عرض مشاركة واحدة
قديم 05-01-2010, 12:02 AM   رقم المشاركة : 8
الهادي الزغيدي
عضو





الهادي الزغيدي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: الأبعاد الفكريّة والعلميّة -التقنيّة للصراع العربي الصهيوني

الفصل الرابع : الخيار النووي، وبناء قاعدة عربيّة للبحث العلمي والتكنولوجيا(*)
أوّلاً: مسألة الخيار النووي‏
يسود اتجاهٌ لدى عدد من الباحثين والعلماء والمفكّرين العرب، مفاده أنّه لولا التفوق الإسرائيلي في السلاح التقليدي، ماظهر الاستفزاز والتحدّي الإسرائيلي للعرب، وهضم حقوقهم القومية والوطنية قطعة.. قطعة وبصورة فظّة صارخة. والوجه الآخر لهذه الأطروحة، يقول: "إنّه لولا الضعف واختلال التوازن لغير صالح العرب، لما خسروا حقوقهم على مدى الخمسين عاماً الماضية.. هل مازالت الفرصة قائمة لتعويض مافات... وبالتحديد في المجال النووي: هل يستطيع العرب امتلاك رادع نووي في مواجهة الرادع الإسرائيلي؟... هل تتوافر لديهم القدرات العلميّة والفنية ـ التكنولوجية و"الاستراتيجية" .. أم أنّ المسألة تتوقف على قرار سياسي فقط؟!.. وهل لديهم بدائل للسلاح النووي.؟... وهل تكفي هذه البدائل؟.. هل بإمكان دولة عربيّة واحدة أن تقوم بمهمة التوازن مع القدرات الإسرائيلية المتطورة؟ وهل كانت استراتيجية المنطقة ستتغيّر لو امتلكت البلدان العربية قدرات نووية متقدّمة؟.. وإذا كان القطار"قد فات"، في الستينيّات عندما كانت الظروف الدولية مهيّأة لتطوير قدرات نووية استراتيجية مصريّة... وهل تكفي الضغوط الدبلوماسيّة المكثّفة والمعاهدات.. والاتفاقيات لنزع أسلحة الدمار الشامل في المنطقة(1)؟!‏
وفي المنحى نفسه (وتعقيباً على التغيرات النووية للهند وباكستان) يتساءل باحثٌ عربي بلسان عدد كبير من المثّقفين وأصحاب الفكر والرأي العام العربي2-، يتساءل هل نحن العرب ـ أصبحنا على مفترق طرق؟.. وهل بات يتحتم علينا أن نعتمد على أنفسنا كل الاعتماد لنستطيع أن نضع قدرنا بأيدينا، ونختار بين أمرين: إمّا أن نبقى على مانحن عليه في قائمة الدول الضعيفة، وسط غابة من الأنظمة النووية المخيفة.. وإما أن ننتشل أنفسنا من بؤرة الاستسلام لواقعنا ونقتحم بوحدة إرادتنا آفاق المستقبل؟! ويضيف قائلاً: ماذا نحن فاعلون؟ هل نبقى على حالنا في قبول سياسة الكيل بمكيالين، والتعامل بسياستين مختلفتين؟.‏
* فيباح لدول امتلاك أسلحة الموت والدمار!‏
* وتُعاقَب دول سعت لحماية أمنها من ذلك الدمار!.‏
* ويُسكت عن نظام عنصري مثل إسرائيل امتلكت مثل هذه الأسلحة، ولها جرائمها المعروفة؟!..‏
* وتتوالى التحذيرات لدول حاولت أن تمتلك مثل هذه الأسلحة كإيران! تُرى.. لو أنَّ دولة في المشرق العربي كمصر وسورية مثلاً، أو في المغرب العربي كالمملكة المغربية مثلاً أو الجماهيرية الليبية، مثلما فعلت إسرائيل بإقامة نظام نووي حتى ولو كان وقائياً.. هل تقبل الولايات المتحدة بمبدأ المساواة بين الشعوب.. فتسمح لهذه الدول بامتلاك مايحقّق لها أمنها الوطني ودفع الأخطار عنها؟..‏
ويؤكّد أصحاب هذه الرؤية أنّه لم يعد هناك من خيار أمام العرب سوى أن يعيدوا من جديد تخطيط مناهجهم المستقبليّة، بحيث يبنون قاعدة اقتصادية عصريّة، تحميها قاعدة أمن رادعة. لأنّ إسرائيل عندما بدأت ببناء اقتصادها وتطوير صناعاتها المتقدمة، خاصة الصناعات الإلكترونية، وانتشارها في الأسواق الخارجية وخاصة الأسواق الأوروبية، لم توقف مشروعاتها النووية، بل كثّفت من نشاطها التقني في هذا الاتجاه إلى أن أصبحت من الدول النووية الخطيرة‍‍!!...‏
ونحن العرب.. عندما ننادي بالتعامل مع لغة العصر، الذي اتسعت فيه رقعة الأنظمة النووية الدفاعيّة، وذلك بالسعي إلى إقامة "نظام عربي نووي" لم يكن القصد من ذلك النداء ـ ونحن طلاب سلام ـ سوى العمل على إيجاد "نظام دفاعي وقائي"، يردع أيّ مغامر من التفكير في استخدام هذا السلاح المدمِّر ضدَّنا..‏
أليس من حقّنا نحن العرب أن نكون مثل إسرائيل أو الهند أو باكستان أو لا نكون(3)؟!..‏
