائيلية الحالية التي تدمر عملية السلام ورفضها للسياسة الأميركية التي تكيل بمكيالين.‏

* يعطي الحضور العربي للمؤتمر الانطباع بأننا أمة ضعيفة ورهن إشارة الغير، رهن إشارة الولايات المتحدة واليهودية العالمية.‏

*أما قول بعض الأطراف العربية بأن الحضور يدفع "عملية السلام" إلى الأمام ويعري إسرائيل أمام العالم فإن هذه التعرية واضحة ولا تحتاج للمشاركة في المؤتمر.‏

وتعمل الحكومة الإسرائيلية وبتأييد من قطعان المستوطنين وغالبية الشعب الإسرائيلي على فرض السلام الإسرائيلي الذي يستند إلى منطق القوة والردع ويركز على التفوق العسكري واستخدام القوة أو التهديد باستخدامها.‏

وتعمل أيضاً على إجهاض ماتم التوصل إليه من اتفاقات إذعان صاغتها وأملتها حكومة حزب العمل السابقة وذلك من خلال عدم تنفيذ الاتفاقات المبرمة والتوسع ببناء المستوطنات، والاعتداءات المتكررة على المقدسات الإسلامية في الحرم الإبراهيمي والمسجد الأقصى.‏

وأدت السياسة الإسرائيلية التوسعية والاستيطانية والإرهابية إلى إحراج الدول العربية التي وقعت اتفاقات مع الكيان الصهيوني أمام شعوبها، وتأكيد مصداقية الموقف الشعبي الرافض للسلام الإسرائيلي وتطبيع العلاقات، وتراجع أصحاب رؤوس الأموال عن الاستثمار في مشروعات التنمية، وعدم الوثوق بالاتفاقات التي توقعها إسرائيل.‏

إن التعاون العربي- العربي يجب أن يكون جوهر وأساس ومحور التعاون الإقليمي، لذلك لا يجوز إطلاقاً أن يجلس بلد عربي ويتفاوض مع العدو الإسرائيلي ويبحث معه في التعاون الاقتصادي الإقليمي، فالمؤتمرات الاقتصادية الإقليمية ترمي إلى إفقاد النظام العربي هويته ودمجه في "الشرق أوسطية" التي تعمل الولايات المتحدة على إعطاء إسرائيل وتركيا قيادتها. كما يشارك في مؤسساتها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وبعض الدول الآسيوية مما قد يؤثر في الأحداث في غير مصلحة الدول العربية.‏

ويقوم الموقف المصري على التزاوج بين المصلحة العربية والالتزام باستراتيجية السلام واعتبار التعاون العربي-العربي محور التعاون الإقليمي والأساس في أي حوار شرق أوسطي أو متوسطي. إن ماحدث في الدوحة خرج تماماً عن الحرص على الحقوق والمصالح العربية والتضامن ووحدة الموقف العربي وتنفيذ التزامات قطر العربية. ويعتبر بداية مرحلة جديدة وخطيرة تكرسها قطر معادية للحقوق والمصالح العربية وضد السلام العادل والشامل.‏

لقد أبلغ الرئيس مبارك بتاريخ 11/11/1997، أعضاء الهيئة البرلمانية للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم قرار مصر عدم حضور مؤتمر الدوحة وقال: "إن لكل دولة قرارها الخاص النابع من سيادتها وتقديرها للمصالح والنتائج التي يمكن أن يحققها المؤتمر".(89).‏

وأعلن الرئيس مبارك أن مصر لن ترسل وفداً رسمياً لحضوره.‏

كما أعلن وزير الخارجية المصري عمرو موسى أن المؤتمر يأتي في وقت غير مناسب لأن عملية السلام متوقفة وأكد الرئيس مبارك" إن المعيار الذي وضعته مصر في اعتبارها هو مدى مايحققه انعقاد المؤتمر من مصالح سواء على مستوى الدولة الواحدة أو مدى استفادة الأمة العربية من نتائجه"(90).‏

وقال الرئيس مبارك: "إن الهدف من عقد مؤتمر اقتصادي هو خلق تعاون بين إسرائيل والمجتمع العربي وذلك أمر مرهون بالسلام والتزام إسرائيل بتنفيذ الاتفاقيات. وشدد على أن ليس في استطاعته تجاهل توجهات الرأي العام المصري بكل ميوله واتجاهاته والتي أجمعت كلها على رفض المشاركة في المؤتمر الاقتصادي.‏

ورحبت الأحزاب والقوى السياسية في مصر بقرار الرئيس مبارك مقاطعة المؤتمر، واعتبرته استجابة للرأي العام الشعبي.‏

وأكد السيد ضياء الدين داوود، الأمين العام للحزب الناصري ترحيبه بالقرار وقال: "إنه "جاء متأخراً" لكنه استجاب إلى مطالب الرأي العام المصري"(91).‏

وقال إن عدم المشاركة يجب أن ينطلق من موقف مبدئي مضاد لمخططات ساعية إلى السيطرة على المنطقة وإلغاء هويتها، والمؤتمرات الاقتصادية جزء من هذه الأفكار.‏

وأكدّ أيضاً الناطق الرسمي في حزب التجمع : "ترحيبه البالغ بقرار عدم المشاركة في المؤتمر". واعتبر أنه جاء استجابة للرأي العام والأحزاب والقوى السياسية التي وقفت منذ البداية ضد النظام الشرق أوسطي.‏

وأعرب دينس روس، منسق عملية السلام عن خيبة الأمل لقرار مصر التي اعتبرها "شريكة وصديقة وحليفة للولايات المتحدة الأميركية"، وقال: "إن مؤتمر الدوحة ليس خدمة لأحد"، وشدد مارتن انديك تعليقاً على مقاطعة مصر للمؤتمر وقال: " نشعر بالخيبة لأن بعض أصدقائنا لا يشاركوننا هناك، ونشعر أننا لا نستطيع أن نسمح لمؤسسات عملية السلام أن تنهار لأنه سيكون من الصعب إحياؤها"(92).‏



الموقف العربي من عقد المؤتمر‏

أكد وزير الخارجية السعودية أن بلاده لن تشارك في المؤتمر لأنه "لم يحصل تقدم في عملية السلام حتى تغيِّر من موقفها. إن السياسة الإسرائيلية الهوجاء هي التي تمنع أي تعاون إقليمي في المنطقة وتعطّل عملية السلام".(93).‏

وجاء الرفض السعودي بعد الزيارة التي قام بها مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط مارتن انديك إلى السعودية، وبعدما تعرضت السعودية لضغوط أميركية قوية للمشاركة في مؤتمر الدوحة.‏

وانضمَّت الإمارات العربية والبحرين إلى مقاطعي المؤتمر وكذلك المغرب.‏

وفي أبو ظبي أكدت دولة الإمارات عدم مشاركتها في المؤتمر وأعلن مصدر مسؤول: "إن دولة الإمارات قررت عدم حضور المؤتمر لعدم حصول تقدم ملموس في عملية السلام في الشرق الأوسط وعلى المسارات المختلفة"(94).‏

وكان الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان قد حدد موقف دولة الإمارات في آب 1997 بعدم المشاركة في المؤتمر لأنه يضر بمصالح دول عربية شقيقة. وقال الشيخ زايد: "إن الإمارات لا يمكنها حضور مؤتمر الدوحة إرضاء لدولة عربية شقيقة على حساب دولة عربية شقيقة أخرى".‏

وكانت الإمارات العربية قد ربطت مشاركتها في المؤتمر بحدوث تقدم على كل المسارات، بما فيها المسارين السوري واللبناني.‏

وأعلنت البحرين مقاطعتها للمؤتمر بالرغم من أنها ترتبط بعلاقات قوية مع الولايات المتحدة الأميركية، فالبحرين هي مقر الأسطول الخامس الأميركي في الخليج، حيث أن بينها وبين واشنطن اتفاقية أمنية ودفاعية وتعتمد في تسليحها على الصناعات العسكرية الأميركية بصفة أساسية، إضافة إلى ذلك يعتقد بعض المحللين السياسيين أن أي انزعاج أميركي من البحرين يدفع الإدارة الأميركية إلى تبني معزوفة حقوق الإنسان أو بعض الشعارات التي يرفعها الشارع البحريني.‏

كما يلعب النزاع البحريني- القطري حول الحدود دوراً في تحديد موقف البحرين من المشاركة في مؤتمر الدوحة. ومن الجدير بالذكر إن المناخ الشعبي في البحرين يعارض تطبيع العلاقات مع العدو الإسرائيلي، إذ أن هناك معارضة قوية ومتزايدة تعارض أي شكل من أشكال التطبيع معه.‏

ونوّهت الصحف السورية بالتزام مصر والسعودية والمغرب بقرارات الجامعة العربية في القاهرة وأكدت أن مواقف هذه الدول "تستحق التقدير وتؤسس لتضامن عربي حقيقي ولعمل عربي مشترك له فاعليته في الساحة، ويتصدى لمخططات الحكومة الإسرائيلية"(95).‏

وانتقدت الصحف موقف الأردن والكويت واليمن التي أعلنت مشاركتها في المؤتمر في وقت تجاهر فيه الحكومة الإسرائيلية بعزمها على ابتلاع القدس ومعظم أراضي الضفة الغربية إلى جانب الجولان، مع تأكيد استمرار احتلال أجزاء من جنوب لبنان.‏

وقال وزير خارجية اليمن، عبد الكريم الأرياني: "إننا نشارك في مؤتمر الدوحة مجاملة لقطر وليس للجلوس مع الإسرائيليين. وإن الوفد اليمني المشارك غير مسموح له بالاجتماع مع أي إسرائيلي في المؤتمر. ولكن اليمن اتخذت قرار المشاركة لإرضاء الولايات المتحدة بالدرجة الأولى حيث قال وزير الإعلام اليمني، عبد الرحمن الأكوع: "إن المبعوث الأميركي مارتن انديك الذي طاف بالعواصم العربية قد طالب العرب بضرورة المشاركة في مؤتمر الدوحة حتى لا تصاب وزيرة الخارجية الأميركية بالإحباط".(96).‏

لم تعلن الكويت موقفها من المشاركة في مؤتمر الدوحة إلاّ بعد أن قام مارتن انديك بزيارتها في إطار جولة شملت دول الخليج كلها ومصر واليمن، حاملاً رسائل من الرئيس الأميركي يحث فيها على المشاركة في مؤتمر الدوحة.‏

وكان متوقعاً إلاّ تتخذ الكويت موقفاً يتعارض مع التوجه الأميركي مع الأخذ بعين الاعتبار موقف دول الخليج.‏

وانطلاقاً من هذين الاعتبارين أعلن مسؤول كويتي: "إن المسألة بالنسبة للكويت ليست الحضور أم لا بل مستوى التمثيل".(97).‏

وتعود مشاركة الكويت في مؤتمر الدوحة إلى حرب الخليج الثانية والعلاقة الخاصة جداً بينها وبين الولايات المتحدة والتي توطدت من جراء الحرب والنتائج التي تمخضت عنها والتواجد العسكري الأميركي فيها.‏

وفي مسقط أعلنت سلطنة عُمان مشاركتها في المؤتمر الاقتصادي وصدر بيان عن وزارة الخارجية العمانية جاء فيه أن السلطنة ستشارك بوفد يترأسه وكيل وزارة التجارة والصناعة. وعزّا البيان مشاركة السلطنة في المؤتمر إلى أنه سيعقد في إحدى دول مجلس التعاون الخليجي وإلى الجهود الأميركية التي تبذل لإعادة مسار المفاوضات.‏

وفي الرباط أكد مسؤول مغربي رفيع المستوى أن بلاده لن تشارك في مؤتمر الدوحة وقال: "إن المغرب لن يحضر مؤتمر الدوحة لأنه لم يحدث أي انفراج في عملية السلام (98). وفي تونس صرح وزير الخارجية بأن تونس ستحضر المؤتمر لأنه يندرج في إطار إنقاذ عملية السلام رغم تعنت الحكومة الإسرائيلية.‏

وأكد عمرو موسى ، وزير خارجية مصر أن انعقاد مؤتمر الدوحة جاء في وقت غير مناسب، وأن مصداقيته غير مقبولة في المنطقة، وهناك رفض كبير لحضوره، وأنه كان من الأفضل إعادة النظر في هذا الموضوع في ظل الظروف الحالية.(99).‏

وعلق وزير الخارجية القطري على الموقف المصري وقال "براحتهم". وكرر أن مسألة انعقاد المؤتمر قضية مبدأ والتزام دولي.‏

واعتبر وزير خارجية إيران كمال خرازي: "إن تطبيع بعض الدول العربية العلاقات مع الكيان الصهيوني ضربة كبيرة للجسد الإسلامي".(100).‏

اعتبر الرأي العام العربي أن عقد مؤتمر الدوحة في ظل تصاعد المواقف والممارسات العدوانية والإرهابية والاستيطانية الإسرائيلية كتهويد القدس، ورفض الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة بمثابة مباركة عربية لجرائم إسرائيل واعتداءاتها وتهويدها للأرض والمقدسات العربية.‏

ونظم المؤتمر الشعبي اللبناني اعتصاماً أمام سفارة قطر في بيروت، يوم افتتاح المؤتمر احتجاجاً على انعقاده في الدوحة. وطالب المتحدثون بالاعتصام" بتجميد عضوية قطر في الجامعة العربية وباعتبار المؤتمر باطلاً وقراراته باطلة، وبأن يسحب لبنان سفيره من قطر، ويطلب من السفير القطري مغادرة لبنان".(101).‏

وقال وزير الاقتصاد اللبناني ياسين جابر إن مؤتمر الدوحة سيفشل، داعياً إلى تحصين أنفسنا في المستقبل لمواجهة مايطرح في مؤتمرات شبيهة بمؤتمر الدوحة. وقال: "إن مواجهة التحديات في مؤتمرات الشرق الأوسط لا تتم إلاّ من خلال عمل عربي مشترك في كل المجالات وخصوصاً في المجال الاقتصادي. ومن هنا ترتدي المنطقة العربية التجارية الحرة المزمع البدء بتنفيذها في أول كانون الثاني 1998 أهمية خاصة كونها ستكون المدخل والبداية للوصول إلى السوق العربية المشتركة".(102).‏

ووجه فاروق أبو عيسى، الأمين العام لاتحاد المحامين العرب التحية إلى الرئيس حسني مبارك على قراره بمقاطعة مؤتمر الدوحة، وقال: "إن هذا الموقف العظيم يعبر عن إرادة شعب مصر والأمة العربية التي ترفض أي تعامل مع إسرائيل حتى يتحقق السلام الشامل والعادل وتحرر كل الأرض العربية.‏

إن اتحاد المحامين العرب له موقف مبدئي ضد مايسمى بمؤتمرات الشرق أوسطية التي تهدف إلى تعزيز القوة الإسرائيلية"(103).‏

ورأى شمعون بيرس أن مؤتمر الدوحة رسالة ناجحة، مبدياً ارتياحه إلى رد وزير خارجية قطر على مصر حين انتقدت المؤتمر.‏

لقد أغضبت قطر حلفاءها الأقوياء في دول مجلس التعاون الخليجي وفي بقية البلدان العربية لعقد المؤتمر، واتهمها هؤلاء الحلفاء الأقوياء بأنها تبث الفرقة بين البلدان العربية لإرضاء إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية. وحاولوا إقناعها بإلغاء المؤتمر أو تأجيله احتراماً لمشاعر الدول العربية والرأي العام العربي والإسلامي، لكن أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي أطاح بأبيه رفض الاستجابة للموقف العربي الذي أقرته الجامعة العربية لذلك وضع المؤتمر قطر على الجانب المعادي للعرب.‏



عقد المؤتمر‏

افتتح أمير دولة قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني مؤتمر الدوحة في 16/11/1997 منتقداً في كلمته الافتتاحية الدعوات التي صدرت لتأجيل المؤتمر الاقتصادي أو إلغائه. وذكّر بالظروف التي أحاطت بعقد المؤتمر وأدت إلى اتخاذ مواقف تجاهه وصلت إلى درجة المناداة بتأجيله أو إلغائه أو مقاطعته، وقال:‏

"مع احترامنا لتلك المواقف نؤكد أن استضافة قطر هذا المؤتمر لا تنطلق من مصلحة خاصة بها دون غيرها وإنما كان قرارها تنفيذاً لالتزام دولي".‏

وباسم الرئيس كلينتون نوهت أولبرايت بجهود قطر في تنظيم المؤتمر، مشدّدة على أهمية الأمن والسلام والرفاهية لكل شعوب المنطقة وعلى أن بذور الكراهية لن تؤدي إلى السلام، وتحدثت أولبرايت عن هدف المؤتمرات الاقتصادية، وهو:"أن نتعاون مع بعضنا بعضاً"(104). وحاولت التغطية على فشل المؤتمر بالتحريض على العراق. وغاب عن المؤتمر الحديث عن مشروعات مشتركة وصفقات تجارية واتفاقات اقتصادية وآليات ومؤسسات لترسيخ نظام الشرق الأوسط الجديد.‏

وكان الاتفاق الوحيد هو الاتفاق الذي قدمه الأُردن لإسرائيل والولايات المتحدة وهو توقيع اتفاق أردني-إسرائيلي- أميركي لإقامة منطقة للتبادل التجاري الحر في إربد على مقربة من الحدود السورية.‏

وأثارت مقاطعة الدول العربية للمؤتمر شكوكاً وتساؤلات حول الجدوى من عقد المؤتمرات الاقتصادية، بحيث لم تتقدم ولا دولة واحدة لاستضافة المؤتمر الاقتصادي الخامس. وتقرر تأجيل هذا الأمر إلى مطلع العام 1998.‏

وباستثناء الأردن تمثلت الدول العربية بوكلاء وزارات أو وزراء دولة. وترأس ناتان شارانسكي وزير الصناعة والتجارة الوفد الإسرائيلي. ويذكر أن شارانسكي قال إن إسرائيل مستعدة لقبول عقد المؤتمر القادم في بيت لحم.‏

وعلق وزير الخارجية السوري فاروق الشرع على مؤتمر الدوحة وقال: "إن كل مؤتمر لا يجمع عليه العرب هو مؤتمر فاشل وبالنسبة للمشاركة العربية فهي ليست ذات شأن"(105).‏

واختتم المؤتمر الاقتصادي الرابع في الدوحة في 18/11/1997 بتحقيق إسرائيل نجاحاً في تخفيف حدة الانتقادات الموجهة لسياستها التي تسببت في تعطيل عملية التسوية، فيما أجمع المعلقون والمسؤولون السياسيون والاقتصاديون الذين شاركوا في المؤتمر على فشله.‏

ولكن وزير الدولة للشؤون الخارجية أحمد بن عبد الله المحمود أعلن نجاح المؤتمر وقلل من أهمية المقاطعة العربية له.‏

وأصدر المشاركون بياناً ختامياً صاغته لجنة مؤلفة من إسرائيل وكندا والاتحاد الأوروبي واليابان والأردن وتونس وقطر والولايات المتحدة، وممثل لأمانة المؤتمرات الاقتصادية في الرباط، أكدوا فيه التزامهم الشديد بتحقيق السلام العادل والشامل والدائم في الشرق الأوسط.‏

واعتبر المشاركون في المؤتمر في البيان الختامي أن السلام يجب أن يقوم على قاعدة صيغة مؤتمر مدريد، أي الأرض مقابل السلام. وشددوا على تطبيق الاتفاقات الموقعة بين إسرائيل والفلسطينيين.‏

ودعوا إلى رفع فوري لجميع القيود وإجراءات الاغلاق، وانتقدوا الاغلاق المتكرر من قبل إسرائيل لمناطق السلطة الفلسطينية.‏

ووجهوا الشكر إلى قطر لاحترامها تعهدها الدولي باستضافة المؤتمر على الرغم من الظروف السياسية الصعبة.‏

وأرجأ المشاركون تحديد موعد ومكان انعقاد المؤتمر القادم إلى حين انعقاد المنتدى الاقتصادي العالمي دافوس في نهاية كانون الثاني عام 1998.‏

وأشار المدير المساعد للشؤون الاقتصادية في وزارة الخارجية الإسرائيلية إلى أن إسرائيل وجهت رسالة إلى رئاسة المؤتمر تعرب فيها عن تحفظها على ذكر مبدأ الأرض مقابل السلام.‏

واعترفت إسرائيل بأن الوفد الإسرائيلي إلى المؤتمر وجد نفسه معزولاً ولكنه نجح في الحد من الأضرار في البيان الختامي الذي كانت صيغته الأولى أشد قسوة مما جاء فيه.‏

وقال أعضاء في وفود رسمية شاركت في المؤتمر إن الولايات المتحدة مارست ضغوطاً على تونس وتركيا وسلطنة عمان لاستضافة المؤتمر القادم.‏

"وتوقع بيرس أن تعود الدول العربية إلى المشاركة في المؤتمرات المقبلة قائلاً:"إنها جاءت إلى المؤتمرات السابقة لذلك يمكنها أن تحضر إلى المؤتمرات المقبلة".‏

ويقول رجال أعمال عرب حضروا القمم الاقتصادية السابقة بحماس وأعلنوا مقاطعتهم لمؤتمر الدوحة: "إن القمم الاقتصادية لم تحقق الهدف الذي أقيمت من أجله وهو خلق مناخ شرق أوسطي ملائم لدمج إسرائيل في العملية الاقتصادية في المنطقة بعد تحولها من عدو إلى شريك في عملية سلام يفترض أن تنهي النزاع العربي -الإسرائيلي بتحقيق طموحات الشعب الفلسطيني(106).‏

ويقول رجل الأعمال العماني عبد القادر عسقلان: "إن أياً من الدول العربية لم تحقق إنجازات تذكر على أثر القمم السابقة. ليس هناك سوى مستفيد واحد من عملية التطبيع الجارية عبر هذه المؤتمرات الاقتصادية هو إسرائيل"(107).‏

ويقول مستثمر فلسطيني يقيم في نيويورك: "إن العديد من الصفقات التي أُبرمت وسط التهليل في حينه لم تنفذ، والوضع على الأرض في المناطق الفلسطينية بات كارثياً والشرق الأوسط الجديد الذي وُعِدنا به بات أسوأ من الشرق الأوسط القديم، وعليه يخلص إلى أن العجلة الاقتصادية لا يمكنها أن تتخطى العجلة السياسية.‏

لقد أثبتت المقاطعة العربية للمؤتمر الاقتصادي الرابع في الدوحة، بعد الضغط الأميركي الهائل على الدول العربية للمشاركة فيها أن لا تطبيع للعلاقات مع الكيان الصهيوني وأنه لا مكان له في الوطن العربي، وأثبتت بجلاء خطأ دعاة التطبيع معه والحوار مع حركة السلام الآن لأنه لا فرق بين العمل والليكود ولا فارق بين نتنياهو وبيرس جزار مذبحة قانا أو ايهود باراك، الإرهابي الذي تلطخت يداه باغتيال الشاعر كمال ناصر وكمال عدوان وابو يوسف النجار.‏

لذلك عندما أعلن الرئيس مبارك قراره بمقاطعة مؤتمر الدوحة كان يعبر بصدق عن ضمير الأمة ومشاعر الشعب العربي كله، ويجسد فهم مصر العميق لدور مصر القومي. فكيف تسمح حكومة عربية لنفسها أن تتمرد على الموقف العربي وتخرج عن وحدة الصف العربي وتعقد مؤتمراً فوق أرضها يخدم مصالح العدو الصهيوني وضد المصلحة العربية؟‍! كان الأجدر بقطر أن تبادر وتعلن عن تأجيل عقد المؤتمر المحكوم عليه بالفشل قبل انعقاده نصرة لعروبة القدس وانتصاراً للحقوق القومية والدينية للعرب والمسلمين، في أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ومدينة الإسراء والمعراج.‏

ووصلت وقاحة اليهودية مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية الأميركية حداً أصرّتْ فيه على عقد المؤتمر مهما كانت النتائج وأعلنت أنها ستذهب إلى الدوحة في الموعد المحدد ولو لشرب فنجان القهوة حتى ولو لم يكن أحد في قاعة المؤتمر.‏

الولايات المتحدة ومؤتمر الدوحة‏

فشلت الولايات المتحدة في تحقيق نجاح مؤتمر الدوحة الاقتصادي وتلقّتْ ضربتين:‏

الأولى: عندما فشلت في حشد أكبر مشاركة عربية للمؤتمر، حيث أرسلت وزيرة الخارجية ومنسق عملية التسوية ومعاون وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأوسط، وفشلوا في إقناع مصر والسعودية بالمشاركة، وبالتالي فشلت في إجبار الدول العربية على الخضوع والإذعان لمشيئتها القائمة على خدمة مصالحها ومصالح العدو الإسرائيلي وعلى حساب المصالح العربية.‏

والثانية: فشل المؤتمر في تحديد زمان ومكان انعقاد المؤتمر القادم، الأمر الذي اعتبره المحللون السياسيون بمثابة الضربة الثانية للولايات المتحدة الأميركية وعملية التطبيع.‏

وكان إعلان المغرب عدم المشاركة والذي لعب الدور الأساسي في إنجاح القمم الاقتصادية و التطبيع ضربة إضافية للسياسة الأميركية.‏

ونسبت صحيفة هآرتس الإسرائيلية إلى مسؤول أميركي قوله إن "أولبرايت أكدت في نقاش داخلي أنه إذا مافشل مؤتمر الدوحة فإن الذنب يقع بدرجة كبيرة على إسرائيل التي حالت بسبب عنادها دون حدوث تقدم في عملية السلام(108).‏

إن الأسباب التي أدت إلى فشل مؤتمر الدوحة هي:‏

أولاً: تجميد حكومة بيرس للمفاوضات على المسارين السوري واللبناني.‏

ثانياً: وصول اتفاق أوسلو الذي فتح الأبواب العربية أمام الاختراق الإسرائيلي للوطن العربي والتطبيع معه إلى طريق مسدود.‏

ثالثاً: تصاعد الاستيطان والإرهاب الإسرائيلي والعمل على تطبيق مقولة الأمن مقابل السلام.‏

رابعاً: تزايد الغضب والسخط العربي على الانحياز الأميركي المطلق لإسرائيل ومعاداة إدارة كلينتون المتصهينة لكل ماهو عربي، ومنع مجلس الأمن من معاقبة إسرائيل على مجزرة قانا والكيل بمكيالين وتشديد الحصار على العراق وليبيا والسودان.‏

وتدعم الإدارة الأميركية في الوقت نفسه ممارسة إسرائيل للإرهاب كسياسة رسمية.‏

وسقط منطق المراهنة على حياد الولايات المتحدة الأميركية، حيث ظهر بجلاء أن ارتماء بعض العرب في أحضان أميركا والاستجابة إلى مطالبها لا يغير من دعمها وتأييدها وانحيازها لإسرائيل ومعاداتها للحقوق والمصالح العربية. ويستخلص رئيس تحرير جريدة الأهرام من ردود الفعل الأميركية على مقاطعة مصر لمؤتمر الدوحة النقاط الثلاث التالية:‏

1- التأكيد على أن طبيعة العلاقة بين مصر والولايات المتحدة تسمح بالاختلاف بحكم أن لكل دولة منهما ظروفها، ومسؤولياتها دولياً وأقليمياً، وكذلك أوضاعها وارتباطاتها، سواء في المنطقة التي توجد فيها أو على المستوى الدولي.‏

2- تأكيد الاعتراف بأهمية دور مصر في دفع عملية السلام والاحتياج إليه، وإن هذا الدور قائم قبل حدوث أي خلاف، ثم إنه قائم ومستمر بعد حدوث أي خلاف بما في ذلك حضور مؤتمر الدوحة أو عدم حضوره.‏

3- إن الموقف الأميركي يستوعب استقلالية الدور المصري ويعترف بأنه قد يكون مفيداً له وليس على العكس، فعلى المستوى القومي تستطيع الجماهير العربية أن تثق في أن الاختيار المصري يستند إلى استقلالية إرادته وتفكيره، بالتأكيد تثق في تعبيره عن المصالح القومية المجردة، دون خضوع لأي ضغوط أو مؤثرات خارجية.(109).‏

إن فشل المؤتمر فشل أميركي بالدرجة الأولى. ويجسد الفشل الأميركي في عملية التسوية التي بدأتها الولايات المتحدة في ذروة انتصارها في حرب الخليج الثانية عام 1991، وبالتالي تعرَّضت أميركا لانتكاسة كبيرة في الشرق الأوسط، وفشلت حتى بالإيحاء أن عملية التسوية مازالت مستمرة ولكنها نسبت الفشل إلى رئيس الحكومة الإسرائيلية واعتبرت أن نتنياهو هو المسؤول عن الفشل.‏

إن السبب الأساسي في فشل مؤتمر الدوحة يعود إلى السياسة الأميركية وتأييدها المطلق لإسرائيل، مما جعل الحكومات الإسرائيلية تقرر دائماً ماتشاء وهي على ثقة من التأييد الأميركي المطلق لها داخل الأمم المتحدة وخارجها.‏

إن فشل المؤتمر فشل للسياسة الأميركية، وفشل للرئيس الأميركي بيل كلينتون ولوزيرة الخارجية مادلين أولبرايت، وفشل للجولات التي قامت بها أولبرايت ودينس روس ومارتن انديك في المنطقة في عشية انعقاده.‏



منطقة التجارة الحرة الأردنية- الإسرائيلية‏

وقع وزير الصناعة والتجارة الأردني هاني الملقي ووزير الصناعة والتجارة الإسرائيلي ناتان شارانسكي في الدوحة وقبل انعقاد الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الاقتصادي الرابع وبحضور مادلين أولبرايت اتفاقاً لإنشاء المنطقة الحرة في إربد بين الأردن وإسرائيل.‏

وصدر بيان بعد التوقيع أشار إلى أهمية قيام المنطقة الصناعية الحرة وفوائدها الكثيرة في مجال التجارة، وان قيامها يعني فرص عمل جديدة وفوائد وميزات استثمارية بين الأردن وإسرائيل. وأكد البيان أن الاتفاق يلبي رغبة الولايات المتحدة في دعم جهود التعاون والسلام، وإن مثل هذه الاتفاقات يساعد على التوصل إلى السلام في المنطقة، مشدداً على أن الولايات المتحدة ستبذل جهودها لتشجيع التعاون بين الأردن وإسرائيل.‏

ويتيح الاتفاق للبضائع المنتجة في المنطقة الحرة في إربد الدخول إلى الأسواق الأميركية بدون فرض رسوم جمركية عليها متمتعة بذلك باتفاق التجارة الحرة الموقع بين أميركا والكيان الصهيوني منذ أكثر من(10) سنوات.‏

وقالت أولبرايت، وزيرة الخارجية الأميركية التي حضرت توقيع الاتفاق مع ويليام وايلي وزير التجارة الأميركي "إن الولايات المتحدة التي تدعم هذه المنطقة باستقبال منتجاتها في أسواقها تثبت أن المشاركة الأميركية الفعالة في عملية السلام ليست بالحديث ولكن بالأفعال وهذه الرؤية هي أساس تلك المؤتمرات الخاصة بالتعاون الاقتصادي الإقليمي(110).‏

وأشادت أولبرايت بالخطوة الأردنية - الإسرائيلية الخاصة بتبادل رحلات الطيران ووصول الطائرات الإسرائيلية إلى مطار العقبة.‏

واعتبر العديد من المحللين والمختصين بشؤون المنطقة أن توقيع اتفاق المنطقة الحرة في إربد في مستهل مؤتمر الدوحة يمثل مكافأة لإسرائيل في الوقت الذي تمارس فيه أسوأ الممارسات ضد العرب.‏

وعقد وزير التجارة الأميركي وليم وايلي مؤتمراً صحفياً في الدوحة قال فيه "إن التبادل التجاري مع دول الشرق الأوسط يعادل 25 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي الأميركي. وإن صادرات واشنطون إلى المنطقة توفر(11) مليون وظيفة للمواطنين الأميركيين".(111)




التوقيع

إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بدّ أن يستجيب القــــدر
و لا بــــدّ لليــل أن ينجلــي
و لا بـــدّ للقيــد أن ينكسـر
رد مع اقتباس
قديم 04-20-2010, 05:45 PM   رقم المشاركة : 15
الهادي الزغيدي
عضو





الهادي الزغيدي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: - القمم والمؤتمرات الاقتصادية والأمنية من التطبيع إلى الهيمنة -

ثالثاً: مؤتمر القاهرة الاقتصادي الثالث"(24)‏

مقدمة‏

قامت إسرائيل على الإرهاب وتعيش عليه وتستخدم مكافحته لتحقيق أهدافها التوسعية والاستيطانية في الأرض العربية. وتمارس الإرهاب والعنصرية والاستيطان والهيمنة كسياسة رسمية. فاغتالت أبرز القادة الفلسطينين وقادة كتائب عز الدين القسام في الضفة والقطاع وبيروت وجنوب لبنان وروما ولندن وباريس وتونس وغيرها. واغتالت الأمين العام لحزب الله عباس موسوي وعائلته. وخطفت الشيخ عبد الكريم عيد ومصطفى ديراني من منزلهما في لبنان.‏

وأغارت على مطار بيروت ودمرت (15) طائرة مدنية. وأسقطت طائرة ركاب مدنية ليبية وقتلت جميع ركابها المدنيين وعددهم(107). وارتكبت الحروب العدوانية والمجازر الجماعية منها مجزرة صبرا وشاتيلا. وتمارس أبشع صور الإرهاب في التاريخ البشري. فمن هو الإرهابي الذي عاش ويعيش على الإرهاب؟ ألم يكن المصلون العرب في الحرم الإبراهيمي الشريف ضحايا الإرهاب اليهودي؟‏

ألم يكن المصلون العرب الذين قتلتهم الشرطة الإسرائيلية في الحرم القدسي الشريف ضحايا الإرهاب الإسرائيلي؟ أطفال مدرسة بحر البقر وعمال مصنع أبو زعبل في مصر وسكان بلدة داعل السورية، ألم يكونوا ضحايا الإرهاب الرسمي لإسرائيل؟.‏

اغتالت إسرائيل(أبو جهاد) خليل الوزير في تونس(وأبو علي) حسن سلامة وكمال ناصر وكمال عدوان وأبو يوسف النجار في بيروت، والدكتور فتحي الشقاقي، الأمين العام للجهاد الإسلامي في مالطا، والمهندس يحيى عياش، قائد كتائب عز الدين القسام في غزة فماذا نسمّي هذا؟‏

اغتال الإرهابي الإسرائيلي عامير، عميل الموساد الجنرال رابين، بعد أن أقدم رابين على اغتيال الشقاقي. ولم يتحدث أحد في العالم سواء من السياسيين أو رجال الإعلام عن الإرهابي اليهودي عامير، وإنما قالوا عنه"المتطرف اليهودي"؛ فهل اليهودي اغلى من العربي وفوق البشر، يجوز له مالا يجوز لغيره من البشر؟‏

إن عدالة قضية فلسطين معروفة لدى جميع شعوب العالم وحكوماته. وبالرغم من مرور خمسة عقود على معاناة ومأساة الشعب الفلسطيني ومعاناته التي سببتها إسرائيل، لم تجد حلاً عادلاً حتى الآن.‏

وعندما يمارس الشعب العربي الفلسطيني حقه الطبيعي في المقاومة التي يقرها القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة والعديد من العهود الدولية ضد المحتل الإسرائيلي تتحوّل هذه المقاومة النابعة من الترحيل والقهر والاضطهاد والتهويد ومصادرة الأرض والمياه والحقوق إلى إرهاب يجب سحقه واقتلاع جذوره بتعاون عرفات وسلطة الحكم الذاتي معه والعديد من المشيخات والمحميات والممالك وبتعاون دولي تقوده الولايات المتحدة الأميركية لحماية التوسع والاستيطان اليهودي وتصليب عنجهية إسرائيل ويتحول الضحية بالمنطق اليهودي والأميركي إلى إرهابي يجب سحقه والقضاء عليه ومطاردته في كل مكان، ويتحول القاتل إلى ضحية وحمل وديع يحتاج إلى مساعدة سلطة الحكم الذاتي ومعظم النظم العربية وجميع دول العالم. وبالفعل نجحت الولايات المتحدة في حمل معظم حكومات العالم على اعتبار كل عمل من أعمال المقاومة ضد الاحتلال والاستيطان والهيمنة الإسرائيلية أبشع أنواع الإرهاب يجب اقتلاعه وسحق القائمين عليه.‏

لقد ارتكبت المؤسسة العسكرية في إسرائيل جريمة اغتيال يحيى عياش، مما أدى إلى تفجير الوضع بين حماس وإسرائيل فقامت حركة حماس بالثأر لاستشهاده.‏

الولايات المتحدة والعمليات الاستشهادية‏

هزت عمليات حماس الاستشهادية أركان الكيان الصهيوني وأعادت بحث اغتصاب الصهاينة للأرض العربية في فلسطين. وجاءت كرد فعل على الاحتلال وعلى عمليات قتل المدنيين العرب وعناصر حركة حماس المجردين من السلاح على يد فرق الجيش الإسرائيلي السرية وفرق المستعربين والمستوطنين. جاءت العمليات الاستشهادية بعد نسف الجيش الإسرائيلي لآلاف الشقق والمنازل الفلسطينية بالبلدوزرات والصواريخ وبعد أن ظهر للعيان أن إسرائيل تعمل لتصفية حركة حماس بالتعاون والتنسيق الكاملين مع قيادة عرفات وسلطة الحكم الذاتي المحدود.‏

ولقد ظهر للعيان بعد العمليات الاستشهادية أن دور السلطة الفلسطينية لا يقل عن دور سلطات الاحتلال الإسرائيلي في قمع المقاومة الإسلامية وذلك انطلاقاً من وظيفتها حسب اتفاق أوسلو والتي تتلخص في أمرين أساسيين:‏

الأول: التنازل عن الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني في وطنه فلسطين والحقوق القومية والدينية للعرب والمسلمين.‏

والثاني: المحافظة على أمن الكيان الصهيوني وأمن المستوطنين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث اعترف عرفات في اتفاق الإذعان في أوسلو بشرعية الاحتلال ووجوب تأمين الأمن الإسرائيلي. ويجسد اتفاق الإذعان الأطماع والمزاعم والخرافات اليهودية وإهدار الشرعية الدولية حيث لم تعد قرارات الشرعية الدولية هي المرجعية وإنما بنود الاتفاق التي وضعتها إسرائيل وبصم عليها عرفات.‏

إن مقاومة المحتل عمل مشروع طبقاً للقانون الدولي وتقرها الشرائع السماوية والأعراف الدولية ولا سيما وأن العدوان والاحتلال والاغتصاب الإسرائيلي مازالت قائمة. إن أرض فلسطين ملك للعروبة والإسلام، فهي أرضنا ووطننا ويقطن فيها شعبنا العربي منذ آلاف السنين، والعدو الصهيوني هو المغتصب للأرض والحقوق والمعتدي علينا، وعلينا أن نرد عليه ونسترجع الوطن المغتصب منه مهما طال الزمن، لأن مقاومة الغاصب والمحتل واجب وطني وفرض ديني فلا يجوز الاستسلام للعدو والسكوت عن ضياع الحق المغتصب.‏

وانطلاقاً من مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة والمواثيق الدولية الأخرى لا يجوز إطلاقاً أن نسمي العمليات الاستشهادية إرهاباً مادام هناك احتلال واغتصاب للأرض والحقوق والثروات.‏

لقد أقامت إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية الدنيا ولم تقعدها بسبب العمليات الاستشهادية ومقتل(60) من اليهود. فماذا عن مقتل عشرات الألوف من المدنيين العرب في فلسطين؟ وماذا عن مقتل عشرات الألوف من المدنيين في لبنان، ومنهم ضحايا مجزرة قانا الوحشية! ماذا عن مقتل حوالي(60) من المصلين العرب في المسجد الإبراهيمي في الخليل وماذا عن مقتل(25) من العرب في مجزرة الحرم القدسي الشريف؟ وماذا عن مقتل حوالي ثمانية آلاف مدني في صبرا وشاتيلا؟ إن مسألة قتل الإنسان العربي، الفلسطيني واللبناني والسوري والمغربي ومسألة قتل المسلم وأطفاله وشيوخه وشبابه عند الولايات المتحدة هي مسألة لا تثير شيئاً، أما اليهودي فهو مميز وهو من أبناء شعب الله المختار لا يجوز المساس به مهما ارتكب من جرائم وحشية تنتهك أبسط مبادئ حقوق الإنسان، والقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لقد أكد العديد من علماء الشريعة في فتوى أصدروها شرعية العمليات الاستشهادية على أرض فلسطين وجاء فيها:‏

"1- إن اليهود الجاثمين على أرض فلسطين اليوم في حكم الشرع الإسلامي كفار وأعداء ومحاربون ومغتصبون، اغتصبوا كل أرض فلسطين بما فيها القدس، وأقاموا عليها كيانهم المغتصب ودولتهم، واعتقدوا ولا يزالون بأن القدس عاصمة دولتهم اليهودية إلى الأبد.‏

2- المدنيون اليهود على أرض فلسطين هم كفار وأعداء ومحاربون ومغتصبون وهم جنود مقاتلون يلبون نداء الاعتداء والإرهاب من الحكومة اليهودية، وهم جنود احتياطيون في أي حرب أو قتال.‏

3- المدنيون اليهود على أرض فلسطين حاربوا أهل فلسطين وسفكوا دماء الأبرياء من الرجال والنساء والأطفال أو ساعدوا في ذلك بالمال أو الرأي.‏

4- المدنيون اليهود والعسكريون وهم جميعاً في حكم العسكريين أخرجوا أهل فلسطين المسلمين وغير المسلمين من ديارهم، واستولوا عليها وتملكوها غصباً وسكنوها واستثمروها.‏

5- اليهود سواء كانوا مدنيين أو عسكريين الآن في حقيقتهم غرباء على فلسطين جاؤوا من أصقاع الدنيا إلى فلسطين على أساس فكرة دينية يهودية خلاصتها أن فلسطين أرض الميعاد، وأنه لابد من هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل مكانه، ولابد من احتلال بلاد المسلمين من النيل إلى الفرات لإقامة دولتهم عليها.‏

وبناء على هذه المعطيات الواقعية فإن الحكم الشرعي بشأن هؤلاء اليهود المحاربين الغاصبين المحتلين هو وجوب قتالهم وإخراجهم من فلسطين.‏

والإسلام يقرر مقاتلة الغازي والمعتدي وإن أدى إلى قتله سواء كان عسكرياً أو مدنياً، يقرر قتل كل مدني أسهم في الحرب برأي أو مال أو جهد......"(112)‏

إن قضية فلسطين والقدس الشريف عند المسلمين ليست قضية تراب ووطن فقط وإنما هي أيضاً قضية إيمان وعقيدة. وإن مقاومة المحتل والغاصب والمعتدي الإسرائيلي قضية حق الشعوب في مقاومة الاحتلال الأجنبي.‏

لقد بدأت إسرائيل الحرب المستمرة والدائمة ضد العروبة والإسلام منذ تأسيسها ولا تزال مستمرة بها لأنها لا تزال تحتفظ باحتلال الأرض العربية ومصادرتها وتهويدها واضطهاد الإنسان العربي والحيلولة دون تطوره وتقدمه. فالتعايش بين العرب واليهود على أرض واحدة غير ممكن والحل الصحيح وقف الهجرة اليهودية وإزالة المستوطنات وعودة المستوطنين إلى أماكنهم الأصلية.‏

إن السلام الإسرائيلي والأميركي يقفز فوق مبادئ الحق والعدالة، ومبادئ وأهداف الشرعية الدولية. ويبيح لإسرائيل استعباد شعب بكامله وسرقة ثرواته ومقدساته وزرع أرضه بالمستوطنين والمستوطنات. ويعمل على اغتصاب مدينة القدس، أولى القبلتين وثالث الحرمين ومدينة الإسراء والمعراج وجعلها العاصمة الأبدية لليهود. فالعمليات الاستشهادية هي نتيجة لسياسة القهر والاحتلال والاستيطان والتهويد والهيمنة. فأي سلام بلا سيادة وبلا وطن وبلا قدس وبلا عودة وحق تقرير المصير؟!‏

لقد طلب كلنتون من الرئيس الأسد إدانة العمليات الاستشهادية ولكن الأسد رفض إدانتها. وصرح وزير الخارجية الأميركي على أثرها قائلاً: "إن على جميع شعوب المنطقة ليس فقط إدانة التفجيرات بل أيضاً التعاون مع الجهود الرامية إلى عدم تكرار حماس هذه الأعمال".(113)‏

وطالب باتخاذ إجراءات صارمة ضد حماس وطلب من عرفات مواجهة حماس قائلاً:‏

"دعمُنا لعرفات مشروط بمواجهته لحماس وقال إن الهجمات لا تستهدف إسرائيل ورئيس حكومتها بيريس بل إنها أيضاً موجهة ضد عرفات"(114).‏

واستجاب عرفات للمطالب الأميركية والإسرائيلية فأعلن بيريس معلقاً على ذلك قائلاً:‏

"انتظر من عرفات أن يلقي القبض على قادة الجناح العسكري في حركة حماس واعتبار المنظمات الإرهابية خارجة عن القانون، وفعل ذلك، وطلبنا منه تجريدهم من السلام وقد بدأ بذلك وزودنا الشرطة الفلسطينية بلائحة من ثلاث عشر مطلوباً".(115)‏

ونجح بيريس في تجنيد عرفات وشرطته ومخابراته واتباعه في حربه ضد المناضلين الفلسطينين لقمع العمليات الاستشهادية.‏

ويمكن القول إن الأطراف التي تضررت من العمليات الاستشهادية في القدس وعسقلان وتل أبيب هي:‏

* حزب العمل الإسرائيلي وزعيمه مجرم الحرب شمعون بيرس.‏

* انهيار نظرية الأمن الإسرائيلي والردع العسكري.‏

* سلطة الحكم الذاتي العميلة وزعيمها ياسر عرفات.‏

* الإدارة الأميركية وزعيمها المتصهين بيل كلنتون باعتباره راعياً ومدافعاً وداعماً للاحتلال والاستيطان والإرهاب اليهودي.‏

فالولايات المتحدة، القطب الوحيد المهيمن على العالم والمنحازة لإسرائيل والتي تكيل بمكيالين هي التي دعت إلى عقد القمة لإزالة الخوف الذي دب في نفوس الإسرائيليين وتهدئة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية والمحافظة على المصالح الأميركية وتنفيذ المخططات الأميركية في المنطقة.‏

وأرادت إسرائيل أن تثبت أن لها اليد الطولى في المنطقة وفي العالم، وأنها قادرة على إخضاع الفلسطينيين وتخويف العرب بمساعدة الولايات المتحدة وأوروبا وبعض الأطراف الفلسطينية والعربية.‏

فالعمليات الاستشهادية فجرت الخوف والقلق والانفعال في نفوس الإسرائيليين وجعلتهم يخشون على مستقبلهم ومستقبل الكيان الصهيوني ككيان غريب ودخيل جاء يغتصب الأرض العربية ويتوسع ويقيم المستعمرات اليهودية ويرحَّل السكان العرب، لذلك فأن المستعمر اليهودي لا يمكن أن يرتاح إلاَّ بالأمن المطلق. فهبت الولايات المتحدة لمساعدته على تحقيق هذا الأمن.‏

لقد وضع بيرس شروطاً على عرفات وطالبه بتنفيذها وهي:‏

- اعتبار حركتي حماس والجهاد الإسلامي خارجتين على القانون.‏

- تجريد الإرهابيين من السلاح.‏

- اعتقال زعماء المنظمات الإرهابية.‏

واستجاب عرفات للمطالب الإسرائيلية فوصف العمليات الاستشهادية بالإجرامية وأخذ يطلق التهديد تلو الآخر للمنظمات الفلسطينية واعتبرها جميعها بما فيها مجموعات النسر الأحمر والنجم الأحمر والفهود السود منظمات غير شرعية. وأصدر التعليمات لأجهزته الأمنية والشرطية بمطاردة المجاهدين والمناضلين. ودعا الجماهير الفلسطينية في غزة إلى التظاهر للتنديد بالإرهاب الفلسطيني.‏

هل فكر عرفات ولو ثانية واحدة لماذا يقوم الفلسطينيون بتفجير أنفسهم؟ ومن هو الذي أدخل العنف والإرهاب والمجازر الجماعية في المنطقة؟ فهل هو العربي الذي يدافع عن أرضه ووطنه وحياته؟ أم المستعمر اليهودي الذي جاء من نيويورك أو موسكو لينتزع الأرض من أصحابها ويقيم المستعمرات اليهودية عليها؟‏

فماذا ينتظر الرئيس الأميركي كلنتون ونتنياهو وعرفات من العرب وهم يرون الاحتلال الإسرائيلي ينهب الأرض والمياه والثروات ويعلن أن القدس، أولى القبلتين وثالث الحرمين عاصمة أبدية لكيانه المغتصب؟‏

فالاحتلال الإسرائيلي وممارسة إسرائيل للإرهاب والعنصرية والاعتداءات اليومية والمجازر الجماعية هي التي تدفع العرب إلى استخدام العنف.‏

ولذلك فإن العمليات الاستشهادية هي نتاج بطولي لتراكم الظلم والقهر واغتصاب الأرض والحقوق خلال نصف قرن من عمر الكيان الصهيوني، الدخيل على المنطقة والغريب عنها والذي عرقل ويعرقل تطورها وتقدمها وازدهارها واستقرارها.‏

وبالرغم من هذه الحقائق دعا رئيس سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني المحدود في خطابه الذي افتتح به المجلس التشريعي الفلسطيني إلى قمة دولية لمكافحة الإرهاب.‏

وكانت حركة حماس قد هددت في أعقاب اغتيال أجهزة الأمن الإسرائيلية للشهيد البطل يحيى عياش تنفيذاً للقرار الذي اتخذه رئيس الوزراء شمعون بيرس شخصياً وتباهت إسرائيل بنجاح جريمة الاغتيال التي نفذتها، هددت بالرد والثأر لاغتيال قائد فصائل عز الدين القسام. وأعلنت أن السلطات الإسرائيلية قد اتخذت كافة الاحتياطات لمواجهة الرد وإحباطه وأرسلت الولايات المتحدة الخبراء الأميركيين والمعدات والأجهزة الحديثة لتعزيز قدرة إسرائيل في مجال الكشف عن المتفجرات. وبعثت الإدارة الأميركية رسائل إلى الدول العربية تطلب منها أن تدين بوضوح عمليات المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي.‏

ومن المؤلم حقاً أن بعض العواصم العربية استجابت لرغبة أميركا وإسرائيل واتهمت رجال المقاومة بالإرهابيين ووصفت العمليات الفدائية بالجرائم وبأنها هجوم جبان.‏



التطلعات المصرية والإسرائيلية من القمة.‏

يتلخص الهدف الأساسي من انعقاد قمة شرم الشيخ هو"إقامة تحالف دولي ضد حركات المقاومة الوطنية والإسلامية تحت ستار مكافحة الإرهاب. وأرادت إسرائيل أن تكون القمة كإطار إقليمي ودولي للتصدي للمقاومة الفلسطينية بعد أن فشلت في القضاء عليها والتصدي للأطراف التي تدعمها ورفع معنويات الشعب الإسرائيلي بعد أن سيطر عليه الخوف والرعب بعد العمليات الاستشهادية في القدس وتل أبيب وعسقلان.‏

لقد وجدت إسرائيل المدججة بأحدث أنواع الأسلحة في العالم بما في ذلك السلاح النووي نفسها عاجزة عن مواجهة العمليات الاستشهادية، فأسرعت تطلب المساعدة والدعم من الولايات المتحدة والدول الأوروبية وبعض الدول العربية وسلطة الحكم الذاتي الإداري المحدود.‏

وأسرعت الولايات المتحدة وحملت زعماء العالم على الهرولة إلى إسرائيل مرة عندما قام الإرهابي اليهودي عامير باغتيال الجنرال رابين والمرة الثانية لعقد قمة شرم الشيخ لتسخير إمكانات بعض أجهزة الأمن العربية والفلسطينية والدولية لمساعدة إسرائيل في قمع عمليات المقاومة البطولية ولاتخاذ قرارات صارمة ضدها وحمل الدول العربية على اتخاذ خطوات حاسمة ترمي إلى شل نشاطها.‏

وانطلق الموقف الأميركي من تبني وجهة النظر الإسرائيلية بوجوب تركيز القمة على"الإرهاب" الذي تتعرض له إسرائيل ويستهدف عملية السلام وإن عمليات حماس تسببت في توجيه ضربة لمسيرة التسوية، وإن القمة تهدف إلى نبذ الإرهاب للاستمرار في التسوية، وذلك لتبرير عدم تنفيذ اسرائيل للاتفاقيات التي وقعتها سلطة الحكم الذاتي الإداري المحدود وتعليق المفاوضات مع سورية بأمر من شمعون بيرس. وأبدى الرئيس كلنتون اهتماماً بالغاً لانتشال الحكومة الإسرائيلية من أزمتها ودعم فرص حزب العمل للنجاح في الانتخابات. واعتبرت الإدارة الأميركية أن العقوبات الجماعية التي فرضتها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني وحملات الاعتقال والتعذيب والتجويع وتخريب الإنتاج الزراعي مشروعةَ دفاعاً عن الأمن الإسرائيلي، مما يخدم التصلب الإسرائيلي والتهديدات والضغوطات الإسرائيلية المتزايدة على سلطة الحكم الذاتي ويبرر الانتهاكات الإسرائيلية للاتفاقات المعقودة في أوسلو والقاهرة.‏

لقد لجأت الإدارة الأميركية إلى عقد قمة شرم الشيخ والمؤتمرات الدولية الأخرى للمحافظة على اتفاقات الإذعان العربية- الإسرائيلية التي أجبرت الولايات المتحدة الأطراف العربية على توقيعها في ظل الاحتلال الإسرائيلي وبواسطتها وبالشروط والإملاءات الإسرائيلية؛ أجبرت الإدارة الأميركية الدول العربية والعديد من دول العالم على الاشتراك في المؤتمرات الدولية للحيلولة دون تراجع بعض العرب عن اتفاقات الإذعان ولحمايتها وضمان استمراريتها وفرض التطبيع على العرب جميعاً للوصول إلى الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة العربية.‏

ورأت الولايات المتحدة أن تسمي المؤتمر مؤتمراً لمكافحة الإرهاب، بينما رأت مصر أن يكون اسم المؤتمر"مؤتمر صانعي السلام".‏

وانطلق الموقف المصري عشية انعقاد القمة والتحضير إلى انعقادها من وجوب عقدها لدفع عملية السلام التي وصلت إلى طريق مسدود وواجهت مشاكل معقدة بعد العمليات الاستشهادية حيث اعتبر عمرو موسى، وزير الخارجية المصري أن إعاقة مسار السلام بواسطة العنف من الجانبين مسألة غير مقبولة ووجه اللوم إلى إسرائيل لأنها فرضت الحصار على الضفة والقطاع واتخذت إجراءات لا تتفق مع التزامات إسرائيل الواردة في الاتفاقات.‏

إن الجانب العربي الذي يعرف حق المعرفة أن سبب العنف في المنطقة هو الاستيطان اليهودي واغتصاب فلسطين العربية لا يمكن أن ينظر إليه على اعتباره مجرد وسيلة تهدد أمن إسرائيل وأمن الإسرائيليين، فالعنف في المنطقة له أسبابه وتاريخه ونتج عن الاغتصاب والاحتلال والتهويد وممارسة إسرائيل للإرهاب والعنصرية والاستيطان كسياسة رسمية. ونجحت مصر في تحويل القمة من قمة لمكافحة الإرهاب وخدمة الأمن الإسرائيلي فقط إلى قمة لدعم السلام ومكافحة الإرهاب وذلك بالتسمية والعنوان فقط، مما أنقذ مصر من ورطة سياسية تسيء لدورها العربي وموقفها من الحق العربي في فلسطين.‏

بدأ التوريط المصري بالقمة خلال الزيارة التي قام بها إلى إسرائيل الدكتور أسامة الباز، مستشار الرئيس مبارك للشؤون السياسية.‏

يقول دبلوماسي مصري عن زيارة الباز مايلي: "بدا واضحاً من المحادثات التي أجراها الباز مع المسؤولين الإسرائيليين أن المصاعب المحيطة بعملية السلام، خصوصاً على المسار الفلسطيني الإسرائيلي بعد عمليات التفجير في القدس وعسقلان وتل أبيب، بلغت درجة الخطورة وباتت تهدد العملية من أساسها.(116)‏

ولعب الباز دوراً هاماً بعد عودته من تل أبيب بإقناع الرئيس مبارك بعقد قمة شرم الشيخ، حيث حذره في التقرير الذي رفعه إليه من "أن المناخ السائد في إسرائيل بفعل التفجيرات أصبح هاجساً أمنياً، وأن المسار الفلسطيني- الإسرائيلي بات مهدداً بالانهيار مالم يتم إنقاذه بسرعة"(117).‏

لقد نجح بيرس بإقناع الباز ونجح الباز بإقناع الرئيس مبارك بفكرة بيرس وهي عقد قمة شرم الشيخ لمكافحة الإرهاب. وجاءت الفكرة المصرية بعقد القمة لإنقاذ عملية السلام ومكافحة الإرهاب.‏

ساد اتجاهان في التحضير للقمة:‏

الأول: يقول إن الغرض الرئيسي من القمة ينبغي أن يكون دفع عملية السلام بعد العمليات الاستشهادية وكسر الجمود المسيطر على المسار السوري- اللبناني بعد أن أوقف بيرس المفاوضات. ودعمت مصر هذا الاتجاه.‏

والاتجاه الثاني: يطالب بإجراءات محددة وآليات عملية لمواجهة الإرهاب ودعم شمعون بيرس في الانتخابات‏

وأكدت مصر أن نجاح بيرس شأن إسرائيلي داخلي وأن ما يعنيها هو إزالة كل ما من شأنه عرقلة السلام، وهذا يتطلب بحث موضوع الإرهاب والأسباب التي أدت إليه. وتبلور الموقف المصري على الشكل التالي:‏

"إن مصر ترفض العنف والعنف المضاد، ولا تقبل بترويع المدنيين، كما ترفض سياسة إغلاق إسرائيل للضفة والقطاع. وتعتبر الإرهاب مرفوضاً، والحرب عليه واجباً. وهذا ما يستدعي اتخاذ تدابير أمنية وسياسية عدة، منها إعادة النظر في حق اللجوء السياسي الذي تمنحه الدول الغربية للإرهابيين وأنصارهم، والبحث عن مصادر تمويل هذه الجماعات ومراقبة أنشطتها ورصد اتصالاتها وتحركات عناصرها.‏

لكن القضية الجوهرية في نظر مصر هي ضرورة إزالة المناخ الذي يشجع الإرهاب. وهذا يتم من خلال تسريع عملية السلام وتدعيمها، والتوصل إلى اتفاقات على المسارين السوري واللبناني، وإنجاح مفاوضات المرحلة النهائية على المسار الفلسطيني.‏

وعبر حاييم فورين، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية عن أن لاخلاف على أهمية دعم عملية السلام، لكننا نعتبر أن ذلك لا يمكن أن ينفصل عن محاربة الإرهاب، لأن الهدفين مرتبطان عضوياً. فالإرهاب الحالي يهدف إلى تقويض السلام وتدمير إمكانات تحقيقه. ولذلك لا يمكن دعم السلام من دون مكافحة الإرهاب، والعكس أيضاً صحيح" (118).‏

وطالبت إسرائيل بضرورة عدم الاكتفاء بإعلان المواقف والتصريحات، بل وجوب الوصول إلى ممارسات عملية يتفق عليها المشاركون في القمة من أجل مكافحة الإرهاب والحيلولة دون تحقيق أهدافه.‏

ولخص حاييم فورين موقف حكومة العدو في القمة والنتائج التي ترغب في الوصول إليها قائلاً:‏

"طبعاً سيكون مهماً أن تطلع القمة بإعلان مشترك يوافق عليه الجميع ضد الإرهاب، وهذا ما نرغب فيه ونريده. لكن الأهم سيكون الاتفاق على الخطوات العملية التي يقرر جميع المشاركين في القمة تنفيذها ضد الإرهاب في إطار استراتيجية موحدة تقوم على التعاون والتنسيق. فمثل هذا الاتفاق سيكون المؤشر الحقيقي على نجاح القمة في تحقيق أهدافها"(119).‏

وأعرب زئيف شيف، الخبير الإسرائيلي الكبير في الشؤون الاستراتيجية عن أهمية قمة شرم الشيخ في تحقيق التعاون الأمني بين إسرائيل والدول العربية المشتركة في القمة وقال:‏

"لابد من الاعتراف بأن مجرد جلوس الدول العربية على منبر واحد مع إسرائيل تحت شعار مكافحة الإرهاب هو في حد ذاته نقلة تحول أساسية ينبغي التركيز عليها، وهو أيضاً يشكل في نظرنا الإنجاز الأهم لاجتماع شرم الشيخ على المستوى السياسي والاستراتيجي العام. فهذا يعني أن العرب باتوا أخيراً على استعداد للإقرار بأن هناك مصالح أمنية مشتركة تجمعهم مع إسرائيل لكنني أعود وأكرر هنا أن الناحية الإيجابية المنبثقة عن هذا الاجتماع هي تكريسه حقيقة أنه بات هناك الآن عرب وإسرائيليون في خندق واحد مؤيد للعملية السلمية ضد عرب وإسرائيليين معارضين لهذه العملية"(120).‏

وكانت إسرائيل ترغب من القمة تعزيز الشراكة الأمنية بين الإسرائيليين والفلسطينين وبين الإسرائيليين وبعض الأطراف العربية. ونجحت إسرائيل في تجسيد هذه الشراكة الأمنية على أرض الواقع في الضفة والقطاع وداخل إسرائيل. ولكنها تعمل من خلال القمة لمد هذه الشراكة خارج إطار المناطق المحتلة وإسرائيل، حيث عبر ضابط إسرائيلي كبير في شؤون مكافحة الإرهاب عما تريده إسرائيل من القمة وقال:‏

"نعم نعرف جميعاً أن القمة هدفت إلى دعم الحملة الانتخابية لشمعون بيرس ومساعدة ياسر عرفات على تعزيز مواقعه في المناطق الفلسطينية. نحن ندرك تماماً مشكلة عرفات والسلطة الفلسطينية فحماس والجهاد جزء من المجتمع الفلسطيني، ولا يمكن للسلطة أن تتحمل الظهور بمظهر الأداة في يد إسرائيل، فهذا سيفقدها صدقيتها. لكن يتعين في المقابل المحافظة على صدقية السلام في نظر الإسرائيليين أيضاً.‏

وفي اعتقادي أن عملية المعالجة في الداخل بدأت فعلاً من خلال تعزيز التعاون وتبادل المعلومات والتنسيق بين أنشطة الأجهزة الإسرائيلية والفلسطينية. لكن المشكلة الحقيقية تظل في الخارج، وهي تحديداً في الدول التي تأوي الإرهاب وتوفر له الدعم المادي والغطاء السياسي. ولن يكون حل هذه المشكلة ممكناً من دون محاسبة هذه الدول على ما تفعله...... من هذه الزاوية تكون قمة شرم الشيخ حققت أهدافها السياسية. أما مكافحة الإرهاب والإجراءات الأمنية اللازمة في شأنه، فهذه لا تحتاج إلى مؤتمرات قمة لبحثها، بل يتم الاتفاق عليها داخل غرف مغلقة."(121)‏

وتركز إسرائيل على تعميق مفهوم الشراكة الأمنية مع بعض الأطراف العربية وعلى مكافحة الإرهاب والمضي في المفاوضات والعملية السلمية بالشروط الإسرائيلية. وتربط بين مكافحة الإرهاب وعملية السلام ودعم سلطة عرفات وإقناع الدول المانحة بالوفاء بالتزاماتها المالية حيال السلطة الفلسطينية حيث يعاني الفلسطينيون ضائقة اقتصادية خانقة تدفع ببعضهم إلى التطرف والعنف. وتعتقد إسرائيل بأهمية الجهود التي تقوم بها السلطة الفلسطينية ضد حماس والجهاد لأنها تكرس مفهوم الشراكة الأمنية في مفهوم الرأي العام الإسرائيلي.‏

ومن الغريب حقاً أن يكون ما يسمى بالإرهاب"الإسلامي" وحده على جدول أعمال القمة ولم يتم التطرق إلى الإرهاب اليهودي الذي أدى إلى العديد من الحروب العدوانية والمجازر الجماعية وبالتالي تم التركيز عشية التحضير للقمة على"الإرهاب" الإسلامي لا الإرهاب اليهودي.‏

وأدلى شمعون بيرس رئيس وزارء العدو الإسرائيلي عشية عقد القمة بعدة تصريحات تشير بوضوح إلى رغبة إسرائيل في قيام إطار استراتيجي إقليمي جديد يجمع مابين إسرائيل والدول العربية وتركيا برعاية الولايات المتحدة الأميركية ومباركة أوروبا على أساس مجموعة من المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية المشتركة، وتحت شعار مكافحة الإرهاب ودعم السلام.‏

وخلاصة القول: إن قمة شرم الشيخ فكرة إسرائيلية، أطلقها شمعون بيرس، رئيس وزراء العدو الإسرائيلي وتبناها بيل كلنتون، وأقنع بيرس أسامة الباز بالفكرة، وأوصى الباز الرئيس مبارك بالأخذ بها. ونجحت الولايات المتحدة في حمل الدول العربية وزعماء العالم على المجيء إلى شرم الشيخ والمشاركة في القمة دفاعاً عن ممارسة إسرائيل للاستيطان والاحتلال والتهويد والعنصرية والإرهاب كسياسة رسمية، ودعم بيرس وعرفات وتكريس معاهدة أوسلو ووادي عربة وتعزيز موقع مصر كمرجع إقليمي ثابت في المنطقة.‏

ويعبِّر عقد القمة عن ازدواجية المعايير لدى الولايات المتحدة التي لم تدع إلى عقد قمة مماثلة بعد مجزرة الحرم الإبراهيمي الشريف عام 1994 وإنما تعمل على فرض حلول على العرب لمصلحة إسرائيل وضد المصالح العربية وفرض مجالات جديدة في تطبيع العلاقات العربية- الإسرائيلية، وبالتالي يمكن القول إن العرب الذين شاركوا في القمة قد تورطوا لأول مرة في التوقيع تحت الرعاية الدولية على مساواة مقاومة الاحتلال بالإرهاب وإدانة كل شكل من أشكال العمل العسكري ضد الاحتلال الأجنبي والرد على جرائمه وتحرير الأرض والحقوق والمقدسات من اغتصابه. وأقر المشاركون العرب في القمة بالدور العربي والفلسطيني في مواجهة هذه المقاومة وتسهيل مهمة إسرائيل في مكافحتها والتصدي لها. وجندت جهود وإمكانات عربية لمساعدة مجرم الحرب بيرس في سحق حركتي حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله وكل شكل من أشكال مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وطالبت بتضافر الجهود واتخاذ مواقف أكثر جدية على صعيد كل دولة إزاء ما تحصل عليه الحركات الإرهابية على أرضها من مساعدات وتمويل وحرية واتصال، وبالتالي فتحت أخطر مجالات التطبيع مع العدو وهو التطبيع الأمني.‏

رفضت الدول العربية المشاركة في القمة المطلب الإسرائيلي بإدانة الدول العربية التي لم تحضر القمة أو لم تشجب العمليات الاستشهادية. ورفضت فرنسا وبعض الدول الأوروبية الأخرى المساعي والمحاولات الأميركية لاستغلال المؤتمر وفرض إجراءات مقاطعة مشددة على إيران.‏

أرادت إسرائيل والولايات المتحدة من القمة أن تكون قمة عالمية لمكافحة الإرهاب وحصره بالإرهاب الإسلامي، إرهاب حماس والجهاد وحزب الله، وإدانة الدول المؤيدة للمقاومة وهي سورية وإيران. وأرادت مصر ومعها الدول العربية وبعض الدول الأخرى أن يسمّى المؤتمر مؤتمر صانعي السلام ومكافحة الإرهاب. وأظهر التطبيق العملي لقرارات القمة أن الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل لا تهتم أبداً إلاّ بما يخدم الكيان الصهيوني في مواجهة المقاومة الإسلامية للاحتلال الإسرائيلي وأما القرارات الأخرى فلا أهمية لها على الإطلاق وجرى تجاهلها مما وضع الموقف العربي والأوروبي وخاصة الروسي في موضع حرج. وجاءت نتيجة الانتخابات الإسرائيلية صفعة قوية للتوازن في قرارات القمة التي سعت مصر وفرنسا إلى اتخاذها، وبقي فقط ما يهم إسرائيل وسياساتها.‏



افتتاح القمة‏

دعا الرئيس الأميركي إلى عقد القمة لإنقاذ بيرس وعرفات واتفاق الإذعان في أوسلو ومعنويات الإسرائيليين من الانهيار.‏

وكانت السفيرة مادلين أولبرايت (مندوبة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة) قد قالت عشية انعقاد المؤتمر"إن هذا المؤتمر هو الأهم في تاريخ القرن العشرين" (122) وبالتالي فإنه برأيها كيهودية إن قمة شرم الشيخ أهم من مؤتمر فرساي وبوتسدام وسان فرانسيسكو(المؤتمر التأسيسي للأمم المتحدة.).‏

وانعقدت القمة في 13/3/1996 بحضور كبار قادة العالم من كلنتون وشيراك إلى ميجر وكول ويلتسين، وحضور عربي من أربع عشرة دولة بين ملك ورئيس دولة ووزير خارجية. وحدد بيرس عنوان القمة"التعبير عن الدعم الدولي لإسرائيل، ورفع التعاون الأمني بين أميركا وبين إسرائيل وبعض أجهزة الأمن العربية" (123).‏

وتعتبر أسرع قمة دولية جرى الاتفاق عليها خلال ساعات، وهرع ملوك ورؤساء العالم للاشتراك فيها، مما أظهر خضوع البلدان المشاركة فيها إلى الضغط والابتزاز اليهودي والأميركي، ودشنت بداية مرحلة جديدة ظالمة بحق شعوب العالم التي تتطلع إلى التحرر والاستقلال والسيادة من الاحتلال الأجنبي، مرحلة لا تخدم مبادئ الحق والعدل والقانون الدولي والشرعية الدولية، وإنما تخدم ممارسة إسرائيل للحروب العدوانية والإرهاب والعنصرية.‏

افتتح الرئيس مبارك القمة برسالة واضحة ضد الإرهاب والقوى الداعمة له مع الدعم والتأييد لإسرائيل وسطلة الحكم الذاتي والإصرار على فرض السلام.‏

وتحدث الرئيس كلنتون في المؤتمر قائلاً: "أقول لقوى العنف والكراهية إنكم تقتلون أنفسكم والآخرين بهدف قتل السلام، فالسلام باق لن تنجحوا ، لقد حانت ساعة نهايتكم.". وجاء في كلمته: "وربما لا بد لنا من إلاّ ندع قوى الإرهاب والشر أن تنال من عملية السلام ومن ثم لابد أن تتضافر جهودنا وأن نعزز مواقفنا من أجل أن نحبط هذه الأهداف الشريرة".(124).‏

وأعلن كلنتون في مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس مبارك عن إنشاء مجموعة متابعة مفتوحة أمام جميع المشاركين في القمة".(125).‏

واعتبرت أميركا وإسرائيل قمة شرم الشيخ قمة من أجل مكافحة الإرهاب، وعملتا على تجييرها لمصلحة إسرائيل بشكل كامل وتحقيق مكاسب أمنية وسياسية لها وتوفير جميع الوسائل والأجهزة والأموال لدعمها في الاستمرار في سياسة القبضة الحديدية.‏

وألقى غياب سورية ولبنان عن القمة بظلاله، لأنه شكك بأهدافها والنتائج التي تتوصل إليها، ولا سيما وإن سورية تنادي بالتفريق بين الإرهاب والمقاومة. وشككت بموقف بعض الدول من عملية السلام وطالبت بالعودة إلى عقد مؤتمر مدريد. وجاء عدم حضور سورية منسجماً مع موقف القائد العربي الكبير حافظ الأسد القائم على التفريق بين الإرهاب والمقاومة، وأن السلام هو الذي يحقق الأمن وينهي التوتر في المنطقة، وأن إزالة التوتر مرتبطة بإزالة أسبابه وهي الاحتلال، ولذلك لا يمكن لسورية أن تعطي دعماً لإسرائيل بحضور القمة، لأن سورية تعتبر أن إسرائيل المسبب الأول لأعمال العنف الناتجة عن احتلال الأراضي العربية ولأن سوريا تدافع عن الحق العربي ولا يمكن لها أن تدعم سياسة الاحتلال وحضورها يعني تأييد إسرائيل. وأكد وزير الخارجية السوري أن قمة شرم الشيخ ستخدم مواقف إسرائيل ومصالحها على حساب مصالح العرب. واتفق الرئيسان السوري واللبناني على اعتبار قمة شرم الشيخ متسرعة وغير مدروسة، كما أن الدعوة لها والمواضيع المعروضة عليها لم يتم التحضير لها جيداً. ووجه الرئيس الهرواي رسالة إلى الرئيس الأميركي جاء فيها أن معالجة الأزمة السياسية تتطلب إنهاء العنف وأسبابه وما يجلبه من ردود فعل..‏

ووجهت حماس مذكرة إلى القمة تبرر فيها العمليات الاستشهادية وتعلن عن استعدادها لقبول وساطة المؤتمرين وطرحت الهدنة مع إسرائيل وأكدت أن العمليات هي دفاع عن النفس في مواجهة احتلال وقمع وإرهاب إسرائيل. واعتبرت الجهاد الإسلامي أن المؤتمر مؤشر لحرب صليبية جديدة، تقودها إسرائيل واميركا للتغطية على الإرهاب الذي تمارسه الدولة اليهودية وانقاذ بيرس وعرفات وأن المؤتمر حملة عالمية ضد النضال الفلسطيني بمشاركة عربية وايد عربية.‏

شدد الرئيس مبارك على أهمية السلام الذي يحقق الأمن والاستقرار ويقضي على مظاهر العنف. وشدد على تحقيق التقدم على جميع المسارات، بينما قال الرئيس كلنتون إنه أصبح من الضروري وقف دوامة العنف سواء من جانب إسرائيل أو الفلسطينيين. وتحدث عن أهمية تحقيق السلام والقضاء على العنف والإرهاب.‏

وتحدث بيرس أمام القمة قائلاً: "إن القرار الفعّال لابد وأن يتخذ هنا اليوم. إن هذا المؤتمر لابد وأن يضع استراتيجية وذلك من قبل المجتمع الدولي من أجل مواجهة هذا الإرهاب وذلك من قبل التعاون الدولي وعقد العزم على القضاء على جيوب الإرهاب وأربابه."إن هذا الإرهاب له اسم ولديه حساب في البنك وله بنية أساسية وله شبكة وكذلك مثلما هي الحال بالنسبة للمؤسسات الخيرية"(127)..‏

ودعا الملك حسين إلى إيجاد آلية دولية تعمل على تعريف الإرهاب ووضع المبادئ والوسائل الكفيلة بوأده في مهده من حيث التمويل والتدريب والممارسة. وقال في القمة إنه لابد من مواجهة ظاهرة الإرهاب مواجهة دولية لا جهوية ولا إقليمية، وإنه يجب علينا أن نتخذ الإجراءات الرادعة ضد أي دولة تدعم الإرهاب أو تستضيف مؤسساته ومنظماته".(128).‏

انعقدت قمة شرم الشيخ بسبب العمليات الاستشهادية التي أطاحت بنظرية الأمن الإسرائيلي وفشلت إسرائيل في التصدي لها، لذلك احتلت المقاومة والتصدي لها مكان الصدارة في القمة. وأراد الرئيس كلنتون وأصدقاء أميركا وإسرائيل من الدول العربية انقاذ بيرس من السقوط في الانتخابات تحت شعار"إنقاذ بيرس ينقذ السلام"، ولكن الحقائق أثبتت وتثبت أنه يمارس القمع والإرهاب والتطرف أكثر من الليكود الذي توصل إلى معاهدة السلام مع مصر.‏

وجاء الاشتراك العربي في القمة تلبية لرغبة الرئيس الأميركي لإنجاح بيرس وإنقاذ عرفات ودعم مركزه وتقديم الأموال والمعدات لأجهزته القمعية، وبالتالي نجحت القمةفي توريط بعض البلدان العربية في عملية دعم إسرائيل ومعاداة العرب والإسلام، و يمكن أن تؤدي إلى انتكاسه في عملية التسوية بسبب تصلب رئيس الوزراء الإسرائيلي بيرس وتشدده. وغفرت القمة لإسرائيل ما ارتكبته من ممارسة الإرهاب والإبادة وتكسير العظام والعقوبات الجماعية طوال نصف قرن.‏

إن القمة حدث لا مثيل له على ساحة الشرق الأوسط والساحة العالمية، حيث نجح الرئيس الأميركي في تجنيد العالم لمساعدة إرهاب إسرائيل ودعمها، فإسرائيل تأسست من رحم الإرهاب وشبّتْ عليه وتمارسه كسياسة رسمية وتصدره للخارج للمحافظة على اغتصاب الأرض والحقوق العربية وفرض الهيمنة على العرب، ولذلك فإنه لا يمكن لإسرائيل أن تفكر بغير عقلية الإرهابي والإرهاب.‏

واعتبرها بيرس بمثابة إعلان تضامن دولي مع إسرائيل ومحاربتها الإرهاب، فالرابح الوحيد من عقدها هو الإرهاب الإسرائيلي والتطرف والاستيطان اليهودي.‏

لقد تأثر المواطن العربي أشد التأثر عندما سمع ممثل قطر يتحدث في المؤتمر وكأن بيرس يتحدث ثم وجه الدعوة لبيرس لزيارة قطر. وسار ممثل عُمان على خطى ممثل قطر وقال إن الأحداث الإرهابية التي راح ضحيتها الأبرياء في إسرائيل أمر مستنكر، وطالب بإتخاذ إجراءات حازمة ضد الإرهاب، وبالتالي تكون قطر وعُمان قد أدانتا المقاومة أولاً وطالبتا بدعم مسيرة السلام ثانياً وتوجيه دعوة لمجرم الحرب شمعون بيرس لزيارتهما ثالثاً.‏

وشجع موقف قطر وعمان ورئيس سلطة الحكم الذاتي إسرائيل على المطالبة بـ"حق إسرائيل في الإطلاع على أسماء العائلات الفلسطينية التي تتسلم مساعدات مالية مقدمة من لجان عربية تعمل على دعم الشعب الفلسطيني.".(129)‏

وطالبت السعودية بإعطاء عملية السلام دفعة حقيقية واتخاذ إجراءات جادة ضد العنف واجتثاث جذوره، وأدانت العمليات في القدس وتل أبيب كما أدانت ارتكاب مجزرة الحرم الإبراهيمي الشريف. وهاجمت العقوبات الجماعية التي فرضها العدو الإسرائيلي على الضفة والقطاع.‏

وطالبت الكويت بمواصلة العمل الدولي لإزالة العقبات التي تعترض مسيرة السلام وبتعاون دولي جاد لوضع حد لظاهرة الإرهاب والأسباب التي تؤدي إليها.‏

وأدانت اليمن الإرهاب مهما كان مرتكبوه سواء أفراداً أو سلطة. وطالبت بوجوب عدم إدانة شعب أو أمة أو دين دون آخر، وإقامة سلام عادل وشامل دون استضعاف أو استكبار.‏

ورحبت تونس بكل خطوة لإقرار سلام عادل ودائم وشامل والتصدي لكل أشكال الإرهاب ومساعدة السلطة الفلسطينية.‏

وعملت إسرائيل خلال القمة على الخروج بصيغة لإيجاد تعاون أمني عربي- إسرائيلي لمكافحة الإرهاب ومصادر دعمه وتمويله وتبادل المعلومات مع الدول العربية حوله. شجعها في ذلك موقف عرفات والأردن، حيث كان عرفات الوحيد داخل المؤتمر الذي هاجم حماس بالاسم وبعنف وتعهد بتصفيتها.‏

وكان الجنرال باراك، وزير خارجية إسرائيل قد زار الأردن قبل عقد قمة شرم الشيخ بيوم واحد لتنسيق المواقف بين الحكومة الأردنية والحكومة الإسرائيلية وكان الأمير الحسن قد قال إن المعاهدة تلزم الأردن بالتنسيق والعمل مع إسرائيل لمكافحة الإرهاب.‏

وأكد باراك في عمان أن إسرائيل تسعى إلى بناء تعاون إقليمي ودولي في مجال تبادل المعلومات الاستخباراتية وتبادل التكنولوجيا وسبل ضبط انسياب الدعم المالي الموجه إلى الأنشطة الإرهابية(130)..‏

ووصف باراك سورية في عمان بأنها احدى ثلاث قلاع للإرهاب في المنطقة إلى جانب إيران وليبيا(131).‏

وخلاصة القول أرادت إسرائيل الاتفاق مع البلدان العربية المشتركة في القمة على استراتيجية مشتركة لسحق المقاومة العربية بعد أن نجحت بإلزام عرفات وشرطته وأجهزته الأمنية ومؤسساته السياسية بتنفيذ كافة مطالبها الأمنية. ونجحت مع الأردن في المحافظة على حدودها قبل وبعد معاهدة وادي عربة .‏

لقد اتهم بيرس إيران بالوقوف أمام الإرهاب وأنها هي الدولة الوحيدة التي تتصدره وأصبحت طهران عاصمة الإرهاب. وليس للإرهاب حدود، ولذلك فلا يجوز أن تمنع الحدود العمل من أجل القضاء على أفعى الإرهاب.‏