وفي مقابل هذه الدعوات الصريحة لامتلاك القوّة النووية على الجانب العربي، يشدّد باحثون آخرون(4)، على أنّ الخيار النووي ليس مثل أيّ خيار آخر، وأنّ القضيّة لم تكن أبداً القدرة على بناء القنبلة الذريّة، والحصول على الفرح الشعبي كما حدث في الهند، وباكستان، وإنما كان ماسوف يأتي بعد ذلك من خطوات وتكاليف بعد أن ينتهي الاحتفاء والاحتفال.. وفوق ذلك فإن مصر كان لها أسبابها الخاصّة فيما يتعلق بالتوازن النووي مع إسرائيل، ففضلاً عن أنّ تحقيق التكافؤ الكامل معها غير ممكن في ظل علاقات الطرفين الخارجية، فإن تحقيق التكافؤ لا يعني إلا تجميد الأوضاع تماماً عند النقطة التي وصلت إليها في عام 1967 نتيجة الردع النووي المتبادل، وفي كلّ الأحوال فإنه سوف يبقى لإسرائيل مزية إضافية وهي مصداقية قدرتها على الاستخدام لأنها تستطيع ضرب عواصم عربية بعيدة دون أن تتأثر هي بالإشعاع أو الغبار النووي، أمّا في حالة إسرائيل ونتيجة ضيقها الجغرافي وتداخلها مع تجمعات سكانية عربيّة، وقربها من تجمعات عربية أخرى فإنه يستحيل لأي قيادة مصرية إصدار قرار استخدام هذا السلاح، فمصر (يضيف كاتب المقال/ الدكتور عبد المنعم سعيد)، حتى ولو تعرّضت لضربة نووية لا تستطيع قصف القدس بما فيها من مقدّسات و180 ألف فلسطيني، أو حتى تل أبيب اللصيقة بيافا حيث عشرات الألوف من العرب، فضلاً عن امتداد آثار التفجير حتى عمّان وبيروت ودمشق، ومع غياب هذه المصداقية ينتفي أي أساس للردع النووي الذي يقوم في جوهره على وجود الإمكانية للاستخدام إذا ما تعدّى الطرف الآخر خطوطاً حمراء بعينها.‏
وباتجاه مضاد يتساءل باحثون مهتمّون بالشؤون الاستراتيجيّة: كيف نسعى نحن الذين لا نملك قوة الردع النووي لتقييد حركتنا بأنفسنا، من خلال الموافقة على معاهدة تعزّز أوضاعاً مواتية لمن يملك، وتحرم على من لا يملك أن يملك؟..‏
كيف يمكن لمن لا يملك أن يطمئن على أمنه بجوار من يملك، وبخاصة إذا كان هذا الجار دولة مثل إسرائيل بتاريخها العدواني الإرهابي المعروف؟‏
ويرى القادة والمسؤولون العرب علاج هذه المسألة الخطيرة بالمطالبة بنزع السلاح النووي(5).‏
وتمضي الأسئلة: لنفترض أنه تم الاتفاق بين دول المنطقة (بما في ذلك إسرائيل) على نزع الأسلحة النووية ووسائل إطلاقها، وأنه تقرّر نزعها وتدميرها بالفعل، فكم من الوقت تستغرق هذه العملية.. عشرين، ثلاثين عاماً؟.. فماذا نفعل في هذه الفترة، ونحن نعيش في ظلّ الاحتكار النووي؟ ولو قفزنا فوق هذا الوضع كما يحلو لنا دائماً في علاج مشاكلنا (يقول وزير الحربية المصرية الأسبق الباحث أمين هويدي).. ألا يبقى لإسرائيل الاحتكار في مجال المعرفة التقنية النووية، ما يعني أن الاحتكار النووي سيظلّ قائماً عن طريق احتكار هذه المعرفة(6).‏
ويرى عددٌ من الاستراتيجيين ـ ونحن أْمَيل إلى هذا الرأي ـ أنَّ أمننا القومي لا يتحقق إلاّ عن طريق امتلاك القوة الذاتية الرادعة، أو الردع المتبادل وبالتالي، فإنّ محاولات نزع الأسلحة شديدة التدمير وتطبيق نظام الضمانات الدولية هي محاولات خيّرة يجب تشجيعها. ولكنّها لا تغني أبداً عن امتلاك القوة الرادعة. وعلينا أن نسير في الغابة العالمية بقدمين: قدم تساعد على نزع السلاح شديد التدمير؛ بما في ذلك الأسلحة النووية، شرط أن تكون هناك مساواة في التعامل معها في ظلّ نظام تفتيشي فعّال، وتطبيق الضمانات التي تضعها الوكالة الدولية للطاقة الذريّة على كامل دورة الوقود من المنجم حتى تضيع المواد النووية. والقدم الأخرى هي امتلاك الرادع القادر على توقيع العقاب. ولابدّ أن نعرف أنه في ظل نادي لندن منذ إنشائه عام 1974، وفي ظل قائمة زنجر" التي وضعت للمواد والمعدّات المخالفة لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وفي ظل قرارات الأمم المتحدة واللجان التي شكّلتها للبحث في النشاط الذرّي في المنطقة، مازال الانتشار النووي مستمراً. ولذلك إذا اقتصرت محاولاتنا لإعادة التوازن على النواحي القانونية، فلن نحافظ على أمننا القومي، لأنّ القانون الذي لا يستند إلى القوّة لا قيمة حقيقية له(7).‏