وكان شيراك قد تحدث في المؤتمر حول ما طرحه بيرس وعرفات عن دور إيران وقال:‏

"عرفات وبيرس تحدثا عن تورط عناصر خارجية، وإذا ثبت لنا ذلك عليناأن نستخلص النتائج والأسرة الدولية ترفض التصريحات غير المسؤولة وعلى جميع الدول إدانة الإرهاب: وردت إيران على اتهامات عرفات وبيرس قائلة بأن المؤتمرين يعملون على ضرب الحركة الإسلامية في فلسطين. ووصفت القمة بمثابة الضوء الأخضر لإسرائيل لممارسة القمع ضد الحركة الإسلامية في فلسطين ولبنان. وانتقدت الحكومات العربية التي لبّتْ حضور المؤتمر، لأن الدول العربية أصبحت تابعة للحدث الإسرائيلي، إنه مؤتمر حماة إرهاب الدولة الإسرائيلي والتضامن مع المحتلين الإسرائيليين. وأعلن كلنتون في شرم الشيخ نقاطه الثلاث لدعم إسرائيل وهي: أولاً: ستبدأ الولايات المتحدة فوراً في مدّ إسرائيل بمعدات وتدريب إضافي. ثانياً: ستتعاون الدولتان لتطوير وسائل وتكنولوجيا جديدة لمكافحة الإرهاب. ثالثاً: سنعمل من أجل تعزيز الاتصالات والتعاون بين البلدين ومع حكومات أخرى شاركتنا الحرب ضد الإرهاب. وأشار إلى أن إسرائيل دولة ديمقراطية وأن العلاقات معها وثيقة جداً ومتينة.(132).‏



المواقف داخل القمة:‏

سعت الولايات المتحدة وإسرائيل في القمة إلى تسخير المجموعة الدولية بما فيها الدول العربية إلى الالتزام بالمحافظة على اتفاقات الإذعان التي أمليت بقوة إسرائيل العسكرية ودور الولايات المتحدة الأميركية في أوسلو ووادي عربة مخالفة بذلك الحقوق التاريخية الوطنية والقومية والدينية للعرب والمسلمين بتخليد الاستيطان وشرعنة الاحتلال على حساب قرارات الشرعية الدولية.‏

وتتجلى بشاعة قمة شرم الشيخ في التشهير بكرامة الأمة وسيادتها وتاريخها ونضالها وشهدائها ووصف مقاومة الاحتلال بالإرهاب والعمل المأجور والخارج عن إرادة الشعب وتقاليد الأمة والقادم من إيران.‏

إن تشويه صورة المقاومة الوطنية والإسلامية في مواجهة الإرهاب والاحتلال اليهودي هو إهانة للعروبة والإسلام ودماء شهداء الأمة العربية الذين رووا أرض فلسطين العربية بدمائهم الزكية، كما أن تزوير الحقائق وبث الأكاذيب والأضاليل اليهودية والعرفاتية حول دور القوى الخارجية في عمليات حماس والجهاد الإسلامي تحقير وإهانة للشعب الفلسطيني واللبناني والأمة العربية في مقاومة الاحتلال.‏

إن الولايات المتحدة التي نظمت القمة هي التي تدافع عن احتلال إسرائيل للأراضي العربية وهي التي مكنتها من احتلال هذه الأراضي والاستمرار في المحافظة على احتلالها لإملاء الشروط الإسرائيلية في أوسلو ووادي عربة، وهي التي تموّل الاستيطان اليهودي في الأراضي العربية المحتلة، وهي التي أعطت الضوء الأخضر إلى مجرم الحرب بيرس لشن الحرب على المدنيين في لبنان لتدمير المزيد من الاقتصاد اللبناني وفرض المزيد من الخنوع والاستسلام على العرب، وهي بالتالي الداعم والحامي والمدافع والمموّل والمسّلح للإرهاب اليهودي الذي تمارسه دولة اليهود، وهي الداعم للإرهاب في الشرق الأوسط وفي العالم.‏

لقد كانت قمة شرم الشيخ قمة الرئيس الأميركي المتصهين، بيل كلنتون لحماية حليفه الاستراتيجي الكيان الصهيوني وإخراج إسرائيل من المأزق الذي أوقعت نفسها فيه وتوظيف القمة من أجل إنجاح رئيس وزراء العدو الإسرائيلي في الانتخابات والتأكيد على أن إسرائيل تعمل من أجل السلام.‏

لماذا لم يدع العرب والعالم إلى مؤتمر عالمي لمكافحة الإرهاب اليهودي عندما ارتكب الإرهابي اليهودي غولدشتاين مجزرة الحرم الإبراهيمي الشريف؟‏

لماذا لم يتحدث الرئيس الأميركي عن الإرهاب اليهودي في حين جمع العرب والعالم لإدانة التطرف والعنف الإسلامي؟‏

لماذا تسخّر واشنطون وتل أبيب ياسر عرفات لسحق حماس والجهاد الإسلامي؟‏

كانت القمة قمة فرض الخطط والمشاريع الإسرائيلية، قمة فرض الحلول المصنوعة لخدمة مصالح الصهيونية والإمبريالية لنهب ثروات وأراضي وإرادة وحقوق الأمة العربية. لذلك يرفض المواطن العربي ما تمخضت عنه القمة التي خدمت التصلب والغطرسة الإسرائيلية وصعدت من الاعتداءات والجرائم الإسرائيلية على الشعبين اللبناني والفلسطيني. فالمقاومة اللبنانية والفلسطينية مقاومة مشروعة وعادلة في مواجهة المزاعم والخرافات والأساطير وأبطالها ليسوا بمجموعة من الإرهابيين كما وصفتهم قمة شرم الشيخ التي صبت في خدمة الاحتلال والاستيطان والإرهاب اليهودي.‏

إن الإرهاب هو اتهام المقاوم بالإرهاب، وتأييد الإرهاب اليهودي بحجة مكافحة الإرهاب. لقد تجسّد الإرهاب في قمة شرم الشيخ باتهام النضال العادل ضد الاحتلال اليهودي وضد الإذلال والاضطهاد والقمع والوحشية اليهودية دفاعاً عن الوجود وفق مبادئ وأهداف وقرارات الشرعية الدولية بالارهاب.‏

ظهرت ثلاثة مواقف في قمة شرم الشيخ:‏

أولاً: الموقف الإسرائيلي- الأميركي وطالب بتسمية القمة قمة مكافحة الإرهاب وسحق الإرهاب الذي تدعمه إيران وتغض سورية النظر عنه ولا تفعل شيئاً لمنعه، لذلك لابد من تحالف شرق أوسطي وعالمي لسحقه كشرط لاستئناف التسوية.‏

ثانياً: الموقف المصري- الفرنسي وتؤيده السعودية وبعض الدول الأوروبية، ويعتبر أن العنف مسؤول عن تعثر عملية السلام وهو أصولي وإسرائيلي ويرى عدم محاصرة السلطة الفلسطينية واحترام المواثيق التي تم توقيعها ومن الضروري متابعة المسيرة السلمية.‏

ثالثاً: الموقف السوري- اللبناني ويقوم على أساس أن المقاومة حق مشروع في التصدي للاحتلال وتحرير الأرض والدفاع عن الوطن والذات والثروات والمنجزات. ويقوم على وجوب التفريق بين المقاومة والإرهاب، ومتابعة العملية السلمية التي أوقفتها إسرائيل على أساس مرجعية مدريد وتطبيق قرارات الشرعية الدولية.‏

ونفذت السلطة الفلسطينية مطالب إسرائيل والولايات المتحدة كافة في التصدي لحركتي حماس والجهاد الإسلامي واعتقال جميع العناصر التي طالبت إسرائيل باعتقالهم وحظر نشاطات الجمعيات الخيرية التابعة لهما وحددت موعداً لانعقاد المجلس الوطني الفلسطيني لإلغاء الميثاق.‏



وأعلن عرفات داخل المؤتمر الحرب الشاملة على المقاومة الإسلامية وقرر استئصالها استجابة لمطلب إسرائيل بتدمير البنية التحية لها.‏

وأكد في كلمته تصميمه على اقتلاع الإرهاب في المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية وقال: إن"الإرهاب ينال منا جميعاً، وعلينا نحن أبناء إبراهيم أن نؤمن بأن من يدعو إلى القتل خارج عن إرادة الله وشرائعه السماوية"(133)..‏

ومن الجدير بالذكر أنه لم يرتفع صوت يدعو إسرائيل للانسحاب من الأراضي التي احتلتها والتوقف عن سياستها الاستيطانية وتفكيك المستعمرات اليهودية والتوقف عن مصادرة الأراضي العربية..‏

ودار الخلاف في المؤتمر حول استخدم العنف واللجوء إليه وظهر اتجاهان: الأول يعتبر أن الإرهاب سبب المشاكل وتتبناه الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما. والثاني يرى أن العنف هو نتيجة لاغتصاب الأرض واليأس والإحباط والحصار الاقتصادي على الضفة والقطاع والفشل في تحقيق السلام العادل والشامل واستمرار الاحتلال الإسرائيلي وتحقيق الأمن الإسرائيلي على حساب الأمن العربي.‏

ورأت فرنسا داخل المؤتمر أنه من الخطأ أن ينحاز المشاركون فيه إلى إسرائيل، أو أن يظهر المؤتمر وكأنه جاء لحماية إسرائيل، وإن أمن إسرائيل لا ينفصل عن أمن الفلسطينيين.‏

وقال الرئيس جاك شيراك في المؤتمر"على المجموعة الدولية أن تدين الإرهاب وتعمل على دفع عملية السلام" كما وجه التحية إلى الشعب الإسرائيلي في محنته وقال إن: "الأولوية القصوى يجب أن تعطى لحماية أمن وسلامة شعبي اسرائيل وفلسطين" (134)‏

وأكد الرئيس الفرنسي أن عملية السلام لا رجعة فيها والسلام يمر من البوابة الاقتصادية، لذلك على المجتمع الدولي أن يزيد حجم معونته الاقتصادية للفلسطينيين.‏

وقال المستشار الألماني هيلموت كول إن التفجيرات لم توجه ضد إسرائيل وإنما ضد عملية السلام، وتمثل خطراً كبيراً على العملية. وتابع حديثه قائلاً:‏

"أقول لأصدقائي في إسرائيل إنني أشعر بأسى وحزن وأشاركهم الأحزان وأعلن في هذا المؤتمر أن عملية السلام هي عملية لابد أن تصل إلى نهايتها ولا خيار أمامنا إلاّ الوصول إلى السلام.‏

ودعا كول إسرائيل ومنظمة التحرير إلى محاربة الإرهاب باتخاذ قرارات حاسمة، وليس بالإدانة وحدها.‏

وقال: "عقدنا العزم على محاربة من يريدون تعطيل السلام ومساندة من يناضلون ضد أعداء السلام، وتقديم الدعم الكامل لهم."(135).‏

وأعلن عرفات أمام المشتركين في المؤتمر:‏

"إننا نواجه وسنواجه الإرهاب ونقتلعه من أرضنا، لأن حلمنا في الحرية والاستقلال وتقرير المصير لا يمكن أن يزدهر ويتحقق وسط بحر الدم والدموع، وإنما بالعمل الدؤوب في مواجهة ..... الإرهاب، لهذه الأجنحة المتطرفة والخطرة لحماس والجهاد الإسلامي"(136).‏

وأكد رئيس وزراء بريطانيا جون ميجر أن بلاده أعلنت مساندتها منذ وقت طويل لعملية السلام، والدول التي تكافح الإرهاب. وعبر عن حزنه العميق على العمليات الإرهابية ورحب بحرارة بالتعاون بين عرفات وبيرس.‏

وأظهرت بريطانيا انحيازها لإسرائيل وتبعيتها للسياسة الأميركية فيما يتعلق بالصراع العربي- الصهيوني، وجاء في الكلمة التي ألقاها بيرس أمام المؤتمر"إن القرار الفعال لابد و أن يتخذ هنا اليوم. إن هذا المؤتمر لابد وأن يضع استراتيجيته وذلك من قبل المجتمع الدولي من أجل مواجهة هذا الإرهاب بالتعاون الدولي وعقد العزم على القضاء على جيوب الإرهاب وأربابه".‏

ووصلت الوقاحة الإسرائيلية حداً طالبت فيه"بحق إسرائيل في الاطلاع على أسماء الأُسر والعائلات الفلسطينية التي تتسلم تبرعات مالية ومساعدات مقدمة من لجان عربية تعمل في مجال دعم الشعب الفلسطيني. ورد الجانب المصري على هذا الكلام وقال: "وماذا عن الأموال التي تتلقاها جماعات إسرائيلية متطرفة يمارس بعض أعضائها الإرهاب من الولايات المتحدة ودول أخرى في صورة تبرعات" (137).‏

وأكد أن مصر و الدول العربية حتى المعنية بعملية السلام بشكل مباشر لن تعمل لحساب إسرائيل. وشدد على أن أمن إسرائيل وظيفة إسرائيل، والأمن الإقليمي له عناصر كثيرة من بينها مكافحة الإرهاب. وتتضمن أيضاً الموضوع النووي.‏



بيان القمة الختامي‏

سعت إسرائيل والولايات المتحدة إلى أن يتضمن البيان الختامي للقمة خطوات عملية وآليات للقضاء على الإرهاب، إلاّ أن المؤتمرين توصلوا إلى حل وسط بالتركيز على مكافحة الإرهاب ودعم عملية التسوية السياسية. أما القرارات فجاءت كما أرادت إسرائيل مناهضة للعنف والإرهاب. واتخذت طابعاً عملياً بالإعلان عن إنشاء مجموعة متابعة عقدت أول اجتماع لها في واشنطون بتاريخ 27/3/1996 وبحضور حوالي(29) بلداً لوضع الخطوات العملية لمكافحة الإرهاب. وأكد البيان الإدانة الشديدة لكافة أعمال الإرهاب بكافة أشكالها النكراء مهما كانت دوافعها وأياً كان مرتكبوها بما في ذلك الهجمات الإرهابية الأخيرة في إسرائيل." وجاء في البيان الختامي أن القمة قررت ما يلي: -‏

"أ- دعم الاتفاقات الإسرائيلية الفلسطينية واستمرار عملية المفاوضات وتدعيمها سياسياً واقتصادياً وتعزيز الوضع الأمني للطرفين. ((ويصب هذا القرار في صالح إسرائيل لأنها هي التي وضعت الاتفاقيات وبصم عليها عرفات.))‏

ب- دعم استمرار عملية المفاوضات من أجل تحقيق تسوية شاملة(بدون تحديد الزمان والمكان وبالتالي يترك لإسرائيل حرية التصرف بعملية المفاوضات كما تريد وكما تشاء.)‏

جـ- العمل سوية لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة بتطوير إجراءات فعالة وعملية ومزيد من المساعدات.‏

ء- دعم تنسيق الجهود من أجل وقف أعمال الإرهاب على المستويات الثنائية والإقليمية والدولية لضمان وصول مرتكبي هذه الأعمال إلى أمام العدالة. (تهدف إسرائيل من جراء هذا البند مساعدة العالم لها لتعزيز دور الشرطي الذي تقوم به لقمع النضال العربي وتخليد اغتصابها للأرض والحقوق العربية) .‏

هـ- بذل أقصى الجهد لتحديد مصادر تمويل هذه الجماعات والتعاون في وقف ضخها وتوفير التدريب والمعدات وأشكال الدعم الأخرى للأطراف التي تتخذ خطوات ضد الجماعات التي تستخدم العنف والإرهاب. (ويجسد هذا الموقف موقف إسرائيل من وقف المساعدات العربية للمؤسسات الخيرية الفلسطينية وحصولها على الأموال والمعدات لسحق النضال العربي كما قال بيرس.).‏

و- تشكيل مجموعة عمل مفتوحة لكافة المشاركين في القمة لإعداد توصيات حول أفضل الأساليب لتنفيذ فقرات هذا البيان.‏

وجاء في البيان"دعم الاتفاقات واستمرار عملية المفاوضات من أجل تحقيق تسوية شاملة ووقف العمليات"الإرهابية" وكيفية التمويل والمتابعة، وبالتحديد نص البيان على أهداف ثلاثة: تعزيز عملية السلام ودعم الأمن ومحاربة الإرهاب. وعكس البيان مواقف رؤساء الوفود في المؤتمر حول تأييد العملية السلمية ومحاربة الإرهاب.‏

تضمن بيان القمة النقاط التالية:‏

* تأييد عملية السلام ودفع الأمن والاستقرار في المنطقة إلى الأمام.‏

* التنديد بكل أشكال الإرهاب أياً تكن الدوافع إليها.‏

* التصدي بحزم لظاهرة الإرهاب والعمل على وقف العمليات الإرهابية.‏

* تعزيز التعاون والتنسيق بين الحكومات وبين أجهزة الأمن والشرطة من أجل مكافحة الإرهاب.‏

* اتفاق دولي لمحاكمة مرتكبي الأعمال الإرهابية والذين يخططون لها.‏

لقد تحالف عرب وإسرائيليون وأميركيون وأوروبيون في القمة للقضاء على المقاومة العربية للاحتلال الإسرائيلي. ورأت الإدارة الأميركية أن المهمة الدولية العاجلة لمكافحة الإرهاب هي مواجهة الإرهاب الذي تقوم به منظمات ترفع شعارات إسلامية في الشرق الأوسط ويلقى مساعدات من إيران ودعماً وأرضاً في سورية ولبنان.‏

ووصف الرئيس الأميركي بيل كلنتون القمة بأنها ناجحة جداً ومثمرة وبناءة وأعلن عن إنشاء مجموعة عمل للمتابعة ستضع تقريراً لها خلال شهر، في الأسابيع المقبلة. وقال الرئيس مبارك في مؤتمر صحفي مشترك مع كلنتون"إن المشاركين اتفقوا على إجراءات محددة وإنشاء آليات محددة وذلك مما يؤدي إلى تعزيز عملية السلام".‏

علق بيرس على القمة وقال"يمكن للإسرائيليين أن يناموا باطمئنان أكبر الآن"(139).‏

واعتبر بيرس القمة تضامناً عربياً لا سابق له مع إسرائيل.‏

وكرر بيرس موقفه باتخاذ إجراءات عاجلة محلية وإقليمية ودولية لمواجهة عمليات حماس وسحقها. وتقدمّ مجدداً إلى عرفات طالباً منه حظر نشاط كل المنظمات الإرهابية وعدم السماح بحمل السلاح واعتقال القادة والكوادر، وأعطاه قائمة جديدة بمجموعة أسماء تم تحديدها لاعتقالهم، واستمر في فرض الطوق الأمني على الضفة والقطاع. وكرر طلبه إلى الدول العربية اتخاذ مواقف حاسمة لا يقاف أي دعم مادي لحماس والمنظمات الأخرى.‏

واستثمر بيرس الدعم الأميركي المطلق ودعم عرب القمة لتشديد سياسة العقوبات الجماعية على الشعب العربي الفلسطيني.‏

وعند العودة إلى بيان القمة الذي ينص على دعم السلام يتساءل المواطن العربي ما هو هذا السلام الذي تدعمه القمة؟ هل هو سلام الأمر الواقع الناتج عن استخدام القوة وتسخير الإحتلال للتوصل إلى اتفاقات كاتفاق أوسلو ووادي عربة؟‏

أم السلام العادل والشامل والدائم والقائم على مبادئ الحق والعدالة، مباديء القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة والمواثيق الدولية الأخرى؟‏

وهل هو سلام الإملاءات الإسرائيلية، وتكريسها في معاهدات عن طريق الراعي الأميركي المنحاز للعدو أم السلام الذي توافق عليه وترضى عنه الأجيال العربية القادمة؟ وما هو مفهوم الأمن الذي تدعمه القمة؟ هل هو الأمن للمحتل والمعتدي ومكافأته على عدوانه؟ أم هو الأمن المتبادل للبلدان العربية وإسرائيل؟‏

هل هو أمن في ظل التفوق العسكري الإسرائيلي والسلاح النووي أم هو أمن يمنع المعتدي الإسرائيلي من إشعال حروب جديدة في المنطقة وفي إطار مبادئ وأهداف وقرارات الشرعية الدولية؟.‏




التوقيع

إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بدّ أن يستجيب القــــدر
و لا بــــدّ لليــل أن ينجلــي
و لا بـــدّ للقيــد أن ينكسـر
رد مع اقتباس
قديم 04-20-2010, 05:45 PM   رقم المشاركة : 16
الهادي الزغيدي
عضو





الهادي الزغيدي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: - القمم والمؤتمرات الاقتصادية والأمنية من التطبيع إلى الهيمنة -

ثالثاً: مؤتمر القاهرة الاقتصادي الثالث"(24)‏

مقدمة‏

قامت إسرائيل على الإرهاب وتعيش عليه وتستخدم مكافحته لتحقيق أهدافها التوسعية والاستيطانية في الأرض العربية. وتمارس الإرهاب والعنصرية والاستيطان والهيمنة كسياسة رسمية. فاغتالت أبرز القادة الفلسطينين وقادة كتائب عز الدين القسام في الضفة والقطاع وبيروت وجنوب لبنان وروما ولندن وباريس وتونس وغيرها. واغتالت الأمين العام لحزب الله عباس موسوي وعائلته. وخطفت الشيخ عبد الكريم عيد ومصطفى ديراني من منزلهما في لبنان.‏

وأغارت على مطار بيروت ودمرت (15) طائرة مدنية. وأسقطت طائرة ركاب مدنية ليبية وقتلت جميع ركابها المدنيين وعددهم(107). وارتكبت الحروب العدوانية والمجازر الجماعية منها مجزرة صبرا وشاتيلا. وتمارس أبشع صور الإرهاب في التاريخ البشري. فمن هو الإرهابي الذي عاش ويعيش على الإرهاب؟ ألم يكن المصلون العرب في الحرم الإبراهيمي الشريف ضحايا الإرهاب اليهودي؟‏

ألم يكن المصلون العرب الذين قتلتهم الشرطة الإسرائيلية في الحرم القدسي الشريف ضحايا الإرهاب الإسرائيلي؟ أطفال مدرسة بحر البقر وعمال مصنع أبو زعبل في مصر وسكان بلدة داعل السورية، ألم يكونوا ضحايا الإرهاب الرسمي لإسرائيل؟.‏

اغتالت إسرائيل(أبو جهاد) خليل الوزير في تونس(وأبو علي) حسن سلامة وكمال ناصر وكمال عدوان وأبو يوسف النجار في بيروت، والدكتور فتحي الشقاقي، الأمين العام للجهاد الإسلامي في مالطا، والمهندس يحيى عياش، قائد كتائب عز الدين القسام في غزة فماذا نسمّي هذا؟‏

اغتال الإرهابي الإسرائيلي عامير، عميل الموساد الجنرال رابين، بعد أن أقدم رابين على اغتيال الشقاقي. ولم يتحدث أحد في العالم سواء من السياسيين أو رجال الإعلام عن الإرهابي اليهودي عامير، وإنما قالوا عنه"المتطرف اليهودي"؛ فهل اليهودي اغلى من العربي وفوق البشر، يجوز له مالا يجوز لغيره من البشر؟‏

إن عدالة قضية فلسطين معروفة لدى جميع شعوب العالم وحكوماته. وبالرغم من مرور خمسة عقود على معاناة ومأساة الشعب الفلسطيني ومعاناته التي سببتها إسرائيل، لم تجد حلاً عادلاً حتى الآن.‏

وعندما يمارس الشعب العربي الفلسطيني حقه الطبيعي في المقاومة التي يقرها القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة والعديد من العهود الدولية ضد المحتل الإسرائيلي تتحوّل هذه المقاومة النابعة من الترحيل والقهر والاضطهاد والتهويد ومصادرة الأرض والمياه والحقوق إلى إرهاب يجب سحقه واقتلاع جذوره بتعاون عرفات وسلطة الحكم الذاتي معه والعديد من المشيخات والمحميات والممالك وبتعاون دولي تقوده الولايات المتحدة الأميركية لحماية التوسع والاستيطان اليهودي وتصليب عنجهية إسرائيل ويتحول الضحية بالمنطق اليهودي والأميركي إلى إرهابي يجب سحقه والقضاء عليه ومطاردته في كل مكان، ويتحول القاتل إلى ضحية وحمل وديع يحتاج إلى مساعدة سلطة الحكم الذاتي ومعظم النظم العربية وجميع دول العالم. وبالفعل نجحت الولايات المتحدة في حمل معظم حكومات العالم على اعتبار كل عمل من أعمال المقاومة ضد الاحتلال والاستيطان والهيمنة الإسرائيلية أبشع أنواع الإرهاب يجب اقتلاعه وسحق القائمين عليه.‏

لقد ارتكبت المؤسسة العسكرية في إسرائيل جريمة اغتيال يحيى عياش، مما أدى إلى تفجير الوضع بين حماس وإسرائيل فقامت حركة حماس بالثأر لاستشهاده.‏

الولايات المتحدة والعمليات الاستشهادية‏

هزت عمليات حماس الاستشهادية أركان الكيان الصهيوني وأعادت بحث اغتصاب الصهاينة للأرض العربية في فلسطين. وجاءت كرد فعل على الاحتلال وعلى عمليات قتل المدنيين العرب وعناصر حركة حماس المجردين من السلاح على يد فرق الجيش الإسرائيلي السرية وفرق المستعربين والمستوطنين. جاءت العمليات الاستشهادية بعد نسف الجيش الإسرائيلي لآلاف الشقق والمنازل الفلسطينية بالبلدوزرات والصواريخ وبعد أن ظهر للعيان أن إسرائيل تعمل لتصفية حركة حماس بالتعاون والتنسيق الكاملين مع قيادة عرفات وسلطة الحكم الذاتي المحدود.‏

ولقد ظهر للعيان بعد العمليات الاستشهادية أن دور السلطة الفلسطينية لا يقل عن دور سلطات الاحتلال الإسرائيلي في قمع المقاومة الإسلامية وذلك انطلاقاً من وظيفتها حسب اتفاق أوسلو والتي تتلخص في أمرين أساسيين:‏

الأول: التنازل عن الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني في وطنه فلسطين والحقوق القومية والدينية للعرب والمسلمين.‏

والثاني: المحافظة على أمن الكيان الصهيوني وأمن المستوطنين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث اعترف عرفات في اتفاق الإذعان في أوسلو بشرعية الاحتلال ووجوب تأمين الأمن الإسرائيلي. ويجسد اتفاق الإذعان الأطماع والمزاعم والخرافات اليهودية وإهدار الشرعية الدولية حيث لم تعد قرارات الشرعية الدولية هي المرجعية وإنما بنود الاتفاق التي وضعتها إسرائيل وبصم عليها عرفات.‏

إن مقاومة المحتل عمل مشروع طبقاً للقانون الدولي وتقرها الشرائع السماوية والأعراف الدولية ولا سيما وأن العدوان والاحتلال والاغتصاب الإسرائيلي مازالت قائمة. إن أرض فلسطين ملك للعروبة والإسلام، فهي أرضنا ووطننا ويقطن فيها شعبنا العربي منذ آلاف السنين، والعدو الصهيوني هو المغتصب للأرض والحقوق والمعتدي علينا، وعلينا أن نرد عليه ونسترجع الوطن المغتصب منه مهما طال الزمن، لأن مقاومة الغاصب والمحتل واجب وطني وفرض ديني فلا يجوز الاستسلام للعدو والسكوت عن ضياع الحق المغتصب.‏

وانطلاقاً من مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة والمواثيق الدولية الأخرى لا يجوز إطلاقاً أن نسمي العمليات الاستشهادية إرهاباً مادام هناك احتلال واغتصاب للأرض والحقوق والثروات.‏

لقد أقامت إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية الدنيا ولم تقعدها بسبب العمليات الاستشهادية ومقتل(60) من اليهود. فماذا عن مقتل عشرات الألوف من المدنيين العرب في فلسطين؟ وماذا عن مقتل عشرات الألوف من المدنيين في لبنان، ومنهم ضحايا مجزرة قانا الوحشية! ماذا عن مقتل حوالي(60) من المصلين العرب في المسجد الإبراهيمي في الخليل وماذا عن مقتل(25) من العرب في مجزرة الحرم القدسي الشريف؟ وماذا عن مقتل حوالي ثمانية آلاف مدني في صبرا وشاتيلا؟ إن مسألة قتل الإنسان العربي، الفلسطيني واللبناني والسوري والمغربي ومسألة قتل المسلم وأطفاله وشيوخه وشبابه عند الولايات المتحدة هي مسألة لا تثير شيئاً، أما اليهودي فهو مميز وهو من أبناء شعب الله المختار لا يجوز المساس به مهما ارتكب من جرائم وحشية تنتهك أبسط مبادئ حقوق الإنسان، والقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لقد أكد العديد من علماء الشريعة في فتوى أصدروها شرعية العمليات الاستشهادية على أرض فلسطين وجاء فيها:‏

"1- إن اليهود الجاثمين على أرض فلسطين اليوم في حكم الشرع الإسلامي كفار وأعداء ومحاربون ومغتصبون، اغتصبوا كل أرض فلسطين بما فيها القدس، وأقاموا عليها كيانهم المغتصب ودولتهم، واعتقدوا ولا يزالون بأن القدس عاصمة دولتهم اليهودية إلى الأبد.‏

2- المدنيون اليهود على أرض فلسطين هم كفار وأعداء ومحاربون ومغتصبون وهم جنود مقاتلون يلبون نداء الاعتداء والإرهاب من الحكومة اليهودية، وهم جنود احتياطيون في أي حرب أو قتال.‏

3- المدنيون اليهود على أرض فلسطين حاربوا أهل فلسطين وسفكوا دماء الأبرياء من الرجال والنساء والأطفال أو ساعدوا في ذلك بالمال أو الرأي.‏

4- المدنيون اليهود والعسكريون وهم جميعاً في حكم العسكريين أخرجوا أهل فلسطين المسلمين وغير المسلمين من ديارهم، واستولوا عليها وتملكوها غصباً وسكنوها واستثمروها.‏

5- اليهود سواء كانوا مدنيين أو عسكريين الآن في حقيقتهم غرباء على فلسطين جاؤوا من أصقاع الدنيا إلى فلسطين على أساس فكرة دينية يهودية خلاصتها أن فلسطين أرض الميعاد، وأنه لابد من هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل مكانه، ولابد من احتلال بلاد المسلمين من النيل إلى الفرات لإقامة دولتهم عليها.‏

وبناء على هذه المعطيات الواقعية فإن الحكم الشرعي بشأن هؤلاء اليهود المحاربين الغاصبين المحتلين هو وجوب قتالهم وإخراجهم من فلسطين.‏

والإسلام يقرر مقاتلة الغازي والمعتدي وإن أدى إلى قتله سواء كان عسكرياً أو مدنياً، يقرر قتل كل مدني أسهم في الحرب برأي أو مال أو جهد......"(112)‏

إن قضية فلسطين والقدس الشريف عند المسلمين ليست قضية تراب ووطن فقط وإنما هي أيضاً قضية إيمان وعقيدة. وإن مقاومة المحتل والغاصب والمعتدي الإسرائيلي قضية حق الشعوب في مقاومة الاحتلال الأجنبي.‏

لقد بدأت إسرائيل الحرب المستمرة والدائمة ضد العروبة والإسلام منذ تأسيسها ولا تزال مستمرة بها لأنها لا تزال تحتفظ باحتلال الأرض العربية ومصادرتها وتهويدها واضطهاد الإنسان العربي والحيلولة دون تطوره وتقدمه. فالتعايش بين العرب واليهود على أرض واحدة غير ممكن والحل الصحيح وقف الهجرة اليهودية وإزالة المستوطنات وعودة المستوطنين إلى أماكنهم الأصلية.‏

إن السلام الإسرائيلي والأميركي يقفز فوق مبادئ الحق والعدالة، ومبادئ وأهداف الشرعية الدولية. ويبيح لإسرائيل استعباد شعب بكامله وسرقة ثرواته ومقدساته وزرع أرضه بالمستوطنين والمستوطنات. ويعمل على اغتصاب مدينة القدس، أولى القبلتين وثالث الحرمين ومدينة الإسراء والمعراج وجعلها العاصمة الأبدية لليهود. فالعمليات الاستشهادية هي نتيجة لسياسة القهر والاحتلال والاستيطان والتهويد والهيمنة. فأي سلام بلا سيادة وبلا وطن وبلا قدس وبلا عودة وحق تقرير المصير؟!‏

لقد طلب كلنتون من الرئيس الأسد إدانة العمليات الاستشهادية ولكن الأسد رفض إدانتها. وصرح وزير الخارجية الأميركي على أثرها قائلاً: "إن على جميع شعوب المنطقة ليس فقط إدانة التفجيرات بل أيضاً التعاون مع الجهود الرامية إلى عدم تكرار حماس هذه الأعمال".(113)‏

وطالب باتخاذ إجراءات صارمة ضد حماس وطلب من عرفات مواجهة حماس قائلاً:‏

"دعمُنا لعرفات مشروط بمواجهته لحماس وقال إن الهجمات لا تستهدف إسرائيل ورئيس حكومتها بيريس بل إنها أيضاً موجهة ضد عرفات"(114).‏

واستجاب عرفات للمطالب الأميركية والإسرائيلية فأعلن بيريس معلقاً على ذلك قائلاً:‏

"انتظر من عرفات أن يلقي القبض على قادة الجناح العسكري في حركة حماس واعتبار المنظمات الإرهابية خارجة عن القانون، وفعل ذلك، وطلبنا منه تجريدهم من السلام وقد بدأ بذلك وزودنا الشرطة الفلسطينية بلائحة من ثلاث عشر مطلوباً".(115)‏

ونجح بيريس في تجنيد عرفات وشرطته ومخابراته واتباعه في حربه ضد المناضلين الفلسطينين لقمع العمليات الاستشهادية.‏

ويمكن القول إن الأطراف التي تضررت من العمليات الاستشهادية في القدس وعسقلان وتل أبيب هي:‏

* حزب العمل الإسرائيلي وزعيمه مجرم الحرب شمعون بيرس.‏

* انهيار نظرية الأمن الإسرائيلي والردع العسكري.‏

* سلطة الحكم الذاتي العميلة وزعيمها ياسر عرفات.‏

* الإدارة الأميركية وزعيمها المتصهين بيل كلنتون باعتباره راعياً ومدافعاً وداعماً للاحتلال والاستيطان والإرهاب اليهودي.‏

فالولايات المتحدة، القطب الوحيد المهيمن على العالم والمنحازة لإسرائيل والتي تكيل بمكيالين هي التي دعت إلى عقد القمة لإزالة الخوف الذي دب في نفوس الإسرائيليين وتهدئة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية والمحافظة على المصالح الأميركية وتنفيذ المخططات الأميركية في المنطقة.‏

وأرادت إسرائيل أن تثبت أن لها اليد الطولى في المنطقة وفي العالم، وأنها قادرة على إخضاع الفلسطينيين وتخويف العرب بمساعدة الولايات المتحدة وأوروبا وبعض الأطراف الفلسطينية والعربية.‏

فالعمليات الاستشهادية فجرت الخوف والقلق والانفعال في نفوس الإسرائيليين وجعلتهم يخشون على مستقبلهم ومستقبل الكيان الصهيوني ككيان غريب ودخيل جاء يغتصب الأرض العربية ويتوسع ويقيم المستعمرات اليهودية ويرحَّل السكان العرب، لذلك فأن المستعمر اليهودي لا يمكن أن يرتاح إلاَّ بالأمن المطلق. فهبت الولايات المتحدة لمساعدته على تحقيق هذا الأمن.‏

لقد وضع بيرس شروطاً على عرفات وطالبه بتنفيذها وهي:‏

- اعتبار حركتي حماس والجهاد الإسلامي خارجتين على القانون.‏

- تجريد الإرهابيين من السلاح.‏

- اعتقال زعماء المنظمات الإرهابية.‏

واستجاب عرفات للمطالب الإسرائيلية فوصف العمليات الاستشهادية بالإجرامية وأخذ يطلق التهديد تلو الآخر للمنظمات الفلسطينية واعتبرها جميعها بما فيها مجموعات النسر الأحمر والنجم الأحمر والفهود السود منظمات غير شرعية. وأصدر التعليمات لأجهزته الأمنية والشرطية بمطاردة المجاهدين والمناضلين. ودعا الجماهير الفلسطينية في غزة إلى التظاهر للتنديد بالإرهاب الفلسطيني.‏

هل فكر عرفات ولو ثانية واحدة لماذا يقوم الفلسطينيون بتفجير أنفسهم؟ ومن هو الذي أدخل العنف والإرهاب والمجازر الجماعية في المنطقة؟ فهل هو العربي الذي يدافع عن أرضه ووطنه وحياته؟ أم المستعمر اليهودي الذي جاء من نيويورك أو موسكو لينتزع الأرض من أصحابها ويقيم المستعمرات اليهودية عليها؟‏

فماذا ينتظر الرئيس الأميركي كلنتون ونتنياهو وعرفات من العرب وهم يرون الاحتلال الإسرائيلي ينهب الأرض والمياه والثروات ويعلن أن القدس، أولى القبلتين وثالث الحرمين عاصمة أبدية لكيانه المغتصب؟‏

فالاحتلال الإسرائيلي وممارسة إسرائيل للإرهاب والعنصرية والاعتداءات اليومية والمجازر الجماعية هي التي تدفع العرب إلى استخدام العنف.‏

ولذلك فإن العمليات الاستشهادية هي نتاج بطولي لتراكم الظلم والقهر واغتصاب الأرض والحقوق خلال نصف قرن من عمر الكيان الصهيوني، الدخيل على المنطقة والغريب عنها والذي عرقل ويعرقل تطورها وتقدمها وازدهارها واستقرارها.‏

وبالرغم من هذه الحقائق دعا رئيس سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني المحدود في خطابه الذي افتتح به المجلس التشريعي الفلسطيني إلى قمة دولية لمكافحة الإرهاب.‏

وكانت حركة حماس قد هددت في أعقاب اغتيال أجهزة الأمن الإسرائيلية للشهيد البطل يحيى عياش تنفيذاً للقرار الذي اتخذه رئيس الوزراء شمعون بيرس شخصياً وتباهت إسرائيل بنجاح جريمة الاغتيال التي نفذتها، هددت بالرد والثأر لاغتيال قائد فصائل عز الدين القسام. وأعلنت أن السلطات الإسرائيلية قد اتخذت كافة الاحتياطات لمواجهة الرد وإحباطه وأرسلت الولايات المتحدة الخبراء الأميركيين والمعدات والأجهزة الحديثة لتعزيز قدرة إسرائيل في مجال الكشف عن المتفجرات. وبعثت الإدارة الأميركية رسائل إلى الدول العربية تطلب منها أن تدين بوضوح عمليات المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي.‏

ومن المؤلم حقاً أن بعض العواصم العربية استجابت لرغبة أميركا وإسرائيل واتهمت رجال المقاومة بالإرهابيين ووصفت العمليات الفدائية بالجرائم وبأنها هجوم جبان.‏



التطلعات المصرية والإسرائيلية من القمة.‏

يتلخص الهدف الأساسي من انعقاد قمة شرم الشيخ هو"إقامة تحالف دولي ضد حركات المقاومة الوطنية والإسلامية تحت ستار مكافحة الإرهاب. وأرادت إسرائيل أن تكون القمة كإطار إقليمي ودولي للتصدي للمقاومة الفلسطينية بعد أن فشلت في القضاء عليها والتصدي للأطراف التي تدعمها ورفع معنويات الشعب الإسرائيلي بعد أن سيطر عليه الخوف والرعب بعد العمليات الاستشهادية في القدس وتل أبيب وعسقلان.‏

لقد وجدت إسرائيل المدججة بأحدث أنواع الأسلحة في العالم بما في ذلك السلاح النووي نفسها عاجزة عن مواجهة العمليات الاستشهادية، فأسرعت تطلب المساعدة والدعم من الولايات المتحدة والدول الأوروبية وبعض الدول العربية وسلطة الحكم الذاتي الإداري المحدود.‏

وأسرعت الولايات المتحدة وحملت زعماء العالم على الهرولة إلى إسرائيل مرة عندما قام الإرهابي اليهودي عامير باغتيال الجنرال رابين والمرة الثانية لعقد قمة شرم الشيخ لتسخير إمكانات بعض أجهزة الأمن العربية والفلسطينية والدولية لمساعدة إسرائيل في قمع عمليات المقاومة البطولية ولاتخاذ قرارات صارمة ضدها وحمل الدول العربية على اتخاذ خطوات حاسمة ترمي إلى شل نشاطها.‏

وانطلق الموقف الأميركي من تبني وجهة النظر الإسرائيلية بوجوب تركيز القمة على"الإرهاب" الذي تتعرض له إسرائيل ويستهدف عملية السلام وإن عمليات حماس تسببت في توجيه ضربة لمسيرة التسوية، وإن القمة تهدف إلى نبذ الإرهاب للاستمرار في التسوية، وذلك لتبرير عدم تنفيذ اسرائيل للاتفاقيات التي وقعتها سلطة الحكم الذاتي الإداري المحدود وتعليق المفاوضات مع سورية بأمر من شمعون بيرس. وأبدى الرئيس كلنتون اهتماماً بالغاً لانتشال الحكومة الإسرائيلية من أزمتها ودعم فرص حزب العمل للنجاح في الانتخابات. واعتبرت الإدارة الأميركية أن العقوبات الجماعية التي فرضتها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني وحملات الاعتقال والتعذيب والتجويع وتخريب الإنتاج الزراعي مشروعةَ دفاعاً عن الأمن الإسرائيلي، مما يخدم التصلب الإسرائيلي والتهديدات والضغوطات الإسرائيلية المتزايدة على سلطة الحكم الذاتي ويبرر الانتهاكات الإسرائيلية للاتفاقات المعقودة في أوسلو والقاهرة.‏