ومن تتبّع الجدل العربي الدائر في أوساط الباحثين الاستراتيجيتين، والمفكّرين والصحفيّين وعدد كبير من الكتّاب (أما المواقف الرسمية العربية تجاه أسلحة الدمار الشامل والمعاهدات الدولية فهي تناقش في محاور ودراسات أخرى)، يُلاحظ تركيزها على ضرورة المراجعة الشاملة والجديّة لأوضاعنا المبعثرة، والمفتقرة إلى العقلانية والتخطيط والرؤية الاستراتيجية المستقبلية للبحث العلمي والتكنولوجيا المتقدمة، بحيث نتمكّن من الاعتماد على الذات ومواجهة الاستراتيجية النووية الإسرائيلية واستحقاقات المستقبل، السلميّة أو غير السلميّة، وفق نظرة عربية متكاملة لقدراتنا الفعلية المُتحقَّقة والممكنة (واقعياً) في ميادين العلم والعلماء، والصناعات المعقّدة، واقتحام مجالات المعلوماتية والتكنولوجيا النووية وأبحاث الفضاء والعلوم الدقيقة.‏
ونحن إذ نميل إلى الرأي القائل بضرورة تطوير الجهود الذاتية‏
العربية(8)، في مجال الاستخدامات المتعددة للذّرة والطاقة النووية، وأبحاث الليزر، والعلوم المتصلة بالحواسيب والإلكترونيات، فإننا نؤكّد أن الاعتماد على الذات هو خيار استراتيجي لا نملك التخلّي عنه، وفي الوقت نفسه، فإنّ سلوك هذا الخيار يجب أن يسبقه إدراك تمام ودقيق وتفصيلي لواقع القدرات العربية، المستخدمة في ميدان العلوم والتكنولوجيا، وحجم الصعوبات والتكاليف الاقتصادية الباهظة لهذا الخيار.‏
ورغم اتفاقيات السلام المعقودة بين بعض الدول العربية وإسرائيل، ورغم أنَّ العرب لا يمتلكون الأسلحة النووية، ومبادراتهم العديدة في مجالات إخلاء المنطقة من أسلحة الدمار الشامل ورغم إعلان العرب "أنَّ السلام يشكّل خياراً استراتيجياً"، فإنَّ الصدام يبقى قائماً ومحتملاً بين العرب وإسرائيل، إذا ما استمرّ التعنّت والرفض الإسرائيلي المراوغ للسلام الحقيقي، بل إنّها ما زالت تتمسّك بسياسة فرض الأمر الواقع على العرب، وعدم الاعتراف بالحقوق المشروعة، التي أقرّتها الشرعية الدولية، ابتداءً من قرار الأمم المتحدة عام 1947 بتقسيم فلسطين إلى دولتين منفصلتين (إسرائيلية وفلسطينية)، إلى قرارات مجلس الأمن 242، 338 و425 وغيرها من القرارات.‏
بل يقول المحلِّلون الاستراتيجيون المصريّون: إنّ إسرائيل، وقد هزَّتها من العمق مفاجأة حرب أكتوبر 1973، عمدت وعلى مدى ربع قرن إلى ترسيخ عقيدتها العسكرية العدوانيّة المعروفة، وذلك بتطوير هائل لآلتها وقدراتها الحربيّة التسلّحية، سواء في الأسلحة التقليدية أو فوق التقليديّة (الكيميائية والجرثومية)، أو الأسلحة النووية التي تنفرد بها في المنطقة (وهناك شبه إجماع على تقديرها بأكثر من مائتي قنبلة نووية)، بتطوير منظومة صواريخها المضادة للصواريخ (آرو ـ 2)، واكبه تطوير آخر في مجال إنتاج الصواريخ أرض/ أرض البالستية سواء من مجموعة أو عائلة "أريحا" أو "شافت" الذي يستخدم في إطلاق أقمار التجسس من طراز "أفق" والذي وصل مداه إلى 4500 كم، ويقال أنّه تم تطويره إلى 7500كم(9)، إضافة إلى نظام متكامل من أسلحة تقوم على الطاقة الإشعاعيّة الموجّهة (كأشعة ليزر إكس، وأشعة الجسيمات المشحونة، وأشعة الجسيمات المتعادلة)(10)، وقد أكّدت تقارير معاهد ومراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية الدولية المعروفة أنَّ لدى إسرائيل برنامجاً سرّياً متطوّراً للأسلحة الجرثوميّة والكيماوية، وأن تل أبيب تنتج وتخزن كميات هائلة من هذه الأسلحة، حيث وصفتها بعض التقارير بأنها "تترّبع على بحيرة من الأسلحة الجرثومية والكيماوية". كما جهزت طائرات "إف 16" بالأسلحة الكيماوية، وقد أجرت تجارب ناجحة بهذا الخصوص، وبات بإمكان المؤسّسة العسكرية الإسرائيلية تركيب قنابل تحتوي على مواد كيماوية وبيولوجية على متن طائراتها الحربية في غضون دقائق في حال تسلّم أوامر بذلك للقيام بمهام عدوانية مُعيّنة(11)، وكلّ تحرّكاتها مسنودة بمنظومة معلومات واستطلاع، أصبحت تعتمد على الأقمار الصناعية التي تمتلكها (من سلسلة أُفق ـ "أوفك")، وتطوّر تقنياتها كل فترة، وفق المعلومات القادمة إليها من الأصدقاء والحلفاء، وخصوصاً من حليفها الاستراتيجي الأوّل ـ الولايات المتحدة.‏
إنّ من السخرية حقاً، أنّه في الوقت الذي "تشنّ" فيه أبواق الإعلام الإسرائيلي حملة غير مسبوقة للإيحاء بأنّ السلامَ أصبح قاب قوسين أو أدنى، مع تحرّكات (باراك) الواسعة بين عواصم العالم المختلفة.. في ظلّ هذه الأجواء (الكرنفاليّة) تؤكّد الولايات المتحدة الأمريكية التزامها الرسمي والصريح بـ"تعزيز قدرات إسرائيل الدفاعية والرادعة"، وهو تعبير يشير منذ زمن طويل (كما يقول المحلّل الاستراتيجي جيفري أرونسون) إلى "قدرات إسرائيل النووية"، وأن ذلك يمثّل اعترافاً أمريكياً صريحاً بأهمية قدرات إسرائيل غير التقليدية لمخططات واشنطن الاستراتيجية في المنطقة(12).‏
وفي الحادي عشر من آب / أغسطس الماضي (1999)، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك في معرض تعليقه على تسلّم إسرائيل (في شهر تموز 1999)، الغوّاصة الذريّة الأولى من ثلاث غواصات ألمانيّة الصنع من طراز "دولفين" بكلفة ثلاثمائة مليون دولار للغواصة، قال (باراك): إنَّ هذه الغواصات تضيف عنصراً جديداً مهمّاً إلى ذراع إسرائيل الطويلة". ولا غرو في ماقاله باراك (يعقّب جيفري أرونسون)، لأنَّ هذه الغواصات ستساعد إسرائيل بما لديها من صواريخ باليستية وطائرات "إف ـ 15"، الأميركية الجديدة الطويلة المدى.. على استعراض قوتها من باكستان حتى المغرب. وستضيف الغواصات الألمانية بصورة خاصة بُعداً آخر إلى قوة الردع الإسرائيلية (أي القدرة على توجيه ضربة ثانية) عند مواجهة خطر الأسلحة غير التقليدية التي يمكن أن تستخدمها الدولة المعادية لإسرائيل في القرن الحادي والعشرين، سواء أكانت تلك الدول في العالم العربي أو جنوب آسيا أو في أواسط آسيا(13).‏
ويزعم عددٌ من المحلّلين العسكريّين والأمنيين في الصحافة الإسرائيلية أنَّ إسرائيل في ظلّ إمكانية تجدّد مفاوضات السلام مع الأطراف العربية ـ سوريّة ولبنان الفلسطينيّين، والتوقيع على اتفاقيات سلام (مع هذه الأطراف ومع العرب بعامّة)، "ستحتاج إلى السلاح النووي الرادع أكثر من أيّ وقت مضى"!!..‏
والحقيقة فإنّ إسرائيل مستمرة في تطوير ترسانتها لأسلحة الدمار الشامل، النووية والجرثومية والكيماوية، مع قدرتها المتطورة في أساليب نقلها بالطائرات والصواريخ، وهي ـ بدعم مطلق من الولايات المتحدة ـ رفضت وترفض أي تفتيش على منشآتها ومخازنها، المعَدّة لهذه الأسلحة الفتّاكة. فتحت عنوان "لا ولن تدخلوا "المخزن" كتب المحلّل الإسرائيلي ألوف بن يقول: إنّ إسرائيل منزعجة من المعاهدات الدولية الجديدة، التي ما زالت تتبلور، لتجميد إنتاج المواد المشعّة، التي تعد بوساطتها الأسلحة النووية، والدول التي ستنضم للمعاهدة ستضطر لفتح منشآتها النووية أمام المراقبة. وسيطلب من إسرائيل" إذا ما انضمت، أن تدعو المراقبين إلى قدس أقداس الأمن الإسرائيلي، إلى المفاعل النووي في ديمونا، من أجل أن يتجولوا في منشآتها ويتأكدوا من وقف إنتاج البلوتونيوم.. (ويضيف الكاتب) أما باراك الذي يؤمن أنه ليس هناك في الشرق الأوسط فرصة للضعفاء، فإنه لا ينوي تغيير سياسة أسلافه، وهو يرى في الردع النووي لبنة مركزية في نظرية الأمن، وهو القائل (في تصريحاته كوزير للخارجية) ـ "السياسة النووية الإسرائيلية لم تتغيّر، ولا يمكنها أن تتغير"(14).‏
ولذلك فإننا يمكن أن نتوقّع مع عدد من الخبراء السياسيّين والمحلّلين الاستراتيجيّين والعسكريّين المصريّين الثقات الذين شاركوا في الندوة الاستراتيجية المهمة التي نظمتها القوات المسلّحة المصرية بمناسبة العيد الفضي لانتصارات أكتوبر/تشرين الأول 1973، وهي توقّعات قائمة على خبرات عميقة ومعرفة أكاديمية وميدانية دقيقة، بأنّ احتمالات نشوب حرب جديدة، محدودة أو شاملة، احتمالات قائمة مادام السلام العادل والشامل بعيد المنال، ومادام الطرف المقابل (إسرائيل) لا يؤمن بالسلام الحقيقي، وما دامت استراتيجيته تقوم على فرض الأمر الواقع بالقوة المسلحة وبالردع النووي. وهو ما تؤكّده التقارير الخاصّة بالصناعات الاستراتيجية الإسرائيلية، ونظم التسلّح لديها، وحجم الإنفاق المالي (المعلن) المخصص لتطوير أسلحتها الصاروخية وطيرانها وأقمارها الصناعية التجسسية ... الخ(15).‏
أما القرار الذي اتخذه العرب بالقبول بمبدأ السلام كخيار استراتيجي، فإنه يجب ألا يمنعنا من بناء قوة قادرة مقابلة ومقاومة ورادعة(16).‏
والقوّة القادرة الرادعة في مفهومنا، ليست القوة العسكرية فقط، لكنّها قوة المجتمع والدولة بآنٍ معاً، القائمة على التنمية المتكاملة (اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً..الخ)، والقدرة العسكرية الرادعة، والاستغلال الأقصى والأمثل للطاقات العلميّة والفنيّة والبحثية والمالية المتوافرة لتقليص الفجوة بين العرب وإسرائيل، وصولاً إلى التوازن الحضاري الشامل، الذي يصنع سلاماً حقيقياً بين دول المنطقة وشعوبها، وعندئذ فقط يزول التهديد بالسلاح النووي وغيره من أسلحة الدمار الشامل.‏