لقد لجأت الإدارة الأميركية إلى عقد قمة شرم الشيخ والمؤتمرات الدولية الأخرى للمحافظة على اتفاقات الإذعان العربية- الإسرائيلية التي أجبرت الولايات المتحدة الأطراف العربية على توقيعها في ظل الاحتلال الإسرائيلي وبواسطتها وبالشروط والإملاءات الإسرائيلية؛ أجبرت الإدارة الأميركية الدول العربية والعديد من دول العالم على الاشتراك في المؤتمرات الدولية للحيلولة دون تراجع بعض العرب عن اتفاقات الإذعان ولحمايتها وضمان استمراريتها وفرض التطبيع على العرب جميعاً للوصول إلى الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة العربية.‏

ورأت الولايات المتحدة أن تسمي المؤتمر مؤتمراً لمكافحة الإرهاب، بينما رأت مصر أن يكون اسم المؤتمر"مؤتمر صانعي السلام".‏

وانطلق الموقف المصري عشية انعقاد القمة والتحضير إلى انعقادها من وجوب عقدها لدفع عملية السلام التي وصلت إلى طريق مسدود وواجهت مشاكل معقدة بعد العمليات الاستشهادية حيث اعتبر عمرو موسى، وزير الخارجية المصري أن إعاقة مسار السلام بواسطة العنف من الجانبين مسألة غير مقبولة ووجه اللوم إلى إسرائيل لأنها فرضت الحصار على الضفة والقطاع واتخذت إجراءات لا تتفق مع التزامات إسرائيل الواردة في الاتفاقات.‏

إن الجانب العربي الذي يعرف حق المعرفة أن سبب العنف في المنطقة هو الاستيطان اليهودي واغتصاب فلسطين العربية لا يمكن أن ينظر إليه على اعتباره مجرد وسيلة تهدد أمن إسرائيل وأمن الإسرائيليين، فالعنف في المنطقة له أسبابه وتاريخه ونتج عن الاغتصاب والاحتلال والتهويد وممارسة إسرائيل للإرهاب والعنصرية والاستيطان كسياسة رسمية. ونجحت مصر في تحويل القمة من قمة لمكافحة الإرهاب وخدمة الأمن الإسرائيلي فقط إلى قمة لدعم السلام ومكافحة الإرهاب وذلك بالتسمية والعنوان فقط، مما أنقذ مصر من ورطة سياسية تسيء لدورها العربي وموقفها من الحق العربي في فلسطين.‏

بدأ التوريط المصري بالقمة خلال الزيارة التي قام بها إلى إسرائيل الدكتور أسامة الباز، مستشار الرئيس مبارك للشؤون السياسية.‏

يقول دبلوماسي مصري عن زيارة الباز مايلي: "بدا واضحاً من المحادثات التي أجراها الباز مع المسؤولين الإسرائيليين أن المصاعب المحيطة بعملية السلام، خصوصاً على المسار الفلسطيني الإسرائيلي بعد عمليات التفجير في القدس وعسقلان وتل أبيب، بلغت درجة الخطورة وباتت تهدد العملية من أساسها.(116)‏

ولعب الباز دوراً هاماً بعد عودته من تل أبيب بإقناع الرئيس مبارك بعقد قمة شرم الشيخ، حيث حذره في التقرير الذي رفعه إليه من "أن المناخ السائد في إسرائيل بفعل التفجيرات أصبح هاجساً أمنياً، وأن المسار الفلسطيني- الإسرائيلي بات مهدداً بالانهيار مالم يتم إنقاذه بسرعة"(117).‏

لقد نجح بيرس بإقناع الباز ونجح الباز بإقناع الرئيس مبارك بفكرة بيرس وهي عقد قمة شرم الشيخ لمكافحة الإرهاب. وجاءت الفكرة المصرية بعقد القمة لإنقاذ عملية السلام ومكافحة الإرهاب.‏

ساد اتجاهان في التحضير للقمة:‏

الأول: يقول إن الغرض الرئيسي من القمة ينبغي أن يكون دفع عملية السلام بعد العمليات الاستشهادية وكسر الجمود المسيطر على المسار السوري- اللبناني بعد أن أوقف بيرس المفاوضات. ودعمت مصر هذا الاتجاه.‏

والاتجاه الثاني: يطالب بإجراءات محددة وآليات عملية لمواجهة الإرهاب ودعم شمعون بيرس في الانتخابات‏

وأكدت مصر أن نجاح بيرس شأن إسرائيلي داخلي وأن ما يعنيها هو إزالة كل ما من شأنه عرقلة السلام، وهذا يتطلب بحث موضوع الإرهاب والأسباب التي أدت إليه. وتبلور الموقف المصري على الشكل التالي:‏

"إن مصر ترفض العنف والعنف المضاد، ولا تقبل بترويع المدنيين، كما ترفض سياسة إغلاق إسرائيل للضفة والقطاع. وتعتبر الإرهاب مرفوضاً، والحرب عليه واجباً. وهذا ما يستدعي اتخاذ تدابير أمنية وسياسية عدة، منها إعادة النظر في حق اللجوء السياسي الذي تمنحه الدول الغربية للإرهابيين وأنصارهم، والبحث عن مصادر تمويل هذه الجماعات ومراقبة أنشطتها ورصد اتصالاتها وتحركات عناصرها.‏

لكن القضية الجوهرية في نظر مصر هي ضرورة إزالة المناخ الذي يشجع الإرهاب. وهذا يتم من خلال تسريع عملية السلام وتدعيمها، والتوصل إلى اتفاقات على المسارين السوري واللبناني، وإنجاح مفاوضات المرحلة النهائية على المسار الفلسطيني.‏

وعبر حاييم فورين، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية عن أن لاخلاف على أهمية دعم عملية السلام، لكننا نعتبر أن ذلك لا يمكن أن ينفصل عن محاربة الإرهاب، لأن الهدفين مرتبطان عضوياً. فالإرهاب الحالي يهدف إلى تقويض السلام وتدمير إمكانات تحقيقه. ولذلك لا يمكن دعم السلام من دون مكافحة الإرهاب، والعكس أيضاً صحيح" (118).‏

وطالبت إسرائيل بضرورة عدم الاكتفاء بإعلان المواقف والتصريحات، بل وجوب الوصول إلى ممارسات عملية يتفق عليها المشاركون في القمة من أجل مكافحة الإرهاب والحيلولة دون تحقيق أهدافه.‏

ولخص حاييم فورين موقف حكومة العدو في القمة والنتائج التي ترغب في الوصول إليها قائلاً:‏

"طبعاً سيكون مهماً أن تطلع القمة بإعلان مشترك يوافق عليه الجميع ضد الإرهاب، وهذا ما نرغب فيه ونريده. لكن الأهم سيكون الاتفاق على الخطوات العملية التي يقرر جميع المشاركين في القمة تنفيذها ضد الإرهاب في إطار استراتيجية موحدة تقوم على التعاون والتنسيق. فمثل هذا الاتفاق سيكون المؤشر الحقيقي على نجاح القمة في تحقيق أهدافها"(119).‏

وأعرب زئيف شيف، الخبير الإسرائيلي الكبير في الشؤون الاستراتيجية عن أهمية قمة شرم الشيخ في تحقيق التعاون الأمني بين إسرائيل والدول العربية المشتركة في القمة وقال:‏

"لابد من الاعتراف بأن مجرد جلوس الدول العربية على منبر واحد مع إسرائيل تحت شعار مكافحة الإرهاب هو في حد ذاته نقلة تحول أساسية ينبغي التركيز عليها، وهو أيضاً يشكل في نظرنا الإنجاز الأهم لاجتماع شرم الشيخ على المستوى السياسي والاستراتيجي العام. فهذا يعني أن العرب باتوا أخيراً على استعداد للإقرار بأن هناك مصالح أمنية مشتركة تجمعهم مع إسرائيل لكنني أعود وأكرر هنا أن الناحية الإيجابية المنبثقة عن هذا الاجتماع هي تكريسه حقيقة أنه بات هناك الآن عرب وإسرائيليون في خندق واحد مؤيد للعملية السلمية ضد عرب وإسرائيليين معارضين لهذه العملية"(120).‏

وكانت إسرائيل ترغب من القمة تعزيز الشراكة الأمنية بين الإسرائيليين والفلسطينين وبين الإسرائيليين وبعض الأطراف العربية. ونجحت إسرائيل في تجسيد هذه الشراكة الأمنية على أرض الواقع في الضفة والقطاع وداخل إسرائيل. ولكنها تعمل من خلال القمة لمد هذه الشراكة خارج إطار المناطق المحتلة وإسرائيل، حيث عبر ضابط إسرائيلي كبير في شؤون مكافحة الإرهاب عما تريده إسرائيل من القمة وقال:‏

"نعم نعرف جميعاً أن القمة هدفت إلى دعم الحملة الانتخابية لشمعون بيرس ومساعدة ياسر عرفات على تعزيز مواقعه في المناطق الفلسطينية. نحن ندرك تماماً مشكلة عرفات والسلطة الفلسطينية فحماس والجهاد جزء من المجتمع الفلسطيني، ولا يمكن للسلطة أن تتحمل الظهور بمظهر الأداة في يد إسرائيل، فهذا سيفقدها صدقيتها. لكن يتعين في المقابل المحافظة على صدقية السلام في نظر الإسرائيليين أيضاً.‏

وفي اعتقادي أن عملية المعالجة في الداخل بدأت فعلاً من خلال تعزيز التعاون وتبادل المعلومات والتنسيق بين أنشطة الأجهزة الإسرائيلية والفلسطينية. لكن المشكلة الحقيقية تظل في الخارج، وهي تحديداً في الدول التي تأوي الإرهاب وتوفر له الدعم المادي والغطاء السياسي. ولن يكون حل هذه المشكلة ممكناً من دون محاسبة هذه الدول على ما تفعله...... من هذه الزاوية تكون قمة شرم الشيخ حققت أهدافها السياسية. أما مكافحة الإرهاب والإجراءات الأمنية اللازمة في شأنه، فهذه لا تحتاج إلى مؤتمرات قمة لبحثها، بل يتم الاتفاق عليها داخل غرف مغلقة."(121)‏

وتركز إسرائيل على تعميق مفهوم الشراكة الأمنية مع بعض الأطراف العربية وعلى مكافحة الإرهاب والمضي في المفاوضات والعملية السلمية بالشروط الإسرائيلية. وتربط بين مكافحة الإرهاب وعملية السلام ودعم سلطة عرفات وإقناع الدول المانحة بالوفاء بالتزاماتها المالية حيال السلطة الفلسطينية حيث يعاني الفلسطينيون ضائقة اقتصادية خانقة تدفع ببعضهم إلى التطرف والعنف. وتعتقد إسرائيل بأهمية الجهود التي تقوم بها السلطة الفلسطينية ضد حماس والجهاد لأنها تكرس مفهوم الشراكة الأمنية في مفهوم الرأي العام الإسرائيلي.‏

ومن الغريب حقاً أن يكون ما يسمى بالإرهاب"الإسلامي" وحده على جدول أعمال القمة ولم يتم التطرق إلى الإرهاب اليهودي الذي أدى إلى العديد من الحروب العدوانية والمجازر الجماعية وبالتالي تم التركيز عشية التحضير للقمة على"الإرهاب" الإسلامي لا الإرهاب اليهودي.‏

وأدلى شمعون بيرس رئيس وزارء العدو الإسرائيلي عشية عقد القمة بعدة تصريحات تشير بوضوح إلى رغبة إسرائيل في قيام إطار استراتيجي إقليمي جديد يجمع مابين إسرائيل والدول العربية وتركيا برعاية الولايات المتحدة الأميركية ومباركة أوروبا على أساس مجموعة من المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية المشتركة، وتحت شعار مكافحة الإرهاب ودعم السلام.‏

وخلاصة القول: إن قمة شرم الشيخ فكرة إسرائيلية، أطلقها شمعون بيرس، رئيس وزراء العدو الإسرائيلي وتبناها بيل كلنتون، وأقنع بيرس أسامة الباز بالفكرة، وأوصى الباز الرئيس مبارك بالأخذ بها. ونجحت الولايات المتحدة في حمل الدول العربية وزعماء العالم على المجيء إلى شرم الشيخ والمشاركة في القمة دفاعاً عن ممارسة إسرائيل للاستيطان والاحتلال والتهويد والعنصرية والإرهاب كسياسة رسمية، ودعم بيرس وعرفات وتكريس معاهدة أوسلو ووادي عربة وتعزيز موقع مصر كمرجع إقليمي ثابت في المنطقة.‏

ويعبِّر عقد القمة عن ازدواجية المعايير لدى الولايات المتحدة التي لم تدع إلى عقد قمة مماثلة بعد مجزرة الحرم الإبراهيمي الشريف عام 1994 وإنما تعمل على فرض حلول على العرب لمصلحة إسرائيل وضد المصالح العربية وفرض مجالات جديدة في تطبيع العلاقات العربية- الإسرائيلية، وبالتالي يمكن القول إن العرب الذين شاركوا في القمة قد تورطوا لأول مرة في التوقيع تحت الرعاية الدولية على مساواة مقاومة الاحتلال بالإرهاب وإدانة كل شكل من أشكال العمل العسكري ضد الاحتلال الأجنبي والرد على جرائمه وتحرير الأرض والحقوق والمقدسات من اغتصابه. وأقر المشاركون العرب في القمة بالدور العربي والفلسطيني في مواجهة هذه المقاومة وتسهيل مهمة إسرائيل في مكافحتها والتصدي لها. وجندت جهود وإمكانات عربية لمساعدة مجرم الحرب بيرس في سحق حركتي حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله وكل شكل من أشكال مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وطالبت بتضافر الجهود واتخاذ مواقف أكثر جدية على صعيد كل دولة إزاء ما تحصل عليه الحركات الإرهابية على أرضها من مساعدات وتمويل وحرية واتصال، وبالتالي فتحت أخطر مجالات التطبيع مع العدو وهو التطبيع الأمني.‏

رفضت الدول العربية المشاركة في القمة المطلب الإسرائيلي بإدانة الدول العربية التي لم تحضر القمة أو لم تشجب العمليات الاستشهادية. ورفضت فرنسا وبعض الدول الأوروبية الأخرى المساعي والمحاولات الأميركية لاستغلال المؤتمر وفرض إجراءات مقاطعة مشددة على إيران.‏

أرادت إسرائيل والولايات المتحدة من القمة أن تكون قمة عالمية لمكافحة الإرهاب وحصره بالإرهاب الإسلامي، إرهاب حماس والجهاد وحزب الله، وإدانة الدول المؤيدة للمقاومة وهي سورية وإيران. وأرادت مصر ومعها الدول العربية وبعض الدول الأخرى أن يسمّى المؤتمر مؤتمر صانعي السلام ومكافحة الإرهاب. وأظهر التطبيق العملي لقرارات القمة أن الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل لا تهتم أبداً إلاّ بما يخدم الكيان الصهيوني في مواجهة المقاومة الإسلامية للاحتلال الإسرائيلي وأما القرارات الأخرى فلا أهمية لها على الإطلاق وجرى تجاهلها مما وضع الموقف العربي والأوروبي وخاصة الروسي في موضع حرج. وجاءت نتيجة الانتخابات الإسرائيلية صفعة قوية للتوازن في قرارات القمة التي سعت مصر وفرنسا إلى اتخاذها، وبقي فقط ما يهم إسرائيل وسياساتها.‏



افتتاح القمة‏

دعا الرئيس الأميركي إلى عقد القمة لإنقاذ بيرس وعرفات واتفاق الإذعان في أوسلو ومعنويات الإسرائيليين من الانهيار.‏

وكانت السفيرة مادلين أولبرايت (مندوبة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة) قد قالت عشية انعقاد المؤتمر"إن هذا المؤتمر هو الأهم في تاريخ القرن العشرين" (122) وبالتالي فإنه برأيها كيهودية إن قمة شرم الشيخ أهم من مؤتمر فرساي وبوتسدام وسان فرانسيسكو(المؤتمر التأسيسي للأمم المتحدة.).‏

وانعقدت القمة في 13/3/1996 بحضور كبار قادة العالم من كلنتون وشيراك إلى ميجر وكول ويلتسين، وحضور عربي من أربع عشرة دولة بين ملك ورئيس دولة ووزير خارجية. وحدد بيرس عنوان القمة"التعبير عن الدعم الدولي لإسرائيل، ورفع التعاون الأمني بين أميركا وبين إسرائيل وبعض أجهزة الأمن العربية" (123).‏

وتعتبر أسرع قمة دولية جرى الاتفاق عليها خلال ساعات، وهرع ملوك ورؤساء العالم للاشتراك فيها، مما أظهر خضوع البلدان المشاركة فيها إلى الضغط والابتزاز اليهودي والأميركي، ودشنت بداية مرحلة جديدة ظالمة بحق شعوب العالم التي تتطلع إلى التحرر والاستقلال والسيادة من الاحتلال الأجنبي، مرحلة لا تخدم مبادئ الحق والعدل والقانون الدولي والشرعية الدولية، وإنما تخدم ممارسة إسرائيل للحروب العدوانية والإرهاب والعنصرية.‏

افتتح الرئيس مبارك القمة برسالة واضحة ضد الإرهاب والقوى الداعمة له مع الدعم والتأييد لإسرائيل وسطلة الحكم الذاتي والإصرار على فرض السلام.‏

وتحدث الرئيس كلنتون في المؤتمر قائلاً: "أقول لقوى العنف والكراهية إنكم تقتلون أنفسكم والآخرين بهدف قتل السلام، فالسلام باق لن تنجحوا ، لقد حانت ساعة نهايتكم.". وجاء في كلمته: "وربما لا بد لنا من إلاّ ندع قوى الإرهاب والشر أن تنال من عملية السلام ومن ثم لابد أن تتضافر جهودنا وأن نعزز مواقفنا من أجل أن نحبط هذه الأهداف الشريرة".(124).‏

وأعلن كلنتون في مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس مبارك عن إنشاء مجموعة متابعة مفتوحة أمام جميع المشاركين في القمة".(125).‏

واعتبرت أميركا وإسرائيل قمة شرم الشيخ قمة من أجل مكافحة الإرهاب، وعملتا على تجييرها لمصلحة إسرائيل بشكل كامل وتحقيق مكاسب أمنية وسياسية لها وتوفير جميع الوسائل والأجهزة والأموال لدعمها في الاستمرار في سياسة القبضة الحديدية.‏

وألقى غياب سورية ولبنان عن القمة بظلاله، لأنه شكك بأهدافها والنتائج التي تتوصل إليها، ولا سيما وإن سورية تنادي بالتفريق بين الإرهاب والمقاومة. وشككت بموقف بعض الدول من عملية السلام وطالبت بالعودة إلى عقد مؤتمر مدريد. وجاء عدم حضور سورية منسجماً مع موقف القائد العربي الكبير حافظ الأسد القائم على التفريق بين الإرهاب والمقاومة، وأن السلام هو الذي يحقق الأمن وينهي التوتر في المنطقة، وأن إزالة التوتر مرتبطة بإزالة أسبابه وهي الاحتلال، ولذلك لا يمكن لسورية أن تعطي دعماً لإسرائيل بحضور القمة، لأن سورية تعتبر أن إسرائيل المسبب الأول لأعمال العنف الناتجة عن احتلال الأراضي العربية ولأن سوريا تدافع عن الحق العربي ولا يمكن لها أن تدعم سياسة الاحتلال وحضورها يعني تأييد إسرائيل. وأكد وزير الخارجية السوري أن قمة شرم الشيخ ستخدم مواقف إسرائيل ومصالحها على حساب مصالح العرب. واتفق الرئيسان السوري واللبناني على اعتبار قمة شرم الشيخ متسرعة وغير مدروسة، كما أن الدعوة لها والمواضيع المعروضة عليها لم يتم التحضير لها جيداً. ووجه الرئيس الهرواي رسالة إلى الرئيس الأميركي جاء فيها أن معالجة الأزمة السياسية تتطلب إنهاء العنف وأسبابه وما يجلبه من ردود فعل..‏

ووجهت حماس مذكرة إلى القمة تبرر فيها العمليات الاستشهادية وتعلن عن استعدادها لقبول وساطة المؤتمرين وطرحت الهدنة مع إسرائيل وأكدت أن العمليات هي دفاع عن النفس في مواجهة احتلال وقمع وإرهاب إسرائيل. واعتبرت الجهاد الإسلامي أن المؤتمر مؤشر لحرب صليبية جديدة، تقودها إسرائيل واميركا للتغطية على الإرهاب الذي تمارسه الدولة اليهودية وانقاذ بيرس وعرفات وأن المؤتمر حملة عالمية ضد النضال الفلسطيني بمشاركة عربية وايد عربية.‏

شدد الرئيس مبارك على أهمية السلام الذي يحقق الأمن والاستقرار ويقضي على مظاهر العنف. وشدد على تحقيق التقدم على جميع المسارات، بينما قال الرئيس كلنتون إنه أصبح من الضروري وقف دوامة العنف سواء من جانب إسرائيل أو الفلسطينيين. وتحدث عن أهمية تحقيق السلام والقضاء على العنف والإرهاب.‏

وتحدث بيرس أمام القمة قائلاً: "إن القرار الفعّال لابد وأن يتخذ هنا اليوم. إن هذا المؤتمر لابد وأن يضع استراتيجية وذلك من قبل المجتمع الدولي من أجل مواجهة هذا الإرهاب وذلك من قبل التعاون الدولي وعقد العزم على القضاء على جيوب الإرهاب وأربابه."إن هذا الإرهاب له اسم ولديه حساب في البنك وله بنية أساسية وله شبكة وكذلك مثلما هي الحال بالنسبة للمؤسسات الخيرية"(127)..‏

ودعا الملك حسين إلى إيجاد آلية دولية تعمل على تعريف الإرهاب ووضع المبادئ والوسائل الكفيلة بوأده في مهده من حيث التمويل والتدريب والممارسة. وقال في القمة إنه لابد من مواجهة ظاهرة الإرهاب مواجهة دولية لا جهوية ولا إقليمية، وإنه يجب علينا أن نتخذ الإجراءات الرادعة ضد أي دولة تدعم الإرهاب أو تستضيف مؤسساته ومنظماته".(128).‏

انعقدت قمة شرم الشيخ بسبب العمليات الاستشهادية التي أطاحت بنظرية الأمن الإسرائيلي وفشلت إسرائيل في التصدي لها، لذلك احتلت المقاومة والتصدي لها مكان الصدارة في القمة. وأراد الرئيس كلنتون وأصدقاء أميركا وإسرائيل من الدول العربية انقاذ بيرس من السقوط في الانتخابات تحت شعار"إنقاذ بيرس ينقذ السلام"، ولكن الحقائق أثبتت وتثبت أنه يمارس القمع والإرهاب والتطرف أكثر من الليكود الذي توصل إلى معاهدة السلام مع مصر.‏

وجاء الاشتراك العربي في القمة تلبية لرغبة الرئيس الأميركي لإنجاح بيرس وإنقاذ عرفات ودعم مركزه وتقديم الأموال والمعدات لأجهزته القمعية، وبالتالي نجحت القمةفي توريط بعض البلدان العربية في عملية دعم إسرائيل ومعاداة العرب والإسلام، و يمكن أن تؤدي إلى انتكاسه في عملية التسوية بسبب تصلب رئيس الوزراء الإسرائيلي بيرس وتشدده. وغفرت القمة لإسرائيل ما ارتكبته من ممارسة الإرهاب والإبادة وتكسير العظام والعقوبات الجماعية طوال نصف قرن.‏

إن القمة حدث لا مثيل له على ساحة الشرق الأوسط والساحة العالمية، حيث نجح الرئيس الأميركي في تجنيد العالم لمساعدة إرهاب إسرائيل ودعمها، فإسرائيل تأسست من رحم الإرهاب وشبّتْ عليه وتمارسه كسياسة رسمية وتصدره للخارج للمحافظة على اغتصاب الأرض والحقوق العربية وفرض الهيمنة على العرب، ولذلك فإنه لا يمكن لإسرائيل أن تفكر بغير عقلية الإرهابي والإرهاب.‏

واعتبرها بيرس بمثابة إعلان تضامن دولي مع إسرائيل ومحاربتها الإرهاب، فالرابح الوحيد من عقدها هو الإرهاب الإسرائيلي والتطرف والاستيطان اليهودي.‏

لقد تأثر المواطن العربي أشد التأثر عندما سمع ممثل قطر يتحدث في المؤتمر وكأن بيرس يتحدث ثم وجه الدعوة لبيرس لزيارة قطر. وسار ممثل عُمان على خطى ممثل قطر وقال إن الأحداث الإرهابية التي راح ضحيتها الأبرياء في إسرائيل أمر مستنكر، وطالب بإتخاذ إجراءات حازمة ضد الإرهاب، وبالتالي تكون قطر وعُمان قد أدانتا المقاومة أولاً وطالبتا بدعم مسيرة السلام ثانياً وتوجيه دعوة لمجرم الحرب شمعون بيرس لزيارتهما ثالثاً.‏

وشجع موقف قطر وعمان ورئيس سلطة الحكم الذاتي إسرائيل على المطالبة بـ"حق إسرائيل في الإطلاع على أسماء العائلات الفلسطينية التي تتسلم مساعدات مالية مقدمة من لجان عربية تعمل على دعم الشعب الفلسطيني.".(129)‏

وطالبت السعودية بإعطاء عملية السلام دفعة حقيقية واتخاذ إجراءات جادة ضد العنف واجتثاث جذوره، وأدانت العمليات في القدس وتل أبيب كما أدانت ارتكاب مجزرة الحرم الإبراهيمي الشريف. وهاجمت العقوبات الجماعية التي فرضها العدو الإسرائيلي على الضفة والقطاع.‏

وطالبت الكويت بمواصلة العمل الدولي لإزالة العقبات التي تعترض مسيرة السلام وبتعاون دولي جاد لوضع حد لظاهرة الإرهاب والأسباب التي تؤدي إليها.‏

وأدانت اليمن الإرهاب مهما كان مرتكبوه سواء أفراداً أو سلطة. وطالبت بوجوب عدم إدانة شعب أو أمة أو دين دون آخر، وإقامة سلام عادل وشامل دون استضعاف أو استكبار.‏

ورحبت تونس بكل خطوة لإقرار سلام عادل ودائم وشامل والتصدي لكل أشكال الإرهاب ومساعدة السلطة الفلسطينية.‏

وعملت إسرائيل خلال القمة على الخروج بصيغة لإيجاد تعاون أمني عربي- إسرائيلي لمكافحة الإرهاب ومصادر دعمه وتمويله وتبادل المعلومات مع الدول العربية حوله. شجعها في ذلك موقف عرفات والأردن، حيث كان عرفات الوحيد داخل المؤتمر الذي هاجم حماس بالاسم وبعنف وتعهد بتصفيتها.‏

وكان الجنرال باراك، وزير خارجية إسرائيل قد زار الأردن قبل عقد قمة شرم الشيخ بيوم واحد لتنسيق المواقف بين الحكومة الأردنية والحكومة الإسرائيلية وكان الأمير الحسن قد قال إن المعاهدة تلزم الأردن بالتنسيق والعمل مع إسرائيل لمكافحة الإرهاب.‏

وأكد باراك في عمان أن إسرائيل تسعى إلى بناء تعاون إقليمي ودولي في مجال تبادل المعلومات الاستخباراتية وتبادل التكنولوجيا وسبل ضبط انسياب الدعم المالي الموجه إلى الأنشطة الإرهابية(130)..‏

ووصف باراك سورية في عمان بأنها احدى ثلاث قلاع للإرهاب في المنطقة إلى جانب إيران وليبيا(131).‏

وخلاصة القول أرادت إسرائيل الاتفاق مع البلدان العربية المشتركة في القمة على استراتيجية مشتركة لسحق المقاومة العربية بعد أن نجحت بإلزام عرفات وشرطته وأجهزته الأمنية ومؤسساته السياسية بتنفيذ كافة مطالبها الأمنية. ونجحت مع الأردن في المحافظة على حدودها قبل وبعد معاهدة وادي عربة .‏

لقد اتهم بيرس إيران بالوقوف أمام الإرهاب وأنها هي الدولة الوحيدة التي تتصدره وأصبحت طهران عاصمة الإرهاب. وليس للإرهاب حدود، ولذلك فلا يجوز أن تمنع الحدود العمل من أجل القضاء على أفعى الإرهاب.‏

وكان شيراك قد تحدث في المؤتمر حول ما طرحه بيرس وعرفات عن دور إيران وقال:‏

"عرفات وبيرس تحدثا عن تورط عناصر خارجية، وإذا ثبت لنا ذلك عليناأن نستخلص النتائج والأسرة الدولية ترفض التصريحات غير المسؤولة وعلى جميع الدول إدانة الإرهاب: وردت إيران على اتهامات عرفات وبيرس قائلة بأن المؤتمرين يعملون على ضرب الحركة الإسلامية في فلسطين. ووصفت القمة بمثابة الضوء الأخضر لإسرائيل لممارسة القمع ضد الحركة الإسلامية في فلسطين ولبنان. وانتقدت الحكومات العربية التي لبّتْ حضور المؤتمر، لأن الدول العربية أصبحت تابعة للحدث الإسرائيلي، إنه مؤتمر حماة إرهاب الدولة الإسرائيلي والتضامن مع المحتلين الإسرائيليين. وأعلن كلنتون في شرم الشيخ نقاطه الثلاث لدعم إسرائيل وهي: أولاً: ستبدأ الولايات المتحدة فوراً في مدّ إسرائيل بمعدات وتدريب إضافي. ثانياً: ستتعاون الدولتان لتطوير وسائل وتكنولوجيا جديدة لمكافحة الإرهاب. ثالثاً: سنعمل من أجل تعزيز الاتصالات والتعاون بين البلدين ومع حكومات أخرى شاركتنا الحرب ضد الإرهاب. وأشار إلى أن إسرائيل دولة ديمقراطية وأن العلاقات معها وثيقة جداً ومتينة.(132).‏



المواقف داخل القمة:‏

سعت الولايات المتحدة وإسرائيل في القمة إلى تسخير المجموعة الدولية بما فيها الدول العربية إلى الالتزام بالمحافظة على اتفاقات الإذعان التي أمليت بقوة إسرائيل العسكرية ودور الولايات المتحدة الأميركية في أوسلو ووادي عربة مخالفة بذلك الحقوق التاريخية الوطنية والقومية والدينية للعرب والمسلمين بتخليد الاستيطان وشرعنة الاحتلال على حساب قرارات الشرعية الدولية.‏

وتتجلى بشاعة قمة شرم الشيخ في التشهير بكرامة الأمة وسيادتها وتاريخها ونضالها وشهدائها ووصف مقاومة الاحتلال بالإرهاب والعمل المأجور والخارج عن إرادة الشعب وتقاليد الأمة والقادم من إيران.‏

إن تشويه صورة المقاومة الوطنية والإسلامية في مواجهة الإرهاب والاحتلال اليهودي هو إهانة للعروبة والإسلام ودماء شهداء الأمة العربية الذين رووا أرض فلسطين العربية بدمائهم الزكية، كما أن تزوير الحقائق وبث الأكاذيب والأضاليل اليهودية والعرفاتية حول دور القوى الخارجية في عمليات حماس والجهاد الإسلامي تحقير وإهانة للشعب الفلسطيني واللبناني والأمة العربية في مقاومة الاحتلال.‏

إن الولايات المتحدة التي نظمت القمة هي التي تدافع عن احتلال إسرائيل للأراضي العربية وهي التي مكنتها من احتلال هذه الأراضي والاستمرار في المحافظة على احتلالها لإملاء الشروط الإسرائيلية في أوسلو ووادي عربة، وهي التي تموّل الاستيطان اليهودي في الأراضي العربية المحتلة، وهي التي أعطت الضوء الأخضر إلى مجرم الحرب بيرس لشن الحرب على المدنيين في لبنان لتدمير المزيد من الاقتصاد اللبناني وفرض المزيد من الخنوع والاستسلام على العرب، وهي بالتالي الداعم والحامي والمدافع والمموّل والمسّلح للإرهاب اليهودي الذي تمارسه دولة اليهود، وهي الداعم للإرهاب في الشرق الأوسط وفي العالم.‏

لقد كانت قمة شرم الشيخ قمة الرئيس الأميركي المتصهين، بيل كلنتون لحماية حليفه الاستراتيجي الكيان الصهيوني وإخراج إسرائيل من المأزق الذي أوقعت نفسها فيه وتوظيف القمة من أجل إنجاح رئيس وزراء العدو الإسرائيلي في الانتخابات والتأكيد على أن إسرائيل تعمل من أجل السلام.‏

لماذا لم يدع العرب والعالم إلى مؤتمر عالمي لمكافحة الإرهاب اليهودي عندما ارتكب الإرهابي اليهودي غولدشتاين مجزرة الحرم الإبراهيمي الشريف؟‏

لماذا لم يتحدث الرئيس الأميركي عن الإرهاب اليهودي في حين جمع العرب والعالم لإدانة التطرف والعنف الإسلامي؟‏

لماذا تسخّر واشنطون وتل أبيب ياسر عرفات لسحق حماس والجهاد الإسلامي؟‏

كانت القمة قمة فرض الخطط والمشاريع الإسرائيلية، قمة فرض الحلول المصنوعة لخدمة مصالح الصهيونية والإمبريالية لنهب ثروات وأراضي وإرادة وحقوق الأمة العربية. لذلك يرفض المواطن العربي ما تمخضت عنه القمة التي خدمت التصلب والغطرسة الإسرائيلية وصعدت من الاعتداءات والجرائم الإسرائيلية على الشعبين اللبناني والفلسطيني. فالمقاومة اللبنانية والفلسطينية مقاومة مشروعة وعادلة في مواجهة المزاعم والخرافات والأساطير وأبطالها ليسوا بمجموعة من الإرهابيين كما وصفتهم قمة شرم الشيخ التي صبت في خدمة الاحتلال والاستيطان والإرهاب اليهودي.‏

إن الإرهاب هو اتهام المقاوم بالإرهاب، وتأييد الإرهاب اليهودي بحجة مكافحة الإرهاب. لقد تجسّد الإرهاب في قمة شرم الشيخ باتهام النضال العادل ضد الاحتلال اليهودي وضد الإذلال والاضطهاد والقمع والوحشية اليهودية دفاعاً عن الوجود وفق مبادئ وأهداف وقرارات الشرعية الدولية بالارهاب.‏

ظهرت ثلاثة مواقف في قمة شرم الشيخ:‏

أولاً: الموقف الإسرائيلي- الأميركي وطالب بتسمية القمة قمة مكافحة الإرهاب وسحق الإرهاب الذي تدعمه إيران وتغض سورية النظر عنه ولا تفعل شيئاً لمنعه، لذلك لابد من تحالف شرق أوسطي وعالمي لسحقه كشرط لاستئناف التسوية.‏

ثانياً: الموقف المصري- الفرنسي وتؤيده السعودية وبعض الدول الأوروبية، ويعتبر أن العنف مسؤول عن تعثر عملية السلام وهو أصولي وإسرائيلي ويرى عدم محاصرة السلطة الفلسطينية واحترام المواثيق التي تم توقيعها ومن الضروري متابعة المسيرة السلمية.‏

ثالثاً: الموقف السوري- اللبناني ويقوم على أساس أن المقاومة حق مشروع في التصدي للاحتلال وتحرير الأرض والدفاع عن الوطن والذات والثروات والمنجزات. ويقوم على وجوب التفريق بين المقاومة والإرهاب، ومتابعة العملية السلمية التي أوقفتها إسرائيل على أساس مرجعية مدريد وتطبيق قرارات الشرعية الدولية.‏

ونفذت السلطة الفلسطينية مطالب إسرائيل والولايات المتحدة كافة في التصدي لحركتي حماس والجهاد الإسلامي واعتقال جميع العناصر التي طالبت إسرائيل باعتقالهم وحظر نشاطات الجمعيات الخيرية التابعة لهما وحددت موعداً لانعقاد المجلس الوطني الفلسطيني لإلغاء الميثاق.‏



وأعلن عرفات داخل المؤتمر الحرب الشاملة على المقاومة الإسلامية وقرر استئصالها استجابة لمطلب إسرائيل بتدمير البنية التحية لها.‏

وأكد في كلمته تصميمه على اقتلاع الإرهاب في المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية وقال: إن"الإرهاب ينال منا جميعاً، وعلينا نحن أبناء إبراهيم أن نؤمن بأن من يدعو إلى القتل خارج عن إرادة الله وشرائعه السماوية"(133)..‏

ومن الجدير بالذكر أنه لم يرتفع صوت يدعو إسرائيل للانسحاب من الأراضي التي احتلتها والتوقف عن سياستها الاستيطانية وتفكيك المستعمرات اليهودية والتوقف عن مصادرة الأراضي العربية..‏

ودار الخلاف في المؤتمر حول استخدم العنف واللجوء إليه وظهر اتجاهان: الأول يعتبر أن الإرهاب سبب المشاكل وتتبناه الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما. والثاني يرى أن العنف هو نتيجة لاغتصاب الأرض واليأس والإحباط والحصار الاقتصادي على الضفة والقطاع والفشل في تحقيق السلام العادل والشامل واستمرار الاحتلال الإسرائيلي وتحقيق الأمن الإسرائيلي على حساب الأمن العربي.‏

ورأت فرنسا داخل المؤتمر أنه من الخطأ أن ينحاز المشاركون فيه إلى إسرائيل، أو أن يظهر المؤتمر وكأنه جاء لحماية إسرائيل، وإن أمن إسرائيل لا ينفصل عن أمن الفلسطينيين.‏

وقال الرئيس جاك شيراك في المؤتمر"على المجموعة الدولية أن تدين الإرهاب وتعمل على دفع عملية السلام" كما وجه التحية إلى الشعب الإسرائيلي في محنته وقال إن: "الأولوية القصوى يجب أن تعطى لحماية أمن وسلامة شعبي اسرائيل وفلسطين" (134)‏

وأكد الرئيس الفرنسي أن عملية السلام لا رجعة فيها والسلام يمر من البوابة الاقتصادية، لذلك على المجتمع الدولي أن يزيد حجم معونته الاقتصادية للفلسطينيين.‏

وقال المستشار الألماني هيلموت كول إن التفجيرات لم توجه ضد إسرائيل وإنما ضد عملية السلام، وتمثل خطراً كبيراً على العملية. وتابع حديثه قائلاً:‏

"أقول لأصدقائي في إسرائيل إنني أشعر بأسى وحزن وأشاركهم الأحزان وأعلن في هذا المؤتمر أن عملية السلام هي عملية لابد أن تصل إلى نهايتها ولا خيار أمامنا إلاّ الوصول إلى السلام.‏

ودعا كول إسرائيل ومنظمة التحرير إلى محاربة الإرهاب باتخاذ قرارات حاسمة، وليس بالإدانة وحدها.‏

وقال: "عقدنا العزم على محاربة من يريدون تعطيل السلام ومساندة من يناضلون ضد أعداء السلام، وتقديم الدعم الكامل لهم."(135).‏

وأعلن عرفات أمام المشتركين في المؤتمر:‏

"إننا نواجه وسنواجه الإرهاب ونقتلعه من أرضنا، لأن حلمنا في الحرية والاستقلال وتقرير المصير لا يمكن أن يزدهر ويتحقق وسط بحر الدم والدموع، وإنما بالعمل الدؤوب في مواجهة ..... الإرهاب، لهذه الأجنحة المتطرفة والخطرة لحماس والجهاد الإسلامي"(136).‏

وأكد رئيس وزراء بريطانيا جون ميجر أن بلاده أعلنت مساندتها منذ وقت طويل لعملية السلام، والدول التي تكافح الإرهاب. وعبر عن حزنه العميق على العمليات الإرهابية ورحب بحرارة بالتعاون بين عرفات وبيرس.‏

وأظهرت بريطانيا انحيازها لإسرائيل وتبعيتها للسياسة الأميركية فيما يتعلق بالصراع العربي- الصهيوني، وجاء في الكلمة التي ألقاها بيرس أمام المؤتمر"إن القرار الفعال لابد و أن يتخذ هنا اليوم. إن هذا المؤتمر لابد وأن يضع استراتيجيته وذلك من قبل المجتمع الدولي من أجل مواجهة هذا الإرهاب بالتعاون الدولي وعقد العزم على القضاء على جيوب الإرهاب وأربابه".‏

ووصلت الوقاحة الإسرائيلية حداً طالبت فيه"بحق إسرائيل في الاطلاع على أسماء الأُسر والعائلات الفلسطينية التي تتسلم تبرعات مالية ومساعدات مقدمة من لجان عربية تعمل في مجال دعم الشعب الفلسطيني. ورد الجانب المصري على هذا الكلام وقال: "وماذا عن الأموال التي تتلقاها جماعات إسرائيلية متطرفة يمارس بعض أعضائها الإرهاب من الولايات المتحدة ودول أخرى في صورة تبرعات" (137).‏

وأكد أن مصر و الدول العربية حتى المعنية بعملية السلام بشكل مباشر لن تعمل لحساب إسرائيل. وشدد على أن أمن إسرائيل وظيفة إسرائيل، والأمن الإقليمي له عناصر كثيرة من بينها مكافحة الإرهاب. وتتضمن أيضاً الموضوع النووي.‏