إنّ ماتقدّم يقودنا إلى النقطة التالية من هذه الورقة، ونعني بها مسألة بناء القاعدة العربية للبحث العلمي والتكنولوجيا، مع المقارنة الرقميّة والإحصائية بالمعطيات، المتوافرة على المستويات التي وصلت إليها إسرائيل في هذا المجال.‏
ثانياً: القدرات العلمية والتكنولوجية،‏
المستخدمة لدى الجانبين الإسرائيلي والعربي‏
لن نتطرق هنا إلى تاريخ ومراحل بناء القدرة النووية الإسرائيلية، والوسائل التي اتّبعتها (بمعونة حاسمة من حلفائها الاستراتيجيّين في الغرب) لتبقى الطرف الوحيد، الذي يحتكر السلاح النووي في الشرق الأوسط، فقد كتب حول هذه المسألة كمٌّ كبير من المؤلفات والدراسات والأبحاث والمقالات والتحليلات، عدا أنَّها تشكّل مادة لـ"أوراق" ومحاور أخرى في مؤتمرنا هذا. ولكنْ مايهمّنا في هذه المسألة، الجانب المتصل بالقاعدة البحثية والعلمية والتقنية، التي استطاعت إسرائيل من خلال توظيفها واستثمارها للوصول إلى ما وصلت إليه في حيازة التكنولوجيا النووية.‏
فالمعروف أنَّ أية دولة تفكر في بلوغ التكنولوجيا النووية واستخدام الطاقة الذرية في المجالات السلمية أو الحربيّة، لابدّ لها من أن تمتلك‏
مايلي(17):‏
1 ـ بناء تحتي صناعي متقدم في مختلف المجالات.‏
2 ـ معاهد، أو مراكز للبحوث النووية تضم مجموعة من العلماء والكوادر الفنية القادرة على إدارة المفاعلات النووية والقيام بالعمليات الضرورية في دورة الوقود النووي للحصول على البلوتونيوم، الذي يستخدم كوقود في المفاعلات أو في صنع السلاح النووي.‏
3 ـ رأس المال الكافي لإقامة المفاعلات النووية وبعد ذلك صنع السلاح النووي. وهنالك تقديرات لمختلف أنواع المفاعلات(18)، وهي تقديرات تتغير مع الزمن بناء على اعتبارات اقتصادية وسياسية.‏
4 ـ مفاعلات لحرق الوقود النووي، وهذه المفاعلات إما أن تكون مفاعلات أبحاث "أي تخصّص للبحث العلمي في مجال استخدامات الطاقة النووية، أو مفاعلات القوى والتي يكون الغرض منها توليد الطاقة الكهربائية. ومن الضروري أن تكون قدرة هذه المفاعلات عالية من أجل أن يكون الحصول على الطاقة الكهربائية اقتصادياً".‏
أ ـ على الجانب الإسرائيلي:‏
لقد أدرك قادة ومؤسّسو "إسرائيل" الأهمية القصوى للعلم والتكنولوجيا تجاه المحيط العربي، الرافض للعدوان والاحتلال واقتلاع الشعب الفلسطيني لإحلال جماعات غريبة محلّه. فقد صرّح بن غوريون في هذا المجال بالقول: "إنَّ العلم في أيامنا مفتاح القوة العسكرية، وشبابنا الموهوبون الذين يدرسون القانون بدلاً من العلم والتكنولوجيا إنّما يضيّعون رأس مال بشري يشكّل عند الشعب قيمة لا تقدّر بثمن"(19).‏
ومن هنا أولت القيادة الصهيونية اهتماماً فعلياً وحقيقياً للعلم. فوضع الحجر الأساس لـ "معهد التخنيون" عام 1912، وبدأ يستقبل الطلبة عام 1924. أمّا "الجامعة العبرية"، فقد وضع الحجر الأساس لها عام 1918 وبدأت تستقبل الطلبة عام 1925. ولعبت المؤسّسة العسكرية دوراً كبيراً في تنشيط البحوث ضمن مؤسّساتها وضمن الجامعات ومراكز الأبحاث المنتشرة في المدن والبلدات والمستوطنات اليهودية، وأصبح العلم حتى قبل الكيان الصهيوني جزءاً أساسياً من استراتيجية الحركة الصهيونية. فمنذ عام 1947 نظمت "الهاجانا" وحدات علميّة بحثيّة ضمّت أفضل العلماء، فكانت النواة الأولى للمؤسّسات العلمية لاحقاً، سواء داخل المؤسسة العسكرية أو خارجها. ولقد ساعد إسرائيل على إقامة القاعدة العلمية المتينة، العدد الهائل من العلماء الأوروبيين الذين هاجروا إليها. وقد أشارت دراسة أكاديمية على أن نسبة العلماء المهاجرين إلى إسرائيل بلغت في عام 1968 حوالي 33 بالمائة من مجموع الهجرة(20)، وأنّ حوالي 86 بالمائة من العاملين في الحقل الطبي هم من المهاجرين‏