بيان القمة الختامي‏

سعت إسرائيل والولايات المتحدة إلى أن يتضمن البيان الختامي للقمة خطوات عملية وآليات للقضاء على الإرهاب، إلاّ أن المؤتمرين توصلوا إلى حل وسط بالتركيز على مكافحة الإرهاب ودعم عملية التسوية السياسية. أما القرارات فجاءت كما أرادت إسرائيل مناهضة للعنف والإرهاب. واتخذت طابعاً عملياً بالإعلان عن إنشاء مجموعة متابعة عقدت أول اجتماع لها في واشنطون بتاريخ 27/3/1996 وبحضور حوالي(29) بلداً لوضع الخطوات العملية لمكافحة الإرهاب. وأكد البيان الإدانة الشديدة لكافة أعمال الإرهاب بكافة أشكالها النكراء مهما كانت دوافعها وأياً كان مرتكبوها بما في ذلك الهجمات الإرهابية الأخيرة في إسرائيل." وجاء في البيان الختامي أن القمة قررت ما يلي: -‏

"أ- دعم الاتفاقات الإسرائيلية الفلسطينية واستمرار عملية المفاوضات وتدعيمها سياسياً واقتصادياً وتعزيز الوضع الأمني للطرفين. ((ويصب هذا القرار في صالح إسرائيل لأنها هي التي وضعت الاتفاقيات وبصم عليها عرفات.))‏

ب- دعم استمرار عملية المفاوضات من أجل تحقيق تسوية شاملة(بدون تحديد الزمان والمكان وبالتالي يترك لإسرائيل حرية التصرف بعملية المفاوضات كما تريد وكما تشاء.)‏

جـ- العمل سوية لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة بتطوير إجراءات فعالة وعملية ومزيد من المساعدات.‏

ء- دعم تنسيق الجهود من أجل وقف أعمال الإرهاب على المستويات الثنائية والإقليمية والدولية لضمان وصول مرتكبي هذه الأعمال إلى أمام العدالة. (تهدف إسرائيل من جراء هذا البند مساعدة العالم لها لتعزيز دور الشرطي الذي تقوم به لقمع النضال العربي وتخليد اغتصابها للأرض والحقوق العربية) .‏

هـ- بذل أقصى الجهد لتحديد مصادر تمويل هذه الجماعات والتعاون في وقف ضخها وتوفير التدريب والمعدات وأشكال الدعم الأخرى للأطراف التي تتخذ خطوات ضد الجماعات التي تستخدم العنف والإرهاب. (ويجسد هذا الموقف موقف إسرائيل من وقف المساعدات العربية للمؤسسات الخيرية الفلسطينية وحصولها على الأموال والمعدات لسحق النضال العربي كما قال بيرس.).‏

و- تشكيل مجموعة عمل مفتوحة لكافة المشاركين في القمة لإعداد توصيات حول أفضل الأساليب لتنفيذ فقرات هذا البيان.‏

وجاء في البيان"دعم الاتفاقات واستمرار عملية المفاوضات من أجل تحقيق تسوية شاملة ووقف العمليات"الإرهابية" وكيفية التمويل والمتابعة، وبالتحديد نص البيان على أهداف ثلاثة: تعزيز عملية السلام ودعم الأمن ومحاربة الإرهاب. وعكس البيان مواقف رؤساء الوفود في المؤتمر حول تأييد العملية السلمية ومحاربة الإرهاب.‏

تضمن بيان القمة النقاط التالية:‏

* تأييد عملية السلام ودفع الأمن والاستقرار في المنطقة إلى الأمام.‏

* التنديد بكل أشكال الإرهاب أياً تكن الدوافع إليها.‏

* التصدي بحزم لظاهرة الإرهاب والعمل على وقف العمليات الإرهابية.‏

* تعزيز التعاون والتنسيق بين الحكومات وبين أجهزة الأمن والشرطة من أجل مكافحة الإرهاب.‏

* اتفاق دولي لمحاكمة مرتكبي الأعمال الإرهابية والذين يخططون لها.‏

لقد تحالف عرب وإسرائيليون وأميركيون وأوروبيون في القمة للقضاء على المقاومة العربية للاحتلال الإسرائيلي. ورأت الإدارة الأميركية أن المهمة الدولية العاجلة لمكافحة الإرهاب هي مواجهة الإرهاب الذي تقوم به منظمات ترفع شعارات إسلامية في الشرق الأوسط ويلقى مساعدات من إيران ودعماً وأرضاً في سورية ولبنان.‏

ووصف الرئيس الأميركي بيل كلنتون القمة بأنها ناجحة جداً ومثمرة وبناءة وأعلن عن إنشاء مجموعة عمل للمتابعة ستضع تقريراً لها خلال شهر، في الأسابيع المقبلة. وقال الرئيس مبارك في مؤتمر صحفي مشترك مع كلنتون"إن المشاركين اتفقوا على إجراءات محددة وإنشاء آليات محددة وذلك مما يؤدي إلى تعزيز عملية السلام".‏

علق بيرس على القمة وقال"يمكن للإسرائيليين أن يناموا باطمئنان أكبر الآن"(139).‏

واعتبر بيرس القمة تضامناً عربياً لا سابق له مع إسرائيل.‏

وكرر بيرس موقفه باتخاذ إجراءات عاجلة محلية وإقليمية ودولية لمواجهة عمليات حماس وسحقها. وتقدمّ مجدداً إلى عرفات طالباً منه حظر نشاط كل المنظمات الإرهابية وعدم السماح بحمل السلاح واعتقال القادة والكوادر، وأعطاه قائمة جديدة بمجموعة أسماء تم تحديدها لاعتقالهم، واستمر في فرض الطوق الأمني على الضفة والقطاع. وكرر طلبه إلى الدول العربية اتخاذ مواقف حاسمة لا يقاف أي دعم مادي لحماس والمنظمات الأخرى.‏

واستثمر بيرس الدعم الأميركي المطلق ودعم عرب القمة لتشديد سياسة العقوبات الجماعية على الشعب العربي الفلسطيني.‏

وعند العودة إلى بيان القمة الذي ينص على دعم السلام يتساءل المواطن العربي ما هو هذا السلام الذي تدعمه القمة؟ هل هو سلام الأمر الواقع الناتج عن استخدام القوة وتسخير الإحتلال للتوصل إلى اتفاقات كاتفاق أوسلو ووادي عربة؟‏

أم السلام العادل والشامل والدائم والقائم على مبادئ الحق والعدالة، مباديء القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة والمواثيق الدولية الأخرى؟‏

وهل هو سلام الإملاءات الإسرائيلية، وتكريسها في معاهدات عن طريق الراعي الأميركي المنحاز للعدو أم السلام الذي توافق عليه وترضى عنه الأجيال العربية القادمة؟ وما هو مفهوم الأمن الذي تدعمه القمة؟ هل هو الأمن للمحتل والمعتدي ومكافأته على عدوانه؟ أم هو الأمن المتبادل للبلدان العربية وإسرائيل؟‏

هل هو أمن في ظل التفوق العسكري الإسرائيلي والسلاح النووي أم هو أمن يمنع المعتدي الإسرائيلي من إشعال حروب جديدة في المنطقة وفي إطار مبادئ وأهداف وقرارات الشرعية الدولية؟.‏




التوقيع

إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بدّ أن يستجيب القــــدر
و لا بــــدّ لليــل أن ينجلــي
و لا بـــدّ للقيــد أن ينكسـر
رد مع اقتباس
قديم 04-20-2010, 05:46 PM   رقم المشاركة : 17
الهادي الزغيدي
عضو





الهادي الزغيدي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: - القمم والمؤتمرات الاقتصادية والأمنية من التطبيع إلى الهيمنة -

ردود الفعل على القمة

إن إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية تفهمان أن العملية السياسية عبارة عن حمل الأطراف العربية الموافقة على مخططات إسرائيل "للشرق الأوسط الجديد" الاقتصادية والسياسية والأمنية والعسكرية وعبارة عن تسويق أشخاص كالسادات وبيرس وعرفات في ظل سيطرة الدولار واليهود على وكالات الأنباء ومحطات الإذاعة والتلفزيون ودور النشر والصحف والمجلات في العالم وفي ظل ارتباط وغباء العديد من السياسيين والصحفيين العرب.‏

لقد أكد الرئيس الأميركي بعد عودته إلى واشنطون أمام منظمة النداء اليهودي "إن قمة شرم الشيخ أول محاولة إقليمية لاستئصال أولئك المسؤولين عن إراقة الدماء والإرهاب.وإن إسرائيل يجب أن تظل قوية وحدودها آمنة ليحل السلام. لا أحد يعتقد أن من العدل مطالبة إسرائيل بالتخلي عن أمنها كي يتحقق السلام" (140).‏

وانعقد المؤتمر الإسلامي- الوطني في بيروت بتاريخ13/3/1996 للرد على قمة شرم الشيخ وجاء في البيان الختامي مايلي:‏

"إن قمة الإرهاب الدولي المنعقدة في شرم الشيخ هي محاولة يائسة لإنقاذ عملية التسوية من السقوط أمام إصرار الأمة على رفضها ومواجهة الشعوب لها. وأضاف: أكد المؤتمرون أن الكيان الصهيوني الغاصب إنما وجد بفعل الإرهاب العالمي والدعم الأميركي ويكفي أن نستعرض الحروب والمجازر التي ارتكبت منذ 48 ومروراً بـ 67- 73- 78- 82 والتي أدت إلى تشريد الشعب الفلسطيني في بقاع الأرض إضافة إلى احتلال الأراضي في جنوب لبنان والجولان حتى تظهرالصورة الواضحة للإرهاب الصهيوني المستمر. وثمن المؤتمرون موقف الدولة اللبنانية في رفضها المشاركة بمؤتمر شرم الشيخ ودعمها لخيار المقاومة حتى تحرير الأرض، وحيوا المواقف الشجاعة لسورية بقيادة الرئيس حافظ الأسد والرافضة للتفريط بحق الشعب العربي والمشاركة في مؤتمر شرم الشيخ، وقدّروا وقوف الجمهورية الإسلامية في إيران إلى جانب الحق العربي الإسلامي.‏

واعتبر المؤتمرون أن العمليات الاستشهادية في فلسطين المحتلة وجنوب لبنان تمثل أعلى مراتب التضحية والفداء وهي تعبير مميز عن رفض الأمة للاحتلال ومفاعيله. ودان المؤتمر عمليات الإعتقال التي تقوم بها سلطة عرفات داعين إلى إطلاق سراحهم فوراً"(141).‏

وعلق رئيس المجلس النيابي اللبناني نبيه بري على قمة شرم الشيخ وقال: "إن المقاومين ليسوا إرهابيين، والإرهابي هو من يحتل أرض الغير ومن يعتدي على الغير. نحن لا نريد أكثر من أرضنا وأكثر من وطننا، ولكننا لا نريد بالمقابل أقل من وطننا ولوبحبة تراب واحدة"(142).‏

واعتبر الشيخ محمد حسين فضل الله أنها"قمة الانتخابات الأميركية والإسرائيلية. وأن الرئيس الأميركي كان أكثر عنفاً في رد فعله من رئيس وزراء العدو وأعلن الحرب على كل القوى الإسلامية الحرة لأن السياسة الأميركية كانت وما تزال ترتكز على أساس أن تحصل إسرائيل على كل ما تريد وأن لا يأخذ العرب إلاّ ما يريده الإسرائيليون".(143)‏

واعتبرت لجنة فلسطين والأراضي العربية المحتلة في مجلس النواب الأردني"انه في الوقت الذي نرى فيه دولة إسرائيل تخاطب العالم كله محاربة الإرهاب، نرى أن ما ترتكبه هذه الدولة بحق شعبنا على أرض فلسطين من تجاوزات وجرائم تتمثل في عقوبات جماعية وحصار ظالم للمدن والقرى ومنع الغذاء والدواء من الوصول لأهلنا، ومداهمات للبيوت الآمنة وإغلاق المدارس والمعاهد العلمية والجامعات، تعتبر من الجرائم التي لا يحق لمرتكبها أن يتحدث عن إرهاب غيره لأن هذا هو الإرهاب بعينه".(144)‏

لقد طالب عرفات في خطابه الذي افتتح به المجلس التشريعي الفلسطيني بعقد قمة دولية لمكافحة الإرهاب ونسي عرفات أو تناسى أن مطلب إسرائيل تصفية البنية التحية لحماس والجهاد الإسلامي من القمة هو ذاته الذي طالبت به وعملت على تحقيقه عندما غزت لبنان عام 1982 لتصفية البنية التحتية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وجاءت الحرب وتدمير المخيمات والقرى والمدن اللبنانية ومذابح صبرا وشاتيلا لتكون ذروة عمليات تدمير البنية التحتية لمنظمة التحرير الفلسطينية. ودارت الأيام وتغيرت الظروف وإذا بياسر عرفات يتسجيب هو نفسه للمطلب الإسرائيلي ويأخذ على عاتقه تدمير البنية التحتية للمقاومة الإسلامية.‏

ووصف عرفات قمة شرم الشيخ بالإيجابية جداً والبناءة. وامتدح الرئيس الأميركي عرفات لاستخدام أجهزته الأمنية في قمع النضال الوطني الفلسطيني وأكد"أن هناك إشارات مشجعة على أن الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات يلاحق الإرهابيين. وإن الولايات المتحدة أصرّت على أن يتخذ عرفات إجراءات تهدف إلى قمع الإرهاب. إن الهجمات الانتحارية والرجال الذين ينفذونها ليسوا أعداء لإسرائيل وعملية السلام فقط بل أعداء لعرفات أيضاً"(145).‏

وكان عرفات قد قرر عدة إجراءات تلبية للمطالب الإسرائيلية والأميركية منها:‏

* شجبه واستنكاره وإدانته للعمليات الاستشهادية.‏

* حظر جميع أنشطة حماس والجهاد الإسلامي.‏

* مصادرة السلاح والذخائر.‏

* إلقاء القبض على أكثر من(1000) من أنصارهما.‏

* إغلاق المؤسسات الخيرية والتعليمية التابعة لهما.‏

* تنفيذ اعتقال الأشخاص الذين طلبت إسرائيل والمخابرات المركزية اعتقالهم.‏

وتلقى عرفات تهنئة من بيرس على الدور الذي قامت به الشرطة الفلسطينية من اعتقالات في صفوف أنصار حماس، وطلب منه بذل المزيد من الجهد لاعتقال المزيد من قادة حماس.‏

وأبدى عرفات حماساً للدور الذي رسمه له بيرس وقال"المهم أن نكافح جميعاً الإرهاب ونستمر في عملية السلام"(146).‏

لقد كان من المفروض أن يذهب عرفات إلى القمة بملف الظلم والاضطهاد والمجازر والعقوبات الجماعية وخصوصاً لأنه لم يذكر رئيس دولة أو أي مشترك في شرم الشيخ بإن ما يسمونه الإرهاب في المنطقة سببه الظلم والاضطهاد والاغتصاب والهجرة والاستيطان والأطماع اليهودية في الأرض والثروات العربية، بل بالعكس من ذلك قدّم عرفات رأس المقاومة العربية لإسرائيل مقابل أن يرضى عنه بيرس ويجتمع معه كلنتون في شرم الشيخ.‏

ونجحت إسرائيل من خلال القمة في إقامة مؤسسات وهيئات للتعاون في مجال مكافحة الإرهاب وتشكيل لجنة متابعة على مستوى وزاري. وأكد الجنرال باراك "أن إسرائيل معنية بالتعاون مع دول الخليج، لأن زعماء الحركات الإسلامية من حماس والجهاد الإسلامي موجودة فيها".(147).‏

وخرج بيرس من القمة لاستكمال "عملية السلام" على الطريقة اليهودية بعد أن أخذ الضوء الأخضر من القمة ليضرب من يشاء ومتى يشاء ويعمل ما يشاء، حيث قال له المشاركون في القمة اذهب ونحن معك في القتل والتدمير والعقوبات الجماعية والاعتقال.‏

وأعاد بيرس بعد القمة احتلال معظم أراضي سلطة الحكم الذاتي المحدود. وظهر للعيان أن اتفاق الأذعان في أوسلو قد تمخض عنه غيتو فلسطيني معزول غير قادر على الحياة إلاّ بقرار من إسرائيل.‏

وظهر استسلام عرفات بالموافقة على وجود القوات الإسرائيلية بشكل دائم على المعابر مع الأردن ومصر ووجود المستوطنات والقوات الإسرائيلية في الضفة والقطاع.‏

وأبعدت القمة الشعب الفلسطيني عن أي تفاؤل بالتسوية بسبب فرض العقوبات الجماعية والطوق الأمني وهدم المنازل والاعتقالات وإغلاق المناطق ومنع التجول.‏

لقد تصور الفلسطينيون أن القمة ستساعدهم في التخفيف من الحصار والطوق الذي فرضته إسرائيل على الغيتو الفلسطيني، لكنهم اكتشفوا عكس ذلك. ويمكن القول إن الفلسطينيين لم يحققوا أية فائدة من القمة بل على العكس صعدّتْ إسرائيل حملاتها الإرهابية ضدهم..‏

عقدت القمة لممارسة أقصى أنواع العنف والإرهاب والحرمان المادي والاجتماعي والإنساني على مناهضي الاحتلال والاستيطان والهيمنة الإسرائيلية، وأعطت المشروعية للاستمرار في إرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل منذ قيامها، واطمأن بيرس للغطاء الدولي والعربي لتدمير الضفة والقطاع وجنوب لبنان، فالتطرف والطمع والصلف الإسرائيلي هو الرابح الوحيد من القمة وعملية السلام العادل هي الخاسر الوحيد منها.‏

أدانت القمة"الإرهاب"ولم تبحث عن أسبابه ودوافعه، وأجمعت على إدانته ولم تجتمع على تسمية مصدره، ونددت به ولم تبحث عن أسبابه. وأعطت بيرس وعرفات براءة ذمة في اجراءاتهما القمعية ضد رجال المقاومة العربية ووعدت عرفات بتقديم المزيد من الدولارات لتلميع صورته وتعزيز مكانته ولم تقدم على أية خطوة لرفع الطوق الأمني ووقف الإرهاب الإسرائيلي. وقامت الأردن بحملة اعتقالات في أوساط حماس تطبيقاً لقرارات القمة وبررها رئيس الوزراء الأردني قائلاً:‏

"إن الأردن لا يؤمن بأن هناك إرهاباً شرعياً وآخر غير شرعي، وآخر مستحباً وآخر غير مستحب، بل يؤمن بأن الإرهاب هو الإرهاب وهو مدان مهما كانت مبراراته ودوافعه".(148)‏

لقد كان بيرس على حق عندما قيم نتائج القمة وهي حسب رأيه وقوف 13دولة عربية بالإضافة إلى عرفات إلى جانب إسرائيل في حربها ضد حركة حماس وغيرها من القوى المعارضة لعملية السلام.‏

ويقول بيرس متباهياً"إن القمة التي عقدت لدعم إسرائيل أتاحت له لقاء العديد من المسؤولين العرب لأول مرة وبينهم من لا ترتبط بلاده بعلاقات دبلوماسية مع إسرائيل مثل البحرين واليمن والكويت. وحتى أنه صافح الأمير سعود الفيصل مطولاً وتلقى دعوة حارة لزيارة قطر ساعة يشاء"(149).‏

وأعربت إسرائيل عن سرورها بتنائج القمة لأن البيان الختامي حدد إجراءات عملية واضحة للقيام بمجهود دولي وآلية دولية لعزل وضرب أعداء إسرائيل وفتح المزيد من الأبواب العربية أمامها أمنياً واقتصادياً، ولأن الإجراءات التي اتخذتها سلطة عرفات حوّلتها إلى أداة في يد إسرائيل ربما ستؤدي نتائجها إلى اندلاع الاقتتال الفلسطيني - الفلسطيني.‏

واعتبر الدكتور عصمت عبد المجيد، الأمين العام للجامعة العربية"أن قمة صانعي السلام نجحت في إنقاذ السلام بعد دخول العملية إلى طريق مسدود"(150).‏

فأين هو السلام الذي أنقذته قمة شرم الشيخ ويتحدث عنه الأمين العام للجامعة العربية؟‏

وصرح الدكتور أسامة الباز أن القمة"أدت إلى تحسين الظروف المعيشية الصعبة التي فرضت على شعب فلسطين عقب الحوادث الانتحارية الأخيرة.(151)‏

ولكن الواقع يشير إلى عكس ذلك تماماً فالحصار والطوق وحملات الاعتقال والقمع والتجويع زادت عما كانت عليه في الماضي، بل أعطت القمة لإسرائيل الغطاء لتنفيذ التجاوزات والانتهاكات القانونية والإنسانية والأخلاقية، بحيث فاقت وحشية وهمجية الاحتلال النازي.‏

لقد صبّت قمة شرم الشيخ بكل نتائجها وما تمخض عنها في صالح إسرائيل، لأن الدافع لعقدها كان ومازال هو دعم إسرائيل والتضامن معها ورفع معنويات شعبها المنهارة.‏

إن السيدين عصمت عبد المجيد وأسامة الباز يعرفان حق المعرفة أنها أدت إلى تصليب الموقف الإسرائيلي أكثر تجاه الشعب الفلسطيني وتجاه سورية ولبنان، وهو أمر لايخدم السلام وعملية السلام والسؤال: ما هي الفوائد التي جنتها مصر من تنظيم القمة ورعايتها وهي بالأساس لدعم إسرائيل وحمايتها؟.‏

لماذا يُظهر العرب والعالم الضعف والاستسلام أمام مطالب إسرائيل ويهود العالم؟‏

إن بيرس ورابين هما اللذان فجرا موجة العنف الأخيرة، رابين فجرها باغتياله فتحي الشقاقي، وصعّد بيرس من تفجيرها في أعقاب اغتيال أجهزة المخابرات الإسرائيلية للمهندس يحيى عياش بقرار من بيرس شخصياً وتباهت إسرائيل بنجاح جريمة الاغتيال.‏

إن المواطن العربي لا يفاجأ بالموقف الأميركي والأوروبي المنحاز للإرهاب الإسرائيلي، لكنه فوجئ واستغرب وصُدم من الموقف العربي الجديد والتصريحات الغريبة والعجيبة والمخالفة لمصالح الأمة العربية والدين الإسلامي التي صدرت عن بعض العواصم العربية واتهمت رجال المقاومة الأبطال بأنهم إرهابيون ووصفت عملياتهم البطولية بأنها جرائم وهجوم جبان ومستنكرة ومدانة.‏

هل نسي هؤلاء العرب مجازر إسرائيل وحروبها العدوانية التي لاقت الدعم والتأييد والإعجاب في أميركا وأوروبا الغربية؟‏

هل نسي هؤلاء العرب مجازر دير ياسين وكفر قاسم والدوايمة وغزة وخان يونس ورفح واللد والرملة وناصر الدين وقبيا ونحالين وصبرا وشاتيلا؟‏

وهل نسي هؤلاء العرب الذين يهرولون متوجهين إلى إسرائيل وكسب رضاها مجزرة الأحد الأسود ومذبحة المسجد الأقصى عام 1990 ومجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل عام 1994؟ حيث لم يطالب هؤلاء العرب والدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية بحل المنظمات اليهودية الإرهابية وتدمير بنيتها التحتية ونزع السلاح من المستوطنين، مع العلم بأن الولايات المتحدة الأميركية وبعض البلدان الأوروبية تعتبر الممول الأساسي للمنظمات الفاشية في إسرائيل. لماذا يتفهم الرئيس الأميركي بيل كلنتون الإرهاب الإرلندي ويجمع العالم في شرم الشيخ لسحق المقاومة العربية للاحتلال الإسرائيلي؟‏

إن الاعتبارات الانتخابية هي التي تحمل الرئيس الأميركي على تفهم الإرهاب الإرلندي وتحمله في الوقت نفسه على التصدي للمقاومة العربية وتقديم جميع أنواع الدعم والمساعدات والمعلومات لإسرائيل لكي تتمكن من سحقها.‏

هل يمكن أن نسّمي مقاومة الشعوب الأوروبية للاحتلال النازي إرهاباً وهل يمكن أن نسمي ديغول إرهابياً؟‏

إن وكالات الأنباء والصحافة ومحطات الإذاعة والتلفزيون في البلدان الغربية تمتنع عن ذكر "الإرهاب اليهودي" لانحيازهم للصهيونية وهيمنتها عليهم ومعاداتهم للعرب، حيث يقول الاستاذ الأميركي عبد الله شلايفر "إن باروخ غولد شتاين الذي ارتكب مذبحة الحرم الإبراهيمي كان يشار إليه بـ "المتطرف الإسرائيلي" ونادراً ما كانت الصحف الغربية تطلق عليه "المتطرف اليهودي" ويضيف شلايفر إن اثنين من رؤساء وزراء إسرائيل السابقين وهما بيغن وشامير كانا من قادة الحركة الصهيونية الإرهابية، لكن أحداً في الصحافة الغربية لم يطلق عليهما لقب إرهابي. وعلى الرغم من أن بن غوريون قال إن بيغن فاشي وإرهابي، إلاّ أن الإعلام الغربي لا يستخدم هاتين الكلمتين اليوم" (152).‏

وجاءت القمة بهدف دعم بيرس في معركته الانتخابية ضد الليكود، وجاءت ليرضي الرئيس الأميركي اللوبي اليهودي في أميركا من أجل حملته الانتخابية ولتحقيق أهداف إسرائيل وأميركا بإقامة التعاون الأمني الاقليمي الجديد بزعامة إسرائيل ولمصلحتها ومصلحة الولايات المتحدة.‏

ويعتبر الليكود أن القمة تهدف إلى توفير الدعم إلى بيرس وعرفات وأن العالم بمن فيه العرب اعترفوا بمحاربة المقاومة. لقد ظهر نتن ياهو على شاشة التلفزيون الإسرائيلي ليلة انعقاد القمة "معبراً عن خيبة أمل كبيرة من انعقاد القمة، ملخصاً كل هذا الحدث في جميع أبعاده على أنه حدث انتخابي ومحاولة للتدخل في الشؤون الداخلية للجمهور الإسرائيلي من خلال التأثير فيه لمصلحة حزب العمل" (153).‏

ورأى العديد من المعلقين والمحللين السياسيين أن المؤتمر دعم لبيرس وكلنتون في الانتخابات القادمة.‏

واعترف بيرس أمام وكالات الصحافة العالمية بتاريخ 25/3/1996 أن إسرائيل وحدها لا تستطيع أن تقوم بدور الشرطي للقضاء على الإرهاب وأنها تريد مساعدة الدول الأخرى للقيام بهذه المهمة.‏

لقد اثبتت عمليات حماس والجهاد وحزب الله الاستشهادية أن الأمن الإسرائيلي سيبقى مزعزعاً ومهدداً مهما أجبرت إسرائيل الأطراف العربية على توقيع اتفاقات إذعان لذلك أرادت إسرائيل أن تجبر العرب في قمة شرم الشيخ على التعهد بالتزامات أمنية وكل ما من شأنه أن يؤمن حماية أمنها، تماماً كما تفعل سلطة الحكم الذاتي والأردن. وإن الحل هو برأيها التعاون بين أجهزة الأمن العربية والدولية وتسخيرها لخدمة الأمن الإسرائيلي.‏

الرئيس الأميركي في إسرائيل بعد القمة‏

في خطوة لا سابق لها، لا في تاريخ الولايات المتحدة ولا في تاريخ إسرائيل ولا في تاريخ العلاقات الدولية شارك الرئيس الأميركي كلنتون مباشرة بعد قمة شرم الشيخ في اجتماع مصغر لمجلس الوزراء الإسرائيلي للتأكيد على التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل وتعزيز فرص فوز بيرس وكلنتون في الانتخابات القادمة، حيث سيقدر اللوبي اليهودي في أميركا إلى كلنتون انحيازه لإسرائيل الذي لا مثيل له على الإطلاق في تاريخ رؤساء الولايات المتحدة وسيدعمه في حملته الانتخابية.‏

حضر الاجتماع بالإضافة إلى الرئيس كلنتون، وزير الخارجية وارن كرستوفر، ومدير الاستخبارات المركزية ومسؤولون في أجهزة الأمن الأميركية. والتزم كلنتون بتقديم (100) مليون دولار لمساعدة إسرائيل في مواجهة الإرهاب وتعقب الإسلاميين المتشددين.‏

وفيما كان كلنتون يشارك في اجتماع الحكومة الإسرائيلية كانت السلطات الإسرائيلية تستثمر الدعم الأميركي المطلق في تشديد الحصار والطوق الأمني والعقوبات الجماعية على الضفة والقطاع والتي اعتبرها الرئيس الأميركي دفاعاً عن النفس والأمن الإسرائيلي.‏

وقال في مؤتمر صحفي مشترك مع بيرس "قررنا أن تبدأ الولايات المتحدة وإسرائيل على الفور مفاوضات لإبرام اتفاق ثنائي لمكافحة الإرهاب وإن الولايات المتحدة ستزيد من تعاونها مع إسرائيل في مجال الاستخبارات لتعقب المتشددين" (154).‏

وذكر كلنتون أن وارن كرستوفر وجون دويتش مدير وكالة المخابرات المركزية سيمكثان في إسرائيل لاستئناف المحادثات في شأن الاتفاق الأمني.‏

وأكد بيرس أن الاتفاق الأمني الذي تم التوصل إليه بين إسرائيل والولايات المتحدة أهم ثالث اتفاق توقعه إسرائيل بعد اتفاق أوسلو ووادي عربة. وقال كلنتون إن الاتفاق ينص على تقوية الحرب ضد الإرهاب في ثلاثة مجالات:‏

أولاً: ستبدأ الولايات المتحدة فوراً في مد إسرائيل بمعدات وتدريب إضافي.‏

ثانياً: ستتعاون الدولتان لتطوير وسائل وتكنولوجيا جديدة لمكافحة الإرهاب.‏

ثالثاً: ستعمل من أجل تعزيز الاتصالات والتعاون بين البلدين وأيضاً مع حكومات شاركتنا الحرب ضد الإرهاب.(155) وزار كلنتون قبر نحشون فاكسمان "وهو جندي إسرائيلي اختطفته حماس في العام 1994 وأعطى عرفات المعلومات عن مكان وجوده إلى الجنرال رابين والذي أرسل الوحدات الإسرائيلية الخاصة واقتحمت المكان" والتقى مع مجموعة من الشباب في مركز ثقافي في تل أبيب وطلب منهم عدم الاستسلام للخوف وإلاّ يتخلوا أبداً عن الأمل في السلام. وأكد أن "أخطر نتيجة للإرهاب هي استمرار الخوف وزار مدرسة في حي القطمون في القدس قتل أربعة من طلابها في اثنتين من العمليات الاستشهادية وقال: "جئت لأعبر لكم عن دعمي وتعاطفي وأضاف أن قمة شرم الشيخ أظهرت أن إسرائيل باتت مقبولة أكثر فأكثر من جيرانها العرب وأنها ليست وحدها في مكافحة الإرهاب الدولي والعمل من أجل السلام.(156) وتوجه كلنتون إلى قبر الجنرال اسحق رابين ووضع باقة من الزهور وظل خاشعاً أمام الضريح مدة طويلة وبدا عليه التأثر وهو يمسك بيد أرملة رابين الذي اغتيل في تل أبيب بتاريخ 4 تشرين الثاني 1995 على يد ارهابي يهودي.‏

لقد نجح كلنتون نجاحاً كبيراً في توظيف قمة شرم الشيخ وزيارته لإسرائيل ووقوفه إلى جانب بيرس "واجتماعه مع زعيم المعارضة الإسرائيلية واستعداده للتعاون معه إذا نجح حزبه في الانتخابات القادمة" في حملته الانتخابية لكسب دعم وتأييد ومساعدة المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة الأميركية. ووصفت يديعوت احرونوت كلنتون بأنه آخر الصهاينة، بينما كتبت عنه إحدى الصحف الباريسية في صفحتها الأولى تقول: "كلنتون الإسرائيلي" لأن إسرائيل تعمل على فرض مفهومها للسلام على العرب بمساعدة الرئيس كلنتون.‏

أثبتت الدبلوماسية الأميركية كفاءة عالية في تجميع هذا العدد الكبير من الزعماء وممثلي الدول، لأنه لولا المظلة الأميركية وضغوط الرئيس كلنتون لم يكن بالإمكان عقد هذه القمة بسبب الهدف من عقدها وسرعتها والمصالح المختلفة للدول التي اشتركت فيها. جاءت قمة شرم الشيخ وزيارة كلنتون لإسرائيل وتوقيعه عدة اتفاقيات أمنية ودفاعية معها لتحسم الموقف الأميركي بإعطاء إسرائيل الدور القيادي في نظام الأمن الإقليمي الجديد، وبالتالي ستقوده إسرائيل، لأنها هي وواشنطون خططتا لذلك، ولأنها هي الأقوى على قيادته لتأمين مصالحها ومصالح الولايات المتحدة الأميركية على حساب البلدان العربية.‏

إنني أناشد الإنسان العربي سواء كان من المسؤولين أو من المواطنين العاديين وجوب عدم الهرولة نحو إسرائيل والتروي والحذر بالتعامل معها والامتناع عن فتح الأسواق أو شراء بضائعها نظراً لأطماعها المعادية للعرب واغتصابها لفلسطين بما فيها مدينة القدس، ونظراً لتأييد الولايات المتحدة المطلق لسياستها العدوانية والتوسعية والاستيطانية والعنصرية وهرولة دول الخليج إلى التعاون معها. واعبر عن فخري واعتزازي بالموقف السوري واللبناني من قمة شرم الشيخ الذي يرفض أي نوع من المساومة وتقديم التنازلات للعدو الإسرائيلي والإصرار على قرارات الشرعية الدولية والتفريق بين الإرهاب والمقاومة.‏



الحقائق التي أبرزتها القمة‏

أبرزت قمة شرم الشيخ مجموعة من الحقائق منها:‏

أولاً: العمل على انقاذ بيرس وتقوية مكانته عشية الانتخابات وانقاذ عرفات وتقوية مكانته ليبطش بالفلسطينيين.‏

ثانياً: ضعف وهزالة اتفاق أوسلو لأنه لا يرتكز على أسس السلام العادل الذي يتطلب الانسحاب الإسرائيلي الشامل وعودة القدس العربية وتفكيك المستوطنات اليهودية وتطبيق حق العودة وتقرير المصير للشعب الفلسطيني وأظهرت العمليات الاستشهادية أن الاتفاق هدفه حماية أمن إسرائيل وفرض هيمنتها على سلطة الحكم الذاتي.‏

ثالثاً: استخدمت سلطة عرفات ما لديها من أجهزة أمن وشرطة لتلبية التعليمات الإسرائيلية والأميركية والبطش بالمجاهدين الفلسطينيين وأثبتت أنها أداة في خدمة الاحتلال الإسرائيلي تضع مصالحه ومتطلباته الأمنية فوق حقوق الشعب الفلسطيني وحياة وحرية أبنائه. وأصبح عرفات من المستخدمين عند إسرائيل، لأن استمرار وجوده في الزعامة (السلطة) يأتي بالدرجة الأولى من دعم إسرائيل وأميركا له، ويتصرف كشرطي ومخبر يتلقى الأوامر والتعليمات عن بيرس ورئيس الأركان الإسرائيلي ومن المخابرات المركزية.‏

رابعاً: أظهرت القمة وزيارة الرئيس الأميركي لإسرائيل وحضوره اجتماع مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغّر، والمساعدات المالية والاستخباراتية التي قدمها لإسرائيل انحياز الولايات المتحدة الأميركية الكامل لإسرائيل والتحالف الاستراتيجي بين البلدين، وبالتالي فلا يمكن للولايات المتحدة أن تلعب دور الوسيط المحايد والنزيه في الصراع العربي -الصهيوني.‏

خامساً: أظهرت القمة هرولة بعض النظم العربية في الخليج كقطر وعمان وغيرها لخدمة إسرائيل وتلبية المطالب الأميركية على حساب الحقوق العربية والتعاون والتنسيق والتضامن العربي.‏

سادساً: بينت القمة للعالم بأسره مبدئية وشجاعة وصلابة موقف سورية لأن موقفها يعبرّ عن التمسك بمبادئ وأهداف جميع شعوب العالم المناضلة ضد الاحتلال الأجنبي وتمسكها بالثوابت الوطنية والقومية. وأظهرت مواقف وممارسات إسرائيل بعد القمة أن حديث القمة عن السلام لا قيمة له على الإطلاق، حيث جمدت إسرائيل عملية السلام، وانتهكت الاتفاقات التي صاغتها ووقعتها مع السلطة الفلسطينية. ووصل التضليل الأميركي حداً قال فيه اليهودي دينس روس المنسق الأميركي لعملية السلام "إن الرئيس الأسد أضاع الفرصة للسلام لعدم حضوره إلى قمة شرم الشيخ وقال إنه رأى قادة عرباً يشجبون الإرهاب (المقاومة) ويطالبون باتخاذ خطوات لمكافحته".‏

وأثمرت قمة شرم الشيخ الحرب العدوانية التي أشعلها مجرم الحرب شمعون بيرس ضد لبنان تحت اسم "عناقيد الغضب" مما أنهى تسمية القمة بقمة صانعي السلام ومكافحة الإرهاب وشطب بيرس على اسم قمة صانعي السلام" ولم تبق إسرائيل والولايات المتحدة من القمة إلاّ ما حاولتا فرضه عشية وخلال انعقادها وهي أنها قمة مكافحة الإرهاب.‏

وبينت النتائج والتطورات التي حصلت في المنطقة بعد عقد القمة عداء الولايات المتحدة الأميركية الأبدي للعروبة والإسلام وحصلت في المنطقة الوقائع التالية:‏

*الاستمرار في إغلاق الضفة والقطاع ومحاصرة الشعب الفلسطيني.‏

*قام مجرم الحرب بيرس بتحقيق الزيارتين اللتين وجهتهما له قطر وعُمان خلال انعقاد القمة دون أي تعديل في مواقفه، بل لم تطالبه مسقط والدوحة بأي تعديل فيها.‏

*الإعلان عن الاتفاق العسكري بين إسرائيل وتركيا والموجه ضد سورية وضد الأمن القومي للعرب والمسلمين.‏

*وصول الطائرات الأميركية إلى الأردن لتهديد سورية وممارسة المزيد من الضغط والابتزاز على العراق.‏

*محاولة وزير الدفاع الأميركي انتزاع مواقف من مصر ضد ليبيا ولكن مصر لم تستجب للإدارة الأميركية. ويمكن القول إن المساعي الأميركية تركزت لاستخدام إسرائيل وتركيا وبعض الأطراف العربية لتهديد سورية وممارسة أقصى أنواع الضغوط عليها لهندسة شرق أوسط جديد تقوده إسرائيل لإذلال العرب وإخضاعهم واستغلال ثرواتهم وتلعب فيه واشنطون وتل أبيب وأنقرة الأدوار الرئيسية بالإضافة إلى أدوار ثانوية لبعض الجهات العربية.‏

وانطلاقاً من تأكيد الرئيس الأميركي أن لقمة شرم الشيخ استمرارية، والاستمرارية تتزعمها الولايات المتحدة وموقفه من إقامة آليات لمتابعة تنفيذ قرارات القمة، وجهت الإدارة الأميركية الدعوة إلى عقد اجتماع في واشنطون وكانت " مكافحة الإرهاب" البند الوحيد على جدول الأعمال، وأسقطت مشكلة الحصار الإسرائيلي المفروض على أراضي سلطة الحكم الذاتي وعملية السلام. وانخفض مستوى التمثيل في الاجتماع على مستوى السفراء العرب ووكلاء وزارات وضباط أمن.‏

اعترضت بعض الدول العربية والأوروبية على جدول الأعمال لكن الولايات المتحدة أصرت على إبقاء مكافحة الإرهاب جوهر الاجتماعات. وتركزت الاجتماعات على المسائل الفنية لمكافحة الإرهاب، أي كيفية مواجهته. وانقسمت إلى مجموعتي عمل: الأولى تبحث في سبل تحسين تبادل المعلومات والعمل على تشكيل آلية تتبادل فيها الدول المعلومات الاستخباراتية فيما بينها. والمجموعة الثانية تدرس تدعيم التعاون الأمني بين الدول في مجال مطاردة المطلوبين للعدالة.‏

وناقشت الاجتماعات منع تمويل الإرهاب وتسليحه وتعزيز السيطرة على الحدود.‏

وعلق مجرم الحرب بيرس على الاجتماعات وقال إن هدفها البحث في خيارات المجموعة الدولية لمحاربة الإرهاب ولخنق الدعم للإرهابيين من جانب دول في المنطقة.‏

وأيدت الولايات المتحدة كعادتها الموقف الإسرائيلي تحت ستار وجوب "استعادة إسرائيل الثقة بنفسها قبل أن تنتقل إلى المسائل الأخرى".‏

وبعبارة أخرى فإن إسرائيل والولايات المتحدة لم تنفذ من قرارات القمة إلاّ الجزء المتعلق بمكافحة المقاومة للاحتلال الإسرائيلي والسعي إلى سحقها وقطع مصادر دعمها وتمويلها وأظهرت الوقائع فشل الطرح الذي قدمه الرئيس الأميركي ورئيس وزراء العدو الإسرائيلي بتصوير أن ما يجري من مقاومة في الضفة والقطاع وجنوب لبنان هو السبب في عرقلة العملية السلمية:‏

*إن إسرائيل هي مصدر الإرهاب والمصدّرة للإرهاب، فلو التزمت بمبادئ الحق والعدل وقرارات الشرعية الدولية لما قامت العمليات الاستشهادية ولحل السلام والازدهار في المنطقة، ولو أنها تؤمن بالسلام وانسحبت من الأراضي العربية المحتلة بما فيها الجولان وجنوب لبنان والقدس العربية لما وقعت التفجيرات.‏