الوافدين(21)، وأنّ نسبة الكفاءات الأوروبية تساوي 65 بالمائة من أساتذة "الجامعة العبرية"(22). وفي عام 1963 كان هنالك 457 أستاذاً في "الجامعة العبرية"، منهم 54 فقط ولدوا في فلسطين، وفي عام 1966 كان هنالك 721 أستاذاً في الجامعة منهم 105 ولدوا في فلسطين أما في معهد "التخنيون" ففي عام 1964 كان يوجد 255 أستاذاً، منهم 34 فقط ولدوا في فلسطين. كما اهتمت المؤسّسة الإسرائيلية بإرسال العلماء لقضاء فترات مختلفة، وللقيام ببحوث مشتركة مع مختلف جامعات ومعاهد ومراكز البحث في العالم، الأمر الذي منحها امتداداً وشبكة علمية لا يوجد لها مثيل في أي بلد من بلدان الشرق الأوسط.‏
ولقد ساعدت الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا إسرائيل بقوّة وبخط بياني متصاعد لأجل بناء القاعدة العلمية ـ التكنولوجية الأساسية، حيث منحتها الأموال الطائلة ووقعت عقوداً مع علماء وجامعات ومراكز إسرائيلية لإجراء بحوث مشتركة. ومنذ الأيام الأولى لقيام إسرائيل شجّعت الحكومات الأمريكية ومجالسها التشريعية الشركات الأمريكية لتوظيف خبراتها (في إسرائيل)، وإقامة شركات أو فروع للشركات الأمريكية داخل إسرائيل. وهذه السياسة لم تكن بمعزل عن استراتيجية الولايات المتحدة بجعل إسرائيل امتداداً لها في الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة تموّل وحدها أكثر من 20 بالمائة من ميزانية البحث العلمي في إسرائيل، وأنَّ أكثر من 40 بالمائة من العدد الكلّي للبحوث، التي أجريت في إسرائيل والتي نشرت في الخارج كانت مموّلة من جانب الولايات المتحدة والدولة الأوروبية (23).‏
وضمن رؤية استراتيجية مستقبلية بدأت المؤسّسات في إسرائيل الاهتمام بمسائل الطاقة وخاصة النووية، والإلكترونيات والليزر والكيمياء والفيزياء النظرية والتطبيقية وعلوم الحاسبات، ويكفي أن نتذكر أنه في حزيران 1953 (بعد خمس سنوات من قيامها رسمياً) تأسّست لجنة الطاقة الذرية في إسرائيل لتعمل ضمن وزارة الدفاع، وعيّن "الدكتور أرنست برغمان"، رئيساً لها. وهو الذي اكتشف اليورانيوم في الفوسفات، ثم أصبح فيما بعد رئيساً لقسم البحث والتطوير في وزارة الدفاع.وقد ضمّت الطاقة الذرية كبار العلماء في هذا المجال من "معهد وايزمن"، و"الجامعة العبرية"، و"التخنيون" و"مجلس الأبحاث الإسرائيلي"، بعد أن حدّدت مهماتها العلنيّة والسريّة بدقّة ووضوح(24). لا يدخل في إطار هذه الورقة سرد الوقائع والأدلّة، التي لا تترك أدنى شك في التعاون والتنسيق بين إسرائيل وكل من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وجنوب أفريقيا وألمانيا الغربية في ميدان صناعة الأسلحة النووية، بصرف النظر عن تباين التقديرات بشأن كمياتها ونوعياتها. ونشير ـ كمثال فقط ـ إلى أنَّ الرئيس الأمريكي "أيزنهاور" أمر في عام 1955 بتوقيع اتفاقية أمريكية مع إسرائيل، لتزويد الأخيرة بمفاعل نووي للأبحاث أنشئ في "ناحال سوريك"، وجرى على إثر ذلك نقل 20 كغم من "اليورانيوم 235" المخصّب إلى إسرائيل، كما زودّت الولايات المتحدة إسرائيل بمكتبة تقنية تحتوي على 6500 تقرير عن الأبحاث الذرية و45 كتاباً عن الفيزياء النووية، إضافة إلى تخصيص مقاعد ثابتة للعلماء والتقنيين الإسرائيليين للعمل في (الولايات المتحدة) بمجال الذرة. وقد استخدمت إسرائيل مفاعل "ناحال سوريك"، لتدريب كوادرها في المجال النووي، علاوة على استعماله للقيام بسلسلة من الأبحاث.. ومن الطبيعي أن هذه الخطوات التي "تمثّلت بإقامة مفاعلات "ريشون ليزيون، ناحال سوريك، مفاعل النبي روبين، مفاعل ديمونا"، مع ما رافقها من تعاون وثيق مع كل من فرنسا وألمانيا وهولندا وجنوب أفريقيا (وقصة هذا التعاون طويلة ومعقّدة)، كانت تصبّ كلها في القاعدة العلميّة ـ التقنية الإسرائيلية باتجاهات وتطبيقات مختلفة، تأتي التكنولوجيا النووية على رأسها. فلقد قام "أوبنهايمر" وهو الذي أشرف على البرنامج النووي لصنع أول قنبلة نووية أمريكية بالإشراف على تدريب مجموعة من العلماء الإسرائيليين في الجامعات الأمريكية، كما قام بعدّة زيارات إلى إسرائيل لتقديم المشورة للعلماء الإسرائيليين. وكذلك فعل"إدوارد تيلر" والمعروف بأبي القنبلة الهيدروجينية، الذي زار إسرائيل مرات عديدة، وصرّح في إحدى زياراته (إسرائيل) عام 1965 بأنّ لدى إسرائيل القدرة على صنع السلاح النووي(25). وأضاف مؤكّداً: أنَّ إسرائيل تمتلك العناصر والمقوّمات الضرورية لإنتاج القنبلة النووية، وهي العلماء والتكنولوجيا ومراكز الأبحاث والبلوتونيوم(26).‏
وقد اعترف رئيس إسرائيل الأسبق "كاتسير" صراحة في أول ديسمبر/ كانون الأول 1974: "أن سياسة إسرائيل كانت دائماً تتمثّل بالسعي إلى امتلاك القدرات النووية، وإننا الآن نمتلكها"(27). وقد علّق "رابين" على التصريح هذا (في التلفزيون البريطاني)، قائلاً: "إننا لا نملك تكلفة أن يسبقنا أحد إلى امتلاك القدرة النووية في الشرق الأوسط"(28).‏
وكما كان "بن غوريون" صريحاً دائماً على الربط بين القاعدة العلمية ـ التكنولوجية وضرورة امتلاك الرادع النووي في مواجهة التفوّق البشري العربي، فإنّ تلاميذه من بعده أيضاً ـ مثل "دايان" و"بيريز"، و"غور" ـ قد وضعوا فكر "بن غوريون" موضع التنفيذ عبر السنوات الأربعين الماضية، وكانت مقولتهم في ذلك: "حيث يوجد الخيار النووي يتحقق التفوّق الكاسح على الخصم، خاصة في ظروف كظروف إسرائيل"، وبهذه العبارة أكّد قادة إسرائيل أنهم يعنون دخول النادي الذري من أوسع أبوابه(29).‏
وقد تمثّل التطور النووي الإسرائيلي خلال السبعينيات، في أنّ إسرائيل رفعت درجة استعداد القوّة النووية الإسرائيلية (صواريخ أريحا + طائرات + 13 قنبلة نووية) في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 1973 (30)، وذلك في أثناء حرب أكتوبر في محاولة للضغط على الولايات المتحدة للإسراع في نجدة إسرائيل وتعويض خسائرها الشديدة، هذا بالإضافة إلى نجاح العالمين الإسرائيليين "إسحق نيبزداهل"، و"مناحم ليفين"، في معالجة تخصيب اليورانيوم باستخدام أشعة الليزر، وهو ما يُعدّ أرخص وأسرع وسائل التخصيب في العالم..أمّا خلال الثمانينيات فقد كان من أبرز التطوّرات هو ماكشفت عنه في صحيفة "صنداي تايمز"، في "أكتوبر/ تشرين الأول 1986 على لسان الفنّي النووي الإسرائيلي "مردخاي فانونو"، الذي عمل بمفاعل "ديمونا" لمدة عشر سنوات، والذي دعم معلوماته بـ60 ـ صورة من داخل المفاعل، وأكّد عدد من الخبراء النوويّين البريطانيين صحّة اعترافاته، والتي كان أبرز مافيها الآتي(31):‏
* إن إسرائيل تملك مخزوناً من القنابل النووية يتراوح بين 150-200 قنبلة انشطارية أصغر حجماً وأشدّ تأثيراً من قنبلتي هيروشيما وناغازاكي.‏
* إنّ مفاعل "ديمونا" رفعت قدراته إلى 150 ميغاوات.‏
* إن إسرائيل أنتجت قنابل النيوترون والقنابل الهيدروجينية.‏
أمّا "شمعون بيريس"، رئيس وزراء إسرائيل الأسبق، والذي أشرف على بناء القدرات النووية لإسرائيل، فقد اعترف بمنتهى الوضوح والصراحة أنهم صنعوا أسلحتهم النووية لابتزاز العرب وردعهم بقوله: "لقد بنيتُ ديمونا من أجل الوصول إلى أوسلو..."(32).‏
إنّ ما أشرنا إليه من خطوات ومراحل وبرامج للقدرات النووية الإسرائيلية، يؤكّد امتلاكها للعناصر الرئيسة الآتية(33):‏
1 ـ القاعدة العلمية والتكنولوجية والخبرات النووية، إذ تقدّر المصادر العلمية الغربية، إنه يتوفر لإسرائيل حالياً حوالي 2000 (ألفي) عالم وخبير ومهندس وفني في المجالات النووية المختلفة، وهم على اتصال بحوالي 600 معهد علمي ومركز للبحوث النووية في حوالي ثماني دول، كما تهتم بتشجيع هجرة العلماء اليهود من شتى أنحاء العالم.ولديها مؤسّسة الطاقة النووية ذات النشاط الكبير في الجامعات والمعاهد التكنولوجية داخل وخارج إسرائيل. وتشرف على جميع الأبحاث النووية التي تجري في الجامعات والمعاهد الإسرائيلية، وتدير أيضاً جميع المفاعلات والمنشآت والمشروعات النووية في إسرائيل. ومن أبرز الأبحاث التي أشرفت عليها هذه المؤسّسة، مشروع إنتاج الماء الثقيل الذي قامت به شعبة النظائر في "معهد وايزمان"، حيث أصبحت إسرائيل نتيجة لذلك قادرة على تأمين 95% من متطلبات العالم من هذه المادة، والتي يبلغ قيمة الغرام منها حوالي ألفي دولار.‏
2 ـ المفاعلات والمنشآت النووية.‏
3 ـ التجارب النووية المحتمل أن تكون قد أجرتها إسرائيل.‏
4 ـ أنواع وأحجام مختلفة من الأسلحة النووية.‏
5 ـ وسائل توصيل وإطلاق الأسلحة النووية (طائرات الفانتوم: إف 16 وإف 15 وف 4 ي)، وطائرات سكاي هوك، وطائرة "الكافيير" من إنتاج إسرائيل + صواريخ أرض ـ أرض من طراز "لانس" و"أريحا2" و"كروز" + مدافع قادرة على إطلاق ذخائر نووية).‏