إن التعايش لا يمكن أن يتم إلاّ عبر سلام عادل ترضى عنه الشعوب ولا يقتصر على رضى الحكام الذين يهمهم فقط المحافظة على كراسيهم ومصالحهم وامتيازاتهم وإرضاء إسرائيل لنيل رضى الولايات المتحدة الأميركية.‏

وشكلت القمة أكبر تجمع لمكافحة المقاومة الفلسطينية واللبنانية وأكبر قمة تواجد فيها الزعماء العرب مع إسرائيل لدعم بيرس وإسرائيل بالدرجة الأولى وعرفات الذي ربط مصيره مع إسرائيل والرئيس كلنتون بوصفه راعي عملية التسوية بين العرب وإسرائيل، وتعميق التحالف الاستراتيجي بين البلدين على أساس التزام واشنطون بالمحافظة على التفوق النوعي للجيش الإسرائيلي على الجيوش العربية ومنح إسرائيل التكنولوجيا العسكرية الحديثة وتشكيل قوة أمن إقليمية بمشاركة دول المنطقة وفي مقدمتها الدول العربية للمحافظة على النظام الإقليمي الجديد. وبالتالي فإن قمة شرم الشيخ تتجه نحو حلف أمني اقليمي تكون إسرائيل مركزه الاستراتيجي وقوته الضاربة. وقوبلت القمة بتحفظات من سورية ولبنان لأنها لا تفرق بين المقاومة والإرهاب واعتبرت سورية أنه من الخطأ إظهار بيرس وحده في القمة بمظهر حامي السلام مما يشجع إسرائيل على استئصال جذور حماس والجهاد الإسلامي وتصعيد اعتداءاتها في العمق اللبناني واغتيال بعض قادة حزب الله واختطاف بعض المسؤولين فيه.‏

وانتقدت سورية القمة لأنها تبحث في نتائج العنف دون معالجة الأسباب التي أدت إليه، ولم تبحث في إيجاد الحلول العادلة للأسباب التي تؤدي إلى العنف.‏

وظهرت مصداقية موقف سورية في ارتكاب شمعون بيرس حرب عناقيد الغضب ومجزرة قانا. واعتبرت سورية ولبنان والأحزاب والقوى والشخصيات الوطنية العربية أن قمة شرم الشيخ والكلمات التي ألقيت فيها والمواقف التي أعلنت والنتائج التي تمخضت عنها بمثابة ضوء أخضر لحكام إسرائيل للقيام بحروب عدوانية جديدة على لبنان وربما على سورية وحتى إيران. وأثبتت الأحداث أن القمة كانت قمة حرب وليست قمة سلام.‏

وكرست قمة شرم الشيخ إسرائيل كجزء لا يتجزأ من المعادلة الإقليمية وبمركز محوري خصوصاً إذا أخذ في الاعتبار التمثيل الخليجي البارز، والدعوة التي وجهتها قطر إلى شمعون بيرس لزيارتها. لقد وقفت 13 دولة عربية وسلطة الحكم الذاتي الفلسطيني في القمة وقادة الولايات المتحدة والدول الأوروبية ليعلنوا عن ألمهم وحزنهم على ضحايا إسرائيل ويعلنوا تعاطفهم ودعمهم لها وللسلام بينها وبين الأطراف العربية.‏

وقف هؤلاء جميعاً إلى جانب إسرائيل في حربها ضد حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله وأي شكل من أشكال المقاومة العربية ضد الاحتلال الإسرائيلي.‏

ووصل انحياز القمة لإسرائيل حداً جعلها لا تطالبها بالتخفيف من عقوباتها الجماعية بحق الفلسطينيين وإنهاء الطوق الذي فرضته على الضفة الغربية وقطاع غزة. وقال رئيس الحكومة الإسرائيلية " إنه لا الرئيس المصري حسني مبارك ولا الرئيس الأميركي بيل كلنتون، طلب منه تخفيف الحصار والإجراءات التي طالت حتى الفلسطينيين في الأراضي المحتلة منذ العام 1948(157). وأعلنت وزارة الخارجية الفرنسية، أنها تتفهم الإجراءات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، وتجلى انحياز القمة في البيان الختامي بالقيام بمجهود دولي وآلية دولية لعزل وتصفية أعداء إسرائيل.‏

وكان عقد القمة من أكبر الانتصارات التي حققتها إسرائيل، حيث اجتمع زعماء العالم على عجل لإعلان الدعم لها من أرض مصر العربية وتحديداً من شرم الشيخ وبمشاركة معظم الدول العربية والدول الكبرى، مما أدى إلى تصلب إسرائيل وتعنتها تجاه سورية ولبنان. وازداد الاطمئنان في نفوس الإسرائيليين.‏




التوقيع

إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بدّ أن يستجيب القــــدر
و لا بــــدّ لليــل أن ينجلــي
و لا بـــدّ للقيــد أن ينكسـر
رد مع اقتباس
قديم 04-20-2010, 05:46 PM   رقم المشاركة : 18
الهادي الزغيدي
عضو





الهادي الزغيدي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: - القمم والمؤتمرات الاقتصادية والأمنية من التطبيع إلى الهيمنة -

ردود الفعل على القمة

إن إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية تفهمان أن العملية السياسية عبارة عن حمل الأطراف العربية الموافقة على مخططات إسرائيل "للشرق الأوسط الجديد" الاقتصادية والسياسية والأمنية والعسكرية وعبارة عن تسويق أشخاص كالسادات وبيرس وعرفات في ظل سيطرة الدولار واليهود على وكالات الأنباء ومحطات الإذاعة والتلفزيون ودور النشر والصحف والمجلات في العالم وفي ظل ارتباط وغباء العديد من السياسيين والصحفيين العرب.‏

لقد أكد الرئيس الأميركي بعد عودته إلى واشنطون أمام منظمة النداء اليهودي "إن قمة شرم الشيخ أول محاولة إقليمية لاستئصال أولئك المسؤولين عن إراقة الدماء والإرهاب.وإن إسرائيل يجب أن تظل قوية وحدودها آمنة ليحل السلام. لا أحد يعتقد أن من العدل مطالبة إسرائيل بالتخلي عن أمنها كي يتحقق السلام" (140).‏

وانعقد المؤتمر الإسلامي- الوطني في بيروت بتاريخ13/3/1996 للرد على قمة شرم الشيخ وجاء في البيان الختامي مايلي:‏

"إن قمة الإرهاب الدولي المنعقدة في شرم الشيخ هي محاولة يائسة لإنقاذ عملية التسوية من السقوط أمام إصرار الأمة على رفضها ومواجهة الشعوب لها. وأضاف: أكد المؤتمرون أن الكيان الصهيوني الغاصب إنما وجد بفعل الإرهاب العالمي والدعم الأميركي ويكفي أن نستعرض الحروب والمجازر التي ارتكبت منذ 48 ومروراً بـ 67- 73- 78- 82 والتي أدت إلى تشريد الشعب الفلسطيني في بقاع الأرض إضافة إلى احتلال الأراضي في جنوب لبنان والجولان حتى تظهرالصورة الواضحة للإرهاب الصهيوني المستمر. وثمن المؤتمرون موقف الدولة اللبنانية في رفضها المشاركة بمؤتمر شرم الشيخ ودعمها لخيار المقاومة حتى تحرير الأرض، وحيوا المواقف الشجاعة لسورية بقيادة الرئيس حافظ الأسد والرافضة للتفريط بحق الشعب العربي والمشاركة في مؤتمر شرم الشيخ، وقدّروا وقوف الجمهورية الإسلامية في إيران إلى جانب الحق العربي الإسلامي.‏

واعتبر المؤتمرون أن العمليات الاستشهادية في فلسطين المحتلة وجنوب لبنان تمثل أعلى مراتب التضحية والفداء وهي تعبير مميز عن رفض الأمة للاحتلال ومفاعيله. ودان المؤتمر عمليات الإعتقال التي تقوم بها سلطة عرفات داعين إلى إطلاق سراحهم فوراً"(141).‏

وعلق رئيس المجلس النيابي اللبناني نبيه بري على قمة شرم الشيخ وقال: "إن المقاومين ليسوا إرهابيين، والإرهابي هو من يحتل أرض الغير ومن يعتدي على الغير. نحن لا نريد أكثر من أرضنا وأكثر من وطننا، ولكننا لا نريد بالمقابل أقل من وطننا ولوبحبة تراب واحدة"(142).‏

واعتبر الشيخ محمد حسين فضل الله أنها"قمة الانتخابات الأميركية والإسرائيلية. وأن الرئيس الأميركي كان أكثر عنفاً في رد فعله من رئيس وزراء العدو وأعلن الحرب على كل القوى الإسلامية الحرة لأن السياسة الأميركية كانت وما تزال ترتكز على أساس أن تحصل إسرائيل على كل ما تريد وأن لا يأخذ العرب إلاّ ما يريده الإسرائيليون".(143)‏

واعتبرت لجنة فلسطين والأراضي العربية المحتلة في مجلس النواب الأردني"انه في الوقت الذي نرى فيه دولة إسرائيل تخاطب العالم كله محاربة الإرهاب، نرى أن ما ترتكبه هذه الدولة بحق شعبنا على أرض فلسطين من تجاوزات وجرائم تتمثل في عقوبات جماعية وحصار ظالم للمدن والقرى ومنع الغذاء والدواء من الوصول لأهلنا، ومداهمات للبيوت الآمنة وإغلاق المدارس والمعاهد العلمية والجامعات، تعتبر من الجرائم التي لا يحق لمرتكبها أن يتحدث عن إرهاب غيره لأن هذا هو الإرهاب بعينه".(144)‏

لقد طالب عرفات في خطابه الذي افتتح به المجلس التشريعي الفلسطيني بعقد قمة دولية لمكافحة الإرهاب ونسي عرفات أو تناسى أن مطلب إسرائيل تصفية البنية التحية لحماس والجهاد الإسلامي من القمة هو ذاته الذي طالبت به وعملت على تحقيقه عندما غزت لبنان عام 1982 لتصفية البنية التحتية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وجاءت الحرب وتدمير المخيمات والقرى والمدن اللبنانية ومذابح صبرا وشاتيلا لتكون ذروة عمليات تدمير البنية التحتية لمنظمة التحرير الفلسطينية. ودارت الأيام وتغيرت الظروف وإذا بياسر عرفات يتسجيب هو نفسه للمطلب الإسرائيلي ويأخذ على عاتقه تدمير البنية التحتية للمقاومة الإسلامية.‏

ووصف عرفات قمة شرم الشيخ بالإيجابية جداً والبناءة. وامتدح الرئيس الأميركي عرفات لاستخدام أجهزته الأمنية في قمع النضال الوطني الفلسطيني وأكد"أن هناك إشارات مشجعة على أن الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات يلاحق الإرهابيين. وإن الولايات المتحدة أصرّت على أن يتخذ عرفات إجراءات تهدف إلى قمع الإرهاب. إن الهجمات الانتحارية والرجال الذين ينفذونها ليسوا أعداء لإسرائيل وعملية السلام فقط بل أعداء لعرفات أيضاً"(145).‏

وكان عرفات قد قرر عدة إجراءات تلبية للمطالب الإسرائيلية والأميركية منها:‏

* شجبه واستنكاره وإدانته للعمليات الاستشهادية.‏

* حظر جميع أنشطة حماس والجهاد الإسلامي.‏

* مصادرة السلاح والذخائر.‏

* إلقاء القبض على أكثر من(1000) من أنصارهما.‏

* إغلاق المؤسسات الخيرية والتعليمية التابعة لهما.‏

* تنفيذ اعتقال الأشخاص الذين طلبت إسرائيل والمخابرات المركزية اعتقالهم.‏

وتلقى عرفات تهنئة من بيرس على الدور الذي قامت به الشرطة الفلسطينية من اعتقالات في صفوف أنصار حماس، وطلب منه بذل المزيد من الجهد لاعتقال المزيد من قادة حماس.‏

وأبدى عرفات حماساً للدور الذي رسمه له بيرس وقال"المهم أن نكافح جميعاً الإرهاب ونستمر في عملية السلام"(146).‏

لقد كان من المفروض أن يذهب عرفات إلى القمة بملف الظلم والاضطهاد والمجازر والعقوبات الجماعية وخصوصاً لأنه لم يذكر رئيس دولة أو أي مشترك في شرم الشيخ بإن ما يسمونه الإرهاب في المنطقة سببه الظلم والاضطهاد والاغتصاب والهجرة والاستيطان والأطماع اليهودية في الأرض والثروات العربية، بل بالعكس من ذلك قدّم عرفات رأس المقاومة العربية لإسرائيل مقابل أن يرضى عنه بيرس ويجتمع معه كلنتون في شرم الشيخ.‏

ونجحت إسرائيل من خلال القمة في إقامة مؤسسات وهيئات للتعاون في مجال مكافحة الإرهاب وتشكيل لجنة متابعة على مستوى وزاري. وأكد الجنرال باراك "أن إسرائيل معنية بالتعاون مع دول الخليج، لأن زعماء الحركات الإسلامية من حماس والجهاد الإسلامي موجودة فيها".(147).‏

وخرج بيرس من القمة لاستكمال "عملية السلام" على الطريقة اليهودية بعد أن أخذ الضوء الأخضر من القمة ليضرب من يشاء ومتى يشاء ويعمل ما يشاء، حيث قال له المشاركون في القمة اذهب ونحن معك في القتل والتدمير والعقوبات الجماعية والاعتقال.‏

وأعاد بيرس بعد القمة احتلال معظم أراضي سلطة الحكم الذاتي المحدود. وظهر للعيان أن اتفاق الأذعان في أوسلو قد تمخض عنه غيتو فلسطيني معزول غير قادر على الحياة إلاّ بقرار من إسرائيل.‏

وظهر استسلام عرفات بالموافقة على وجود القوات الإسرائيلية بشكل دائم على المعابر مع الأردن ومصر ووجود المستوطنات والقوات الإسرائيلية في الضفة والقطاع.‏

وأبعدت القمة الشعب الفلسطيني عن أي تفاؤل بالتسوية بسبب فرض العقوبات الجماعية والطوق الأمني وهدم المنازل والاعتقالات وإغلاق المناطق ومنع التجول.‏

لقد تصور الفلسطينيون أن القمة ستساعدهم في التخفيف من الحصار والطوق الذي فرضته إسرائيل على الغيتو الفلسطيني، لكنهم اكتشفوا عكس ذلك. ويمكن القول إن الفلسطينيين لم يحققوا أية فائدة من القمة بل على العكس صعدّتْ إسرائيل حملاتها الإرهابية ضدهم..‏

عقدت القمة لممارسة أقصى أنواع العنف والإرهاب والحرمان المادي والاجتماعي والإنساني على مناهضي الاحتلال والاستيطان والهيمنة الإسرائيلية، وأعطت المشروعية للاستمرار في إرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل منذ قيامها، واطمأن بيرس للغطاء الدولي والعربي لتدمير الضفة والقطاع وجنوب لبنان، فالتطرف والطمع والصلف الإسرائيلي هو الرابح الوحيد من القمة وعملية السلام العادل هي الخاسر الوحيد منها.‏

أدانت القمة"الإرهاب"ولم تبحث عن أسبابه ودوافعه، وأجمعت على إدانته ولم تجتمع على تسمية مصدره، ونددت به ولم تبحث عن أسبابه. وأعطت بيرس وعرفات براءة ذمة في اجراءاتهما القمعية ضد رجال المقاومة العربية ووعدت عرفات بتقديم المزيد من الدولارات لتلميع صورته وتعزيز مكانته ولم تقدم على أية خطوة لرفع الطوق الأمني ووقف الإرهاب الإسرائيلي. وقامت الأردن بحملة اعتقالات في أوساط حماس تطبيقاً لقرارات القمة وبررها رئيس الوزراء الأردني قائلاً:‏

"إن الأردن لا يؤمن بأن هناك إرهاباً شرعياً وآخر غير شرعي، وآخر مستحباً وآخر غير مستحب، بل يؤمن بأن الإرهاب هو الإرهاب وهو مدان مهما كانت مبراراته ودوافعه".(148)‏

لقد كان بيرس على حق عندما قيم نتائج القمة وهي حسب رأيه وقوف 13دولة عربية بالإضافة إلى عرفات إلى جانب إسرائيل في حربها ضد حركة حماس وغيرها من القوى المعارضة لعملية السلام.‏

ويقول بيرس متباهياً"إن القمة التي عقدت لدعم إسرائيل أتاحت له لقاء العديد من المسؤولين العرب لأول مرة وبينهم من لا ترتبط بلاده بعلاقات دبلوماسية مع إسرائيل مثل البحرين واليمن والكويت. وحتى أنه صافح الأمير سعود الفيصل مطولاً وتلقى دعوة حارة لزيارة قطر ساعة يشاء"(149).‏

وأعربت إسرائيل عن سرورها بتنائج القمة لأن البيان الختامي حدد إجراءات عملية واضحة للقيام بمجهود دولي وآلية دولية لعزل وضرب أعداء إسرائيل وفتح المزيد من الأبواب العربية أمامها أمنياً واقتصادياً، ولأن الإجراءات التي اتخذتها سلطة عرفات حوّلتها إلى أداة في يد إسرائيل ربما ستؤدي نتائجها إلى اندلاع الاقتتال الفلسطيني - الفلسطيني.‏

واعتبر الدكتور عصمت عبد المجيد، الأمين العام للجامعة العربية"أن قمة صانعي السلام نجحت في إنقاذ السلام بعد دخول العملية إلى طريق مسدود"(150).‏

فأين هو السلام الذي أنقذته قمة شرم الشيخ ويتحدث عنه الأمين العام للجامعة العربية؟‏

وصرح الدكتور أسامة الباز أن القمة"أدت إلى تحسين الظروف المعيشية الصعبة التي فرضت على شعب فلسطين عقب الحوادث الانتحارية الأخيرة.(151)‏

ولكن الواقع يشير إلى عكس ذلك تماماً فالحصار والطوق وحملات الاعتقال والقمع والتجويع زادت عما كانت عليه في الماضي، بل أعطت القمة لإسرائيل الغطاء لتنفيذ التجاوزات والانتهاكات القانونية والإنسانية والأخلاقية، بحيث فاقت وحشية وهمجية الاحتلال النازي.‏

لقد صبّت قمة شرم الشيخ بكل نتائجها وما تمخض عنها في صالح إسرائيل، لأن الدافع لعقدها كان ومازال هو دعم إسرائيل والتضامن معها ورفع معنويات شعبها المنهارة.‏

إن السيدين عصمت عبد المجيد وأسامة الباز يعرفان حق المعرفة أنها أدت إلى تصليب الموقف الإسرائيلي أكثر تجاه الشعب الفلسطيني وتجاه سورية ولبنان، وهو أمر لايخدم السلام وعملية السلام والسؤال: ما هي الفوائد التي جنتها مصر من تنظيم القمة ورعايتها وهي بالأساس لدعم إسرائيل وحمايتها؟.‏

لماذا يُظهر العرب والعالم الضعف والاستسلام أمام مطالب إسرائيل ويهود العالم؟‏

إن بيرس ورابين هما اللذان فجرا موجة العنف الأخيرة، رابين فجرها باغتياله فتحي الشقاقي، وصعّد بيرس من تفجيرها في أعقاب اغتيال أجهزة المخابرات الإسرائيلية للمهندس يحيى عياش بقرار من بيرس شخصياً وتباهت إسرائيل بنجاح جريمة الاغتيال.‏

إن المواطن العربي لا يفاجأ بالموقف الأميركي والأوروبي المنحاز للإرهاب الإسرائيلي، لكنه فوجئ واستغرب وصُدم من الموقف العربي الجديد والتصريحات الغريبة والعجيبة والمخالفة لمصالح الأمة العربية والدين الإسلامي التي صدرت عن بعض العواصم العربية واتهمت رجال المقاومة الأبطال بأنهم إرهابيون ووصفت عملياتهم البطولية بأنها جرائم وهجوم جبان ومستنكرة ومدانة.‏

هل نسي هؤلاء العرب مجازر إسرائيل وحروبها العدوانية التي لاقت الدعم والتأييد والإعجاب في أميركا وأوروبا الغربية؟‏

هل نسي هؤلاء العرب مجازر دير ياسين وكفر قاسم والدوايمة وغزة وخان يونس ورفح واللد والرملة وناصر الدين وقبيا ونحالين وصبرا وشاتيلا؟‏

وهل نسي هؤلاء العرب الذين يهرولون متوجهين إلى إسرائيل وكسب رضاها مجزرة الأحد الأسود ومذبحة المسجد الأقصى عام 1990 ومجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل عام 1994؟ حيث لم يطالب هؤلاء العرب والدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية بحل المنظمات اليهودية الإرهابية وتدمير بنيتها التحتية ونزع السلاح من المستوطنين، مع العلم بأن الولايات المتحدة الأميركية وبعض البلدان الأوروبية تعتبر الممول الأساسي للمنظمات الفاشية في إسرائيل. لماذا يتفهم الرئيس الأميركي بيل كلنتون الإرهاب الإرلندي ويجمع العالم في شرم الشيخ لسحق المقاومة العربية للاحتلال الإسرائيلي؟‏

إن الاعتبارات الانتخابية هي التي تحمل الرئيس الأميركي على تفهم الإرهاب الإرلندي وتحمله في الوقت نفسه على التصدي للمقاومة العربية وتقديم جميع أنواع الدعم والمساعدات والمعلومات لإسرائيل لكي تتمكن من سحقها.‏

هل يمكن أن نسّمي مقاومة الشعوب الأوروبية للاحتلال النازي إرهاباً وهل يمكن أن نسمي ديغول إرهابياً؟‏

إن وكالات الأنباء والصحافة ومحطات الإذاعة والتلفزيون في البلدان الغربية تمتنع عن ذكر "الإرهاب اليهودي" لانحيازهم للصهيونية وهيمنتها عليهم ومعاداتهم للعرب، حيث يقول الاستاذ الأميركي عبد الله شلايفر "إن باروخ غولد شتاين الذي ارتكب مذبحة الحرم الإبراهيمي كان يشار إليه بـ "المتطرف الإسرائيلي" ونادراً ما كانت الصحف الغربية تطلق عليه "المتطرف اليهودي" ويضيف شلايفر إن اثنين من رؤساء وزراء إسرائيل السابقين وهما بيغن وشامير كانا من قادة الحركة الصهيونية الإرهابية، لكن أحداً في الصحافة الغربية لم يطلق عليهما لقب إرهابي. وعلى الرغم من أن بن غوريون قال إن بيغن فاشي وإرهابي، إلاّ أن الإعلام الغربي لا يستخدم هاتين الكلمتين اليوم" (152).‏

وجاءت القمة بهدف دعم بيرس في معركته الانتخابية ضد الليكود، وجاءت ليرضي الرئيس الأميركي اللوبي اليهودي في أميركا من أجل حملته الانتخابية ولتحقيق أهداف إسرائيل وأميركا بإقامة التعاون الأمني الاقليمي الجديد بزعامة إسرائيل ولمصلحتها ومصلحة الولايات المتحدة.‏

ويعتبر الليكود أن القمة تهدف إلى توفير الدعم إلى بيرس وعرفات وأن العالم بمن فيه العرب اعترفوا بمحاربة المقاومة. لقد ظهر نتن ياهو على شاشة التلفزيون الإسرائيلي ليلة انعقاد القمة "معبراً عن خيبة أمل كبيرة من انعقاد القمة، ملخصاً كل هذا الحدث في جميع أبعاده على أنه حدث انتخابي ومحاولة للتدخل في الشؤون الداخلية للجمهور الإسرائيلي من خلال التأثير فيه لمصلحة حزب العمل" (153).‏

ورأى العديد من المعلقين والمحللين السياسيين أن المؤتمر دعم لبيرس وكلنتون في الانتخابات القادمة.‏

واعترف بيرس أمام وكالات الصحافة العالمية بتاريخ 25/3/1996 أن إسرائيل وحدها لا تستطيع أن تقوم بدور الشرطي للقضاء على الإرهاب وأنها تريد مساعدة الدول الأخرى للقيام بهذه المهمة.‏

لقد اثبتت عمليات حماس والجهاد وحزب الله الاستشهادية أن الأمن الإسرائيلي سيبقى مزعزعاً ومهدداً مهما أجبرت إسرائيل الأطراف العربية على توقيع اتفاقات إذعان لذلك أرادت إسرائيل أن تجبر العرب في قمة شرم الشيخ على التعهد بالتزامات أمنية وكل ما من شأنه أن يؤمن حماية أمنها، تماماً كما تفعل سلطة الحكم الذاتي والأردن. وإن الحل هو برأيها التعاون بين أجهزة الأمن العربية والدولية وتسخيرها لخدمة الأمن الإسرائيلي.‏

الرئيس الأميركي في إسرائيل بعد القمة‏

في خطوة لا سابق لها، لا في تاريخ الولايات المتحدة ولا في تاريخ إسرائيل ولا في تاريخ العلاقات الدولية شارك الرئيس الأميركي كلنتون مباشرة بعد قمة شرم الشيخ في اجتماع مصغر لمجلس الوزراء الإسرائيلي للتأكيد على التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل وتعزيز فرص فوز بيرس وكلنتون في الانتخابات القادمة، حيث سيقدر اللوبي اليهودي في أميركا إلى كلنتون انحيازه لإسرائيل الذي لا مثيل له على الإطلاق في تاريخ رؤساء الولايات المتحدة وسيدعمه في حملته الانتخابية.‏

حضر الاجتماع بالإضافة إلى الرئيس كلنتون، وزير الخارجية وارن كرستوفر، ومدير الاستخبارات المركزية ومسؤولون في أجهزة الأمن الأميركية. والتزم كلنتون بتقديم (100) مليون دولار لمساعدة إسرائيل في مواجهة الإرهاب وتعقب الإسلاميين المتشددين.‏

وفيما كان كلنتون يشارك في اجتماع الحكومة الإسرائيلية كانت السلطات الإسرائيلية تستثمر الدعم الأميركي المطلق في تشديد الحصار والطوق الأمني والعقوبات الجماعية على الضفة والقطاع والتي اعتبرها الرئيس الأميركي دفاعاً عن النفس والأمن الإسرائيلي.‏

وقال في مؤتمر صحفي مشترك مع بيرس "قررنا أن تبدأ الولايات المتحدة وإسرائيل على الفور مفاوضات لإبرام اتفاق ثنائي لمكافحة الإرهاب وإن الولايات المتحدة ستزيد من تعاونها مع إسرائيل في مجال الاستخبارات لتعقب المتشددين" (154).‏

وذكر كلنتون أن وارن كرستوفر وجون دويتش مدير وكالة المخابرات المركزية سيمكثان في إسرائيل لاستئناف المحادثات في شأن الاتفاق الأمني.‏

وأكد بيرس أن الاتفاق الأمني الذي تم التوصل إليه بين إسرائيل والولايات المتحدة أهم ثالث اتفاق توقعه إسرائيل بعد اتفاق أوسلو ووادي عربة. وقال كلنتون إن الاتفاق ينص على تقوية الحرب ضد الإرهاب في ثلاثة مجالات:‏

أولاً: ستبدأ الولايات المتحدة فوراً في مد إسرائيل بمعدات وتدريب إضافي.‏

ثانياً: ستتعاون الدولتان لتطوير وسائل وتكنولوجيا جديدة لمكافحة الإرهاب.‏

ثالثاً: ستعمل من أجل تعزيز الاتصالات والتعاون بين البلدين وأيضاً مع حكومات شاركتنا الحرب ضد الإرهاب.(155) وزار كلنتون قبر نحشون فاكسمان "وهو جندي إسرائيلي اختطفته حماس في العام 1994 وأعطى عرفات المعلومات عن مكان وجوده إلى الجنرال رابين والذي أرسل الوحدات الإسرائيلية الخاصة واقتحمت المكان" والتقى مع مجموعة من الشباب في مركز ثقافي في تل أبيب وطلب منهم عدم الاستسلام للخوف وإلاّ يتخلوا أبداً عن الأمل في السلام. وأكد أن "أخطر نتيجة للإرهاب هي استمرار الخوف وزار مدرسة في حي القطمون في القدس قتل أربعة من طلابها في اثنتين من العمليات الاستشهادية وقال: "جئت لأعبر لكم عن دعمي وتعاطفي وأضاف أن قمة شرم الشيخ أظهرت أن إسرائيل باتت مقبولة أكثر فأكثر من جيرانها العرب وأنها ليست وحدها في مكافحة الإرهاب الدولي والعمل من أجل السلام.(156) وتوجه كلنتون إلى قبر الجنرال اسحق رابين ووضع باقة من الزهور وظل خاشعاً أمام الضريح مدة طويلة وبدا عليه التأثر وهو يمسك بيد أرملة رابين الذي اغتيل في تل أبيب بتاريخ 4 تشرين الثاني 1995 على يد ارهابي يهودي.‏

لقد نجح كلنتون نجاحاً كبيراً في توظيف قمة شرم الشيخ وزيارته لإسرائيل ووقوفه إلى جانب بيرس "واجتماعه مع زعيم المعارضة الإسرائيلية واستعداده للتعاون معه إذا نجح حزبه في الانتخابات القادمة" في حملته الانتخابية لكسب دعم وتأييد ومساعدة المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة الأميركية. ووصفت يديعوت احرونوت كلنتون بأنه آخر الصهاينة، بينما كتبت عنه إحدى الصحف الباريسية في صفحتها الأولى تقول: "كلنتون الإسرائيلي" لأن إسرائيل تعمل على فرض مفهومها للسلام على العرب بمساعدة الرئيس كلنتون.‏

أثبتت الدبلوماسية الأميركية كفاءة عالية في تجميع هذا العدد الكبير من الزعماء وممثلي الدول، لأنه لولا المظلة الأميركية وضغوط الرئيس كلنتون لم يكن بالإمكان عقد هذه القمة بسبب الهدف من عقدها وسرعتها والمصالح المختلفة للدول التي اشتركت فيها. جاءت قمة شرم الشيخ وزيارة كلنتون لإسرائيل وتوقيعه عدة اتفاقيات أمنية ودفاعية معها لتحسم الموقف الأميركي بإعطاء إسرائيل الدور القيادي في نظام الأمن الإقليمي الجديد، وبالتالي ستقوده إسرائيل، لأنها هي وواشنطون خططتا لذلك، ولأنها هي الأقوى على قيادته لتأمين مصالحها ومصالح الولايات المتحدة الأميركية على حساب البلدان العربية.‏

إنني أناشد الإنسان العربي سواء كان من المسؤولين أو من المواطنين العاديين وجوب عدم الهرولة نحو إسرائيل والتروي والحذر بالتعامل معها والامتناع عن فتح الأسواق أو شراء بضائعها نظراً لأطماعها المعادية للعرب واغتصابها لفلسطين بما فيها مدينة القدس، ونظراً لتأييد الولايات المتحدة المطلق لسياستها العدوانية والتوسعية والاستيطانية والعنصرية وهرولة دول الخليج إلى التعاون معها. واعبر عن فخري واعتزازي بالموقف السوري واللبناني من قمة شرم الشيخ الذي يرفض أي نوع من المساومة وتقديم التنازلات للعدو الإسرائيلي والإصرار على قرارات الشرعية الدولية والتفريق بين الإرهاب والمقاومة.‏



الحقائق التي أبرزتها القمة‏

أبرزت قمة شرم الشيخ مجموعة من الحقائق منها:‏

أولاً: العمل على انقاذ بيرس وتقوية مكانته عشية الانتخابات وانقاذ عرفات وتقوية مكانته ليبطش بالفلسطينيين.‏

ثانياً: ضعف وهزالة اتفاق أوسلو لأنه لا يرتكز على أسس السلام العادل الذي يتطلب الانسحاب الإسرائيلي الشامل وعودة القدس العربية وتفكيك المستوطنات اليهودية وتطبيق حق العودة وتقرير المصير للشعب الفلسطيني وأظهرت العمليات الاستشهادية أن الاتفاق هدفه حماية أمن إسرائيل وفرض هيمنتها على سلطة الحكم الذاتي.‏

ثالثاً: استخدمت سلطة عرفات ما لديها من أجهزة أمن وشرطة لتلبية التعليمات الإسرائيلية والأميركية والبطش بالمجاهدين الفلسطينيين وأثبتت أنها أداة في خدمة الاحتلال الإسرائيلي تضع مصالحه ومتطلباته الأمنية فوق حقوق الشعب الفلسطيني وحياة وحرية أبنائه. وأصبح عرفات من المستخدمين عند إسرائيل، لأن استمرار وجوده في الزعامة (السلطة) يأتي بالدرجة الأولى من دعم إسرائيل وأميركا له، ويتصرف كشرطي ومخبر يتلقى الأوامر والتعليمات عن بيرس ورئيس الأركان الإسرائيلي ومن المخابرات المركزية.‏

رابعاً: أظهرت القمة وزيارة الرئيس الأميركي لإسرائيل وحضوره اجتماع مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغّر، والمساعدات المالية والاستخباراتية التي قدمها لإسرائيل انحياز الولايات المتحدة الأميركية الكامل لإسرائيل والتحالف الاستراتيجي بين البلدين، وبالتالي فلا يمكن للولايات المتحدة أن تلعب دور الوسيط المحايد والنزيه في الصراع العربي -الصهيوني.‏

خامساً: أظهرت القمة هرولة بعض النظم العربية في الخليج كقطر وعمان وغيرها لخدمة إسرائيل وتلبية المطالب الأميركية على حساب الحقوق العربية والتعاون والتنسيق والتضامن العربي.‏

سادساً: بينت القمة للعالم بأسره مبدئية وشجاعة وصلابة موقف سورية لأن موقفها يعبرّ عن التمسك بمبادئ وأهداف جميع شعوب العالم المناضلة ضد الاحتلال الأجنبي وتمسكها بالثوابت الوطنية والقومية. وأظهرت مواقف وممارسات إسرائيل بعد القمة أن حديث القمة عن السلام لا قيمة له على الإطلاق، حيث جمدت إسرائيل عملية السلام، وانتهكت الاتفاقات التي صاغتها ووقعتها مع السلطة الفلسطينية. ووصل التضليل الأميركي حداً قال فيه اليهودي دينس روس المنسق الأميركي لعملية السلام "إن الرئيس الأسد أضاع الفرصة للسلام لعدم حضوره إلى قمة شرم الشيخ وقال إنه رأى قادة عرباً يشجبون الإرهاب (المقاومة) ويطالبون باتخاذ خطوات لمكافحته".‏

وأثمرت قمة شرم الشيخ الحرب العدوانية التي أشعلها مجرم الحرب شمعون بيرس ضد لبنان تحت اسم "عناقيد الغضب" مما أنهى تسمية القمة بقمة صانعي السلام ومكافحة الإرهاب وشطب بيرس على اسم قمة صانعي السلام" ولم تبق إسرائيل والولايات المتحدة من القمة إلاّ ما حاولتا فرضه عشية وخلال انعقادها وهي أنها قمة مكافحة الإرهاب.‏

وبينت النتائج والتطورات التي حصلت في المنطقة بعد عقد القمة عداء الولايات المتحدة الأميركية الأبدي للعروبة والإسلام وحصلت في المنطقة الوقائع التالية:‏

*الاستمرار في إغلاق الضفة والقطاع ومحاصرة الشعب الفلسطيني.‏

*قام مجرم الحرب بيرس بتحقيق الزيارتين اللتين وجهتهما له قطر وعُمان خلال انعقاد القمة دون أي تعديل في مواقفه، بل لم تطالبه مسقط والدوحة بأي تعديل فيها.‏

*الإعلان عن الاتفاق العسكري بين إسرائيل وتركيا والموجه ضد سورية وضد الأمن القومي للعرب والمسلمين.‏

*وصول الطائرات الأميركية إلى الأردن لتهديد سورية وممارسة المزيد من الضغط والابتزاز على العراق.‏

*محاولة وزير الدفاع الأميركي انتزاع مواقف من مصر ضد ليبيا ولكن مصر لم تستجب للإدارة الأميركية. ويمكن القول إن المساعي الأميركية تركزت لاستخدام إسرائيل وتركيا وبعض الأطراف العربية لتهديد سورية وممارسة أقصى أنواع الضغوط عليها لهندسة شرق أوسط جديد تقوده إسرائيل لإذلال العرب وإخضاعهم واستغلال ثرواتهم وتلعب فيه واشنطون وتل أبيب وأنقرة الأدوار الرئيسية بالإضافة إلى أدوار ثانوية لبعض الجهات العربية.‏

وانطلاقاً من تأكيد الرئيس الأميركي أن لقمة شرم الشيخ استمرارية، والاستمرارية تتزعمها الولايات المتحدة وموقفه من إقامة آليات لمتابعة تنفيذ قرارات القمة، وجهت الإدارة الأميركية الدعوة إلى عقد اجتماع في واشنطون وكانت " مكافحة الإرهاب" البند الوحيد على جدول الأعمال، وأسقطت مشكلة الحصار الإسرائيلي المفروض على أراضي سلطة الحكم الذاتي وعملية السلام. وانخفض مستوى التمثيل في الاجتماع على مستوى السفراء العرب ووكلاء وزارات وضباط أمن.‏

اعترضت بعض الدول العربية والأوروبية على جدول الأعمال لكن الولايات المتحدة أصرت على إبقاء مكافحة الإرهاب جوهر الاجتماعات. وتركزت الاجتماعات على المسائل الفنية لمكافحة الإرهاب، أي كيفية مواجهته. وانقسمت إلى مجموعتي عمل: الأولى تبحث في سبل تحسين تبادل المعلومات والعمل على تشكيل آلية تتبادل فيها الدول المعلومات الاستخباراتية فيما بينها. والمجموعة الثانية تدرس تدعيم التعاون الأمني بين الدول في مجال مطاردة المطلوبين للعدالة.‏

وناقشت الاجتماعات منع تمويل الإرهاب وتسليحه وتعزيز السيطرة على الحدود.‏

وعلق مجرم الحرب بيرس على الاجتماعات وقال إن هدفها البحث في خيارات المجموعة الدولية لمحاربة الإرهاب ولخنق الدعم للإرهابيين من جانب دول في المنطقة.‏

وأيدت الولايات المتحدة كعادتها الموقف الإسرائيلي تحت ستار وجوب "استعادة إسرائيل الثقة بنفسها قبل أن تنتقل إلى المسائل الأخرى".‏

وبعبارة أخرى فإن إسرائيل والولايات المتحدة لم تنفذ من قرارات القمة إلاّ الجزء المتعلق بمكافحة المقاومة للاحتلال الإسرائيلي والسعي إلى سحقها وقطع مصادر دعمها وتمويلها وأظهرت الوقائع فشل الطرح الذي قدمه الرئيس الأميركي ورئيس وزراء العدو الإسرائيلي بتصوير أن ما يجري من مقاومة في الضفة والقطاع وجنوب لبنان هو السبب في عرقلة العملية السلمية:‏

*إن إسرائيل هي مصدر الإرهاب والمصدّرة للإرهاب، فلو التزمت بمبادئ الحق والعدل وقرارات الشرعية الدولية لما قامت العمليات الاستشهادية ولحل السلام والازدهار في المنطقة، ولو أنها تؤمن بالسلام وانسحبت من الأراضي العربية المحتلة بما فيها الجولان وجنوب لبنان والقدس العربية لما وقعت التفجيرات.‏

إن التعايش لا يمكن أن يتم إلاّ عبر سلام عادل ترضى عنه الشعوب ولا يقتصر على رضى الحكام الذين يهمهم فقط المحافظة على كراسيهم ومصالحهم وامتيازاتهم وإرضاء إسرائيل لنيل رضى الولايات المتحدة الأميركية.‏

وشكلت القمة أكبر تجمع لمكافحة المقاومة الفلسطينية واللبنانية وأكبر قمة تواجد فيها الزعماء العرب مع إسرائيل لدعم بيرس وإسرائيل بالدرجة الأولى وعرفات الذي ربط مصيره مع إسرائيل والرئيس كلنتون بوصفه راعي عملية التسوية بين العرب وإسرائيل، وتعميق التحالف الاستراتيجي بين البلدين على أساس التزام واشنطون بالمحافظة على التفوق النوعي للجيش الإسرائيلي على الجيوش العربية ومنح إسرائيل التكنولوجيا العسكرية الحديثة وتشكيل قوة أمن إقليمية بمشاركة دول المنطقة وفي مقدمتها الدول العربية للمحافظة على النظام الإقليمي الجديد. وبالتالي فإن قمة شرم الشيخ تتجه نحو حلف أمني اقليمي تكون إسرائيل مركزه الاستراتيجي وقوته الضاربة. وقوبلت القمة بتحفظات من سورية ولبنان لأنها لا تفرق بين المقاومة والإرهاب واعتبرت سورية أنه من الخطأ إظهار بيرس وحده في القمة بمظهر حامي السلام مما يشجع إسرائيل على استئصال جذور حماس والجهاد الإسلامي وتصعيد اعتداءاتها في العمق اللبناني واغتيال بعض قادة حزب الله واختطاف بعض المسؤولين فيه.‏

وانتقدت سورية القمة لأنها تبحث في نتائج العنف دون معالجة الأسباب التي أدت إليه، ولم تبحث في إيجاد الحلول العادلة للأسباب التي تؤدي إلى العنف.‏

وظهرت مصداقية موقف سورية في ارتكاب شمعون بيرس حرب عناقيد الغضب ومجزرة قانا. واعتبرت سورية ولبنان والأحزاب والقوى والشخصيات الوطنية العربية أن قمة شرم الشيخ والكلمات التي ألقيت فيها والمواقف التي أعلنت والنتائج التي تمخضت عنها بمثابة ضوء أخضر لحكام إسرائيل للقيام بحروب عدوانية جديدة على لبنان وربما على سورية وحتى إيران. وأثبتت الأحداث أن القمة كانت قمة حرب وليست قمة سلام.‏

وكرست قمة شرم الشيخ إسرائيل كجزء لا يتجزأ من المعادلة الإقليمية وبمركز محوري خصوصاً إذا أخذ في الاعتبار التمثيل الخليجي البارز، والدعوة التي وجهتها قطر إلى شمعون بيرس لزيارتها. لقد وقفت 13 دولة عربية وسلطة الحكم الذاتي الفلسطيني في القمة وقادة الولايات المتحدة والدول الأوروبية ليعلنوا عن ألمهم وحزنهم على ضحايا إسرائيل ويعلنوا تعاطفهم ودعمهم لها وللسلام بينها وبين الأطراف العربية.‏

وقف هؤلاء جميعاً إلى جانب إسرائيل في حربها ضد حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله وأي شكل من أشكال المقاومة العربية ضد الاحتلال الإسرائيلي.‏

ووصل انحياز القمة لإسرائيل حداً جعلها لا تطالبها بالتخفيف من عقوباتها الجماعية بحق الفلسطينيين وإنهاء الطوق الذي فرضته على الضفة الغربية وقطاع غزة. وقال رئيس الحكومة الإسرائيلية " إنه لا الرئيس المصري حسني مبارك ولا الرئيس الأميركي بيل كلنتون، طلب منه تخفيف الحصار والإجراءات التي طالت حتى الفلسطينيين في الأراضي المحتلة منذ العام 1948(157). وأعلنت وزارة الخارجية الفرنسية، أنها تتفهم الإجراءات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، وتجلى انحياز القمة في البيان الختامي بالقيام بمجهود دولي وآلية دولية لعزل وتصفية أعداء إسرائيل.‏

وكان عقد القمة من أكبر الانتصارات التي حققتها إسرائيل، حيث اجتمع زعماء العالم على عجل لإعلان الدعم لها من أرض مصر العربية وتحديداً من شرم الشيخ وبمشاركة معظم الدول العربية والدول الكبرى، مما أدى إلى تصلب إسرائيل وتعنتها تجاه سورية ولبنان. وازداد الاطمئنان في نفوس الإسرائيليين.‏




التوقيع

إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بدّ أن يستجيب القــــدر
و لا بــــدّ لليــل أن ينجلــي
و لا بـــدّ للقيــد أن ينكسـر
رد مع اقتباس
قديم 04-20-2010, 05:48 PM   رقم المشاركة : 19
الهادي الزغيدي
عضو





الهادي الزغيدي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: - القمم والمؤتمرات الاقتصادية والأمنية من التطبيع إلى الهيمنة -

ردود الفعل على القمة

دعت مصادر سورية مسؤولة إلى إعادة النظر بتطورات عملية السلام ونتائجها وقالت "إن عملية السلام في الشرق الأوسط هي الخاسرة الأولى من قمة شرم الشيخ إذ أن قضايا العرب ستتعرض للضرر ويبقى التطرف الصهيوني الرافض للسلام هو الرابح الوحيد".(158).‏

وهاجمت دمشق القمة بشدة واعتبرتها انحيازاً كاملاً وعلنياً لإسرائيل، لأنها تدخل إسرائيل للمرة الأولى في منظومة الأمن في الشرق الأوسط.‏

وعلق المدير العام لوكالة الأنباء السورية فقال: "إن هذا الكم من الدعم الإسرائيلي لا يلغي حقاً مشروعاً يختزنه شعب بأسره في وجدانه وتراثه وذاكرته"(159).‏

واعتبرت دمشق أن مؤتمر شرم الشيخ ما هو إلاّ حسب قول بيرس "تعبيراً عن الدعم الدولي لإسرائيل." وإن حكام إسرائيل يريدون أن يورطوا العالم أو من يستطيعون من دول العالم في الانسياق وراء مزاعمهم حول الإرهاب.‏

وأكد وزير الخارجية السوري فاروق الشرع أن قمة شرم الشيخ ستخدم مواقف إٍسرائيل ومصالحها على حساب مصالح العرب. وإن بلاده رفضت المشاركة فيها لأن منظميها لم يخصصوا لها الوقت الكافي الذي يتيح للمشاركين النقاش الموضوعي. وأشار أن بلاده كانت "سباقة منذ أكثر من عشر سنوات في الدعوة إلى عقد مؤتمر دولي لتعريف الإرهاب وفق مبادئ القانون الدولي وأحكام ميثاق الأمم المتحدة." (160).‏

وأكد فارس بويز، وزير الخارجية اللبناني أن لبنان أبدى من خلال عدم مشاركته في القمة تخوفه من أن تتطرق فقط إلى ما تعانيه إسرائيل من دون النظر إلى ما يعانيه غيرها. وقال: "كنا نخشى أن تتجاهل هذه القمة الإرهاب الذي تمارسه إسرائيل والذي هو في بعض الأحيان مصدر ردات فعل لا يمكن اعتبارها إلاّ دفاعاً مشروعاً عن النفس"(161)‏

وأكد الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله أن تهديدات الرئيس الأميركي كلنتون ضد حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي هي وسام شرف، وهو عندما يهددنا ننام ملء جفوننا لأننا نكون على ثقة من أننا نفعل الصواب. وأشار إلى أن حزب الله سواء قبل قمة شرم الشيخ أوبعدها يتوقع من أميركا وإسرائيل العدوان، وهو يؤكد أن التهديد لا يغير شيئاً بل سيزيدنا عزماً على متابعة المقاومة. وقال نبيه بري، رئيس المجلس النيابي اللبناني إن المقاومين ليسوا إرهابيين، والإرهابي هو من يحتل أرض الغير ومن يعتدي على الغير. نحن لا نريد أكثر من أرضنا وأكثر من وطننا ولكننا لا نريد بالمقابل أقل من وطننا ولا بحبة تراب واحدة.‏

وأعلن محمد حسين فضل الله أن أولئك الذين تنادوا للاجتماع في شرم الشيخ يشكلون قمة الإرهاب والتعدي مؤكداً على أن مقاومة الاحتلال والصهيونية والإرهاب هي حق من حقوقنا المشروعة حتى تحرير كامل أرضنا.‏

ووصف آية الله أحمد جنتي، الأمين العام لمجلس الرقابة على الدستور الولايات المتحدة وإسرائيل بالدولتين الإرهابيتين وعدد احداثاً كثيرة أكدت قوله. وانتقد سياسة الكيل بمكيالين في التعامل مع إسرائيل والقضايا العربية والإسلامية من جانب أميركا. واعتبر أن إسرائيل تفعل ما تشاء بشعوبنا وأراضينا ومقدساتنا وتنتهك القوانين الدولية ولا أحد ينعت ذلك بالإرهاب. واعتبر وزير الخارجية الإيراني علي أكبر ولايتي أن قمة شرم الشيخ كانت محاولة أميركية وإسرائيلية لصرف أنظار العالم عن مشاكلهما الداخلية، وأن إيران من أكبر ضحايا الإرهاب، وهي ملتزمة القوانين الأممية والمبادئ الإنسانية لمكافحة الإرهاب.‏



بيان المؤتمر الوطني الإسلامي حول القمة‏

في نهاية المؤتمر الوطني الإسلامي الذي انعقد في بيروت في يوم افتتاح قمة شرم الشيخ بتاريخ 13/3/1996 أذاع الشيخ حسان عبد اللّه البيان الختامي الذي جاء فيه "إن قمة الإرهاب الدولي المنعقدة في شرم الشيخ هي محاولة يائسة لانقاذ عملية التسوية من السقوط أمام إصرار الأمة على رفضها ومواجهة الشعوب لها".‏

وأضاف: أكد المؤتمرون أن الكيان الصهيوني الغاصب إنما وجد بفعل الإرهاب العالمي والدعم الأميركي ويكفي أن نستعرض الحروب والمجازر التي ارتكبت منذ 48 ومروراً بـ 67 و 73 و 78 و82 والتي ادت إلى تشريد الشعب الفلسطيني في بقاع الأرض إضافة إلى احتلال الأراضي في جنوب لبنان والجولان حتى تظهر الصورة الواضحة للارهاب الصهيوني المستمر.‏

وشدد المؤتمرون على أن كل المحاولات التي يلجأ إليها العدو الصهيوني بدعم أميركا وأوروبا وقوى الشر في العالم لن تثني شعوبنا عن استمرار جهادها وكفاحها.‏

وثمّن المؤتمرون موقف الدولة اللبنانية في رفضها المشاركة بمؤتمر شرم الشيخ ودعمها لخيار المقاومة حتى تحرير الأرض وحيوا المواقف الشجاعة لسوريا بقيادة الرئيس حافظ الأسد والرافضة للتفريط بحق الشعب العربي وللمشاركة في مؤتمر شرم الشيخ وقدروا وقوف الجمهورية الإسلامية في إيران إلى جانب الحق العربي الإسلامي.‏

وندد المؤتمرون بكل أنوع الحصار القائم على شعوب أمتنا خاصة في ليبيا والعراق والسودان وغيرها، معتبرين ذلك من أبرز وجوه الإرهاب الدولي.‏

واعتبر المؤتمرون أن العمليات الاستشهادية في فلسطين المحتلة وجنوب لبنان تمثل أعلى مراتب التضحية والفداء وهي تعبير مميز عن رفض الأمة للاحتلال ومفاعيله.‏

ودان المؤتمرون عمليات الاعتقال التي تقوم بها سلطة عرفات داعين إلى إطلاقهم فوراً "منعاً لأية فتنة على صعيد الساحة الداخلية الفلسطينية التي هي اليوم بحاجة للوحدة أكثر من أي وقت مضى".‏

ودعوا الهيئات الدولية والإنسانية وتنظيمات حقوق الإنسان للعمل على إطلاق الأسرى اللبنانيين والفلسطينيين من السجون الإسرائيلية وسجون عملائه في الخيام.(162).‏



الأمن الإسرائيلي وقمة شرم الشيخ‏

جاءت قمة شرم الشيخ لا لدعم رئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيرس ضد منافسه نتنياهو ولإرضاء الرئيس كلنتون للأصوات اليهودية في معركته الانتخابية فحسب بل أيضاً لإيجاد تطبيع أمني عربي -إسرائيلي لم تستطع إسرائيل فرضه إلاّ على سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني المحدود.‏

لقد أظهرت عمليات حماس الاستشهادية أن الأمن الإسرائيلي سيبقى مهتزاً ومعرضاً للهجوم مهما وقعت إسرائيل من اتفاقيات مع السلطة الفلسطينية والحكومات العربية.‏

لذلك أرادت إسرائيل أن تحصل من قمة شرم الشيخ على التزامات ومساعدات وتعاون أمني من الدول العربية لحماية أمنها لعدم اقتناع العرب والمسلمين بعملية صنع السلام الذي تفبركه وتطبخه وتفرضه الولايات المتحدة على البلدان العربية.‏

فالتطبيع السياسي والاقتصادي الذي انعقدت من أجله المؤتمرات لم يحقق الأمن لإسرائيل ولا للمستعمرين اليهود في الضفة والقطاع.‏

وتعتقد إسرائيل أن تحقيق الأمن لها يأتي فقط عن طريق التعاون الأمني مع أجهزة الأمن الدولية وأجهزة الأمن العربية. وكانت قد فشلت في إقامة تعاون أمني مع مصر لكنها نجحت مع السلطة الفلسطينية و مع الأردن. لذلك أرادت إسرائيل من قمة شرم الشيخ أن تكون بداية التطبيع الأمني بين أجهزة الأمن الإسرائيلية وبعض أجهزة الأمن العربية.‏

ويقوم نظام الأمن الإقليمي وفق المفهوم الإسرائيلي بمهمة تثبيت النظام السياسي الجديد، من خلال الحيلولة دون اندلاع حرب لا تريدها إسرائيل وتوقف العمليات الفدائية، ولإحكام السيطرة على الصراعات الموجودة في المنطقة، وعقد تحالفات أمنية مع بعض النظم العربية وتعميق التحالف العسكري مع تركيا.‏

وتستخدم معزوفة الأمن الإسرائيلي "والحدود الآمنة" كستار لتحقيق أطماعها التوسعية في الأرض والثروات العربية وإقامة إسرائيل العظمى وفرض الهيمنة الإسرائيلية على البلدان العربية. وتنطلق حالياً بعد اعتماد الدول العربية استراتيجية السلام معها وبعد الاعتراف بها من أن السلام مع العرب يجب أن يكون سلاماً مسلحاً. توجهت لفرض السلام على العرب لقناعتها وقناعة يهود العالم بأنها غير قادرة على حسم الصراع العربي -الإسرائيلي بالقوة العسكرية فقط. وتقول في الوقت نفسه إنها "لا تستطيع أن تقدم تنازلات أو أن تظهر ضبطاً للنفس في تعاملها مع العرب خوفاً من أن يفسروا ذلك كمؤشرات على التردد أو الضعف".(163).‏

وانطلقت استراتيجية الأمن الإسرائيلي من الردع ومعاقبة العرب وإذلالهم وإجبارهم على دفع ثمن باهظ في أية عمليات أو مواجهة عسكرية معها. وحققت بعض النجاحات منها:‏

*إنهاء منظمة التحرير الفلسطينية للصراع العسكري معها والاعتراف بها والقبول بالكثير من مخططاتها وإلغاء الميثاق الوطني، والتعاون الأمني معها لسحق المقاومة العربية.‏

*نزع سلاح مناطق الحكم الذاتي وتولي إسرائيل مسؤولية الأمن على المعابر الفلسطينية مع الأردن ومصر وحتى في البحر والجو.‏

وتربط أطماعها في المياه العربية بمزاعم الأمن الإسرائيلي وأمن مصادرها المائية، وذلك لتكريس نهب المياه العربية في الضفة الغربية وقطاع غزة والأردن والجولان وجنوب لبنان. وتسعى لتحويل بعض الدول العربية إلى أجهزة شرطة لقمع -المواطن العربي والمحافظة على التوسع والاحتلال والاستيطان اليهودي بحجة الأمن الإسرائيلي.‏

وتطلب من لبنان تجريد المقاومة اللبنانية قبل انسحابها من الجنوب، ودمج جيش لبنان الجنوبي العميل لها في الجيش اللبناني تماماً كما فعلت مع ياسر عرفات الذي عيّن العديد من الضباط العملاء لأجهزة المخابرات الإسرائيلية في أجهزة الشرطة والأمن الفلسطينية. وتنطلق من معزوفة الأمن الإسرائيلي لتحقيق أهدافها التوسعية والسيطرة على المياه العربية، ونزع سلاح السلطة الفلسطينية، والتمركز العسكري الأبدي على طول الحدود الفلسطينية مع مصر والأردن وترفض عودة اللاجئين باعتبار ذلك من صلب احتياجاتها الأمنية.‏

وتعلن رغبتها في وضع النظام الأمني الإسرائيلي -الفلسطيني- الأردني تحت إدارتها وسيطرتها وتوظيفه مع تفوقها العسكري والدعم الأميركي العسكري والسياسي غير المحدود لها في المفاوضات على المسارين السوري واللبناني.‏

ويقول جوزيف الفير، الجنرال الإسرائيلي في الدراسات الاستراتيجية وشؤون الأمن إن الأمن هو القضية الأولى والرئيسية التي تهم إسرائيل وأغلبية الإسرائيليين. ويطالب بإقامة نظام أمني إسرائيلي -أردني- فلسطيني "ويشدد على أن ما يهم أكثرية الإسرائيليين هو نجاح الحكومة الفلسطينية أو فشلها في تحقيق الأمن، لاما إذا كانت الحكومة الفلسطينية ستحقق الديمقراطية وتحمي حقوق الإنسان لشعبها أم لا، أو ما إذا كانت ستقدم لشعبها انجازات على الصعيد الصحي أم لا، فالفشل سيقود بصورة مؤكدة إلى وقف العملية." (164). وتدعم الولايات المتحدة كافة الأهداف والمخططات الأمنية لإسرائيل وتحافظ على تفوقها العسكري التقليدي وتضمن بقائها الدولة النووية الوحيدة في المنطقة العربية، وتمنع العرب من امتلاك السلاح للوقوف في وجه التهديدات والاعتداءات والحروب والمجازر التي ترتكبها إسرائيل، وذلك للتوصل إلى معاهدات غير متكافئة لمصلحتها ومصلحة إسرائيل ويهود العالم. فاحتل الأمن الإسرائيلي مكاناً بارزاً في اتفاق الإذعان في أوسلو ووادي عربة كضم أراضي فلسطينية وأردنية بحجة الأمن الإسرائيلي، وتجريد الضفة والقطاع ومناطق عربية أخرى من السلاح، وفرض تخفيض عدد الجيوش العربية والحد من قدراتها الهجومية، وإقامة نظام أمن إقليمي تقوده إسرائيل.‏

وتعمل ليس فقط على تخليد أبدية نزع سلاح المناطق الفلسطينية وبعض المناطق العربية وإنما أيضاً على تحويل الأردن كبلد عازل بينها وبين البلدان العربية، وعدم السماح للأردن بوجود قوات عربية على أراضيه. ونجحت بإقناع العديد من دول العالم بأن قوتها العسكرية هي التي أجبرت الدول العربية على اعتماد المفاوضات المباشرة والخيار السياسي لحل الصراع معها.‏

وتعمل الولايات المتحدة على المحافظة على تفوقها العسكري، وعدم فرض قيود على تسلحها والحيلولة دون إجبارها على التوقيع على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية.‏

التفريق بين المقاومة والإرهاب في القانون الدولي‏

تعتبر الحروب في القانون الدولي المعاصر من أكبر الجرائم ضد السلام ترتكبها الدولة المعتدية ضد سيادة وسلامة وحرمة أراضي الدولة المعتدى عليها.‏

وتحظر المواثيق والعهود الدولية الحروب العدوانية وتنص على معاقبة مرتكبيها وملاحقتهم مهما طال الزمن، حيث أقرت الأمم المتحدة عدم سريان تقادم الزمن على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. وكان الفتح سبباً مشروعاً من أسباب اكتساب الإقليم حتى الحرب العالمية الأولى، وذلك لعدم منع أو تحريم اللجوء إلى الحرب في العلاقات الدولية، وبالتالي الاعتراف بالآثار التي تنتج عن الحرب ومنها ضم الدولة المنتصرة للأراضي التي احتلتها أو لجزء منها.‏

ولكن على إثر الحرب العالمية الأولى وماجلبته من خسائر بشرية ومادية فادحة وإلحاق الأذى والضرر بالسكان المدنيين تقرر في مؤتمر الصلح في باريس عام 1919 إنشاء عصبة الأمم لتعمل على استتباب الأمن الدولي. ونص ميثاق عصبة الأمم على مشروعية الحرب في مجموعة من الحالات ولكن لم ينص على تحريمها. وكانت الحرب ممكنة انطلاقاً من ميثاق العصبة في حالتي الدفاع عن النفس واستنفاد الإجراءات التي ينص عليها الميثاق.‏

وبما أن ميثاق عصبة الأمم لم يمنع الحروب، قررت بعض الدول أن تخطو خطوة متقدمة بتلافي هذا النقص فقامت بتوقيع ميثاق بريان كيلوج عام 1928 والذي نص في مادته الأولى على استنكار الدول الموقعة على الميثاق للجوء إلى الحرب لتسوية الخلافات الدولية.‏

وورد بعد ذلك في مبدأ سيمبسون، وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية عام 1932، بخصوص منشوريا عدم الاعتراف بالتغييرات الإقليمية التي نتجت عن استخدام القوة.‏

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وتأسيس الأمم المتحدة أصبح منع الحرب وتحريمها من أهم سمات القرن العشرين ونصراً لقوى السلم على قوى الحرب والعدوان والتوسع والاستيطان.‏

يتضمن ميثاق الأمم المتحدة نصوصاً صريحة وواضحة حول تحريم الحروب العدوانية ومنع الدول الأعضاء من استخدام القوة أو التهديد باستخدامها في العلاقات الدولية، حيث تنص ديباجة الميثاق على عدم استخدام القوة المسلحة في غير المصلحة المشتركة.‏

وتطالب المادة الثانية من الميثاق بفض المنازعات الدولية بالوسائل السلمية، وتمنع الدول الأعضاء من التهديد بالقوة أو استخدامها، وبالتالي فإن ميثاق الأمم المتحدة لا يمنع استخدام القوة فحسب بل يطلب من جميع الدول الأعضاء عدم اللجوء إلى التهديد باستخدامها وبحل جميع الخلافات الدولية بالوسائل السلمية.‏

إن ميثاق الأمم المتحدة يحرم استخدام القوة، وبالتالي يحرم الحروب العدوانية ولا يعترف بشرعية الآثار التي تترتب عليها، وأجاز في الوقت نفسه حق الدفاع عن النفس بموجب المادة (51). وخطت الدول الأربع الكبرى بعد تأسيس المنظمة الدولية خطوة متقدمة عام 1945 ووقعت على اتفاقية لندن التي تضمنت إنشاء محاكم عسكرية دولية لمحاكمة مجرمي الحرب النازيين ومجرمي الحرب اليابانيين.‏

وأقرت الأمم المتحدة بتاريخ 11/11 1946نظام وقرارات محكمة نورنبيرغ كجزء لا يتجزأ من القانون في القرار رقم (95).‏

تنص المادة السادسة من النظام الأساسي لمحكمة نورنبيرغ على الجرائم الداخلة في صلاحية المحكمة وهي:‏

أ- الجرائم ضد السلام: وهي التخطيط والإعداد والقيام بشن الحروب العدوانية.‏

ب- جرائم الحرب: وهي انتهاك قوانين وتقاليد الحرب كقتل وإساءة معاملة السكان المدنيين.‏

جـ- الجرائم ضد الإنسانية: أي القتل والإفناء والإبعاد وغيرها من الأعمال المنافية للإنسانية التي ترتكب ضد المدنيين قبل وخلال الحرب واضطهاد الناس لأسباب سياسية أو عرقية أو دينية. وانطلاقاً من النظام الأساسي لمحكمة نورنبيرغ وقراراتها أجرت الدول الحليفة محاكمة حوالي (30) ألف من مجرمي الحرب العالمية الثانية في محكمتي نورنبيرغ وطوكيو.‏

حاول ممثل الدفاع خلال المحاكمات تبرئة المتهمين من مجرمي الحرب الألمان بحجة أنهم تصرفوا كممثلين لسلطة الدولة وأن القانون الدولي لا يعرف وقائع تدين الأشخاص الذين يطبقون إجراءات حكومية. ولكن قضاه محكمة نورنبيرغ رفضوا محاولة ممثل الدفاع واتخذوا قراراً جاء فيه.‏

"ترتكب الجرائم ضد القانون الدولي من قبل أناس وليس من قبل كائن مجرد، ولا يمكن تطبيق مبادئ القانون الدولي إلاّ بمعاقبة الأفراد الذين يرتكبون مثل هذه الجرائم".‏

وجرت معاقبة مجرمي الحرب الألمان سواء من أصدروا الأوامر أو نفذوها أو اشتركوا في تنفيذها لارتكابهم جرائم ضد السلام، وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.‏

وخطت الأمم المتحدة خطوة متقدمة أخرى وأقرت في 12 آب 1949 اتفاقيات جنيف الأربع، حيث عالجّت الاتفاقية الرابعة حماية السكان المدنيين حتى في خضم الأعمال الحربية، مما أعطى هذه الاتفاقيات مكانة هامة في القانون الدولي المدون في المجال الإنساني.‏

وتحتوي الاتفاقية الرابعة على (159) مادة وثلاثة ملاحق. وترمي جميعها إلى تأمين احترام كرامة الشخص الإنساني وقيمته، وذلك بحماية حقوقه وحرياته التي تمثل جوهر وجوده من أي اعتداء.‏

ويعالج الباب الثاني من الاتفاقية (المواد من 13-26) الحماية العامة للسكان من بعض عواقب الحرب. وتشمل أحكامه جميع سكان البلدان المشتركة في النزاع دون أي تمييز مجحف بسبب العرق أو الجنسية أو الدين أو الآراء السياسية (المادة 13).‏

وتؤكد المادة (18) على أنه "لا يجوز بأي حال الهجوم على المستشفيات المدنية، وتنص المادة (21) على أنه يجب احترام وحماية عمليات نقل الجرحى والمرضى المدنيين والعجزة والنساء".‏

وتتطرق المادة (27)، إلى وجوب معاملة السكان المدنيين في جميع الأوقات معاملة إنسانية، وحمايتهم بشكل خاص ضد جميع أعمال العنف أو التهديد.‏

وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد أقرت في كانون الأول 1948 معاهدة تحريم إبادة الجنس البشري والمعاقبة عليها. وتعتبر هذه المعاهدة بمثابة تقنين دولي يحذر ويحرم جريمة إبادة الجنس ويعاقب عليها.‏

وتنص المادة الأولى من المعاهدة على أن إبادة الجنس جريمة بموجب القانون الدولي يجب منعها والتزام الدول المتعاقدة بإتخاذ الإجراءات الكفيلة للتحذير والعقاب عليها سواء في وقت السلم أوالحرب.‏

وتتضمن المادة الرابعة وجوب معاقبة الأشخاص الذين يرتكبون جريمة الإبادة سواء كانوا حكاماً أو مسؤولين دستورياً أو موظفي دولة أو أشخاصاً عاديين، وينطبق عليها أيضاً عدم سريان تقادم الزمن.‏

واقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 26/11/1968 اتفاقية بخصوص عدم سريان تقادم الزمن على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وبذلك تكون الأمم المتحدة قد أكدت على أحد المبادئ الأساسية للقانون الدولي وهو أن تقادم الزمن لا يسري على الجرائم التي ترتكب ضد السلام وضد الإنسانية.‏

وانطلاقاً من هذه المبادئ والعهود والمواثيق الدولية كان من الواجب على الدول العربية أن تصر في مؤتمر مدريد على وجوب معاقبة حكام إسرائيل على الحروب العدوانية التي أشعلوها في 1948، 1967، 1978، و1982 وعلى الجرائم الجماعية التي ارتكبوها والاعتداءات اليومية على السكان المدنيين في فلسطين وجنوب لبنان كمجرمي حرب أسوة بمجرمي الحرب النازيين والإصرار على إجبار إسرائيل على دفع التعويضات عن الخسائر التي أنزلتها بالشعوب والبلدان العربية.‏

إن سكوت الدول العربية والأجنبية على هذه النقلة الهامة جداً في الصراع العربي- الصهيوني حمل الحكومة الإسرائيلية على التمادي في حروبها واعتداءاتها ومجازرها وجرائمها وغطرستها وأطماعها. فأشعل الجنرال اسحق رابين في تموز 1993 حرب لبنان كما أشعل مجرم الحرب بيرس في نيسان 1996 حرب "عناقيد الغضب" الهمجية والوحشية.‏

وتابعت إسرائيل ممارسة العنصرية والأرهاب والاستيطان، وفرض العقوبات الجماعية كسياسة رسمية، ولا تزال تحتل الأراضي العربية وتعمل على تهويدها وسرقة ثرواتها وترحيل سكانها، مما جعل اللجوء إلى مقاومة الاحتلال الإسرائيلي بالعنف المسلح من الواجبات المقدسة على العرب والمسلمين.‏

وقامت إسرائيل واليهودية العالمية والولايات المتحدة الأميركية على نعت مقاومة الاحتلال الإسرائيلي بالإرهاب للقضاء عليها وفرض الهيمنة الإسرائيلية على البلدان العربية.‏

لقد ميّزت الأمم المتحدة بين الأعمال الإرهابية والنضال العادل للشعوب الذي تخوضه حركات التحرر الوطني ضد الاحتلال والعنصرية،وذلك في القرار الذي اتخذته في كانون أول 1972. كما اتخذت في كانون أول 1974 القرار رقم (3214) حول تعريف العدوان والذي يجيزحق الشعوب في النضال بجميع الأشكال بما فيها الكفاح المسلح من أجل الحرية والاستقلال وحق تقرير المصير، وبالتالي تكون الأمم المتحدة قد ميزت بين المقاومة والإرهاب وإجازت مقاومة الشعوب للاحتلال الأجنبي وينطبق ذلك على المقاومة العربية للاحتلال الإسرائيلي.‏

نجحت اللجنة الخاصة بموضوع الإرهاب الدولي التي شكلتها الأمم المتحدة في عام 1972 في تشخِّيص الأسباب الرئيسية لظاهرة الإرهاب في عام 1989، وأوردت الأسباب السياسية والعوامل الاقتصادية والاجتماعية للإرهاب. وجاء في الأسباب السياسية للإرهاب مايلي:‏

* الاستعمار والتشبث بالسيطرة الاستعمارية.‏

* إنكار حق الشعوب في تقرير المصير.‏

* العنصرية والتمييز العنصري والفصل العنصري.‏

* حروب الإبادة والعدوان.‏

* استخدام القوة وانتهاك السيادة والاستقلال والوحدة الإقليمية للدول.‏

* احتلال أراضي الغير والهيمنة على الشعوب والتدخل في الشؤون الداخلية للدول.‏

* استخدام الإرهاب للسيطرة على الشعوب وإجبار السكان على النزوح.‏

* الفاشية وسياسة التوسع والمنازعات بين الدول.‏

* الاضطهاد الديني وإثارة الفتن الطائفية وإشعال الحروب الأهلية.‏

* الاستبداد والظلم والقهر وكبت الحريات وانتهاك الحقوق.‏

إن حق الشعوب في تقريرالمصير قد أصبح حقاً أساسياً من حقوق الشعوب والأمم تقره الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعديد من العهود والمواثيق الدولية. وانطلاقاً من هذا المبدأ الأساسي فإن من حق الشعب العربي الفلسطيني أن يقرر مصيره بنفسه وبالطريقة التي يراها مناسبة. وينبع من هذا الحق حق الشعوب بالكفاح من أجل ممارسة حق تقرير المصير، لاسيما وإن إسرائيل تنتهك هذا الحق، وهذا المبدأ الأساسي من مبادئ الشرعية الدولية بأبشع الأساليب الوحشية والهمجية والتي فاقت وحشية النازية وهمجتها.‏

ويتفرع عن حق تقرير المصير المعترف به عالمياً حق الشعوب بممارسة الكفاح السياسي والعسكري من أجل ممارسته وتطبيقه.‏

إن لكل شعب من شعوب العالم كبيرها وصغيرها الحق المشروع في الدفاع عن حقوقه الأساسية وفي مقدمتها الاستقلال والسيادة وتقريرالمصير ومقاومة المحتل واللجوء إلى المقاومة المسلحة لمواجهة قوات الغزو والاحتلال الأجنبية. وإن من حق كل شعب من شعوب العالم الذي يتعرض للعدوان والغزو والاحتلال والاستيطان والكولونيالية والصهيونية استخدام الوسيلة التي يراها مناسبة للدفاع عن حقوقه الأساسية واستخدام العنف باللجوء إلى المقاومة المسلحة. إن حق الشعوب في مقاومة الاحتلال معترف به بموجب القانون الدولي وأكدته وكرسته العديد من المعاهدات والمواثيق الدولية وقرارات المحاكم وكتابات الفقهاء والجمعية العامة للأمم المتحدة.‏

وأكدت اتفاقيات جنيف لعام 1949 شرعية المقاومة وأقرت لأعضائها حقوق المحاربين النظاميين واعترفت محكمة نورنبيرغ بحركات المقاومة وصبغت نشاطاتها بالنشاط الحربي ونظمت لها حماية القانون الدولي.‏

وأقرت محكمة نورنبيرغ لحركات المقاومة المبدأين التاليين:‏

- اعتبار أعمال المقاومة نشاطات حربية.‏

- اعتبار انتهاك الحقوق الدولية والإنسانية لحركات المقاومة وأعضائها جريمة يعاقب عليها القانون الدولي.‏

ويتلخص موقف العديد من فقهاء القانون الدولي من المقاومة المسلحة للاحتلال الأجنبي بما يلي:‏

"إذا كان حق تقريرالمصير قد أصبح حقاً يعترف به القانون الدولي والأمم المتحدة، لذا فإن من حق الشعب الذي حرم منه ومنع بالقوة من ممارسته أن يرد القوة بالقوة. إن استخدام القوة للوصول إلى حق مغتصب عمل مشروع."‏

وخلاصة القول إن حق الشعوب والأمم في الدفاع عن حقوقها الأساسية والنضال من أجل استعادتها وحقها في المقاومة المسلحة ضد انتهاك هذه الحقوق هو حق يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحق تقرير المصير.‏

لقد حالت الامبريالية والصهيونية دون ممارسة الشعب العربي الفلسطيني لحقه في الاستقلال وتقرير المصير مما أجبر الشعب العربي على اللجوء إلى المقاومة المسلحة لممارسة حقه في الدفاع الشرعي عن حقه في تقرير المصير. فالوجود الإسرائيلي في فلسطين العربية يشكل اغتصاباً واحتلالاً أجنبياً لأرض عربية. وانطلاقاً من ذلك تكون المقاومة حقاً لكل عربي فقد وطنه وواجباً عليه وعملاً مشروعاً في القانون الدولي.‏

ويعتبر حق الشعب العربي الفلسطيني في المقاومة المسلحة في وجه العدوان والاحتلال والعنصرية الصهيونية والاستيطان اليهودي أمام المزاعم والخرافات والأكاذيب والأطماع اليهودية أحد المرتكزات الأساسية لممارسة الشعب الفلسطيني حقه في الاستقلال وتقرير المصير والسيادة على أرض وطنه. وأقرت رابطة الحقوقيين الديمقراطيين العالمية في أيار 1971: "إن الفلسطينيين الذين طردوا من ديارهم وحرم عليهم بالقوة العودة إليها وقد سيموا عذاب الإرهاب الإسرائيلي وكافة أنواع التفرقة، اضطروا باستعمالهم حق الدفاع عن النفس إلى الالتجاء إلى المقاومة المسلحة مؤكدين بذلك وجود شعب فلسطين كحقيقة واقعة".‏

وانطلاقاً من هذه المبادئ لجأت المقاومة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية إلى الكفاح المسلح ضد العدوان، والاحتلال والاغتصاب والاستيطان اليهودي في فلسطين وجنوب لبنان دفاعاً عن الاستقلال والسيادة وحق تقرير المصير ومفاهيم الحق والعدالة ومقاصد وأهداف الأمم المتحدة والشرعية الدولية.‏

إننا نرفض إرهاب الفرد والجماعات وإرهاب الدولة وفي الوقت نفسه نعتبر أن المقاومة الوطنية مقاومة مشروعة وواجبة على كل عربي ومسلم للتصدي للمزاعم والخرافات والأطماع اليهودية.‏

إن المفاهيم الوطنية والقومية والدينية لا تسمح لأحد أن ينعت المجاهد الذي يفجِّر نفسه في وجه العدو الإسرائيلي بالإرهابي.‏

يقول شيخ الأزهر الدكتور محد سيد طنطاوي عن العمليات الاستشهادية: "هذه العمليات إن كانت من أجل الدفاع عن الدين والأمة والوطن ومقاتلة المعتدين بما يكبح جماحهم ويجعلهم يرتدون عن اعتدائهم فأهلاً وسهلاً بها، وهذا نوع من أنواع الجهاد طبعاً.. من قال في هذه الحالة أنهم إرهابيون - اللي بيعمل انتفاضة هذا جهاد في سبيل الله مادام هناك عدوان فعلينا أن نرد العدوان بالعدوان... فأهلاً وسهلاً بكل من يدافع عن أخيه المظلوم، فهذا جهاد في سبيل الله وواجب عليه أن يدافع بالمال وإمداده بالسلاح والوقوف معه. ولا نقول عمن يفجر نفسه أبداً أنه منتحر. فهناك جيش جاء واعتدى وقتل إخواننا والذي يفجر نفسه في هذه الحالة لا يكون منتحراً، بل هو شهيد بذل الدم والروح في سبيل الله والوطن".‏

إن ازدواجية المعايير و الكيل بمكيالين والانحياز الأعمى لإسرائيل تدفع الولايات المتحدة إلى تأييد قصف إسرائيل للقرى والمدن والمخيمات العربية والمنشآت الحيوية وتزعم ليل نهار وتقول إن إسرائيل ضد الإرهاب ويجب حمايتها من إرهاب حماس وحزب الله.‏

إن مبادئ القانون الدولي تدين جرائم إسرائيل واعتداءاتها بالإرهاب، وتمارس إسرائيل الإرهاب، والحروب العدوانية والمجازر الجماعية كسياسة رسمية للجيش والشرطة والدولة والمستوطنين والمجتمع الإسرائيلي بأسره والأحزاب الصهيونية.‏

إن مجرد استمرار الاحتلال الإسرائيلي في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة والجولان وجنوب لبنان هو ذروة الإرهاب. فالإرهاب الإسرائيلي المدعوم من اليهودية العالمية والولايات المتحدة الأميركية لا يخيفنا ولا يرهبنا لأننا أصحاب قضية عادلة وسنواجهه بكافة أنواع الأسلحة بما فيها الكفاح المسلح لذلك يجب إدانة وشجب كل بلد -يدين المقاومة الفلسطينية واللبنانية المسلحة، لأن المقاومة تناضل من أجل تحرير الوطن المحتل من الاحتلال الإسرائيلي.‏

إن اتهام المقاومة العربية بالإرهاب يعتبر أخطر أنواع ممارسة الإرهاب الرسمي، ويعني إجبار العرب على الخضوع والركوع أمام المحتل الإسرائيلي والموافقة على احتلاله وأطماعه فالإرهاب شيء والكفاح المسلح من أجل تحرير الوطن شيء آخر.‏

إن الغزو والاحتلال والاستيطان وتهويد المقدسات الإسلامية وقتل المدنيين الأبرياء وتدمير المنجزات الاقتصادية والثقافية العربية ذروة الإرهاب الذي تمارسه إسرائيل وأخطر الأعمال الإرهابية في القرن العشرين.‏

إن مبادئ الشرعية الدولية تؤكد شرعية مقاومة الاحتلال، كما أنه لا يوجد قانون أو منطق يعتبر مقاومة الاحتلال من الأعمال الإرهابية إلاّ الأخلاق والمفاهيم اليهودية. فالإرهاب هو احتلال إسرائيل لفلسطين والجولان وجنوب لبنان وترحيل العرب من منازلهم وإحلال مهاجرين يهود محلهم وتهويد الأماكن الإسلامية والمسيحية المقدسة في القدس والخليل وبيت لحم.‏

إن الكفاح المسلح ضد إسرائيل التي تحتل الأراضي العربية كفاح عادل وشرعي وواجب تقره الأديان السماوية ويقره ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي. فالدول التي تصبغ عمليات المقاومة العربية للاحتلال الإسرائيلي بالإرهاب تريد المحافظة على الاحتلال الإسرائيلي وإبقاء العرب تحت عبودية إسرائيل وعنصريتها.‏

لقد وافقت الأمم المتحدة في التاسع من كانون الأول عام 1981، على الإعلان الخاص بعدم جواز غزو أراضي الغير والتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، ويؤكد الإعلان على التزام الدول بالامتناع عن اللجوء إلى ممارسة الإرهاب كسياسة للدولة ضد الدول الأخرى، أو ضد شعوب ترزح تحت السيطرة الاستعمارية أو الاحتلال الأجنبي، أو تحت نير أنظمة عنصرية.‏

وانطلاقاً من ميثاق الأمم المتحدة والعهود والمواثيق الدولية ومبادئ القانون الدولي طرحت سورية في منتصف الثمانينات عقد مؤتمر دولي لتعريف الإرهاب والاتفاق على سبل مكافحة الإرهاب الحقيقي والتفريق بين الإرهاب والمقاومة. واقترح الرئيس حافظ الأسد في السادس عشر من تشرين الثاني عام 1986 تشكيل لجنة دولية لتعريف الإرهاب وتحديد الخطوط الفاصلة بينه وبين نضال الشعوب من أجل تحرير أراضيها.‏

إن ميثاق الأمم المتحدة وقراراتها ومبادئ وأهداف الشرعية الدولية تدمغ جميع الأعمال العدوانية بالإرهاب كالغزو المسلح والاحتلال والتدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتؤيد وتدعم حق الشعوب في مقاومة الاحتلال ونيل الاستقلال وممارسة حق تقرير المصير. وأدانت المنظمة الدولية الامبريالية والعنصرية والصهيونية. وأكدت عدم شرعية احتلال أراضي الغير.‏

ولكن فشل الأمم المتحدة في منع إسرائيل من الاستمرار في إشعال الحروب العدوانية، ومنها "حرب عناقيد الغضب" عام 1996،' وعدم معاقبتها على هذه الحروب وعدم تجريدها من السلاح النووي والتقليدي وعدم إجبارها على دفع التعويضات أدى إلى انبعاث المقاومة الفلسطينية واللبنانية، وعملياتها الاستشهادية.‏

إن عنف المقاومين ينتج عن وحشية وهمجية وإرهاب المغتصب والمحتل الإسرائيلي، فسياسية إسرائيل العدوانية والتوسعية والاستيطانية دفعت وتدفع بالشعب العربي إلى الرد على القتل والإبادة كما أن السياسة الأميركية المنحازة والمؤيدة لإرهاب الدولة الإسرائيلية والتي تكيل بمكيالين، وفقدت مصداقيتها ولّدت شعوراً كبيراً من الاحباط الوطني والقومي والديني لدى العرب والمسلمين.‏

وقاد الشعور بالإحباط والغبن وانتهاك السيادة وتدنيس المقدسات ونهب الأرض والثروات وقتل المدنيين الأبرياء إلى اللجوء إلى العنف، إلى المقاومة المسلحة، إلى مقاومة الاحتلال الإسرائيلي انطلاقاً من مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.‏




التوقيع

إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بدّ أن يستجيب القــــدر
و لا بــــدّ لليــل أن ينجلــي
و لا بـــدّ للقيــد أن ينكسـر
رد مع اقتباس
قديم 04-20-2010, 05:48 PM   رقم المشاركة : 20
الهادي الزغيدي
عضو





الهادي الزغيدي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: - القمم والمؤتمرات الاقتصادية والأمنية من التطبيع إلى الهيمنة -

ردود الفعل على القمة

دعت مصادر سورية مسؤولة إلى إعادة النظر بتطورات عملية السلام ونتائجها وقالت "إن عملية السلام في الشرق الأوسط هي الخاسرة الأولى من قمة شرم الشيخ إذ أن قضايا العرب ستتعرض للضرر ويبقى التطرف الصهيوني الرافض للسلام هو الرابح الوحيد".(158).‏

وهاجمت دمشق القمة بشدة واعتبرتها انحيازاً كاملاً وعلنياً لإسرائيل، لأنها تدخل إسرائيل للمرة الأولى في منظومة الأمن في الشرق الأوسط.‏

وعلق المدير العام لوكالة الأنباء السورية فقال: "إن هذا الكم من الدعم الإسرائيلي لا يلغي حقاً مشروعاً يختزنه شعب بأسره في وجدانه وتراثه وذاكرته"(159).‏

واعتبرت دمشق أن مؤتمر شرم الشيخ ما هو إلاّ حسب قول بيرس "تعبيراً عن الدعم الدولي لإسرائيل." وإن حكام إسرائيل يريدون أن يورطوا العالم أو من يستطيعون من دول العالم في الانسياق وراء مزاعمهم حول الإرهاب.‏

وأكد وزير الخارجية السوري فاروق الشرع أن قمة شرم الشيخ ستخدم مواقف إٍسرائيل ومصالحها على حساب مصالح العرب. وإن بلاده رفضت المشاركة فيها لأن منظميها لم يخصصوا لها الوقت الكافي الذي يتيح للمشاركين النقاش الموضوعي. وأشار أن بلاده كانت "سباقة منذ أكثر من عشر سنوات في الدعوة إلى عقد مؤتمر دولي لتعريف الإرهاب وفق مبادئ القانون الدولي وأحكام ميثاق الأمم المتحدة." (160).‏

وأكد فارس بويز، وزير الخارجية اللبناني أن لبنان أبدى من خلال عدم مشاركته في القمة تخوفه من أن تتطرق فقط إلى ما تعانيه إسرائيل من دون النظر إلى ما يعانيه غيرها. وقال: "كنا نخشى أن تتجاهل هذه القمة الإرهاب الذي تمارسه إسرائيل والذي هو في بعض الأحيان مصدر ردات فعل لا يمكن اعتبارها إلاّ دفاعاً مشروعاً عن النفس"(161)‏

وأكد الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله أن تهديدات الرئيس الأميركي كلنتون ضد حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي هي وسام شرف، وهو عندما يهددنا ننام ملء جفوننا لأننا نكون على ثقة من أننا نفعل الصواب. وأشار إلى أن حزب الله سواء قبل قمة شرم الشيخ أوبعدها يتوقع من أميركا وإسرائيل العدوان، وهو يؤكد أن التهديد لا يغير شيئاً بل سيزيدنا عزماً على متابعة المقاومة. وقال نبيه بري، رئيس المجلس النيابي اللبناني إن المقاومين ليسوا إرهابيين، والإرهابي هو من يحتل أرض الغير ومن يعتدي على الغير. نحن لا نريد أكثر من أرضنا وأكثر من وطننا ولكننا لا نريد بالمقابل أقل من وطننا ولا بحبة تراب واحدة.‏

وأعلن محمد حسين فضل الله أن أولئك الذين تنادوا للاجتماع في شرم الشيخ يشكلون قمة الإرهاب والتعدي مؤكداً على أن مقاومة الاحتلال والصهيونية والإرهاب هي حق من حقوقنا المشروعة حتى تحرير كامل أرضنا.‏

ووصف آية الله أحمد جنتي، الأمين العام لمجلس الرقابة على الدستور الولايات المتحدة وإسرائيل بالدولتين الإرهابيتين وعدد احداثاً كثيرة أكدت قوله. وانتقد سياسة الكيل بمكيالين في التعامل مع إسرائيل والقضايا العربية والإسلامية من جانب أميركا. واعتبر أن إسرائيل تفعل ما تشاء بشعوبنا وأراضينا ومقدساتنا وتنتهك القوانين الدولية ولا أحد ينعت ذلك بالإرهاب. واعتبر وزير الخارجية الإيراني علي أكبر ولايتي أن قمة شرم الشيخ كانت محاولة أميركية وإسرائيلية لصرف أنظار العالم عن مشاكلهما الداخلية، وأن إيران من أكبر ضحايا الإرهاب، وهي ملتزمة القوانين الأممية والمبادئ الإنسانية لمكافحة الإرهاب.‏



بيان المؤتمر الوطني الإسلامي حول القمة‏

في نهاية المؤتمر الوطني الإسلامي الذي انعقد في بيروت في يوم افتتاح قمة شرم الشيخ بتاريخ 13/3/1996 أذاع الشيخ حسان عبد اللّه البيان الختامي الذي جاء فيه "إن قمة الإرهاب الدولي المنعقدة في شرم الشيخ هي محاولة يائسة لانقاذ عملية التسوية من السقوط أمام إصرار الأمة على رفضها ومواجهة الشعوب لها".‏

وأضاف: أكد المؤتمرون أن الكيان الصهيوني الغاصب إنما وجد بفعل الإرهاب العالمي والدعم الأميركي ويكفي أن نستعرض الحروب والمجازر التي ارتكبت منذ 48 ومروراً بـ 67 و 73 و 78 و82 والتي ادت إلى تشريد الشعب الفلسطيني في بقاع الأرض إضافة إلى احتلال الأراضي في جنوب لبنان والجولان حتى تظهر الصورة الواضحة للارهاب الصهيوني المستمر.‏

وشدد المؤتمرون على أن كل المحاولات التي يلجأ إليها العدو الصهيوني بدعم أميركا وأوروبا وقوى الشر في العالم لن تثني شعوبنا عن استمرار جهادها وكفاحها.‏

وثمّن المؤتمرون موقف الدولة اللبنانية في رفضها المشاركة بمؤتمر شرم الشيخ ودعمها لخيار المقاومة حتى تحرير الأرض وحيوا المواقف الشجاعة لسوريا بقيادة الرئيس حافظ الأسد والرافضة للتفريط بحق الشعب العربي وللمشاركة في مؤتمر شرم الشيخ وقدروا وقوف الجمهورية الإسلامية في إيران إلى جانب الحق العربي الإسلامي.‏

وندد المؤتمرون بكل أنوع الحصار القائم على شعوب أمتنا خاصة في ليبيا والعراق والسودان وغيرها، معتبرين ذلك من أبرز وجوه الإرهاب الدولي.‏

واعتبر المؤتمرون أن العمليات الاستشهادية في فلسطين المحتلة وجنوب لبنان تمثل أعلى مراتب التضحية والفداء وهي تعبير مميز عن رفض الأمة للاحتلال ومفاعيله.‏

ودان المؤتمرون عمليات الاعتقال التي تقوم بها سلطة عرفات داعين إلى إطلاقهم فوراً "منعاً لأية فتنة على صعيد الساحة الداخلية الفلسطينية التي هي اليوم بحاجة للوحدة أكثر من أي وقت مضى".‏

ودعوا الهيئات الدولية والإنسانية وتنظيمات حقوق الإنسان للعمل على إطلاق الأسرى اللبنانيين والفلسطينيين من السجون الإسرائيلية وسجون عملائه في الخيام.(162).‏



الأمن الإسرائيلي وقمة شرم الشيخ‏

جاءت قمة شرم الشيخ لا لدعم رئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيرس ضد منافسه نتنياهو ولإرضاء الرئيس كلنتون للأصوات اليهودية في معركته الانتخابية فحسب بل أيضاً لإيجاد تطبيع أمني عربي -إسرائيلي لم تستطع إسرائيل فرضه إلاّ على سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني المحدود.‏

لقد أظهرت عمليات حماس الاستشهادية أن الأمن الإسرائيلي سيبقى مهتزاً ومعرضاً للهجوم مهما وقعت إسرائيل من اتفاقيات مع السلطة الفلسطينية والحكومات العربية.‏

لذلك أرادت إسرائيل أن تحصل من قمة شرم الشيخ على التزامات ومساعدات وتعاون أمني من الدول العربية لحماية أمنها لعدم اقتناع العرب والمسلمين بعملية صنع السلام الذي تفبركه وتطبخه وتفرضه الولايات المتحدة على البلدان العربية.‏

فالتطبيع السياسي والاقتصادي الذي انعقدت من أجله المؤتمرات لم يحقق الأمن لإسرائيل ولا للمستعمرين اليهود في الضفة والقطاع.‏

وتعتقد إسرائيل أن تحقيق الأمن لها يأتي فقط عن طريق التعاون الأمني مع أجهزة الأمن الدولية وأجهزة الأمن العربية. وكانت قد فشلت في إقامة تعاون أمني مع مصر لكنها نجحت مع السلطة الفلسطينية و مع الأردن. لذلك أرادت إسرائيل من قمة شرم الشيخ أن تكون بداية التطبيع الأمني بين أجهزة الأمن الإسرائيلية وبعض أجهزة الأمن العربية.‏

ويقوم نظام الأمن الإقليمي وفق المفهوم الإسرائيلي بمهمة تثبيت النظام السياسي الجديد، من خلال الحيلولة دون اندلاع حرب لا تريدها إسرائيل وتوقف العمليات الفدائية، ولإحكام السيطرة على الصراعات الموجودة في المنطقة، وعقد تحالفات أمنية مع بعض النظم العربية وتعميق التحالف العسكري مع تركيا.‏

وتستخدم معزوفة الأمن الإسرائيلي "والحدود الآمنة" كستار لتحقيق أطماعها التوسعية في الأرض والثروات العربية وإقامة إسرائيل العظمى وفرض الهيمنة الإسرائيلية على البلدان العربية. وتنطلق حالياً بعد اعتماد الدول العربية استراتيجية السلام معها وبعد الاعتراف بها من أن السلام مع العرب يجب أن يكون سلاماً مسلحاً. توجهت لفرض السلام على العرب لقناعتها وقناعة يهود العالم بأنها غير قادرة على حسم الصراع العربي -الإسرائيلي بالقوة العسكرية فقط. وتقول في الوقت نفسه إنها "لا تستطيع أن تقدم تنازلات أو أن تظهر ضبطاً للنفس في تعاملها مع العرب خوفاً من أن يفسروا ذلك كمؤشرات على التردد أو الضعف".(163).‏

وانطلقت استراتيجية الأمن الإسرائيلي من الردع ومعاقبة العرب وإذلالهم وإجبارهم على دفع ثمن باهظ في أية عمليات أو مواجهة عسكرية معها. وحققت بعض النجاحات منها:‏

*إنهاء منظمة التحرير الفلسطينية للصراع العسكري معها والاعتراف بها والقبول بالكثير من مخططاتها وإلغاء الميثاق الوطني، والتعاون الأمني معها لسحق المقاومة العربية.‏

*نزع سلاح مناطق الحكم الذاتي وتولي إسرائيل مسؤولية الأمن على المعابر الفلسطينية مع الأردن ومصر وحتى في البحر والجو.‏

وتربط أطماعها في المياه العربية بمزاعم الأمن الإسرائيلي وأمن مصادرها المائية، وذلك لتكريس نهب المياه العربية في الضفة الغربية وقطاع غزة والأردن والجولان وجنوب لبنان. وتسعى لتحويل بعض الدول العربية إلى أجهزة شرطة لقمع -المواطن العربي والمحافظة على التوسع والاحتلال والاستيطان اليهودي بحجة الأمن الإسرائيلي.‏

وتطلب من لبنان تجريد المقاومة اللبنانية قبل انسحابها من الجنوب، ودمج جيش لبنان الجنوبي العميل لها في الجيش اللبناني تماماً كما فعلت مع ياسر عرفات الذي عيّن العديد من الضباط العملاء لأجهزة المخابرات الإسرائيلية في أجهزة الشرطة والأمن الفلسطينية. وتنطلق من معزوفة الأمن الإسرائيلي لتحقيق أهدافها التوسعية والسيطرة على المياه العربية، ونزع سلاح السلطة الفلسطينية، والتمركز العسكري الأبدي على طول الحدود الفلسطينية مع مصر والأردن وترفض عودة اللاجئين باعتبار ذلك من صلب احتياجاتها الأمنية.‏

وتعلن رغبتها في وضع النظام الأمني الإسرائيلي -الفلسطيني- الأردني تحت إدارتها وسيطرتها وتوظيفه مع تفوقها العسكري والدعم الأميركي العسكري والسياسي غير المحدود لها في المفاوضات على المسارين السوري واللبناني.‏

ويقول جوزيف الفير، الجنرال الإسرائيلي في الدراسات الاستراتيجية وشؤون الأمن إن الأمن هو القضية الأولى والرئيسية التي تهم إسرائيل وأغلبية الإسرائيليين. ويطالب بإقامة نظام أمني إسرائيلي -أردني- فلسطيني "ويشدد على أن ما يهم أكثرية الإسرائيليين هو نجاح الحكومة الفلسطينية أو فشلها في تحقيق الأمن، لاما إذا كانت الحكومة الفلسطينية ستحقق الديمقراطية وتحمي حقوق الإنسان لشعبها أم لا، أو ما إذا كانت ستقدم لشعبها انجازات على الصعيد الصحي أم لا، فالفشل سيقود بصورة مؤكدة إلى وقف العملية." (164). وتدعم الولايات المتحدة كافة الأهداف والمخططات الأمنية لإسرائيل وتحافظ على تفوقها العسكري التقليدي وتضمن بقائها الدولة النووية الوحيدة في المنطقة العربية، وتمنع العرب من امتلاك السلاح للوقوف في وجه التهديدات والاعتداءات والحروب والمجازر التي ترتكبها إسرائيل، وذلك للتوصل إلى معاهدات غير متكافئة لمصلحتها ومصلحة إسرائيل ويهود العالم. فاحتل الأمن الإسرائيلي مكاناً بارزاً في اتفاق الإذعان في أوسلو ووادي عربة كضم أراضي فلسطينية وأردنية بحجة الأمن الإسرائيلي، وتجريد الضفة والقطاع ومناطق عربية أخرى من السلاح، وفرض تخفيض عدد الجيوش العربية والحد من قدراتها الهجومية، وإقامة نظام أمن إقليمي تقوده إسرائيل.‏

وتعمل ليس فقط على تخليد أبدية نزع سلاح المناطق الفلسطينية وبعض المناطق العربية وإنما أيضاً على تحويل الأردن كبلد عازل بينها وبين البلدان العربية، وعدم السماح للأردن بوجود قوات عربية على أراضيه. ونجحت بإقناع العديد من دول العالم بأن قوتها العسكرية هي التي أجبرت الدول العربية على اعتماد المفاوضات المباشرة والخيار السياسي لحل الصراع معها.‏

وتعمل الولايات المتحدة على المحافظة على تفوقها العسكري، وعدم فرض قيود على تسلحها والحيلولة دون إجبارها على التوقيع على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية.‏

التفريق بين المقاومة والإرهاب في القانون الدولي‏

تعتبر الحروب في القانون الدولي المعاصر من أكبر الجرائم ضد السلام ترتكبها الدولة المعتدية ضد سيادة وسلامة وحرمة أراضي الدولة المعتدى عليها.‏

وتحظر المواثيق والعهود الدولية الحروب العدوانية وتنص على معاقبة مرتكبيها وملاحقتهم مهما طال الزمن، حيث أقرت الأمم المتحدة عدم سريان تقادم الزمن على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. وكان الفتح سبباً مشروعاً من أسباب اكتساب الإقليم حتى الحرب العالمية الأولى، وذلك لعدم منع أو تحريم اللجوء إلى الحرب في العلاقات الدولية، وبالتالي الاعتراف بالآثار التي تنتج عن الحرب ومنها ضم الدولة المنتصرة للأراضي التي احتلتها أو لجزء منها.‏

ولكن على إثر الحرب العالمية الأولى وماجلبته من خسائر بشرية ومادية فادحة وإلحاق الأذى والضرر بالسكان المدنيين تقرر في مؤتمر الصلح في باريس عام 1919 إنشاء عصبة الأمم لتعمل على استتباب الأمن الدولي. ونص ميثاق عصبة الأمم على مشروعية الحرب في مجموعة من الحالات ولكن لم ينص على تحريمها. وكانت الحرب ممكنة انطلاقاً من ميثاق العصبة في حالتي الدفاع عن النفس واستنفاد الإجراءات التي ينص عليها الميثاق.‏

وبما أن ميثاق عصبة الأمم لم يمنع الحروب، قررت بعض الدول أن تخطو خطوة متقدمة بتلافي هذا النقص فقامت بتوقيع ميثاق بريان كيلوج عام 1928 والذي نص في مادته الأولى على استنكار الدول الموقعة على الميثاق للجوء إلى الحرب لتسوية الخلافات الدولية.‏

وورد بعد ذلك في مبدأ سيمبسون، وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية عام 1932، بخصوص منشوريا عدم الاعتراف بالتغييرات الإقليمية التي نتجت عن استخدام القوة.‏

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وتأسيس الأمم المتحدة أصبح منع الحرب وتحريمها من أهم سمات القرن العشرين ونصراً لقوى السلم على قوى الحرب والعدوان والتوسع والاستيطان.‏

يتضمن ميثاق الأمم المتحدة نصوصاً صريحة وواضحة حول تحريم الحروب العدوانية ومنع الدول الأعضاء من استخدام القوة أو التهديد باستخدامها في العلاقات الدولية، حيث تنص ديباجة الميثاق على عدم استخدام القوة المسلحة في غير المصلحة المشتركة.‏

وتطالب المادة الثانية من الميثاق بفض المنازعات الدولية بالوسائل السلمية، وتمنع الدول الأعضاء من التهديد بالقوة أو استخدامها، وبالتالي فإن ميثاق الأمم المتحدة لا يمنع استخدام القوة فحسب بل يطلب من جميع الدول الأعضاء عدم اللجوء إلى التهديد باستخدامها وبحل جميع الخلافات الدولية بالوسائل السلمية.‏

إن ميثاق الأمم المتحدة يحرم استخدام القوة، وبالتالي يحرم الحروب العدوانية ولا يعترف بشرعية الآثار التي تترتب عليها، وأجاز في الوقت نفسه حق الدفاع عن النفس بموجب المادة (51). وخطت الدول الأربع الكبرى بعد تأسيس المنظمة الدولية خطوة متقدمة عام 1945 ووقعت على اتفاقية لندن التي تضمنت إنشاء محاكم عسكرية دولية لمحاكمة مجرمي الحرب النازيين ومجرمي الحرب اليابانيين.‏

وأقرت الأمم المتحدة بتاريخ 11/11 1946نظام وقرارات محكمة نورنبيرغ كجزء لا يتجزأ من القانون في القرار رقم (95).‏

تنص المادة السادسة من النظام الأساسي لمحكمة نورنبيرغ على الجرائم الداخلة في صلاحية المحكمة وهي:‏

أ- الجرائم ضد السلام: وهي التخطيط والإعداد والقيام بشن الحروب العدوانية.‏

ب- جرائم الحرب: وهي انتهاك قوانين وتقاليد الحرب كقتل وإساءة معاملة السكان المدنيين.‏

جـ- الجرائم ضد الإنسانية: أي القتل والإفناء والإبعاد وغيرها من الأعمال المنافية للإنسانية التي ترتكب ضد المدنيين قبل وخلال الحرب واضطهاد الناس لأسباب سياسية أو عرقية أو دينية. وانطلاقاً من النظام الأساسي لمحكمة نورنبيرغ وقراراتها أجرت الدول الحليفة محاكمة حوالي (30) ألف من مجرمي الحرب العالمية الثانية في محكمتي نورنبيرغ وطوكيو.‏

حاول ممثل الدفاع خلال المحاكمات تبرئة المتهمين من مجرمي الحرب الألمان بحجة أنهم تصرفوا كممثلين لسلطة الدولة وأن القانون الدولي لا يعرف وقائع تدين الأشخاص الذين يطبقون إجراءات حكومية. ولكن قضاه محكمة نورنبيرغ رفضوا محاولة ممثل الدفاع واتخذوا قراراً جاء فيه.‏

"ترتكب الجرائم ضد القانون الدولي من قبل أناس وليس من قبل كائن مجرد، ولا يمكن تطبيق مبادئ القانون الدولي إلاّ بمعاقبة الأفراد الذين يرتكبون مثل هذه الجرائم".‏

وجرت معاقبة مجرمي الحرب الألمان سواء من أصدروا الأوامر أو نفذوها أو اشتركوا في تنفيذها لارتكابهم جرائم ضد السلام، وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.‏

وخطت الأمم المتحدة خطوة متقدمة أخرى وأقرت في 12 آب 1949 اتفاقيات جنيف الأربع، حيث عالجّت الاتفاقية الرابعة حماية السكان المدنيين حتى في خضم الأعمال الحربية، مما أعطى هذه الاتفاقيات مكانة هامة في القانون الدولي المدون في المجال الإنساني.‏

وتحتوي الاتفاقية الرابعة على (159) مادة وثلاثة ملاحق. وترمي جميعها إلى تأمين احترام كرامة الشخص الإنساني وقيمته، وذلك بحماية حقوقه وحرياته التي تمثل جوهر وجوده من أي اعتداء.‏

ويعالج الباب الثاني من الاتفاقية (المواد من 13-26) الحماية العامة للسكان من بعض عواقب الحرب. وتشمل أحكامه جميع سكان البلدان المشتركة في النزاع دون أي تمييز مجحف بسبب العرق أو الجنسية أو الدين أو الآراء السياسية (المادة 13).‏

وتؤكد المادة (18) على أنه "لا يجوز بأي حال الهجوم على المستشفيات المدنية، وتنص المادة (21) على أنه يجب احترام وحماية عمليات نقل الجرحى والمرضى المدنيين والعجزة والنساء".‏

وتتطرق المادة (27)، إلى وجوب معاملة السكان المدنيين في جميع الأوقات معاملة إنسانية، وحمايتهم بشكل خاص ضد جميع أعمال العنف أو التهديد.‏

وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد أقرت في كانون الأول 1948 معاهدة تحريم إبادة الجنس البشري والمعاقبة عليها. وتعتبر هذه المعاهدة بمثابة تقنين دولي يحذر ويحرم جريمة إبادة الجنس ويعاقب عليها.‏

وتنص المادة الأولى من المعاهدة على أن إبادة الجنس جريمة بموجب القانون الدولي يجب منعها والتزام الدول المتعاقدة بإتخاذ الإجراءات الكفيلة للتحذير والعقاب عليها سواء في وقت السلم أوالحرب.‏

وتتضمن المادة الرابعة وجوب معاقبة الأشخاص الذين يرتكبون جريمة الإبادة سواء كانوا حكاماً أو مسؤولين دستورياً أو موظفي دولة أو أشخاصاً عاديين، وينطبق عليها أيضاً عدم سريان تقادم الزمن.‏

واقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 26/11/1968 اتفاقية بخصوص عدم سريان تقادم الزمن على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وبذلك تكون الأمم المتحدة قد أكدت على أحد المبادئ الأساسية للقانون الدولي وهو أن تقادم الزمن لا يسري على الجرائم التي ترتكب ضد السلام وضد الإنسانية.‏

وانطلاقاً من هذه المبادئ والعهود والمواثيق الدولية كان من الواجب على الدول العربية أن تصر في مؤتمر مدريد على وجوب معاقبة حكام إسرائيل على الحروب العدوانية التي أشعلوها في 1948، 1967، 1978، و1982 وعلى الجرائم الجماعية التي ارتكبوها والاعتداءات اليومية على السكان المدنيين في فلسطين وجنوب لبنان كمجرمي حرب أسوة بمجرمي الحرب النازيين والإصرار على إجبار إسرائيل على دفع التعويضات عن الخسائر التي أنزلتها بالشعوب والبلدان العربية.‏

إن سكوت الدول العربية والأجنبية على هذه النقلة الهامة جداً في الصراع العربي- الصهيوني حمل الحكومة الإسرائيلية على التمادي في حروبها واعتداءاتها ومجازرها وجرائمها وغطرستها وأطماعها. فأشعل الجنرال اسحق رابين في تموز 1993 حرب لبنان كما أشعل مجرم الحرب بيرس في نيسان 1996 حرب "عناقيد الغضب" الهمجية والوحشية.‏

وتابعت إسرائيل ممارسة العنصرية والأرهاب والاستيطان، وفرض العقوبات الجماعية كسياسة رسمية، ولا تزال تحتل الأراضي العربية وتعمل على تهويدها وسرقة ثرواتها وترحيل سكانها، مما جعل اللجوء إلى مقاومة الاحتلال الإسرائيلي بالعنف المسلح من الواجبات المقدسة على العرب والمسلمين.‏

وقامت إسرائيل واليهودية العالمية والولايات المتحدة الأميركية على نعت مقاومة الاحتلال الإسرائيلي بالإرهاب للقضاء عليها وفرض الهيمنة الإسرائيلية على البلدان العربية.‏

لقد ميّزت الأمم المتحدة بين الأعمال الإرهابية والنضال العادل للشعوب الذي تخوضه حركات التحرر الوطني ضد الاحتلال والعنصرية،وذلك في القرار الذي اتخذته في كانون أول 1972. كما اتخذت في كانون أول 1974 القرار رقم (3214) حول تعريف العدوان والذي يجيزحق الشعوب في النضال بجميع الأشكال بما فيها الكفاح المسلح من أجل الحرية والاستقلال وحق تقرير المصير، وبالتالي تكون الأمم المتحدة قد ميزت بين المقاومة والإرهاب وإجازت مقاومة الشعوب للاحتلال الأجنبي وينطبق ذلك على المقاومة العربية للاحتلال الإسرائيلي.‏

نجحت اللجنة الخاصة بموضوع الإرهاب الدولي التي شكلتها الأمم المتحدة في عام 1972 في تشخِّيص الأسباب الرئيسية لظاهرة الإرهاب في عام 1989، وأوردت الأسباب السياسية والعوامل الاقتصادية والاجتماعية للإرهاب. وجاء في الأسباب السياسية للإرهاب مايلي:‏

* الاستعمار والتشبث بالسيطرة الاستعمارية.‏

* إنكار حق الشعوب في تقرير المصير.‏

* العنصرية والتمييز العنصري والفصل العنصري.‏

* حروب الإبادة والعدوان.‏

* استخدام القوة وانتهاك السيادة والاستقلال والوحدة الإقليمية للدول.‏

* احتلال أراضي الغير والهيمنة على الشعوب والتدخل في الشؤون الداخلية للدول.‏

* استخدام الإرهاب للسيطرة على الشعوب وإجبار السكان على النزوح.‏

* الفاشية وسياسة التوسع والمنازعات بين الدول.‏

* الاضطهاد الديني وإثارة الفتن الطائفية وإشعال الحروب الأهلية.‏

* الاستبداد والظلم والقهر وكبت الحريات وانتهاك الحقوق.‏

إن حق الشعوب في تقريرالمصير قد أصبح حقاً أساسياً من حقوق الشعوب والأمم تقره الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعديد من العهود والمواثيق الدولية. وانطلاقاً من هذا المبدأ الأساسي فإن من حق الشعب العربي الفلسطيني أن يقرر مصيره بنفسه وبالطريقة التي يراها مناسبة. وينبع من هذا الحق حق الشعوب بالكفاح من أجل ممارسة حق تقرير المصير، لاسيما وإن إسرائيل تنتهك هذا الحق، وهذا المبدأ الأساسي من مبادئ الشرعية الدولية بأبشع الأساليب الوحشية والهمجية والتي فاقت وحشية النازية وهمجتها.‏

ويتفرع عن حق تقرير المصير المعترف به عالمياً حق الشعوب بممارسة الكفاح السياسي والعسكري من أجل ممارسته وتطبيقه.‏

إن لكل شعب من شعوب العالم كبيرها وصغيرها الحق المشروع في الدفاع عن حقوقه الأساسية وفي مقدمتها الاستقلال والسيادة وتقريرالمصير ومقاومة المحتل واللجوء إلى المقاومة المسلحة لمواجهة قوات الغزو والاحتلال الأجنبية. وإن من حق كل شعب من شعوب العالم الذي يتعرض للعدوان والغزو والاحتلال والاستيطان والكولونيالية والصهيونية استخدام الوسيلة التي يراها مناسبة للدفاع عن حقوقه الأساسية واستخدام العنف باللجوء إلى المقاومة المسلحة. إن حق الشعوب في مقاومة الاحتلال معترف به بموجب القانون الدولي وأكدته وكرسته العديد من المعاهدات والمواثيق الدولية وقرارات المحاكم وكتابات الفقهاء والجمعية العامة للأمم المتحدة.‏

وأكدت اتفاقيات جنيف لعام 1949 شرعية المقاومة وأقرت لأعضائها حقوق المحاربين النظاميين واعترفت محكمة نورنبيرغ بحركات المقاومة وصبغت نشاطاتها بالنشاط الحربي ونظمت لها حماية القانون الدولي.‏

وأقرت محكمة نورنبيرغ لحركات المقاومة المبدأين التاليين:‏

- اعتبار أعمال المقاومة نشاطات حربية.‏

- اعتبار انتهاك الحقوق الدولية والإنسانية لحركات المقاومة وأعضائها جريمة يعاقب عليها القانون الدولي.‏

ويتلخص موقف العديد من فقهاء القانون الدولي من المقاومة المسلحة للاحتلال الأجنبي بما يلي:‏

"إذا كان حق تقريرالمصير قد أصبح حقاً يعترف به القانون الدولي والأمم المتحدة، لذا فإن من حق الشعب الذي حرم منه ومنع بالقوة من ممارسته أن يرد القوة بالقوة. إن استخدام القوة للوصول إلى حق مغتصب عمل مشروع."‏

وخلاصة القول إن حق الشعوب والأمم في الدفاع عن حقوقها الأساسية والنضال من أجل استعادتها وحقها في المقاومة المسلحة ضد انتهاك هذه الحقوق هو حق يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحق تقرير المصير.‏

لقد حالت الامبريالية والصهيونية دون ممارسة الشعب العربي الفلسطيني لحقه في الاستقلال وتقرير المصير مما أجبر الشعب العربي على اللجوء إلى المقاومة المسلحة لممارسة حقه في الدفاع الشرعي عن حقه في تقرير المصير. فالوجود الإسرائيلي في فلسطين العربية يشكل اغتصاباً واحتلالاً أجنبياً لأرض عربية. وانطلاقاً من ذلك تكون المقاومة حقاً لكل عربي فقد وطنه وواجباً عليه وعملاً مشروعاً في القانون الدولي.‏

ويعتبر حق الشعب العربي الفلسطيني في المقاومة المسلحة في وجه العدوان والاحتلال والعنصرية الصهيونية والاستيطان اليهودي أمام المزاعم والخرافات والأكاذيب والأطماع اليهودية أحد المرتكزات الأساسية لممارسة الشعب الفلسطيني حقه في الاستقلال وتقرير المصير والسيادة على أرض وطنه. وأقرت رابطة الحقوقيين الديمقراطيين العالمية في أيار 1971: "إن الفلسطينيين الذين طردوا من ديارهم وحرم عليهم بالقوة العودة إليها وقد سيموا عذاب الإرهاب الإسرائيلي وكافة أنواع التفرقة، اضطروا باستعمالهم حق الدفاع عن النفس إلى الالتجاء إلى المقاومة المسلحة مؤكدين بذلك وجود شعب فلسطين كحقيقة واقعة".‏

وانطلاقاً من هذه المبادئ لجأت المقاومة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية إلى الكفاح المسلح ضد العدوان، والاحتلال والاغتصاب والاستيطان اليهودي في فلسطين وجنوب لبنان دفاعاً عن الاستقلال والسيادة وحق تقرير المصير ومفاهيم الحق والعدالة ومقاصد وأهداف الأمم المتحدة والشرعية الدولية.‏

إننا نرفض إرهاب الفرد والجماعات وإرهاب الدولة وفي الوقت نفسه نعتبر أن المقاومة الوطنية مقاومة مشروعة وواجبة على كل عربي ومسلم للتصدي للمزاعم والخرافات والأطماع اليهودية.‏

إن المفاهيم الوطنية والقومية والدينية لا تسمح لأحد أن ينعت المجاهد الذي يفجِّر نفسه في وجه العدو الإسرائيلي بالإرهابي.‏

يقول شيخ الأزهر الدكتور محد سيد طنطاوي عن العمليات الاستشهادية: "هذه العمليات إن كانت من أجل الدفاع عن الدين والأمة والوطن ومقاتلة المعتدين بما يكبح جماحهم ويجعلهم يرتدون عن اعتدائهم فأهلاً وسهلاً بها، وهذا نوع من أنواع الجهاد طبعاً.. من قال في هذه الحالة أنهم إرهابيون - اللي بيعمل انتفاضة هذا جهاد في سبيل الله مادام هناك عدوان فعلينا أن نرد العدوان بالعدوان... فأهلاً وسهلاً بكل من يدافع عن أخيه المظلوم، فهذا جهاد في سبيل الله وواجب عليه أن يدافع بالمال وإمداده بالسلاح والوقوف معه. ولا نقول عمن يفجر نفسه أبداً أنه منتحر. فهناك جيش جاء واعتدى وقتل إخواننا والذي يفجر نفسه في هذه الحالة لا يكون منتحراً، بل هو شهيد بذل الدم والروح في سبيل الله والوطن".‏

إن ازدواجية المعايير و الكيل بمكيالين والانحياز الأعمى لإسرائيل تدفع الولايات المتحدة إلى تأييد قصف إسرائيل للقرى والمدن والمخيمات العربية والمنشآت الحيوية وتزعم ليل نهار وتقول إن إسرائيل ضد الإرهاب ويجب حمايتها من إرهاب حماس وحزب الله.‏

إن مبادئ القانون الدولي تدين جرائم إسرائيل واعتداءاتها بالإرهاب، وتمارس إسرائيل الإرهاب، والحروب العدوانية والمجازر الجماعية كسياسة رسمية للجيش والشرطة والدولة والمستوطنين والمجتمع الإسرائيلي بأسره والأحزاب الصهيونية.‏

إن مجرد استمرار الاحتلال الإسرائيلي في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة والجولان وجنوب لبنان هو ذروة الإرهاب. فالإرهاب الإسرائيلي المدعوم من اليهودية العالمية والولايات المتحدة الأميركية لا يخيفنا ولا يرهبنا لأننا أصحاب قضية عادلة وسنواجهه بكافة أنواع الأسلحة بما فيها الكفاح المسلح لذلك يجب إدانة وشجب كل بلد -يدين المقاومة الفلسطينية واللبنانية المسلحة، لأن المقاومة تناضل من أجل تحرير الوطن المحتل من الاحتلال الإسرائيلي.‏

إن اتهام المقاومة العربية بالإرهاب يعتبر أخطر أنواع ممارسة الإرهاب الرسمي، ويعني إجبار العرب على الخضوع والركوع أمام المحتل الإسرائيلي والموافقة على احتلاله وأطماعه فالإرهاب شيء والكفاح المسلح من أجل تحرير الوطن شيء آخر.‏

إن الغزو والاحتلال والاستيطان وتهويد المقدسات الإسلامية وقتل المدنيين الأبرياء وتدمير المنجزات الاقتصادية والثقافية العربية ذروة الإرهاب الذي تمارسه إسرائيل وأخطر الأعمال الإرهابية في القرن العشرين.‏

إن مبادئ الشرعية الدولية تؤكد شرعية مقاومة الاحتلال، كما أنه لا يوجد قانون أو منطق يعتبر مقاومة الاحتلال من الأعمال الإرهابية إلاّ الأخلاق والمفاهيم اليهودية. فالإرهاب هو احتلال إسرائيل لفلسطين والجولان وجنوب لبنان وترحيل العرب من منازلهم وإحلال مهاجرين يهود محلهم وتهويد الأماكن الإسلامية والمسيحية المقدسة في القدس والخليل وبيت لحم.‏

إن الكفاح المسلح ضد إسرائيل التي تحتل الأراضي العربية كفاح عادل وشرعي وواجب تقره الأديان السماوية ويقره ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي. فالدول التي تصبغ عمليات المقاومة العربية للاحتلال الإسرائيلي بالإرهاب تريد المحافظة على الاحتلال الإسرائيلي وإبقاء العرب تحت عبودية إسرائيل وعنصريتها.‏

لقد وافقت الأمم المتحدة في التاسع من كانون الأول عام 1981، على الإعلان الخاص بعدم جواز غزو أراضي الغير والتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، ويؤكد الإعلان على التزام الدول بالامتناع عن اللجوء إلى ممارسة الإرهاب كسياسة للدولة ضد الدول الأخرى، أو ضد شعوب ترزح تحت السيطرة الاستعمارية أو الاحتلال الأجنبي، أو تحت نير أنظمة عنصرية.‏

وانطلاقاً من ميثاق الأمم المتحدة والعهود والمواثيق الدولية ومبادئ القانون الدولي طرحت سورية في منتصف الثمانينات عقد مؤتمر دولي لتعريف الإرهاب والاتفاق على سبل مكافحة الإرهاب الحقيقي والتفريق بين الإرهاب والمقاومة. واقترح الرئيس حافظ الأسد في السادس عشر من تشرين الثاني عام 1986 تشكيل لجنة دولية لتعريف الإرهاب وتحديد الخطوط الفاصلة بينه وبين نضال الشعوب من أجل تحرير أراضيها.‏

إن ميثاق الأمم المتحدة وقراراتها ومبادئ وأهداف الشرعية الدولية تدمغ جميع الأعمال العدوانية بالإرهاب كالغزو المسلح والاحتلال والتدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتؤيد وتدعم حق الشعوب في مقاومة الاحتلال ونيل الاستقلال وممارسة حق تقرير المصير. وأدانت المنظمة الدولية الامبريالية والعنصرية والصهيونية. وأكدت عدم شرعية احتلال أراضي الغير.‏

ولكن فشل الأمم المتحدة في منع إسرائيل من الاستمرار في إشعال الحروب العدوانية، ومنها "حرب عناقيد الغضب" عام 1996،' وعدم معاقبتها على هذه الحروب وعدم تجريدها من السلاح النووي والتقليدي وعدم إجبارها على دفع التعويضات أدى إلى انبعاث المقاومة الفلسطينية واللبنانية، وعملياتها الاستشهادية.‏

إن عنف المقاومين ينتج عن وحشية وهمجية وإرهاب المغتصب والمحتل الإسرائيلي، فسياسية إسرائيل العدوانية والتوسعية والاستيطانية دفعت وتدفع بالشعب العربي إلى الرد على القتل والإبادة كما أن السياسة الأميركية المنحازة والمؤيدة لإرهاب الدولة الإسرائيلية والتي تكيل بمكيالين، وفقدت مصداقيتها ولّدت شعوراً كبيراً من الاحباط الوطني والقومي والديني لدى العرب والمسلمين.‏

وقاد الشعور بالإحباط والغبن وانتهاك السيادة وتدنيس المقدسات ونهب الأرض والثروات وقتل المدنيين الأبرياء إلى اللجوء إلى العنف، إلى المقاومة المسلحة، إلى مقاومة الاحتلال الإسرائيلي انطلاقاً من مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.‏




التوقيع

إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بدّ أن يستجيب القــــدر
و لا بــــدّ لليــل أن ينجلــي
و لا بـــدّ للقيــد أن ينكسـر
رد مع اقتباس
إضافة رد

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
القلم الأزرق يتهم القلم الأحمر بكتابة اللون الأزرق الشاعرة التونسية جنة أماني منتدى فن الكاريكاتير 0 10-05-2012 11:21 PM
القلم الأزرق يتهم القلم الأحمر بكتابة اللون الأزرق الشاعرة التونسية جنة أماني منتدى فن الكاريكاتير 0 10-05-2012 11:16 PM
محمد بن راشد يستقبل سيف بن زايد والقيادات العسكرية والأمنية ياسمينة دمشق عالم الصحافة 0 07-26-2012 11:19 PM
محمد بن راشد يستقبل سيف بن زايد والقيادات العسكرية والأمنية ياسمينة دمشق عالم الصحافة 0 07-26-2012 10:22 PM
سورية بين الإرهاب والمؤتمرات الدولية المفتاح عالم الصحافة 0 07-24-2012 07:50 AM


الساعة الآن 02:04 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By alhotcenter