وإذا أردنا معرفة ما بلغته إسرائيل في ميدان الأبحاث العلميّة وتطوير التكنولوجيا، وحجم العلاقات القائمة بينها وبين دول العالم، فلابدّ من إلقاء نظرة على "التقرير السنوي لوزارة العلوم الإسرائيلية"، الذي صدر مؤخراً عن الأعوام 1995 و 1996 و1997 34-. وهو يقترح إعطاء أولوية لما يسمّيه بالأبحاث الاستراتيجية التي تقع بين الأبحاث الأساسية (العلمية البحتة)، والأبحاث التطبيقية (التسويقية). ويشير التقرير إلى أن إسرائيل كانت تحتل المرتبة الأولى أو الثانية في العالم في الفئة التي يحدّدها عدد المنشورات العلمية لكل فرد. وإسرائيل إلى جانب أربع دول أخرى، هي عضو في المجموعة النخبوية والمؤلّفة من خمس دول رائدة في ستٌ من أصل عشرين مهنة علمية.‏
وطبقاً للمعايير الدولية، فإنّ إسرائيل تحتل المرتبة الأولى في علوم الكومبيوتر، والمرتبة الثالثة في الكيمياء، والمرتبة الخامسة في مجالات الفيزياء والبيولوجيا والميكروبيولوجيا..‏
ويطالب "التقرير" بزيادة الحصة الحكومية السنوية المخصصة للأبحاث الاستراتيجية وهي بحسب التقرير "تلك التي تقع بين ميداني الأبحاث الأساسيّة والأبحاث التطبيقية، وتسعى إلى تحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية.. وتوجّهها المصلحة القومية الساعية إلى زيادة الدخل الفردي والنمو الاقتصادي" من 8 في المئة إلى 15 في المئة خلال السنوات المقبلة، ما يوازي إضافة تبلغ نحو مئتي مليون شيكل إسرائيلي جديد، أي 60 مليون دولار. كما يطالب بزيادة النفقات الوطنية على الأبحاث والتطوير، حتى سنة 2005، من 1,2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي إلى 3 في المئة منه، مثلما تنوي أن تفعل كوريا الجنوبية والسويد وسويسرا واليابان، علماً أنَّ زيادة سنوية بنسبة 0,2 في المئة قد تضيف نحو مئتي مليون دولار للأبحاث والتطوير. إنَّ المبادئ والبرامج التي وضعتها "اللجنة الوطنية التنفيذية لتطوير الأبحاث الاستراتيجية"، و(المعروفة كذلك بـ"لجنة الثلاثة عشر")، واللجان الوطنية للأبحاث الاستراتيجية بالتعاون مع "وزارة العلوم"، ركّزت على الجهود الخاصّة بتطوير تكنولوجيا جديدة، أو على تحسين التكنولوجيات الموجودة الممكن تطبيقها والمنسجمة اقتصادياً مع قدرات الصناعة الإسرائيلية.‏
وضمن إطار الموازنة المخصّصة للعامين 1995 و1996، دعمت الوزارة برامج الأبحاث إلى حد تخصيص أكثر من 120 مليون شيكل إسرائيلي جديد لمشاريع الأبحاث ولتدريب القوة البشرية العلمية، ولشراء تجهيزات علمية محدّدة ولتأسيس "مركز الكومبيوتر المتفوق"، ولإعادة تأهيل "مركز الميكرو ـ ألكترونيات" في "معهد تخنيون ـ إسرائيل للتكنولوجيا"، بعد تعرّض "المركز" لأضرار جسيمة نتيجة الحريق.‏
وفي عامي 1995 و 1996 جرى التركيز على ميادين ذات أولوية قصوى للقاعدة العلمية ـ التكنولوجية الإسرائيلية، هي: "البصريات الإلكترونية، التكنولوجيا المعلوماتية، الأدوات المتطورة، الميكرو إليكترونيات، ألبيوتكنولوجيا، والرياضيات التطبيقية، حيث درست في هذا السياق 405 اقتراحات لمؤسسات بحثية مختلفة في إسرائيل، وشارك فيها 1400 رئيس فريق أبحاث بالإنسجام مع توصيات "هيئات المراجعة والتطوير المهني"، تم تمويل 110 مشاريع أبحاث خلال عام 1995 و1996، وأعطيت 54 منحة دراسية في الميادين الستة المذكورة. وكان مجموع المبالغ المخصّصة 41 مليون شيكل إسرائيلي جديد عام 1995، 659 مليون شيكل إسرائيلي جديد عام 1996.‏
وبناء على توصيات "اللجنة الوطنية للأبحاث الاستراتيجية في التكنولوجيا المعلوماتية" استُثمر 25 مليون شيكل إسرائيلي جديد في مدى أربعة أعوام لتأسيس "مركز الكومبيوتر المتفوّق". وقد انضمّت لجنة التخطيط والموازنة في مجلس التعليم العالي إلى هذه المبادرة واستثمرت مبلغاً مماثلاً لشراء كومبيوترات أقل ثمناً لكن ذات فاعلية ملائمة للجامعات، بهدف تمكينها من تنسيق نشاطاتها في مجال الكومبيوتر مع "مركز الكومبيوتر المتفوّق"، (الذي يقع في حرم "جامعة تل أبيب" ويتضمن كومبيوترين متفوّقين). وهو جاهز لخدمة جميع المستخدمين المحتملين في إسرائيل ـ سواء أكانوا في الجامعات أم في مراكز الأبحاث أم في قطاع الصناعة.‏
والجدير بالذكر أنه تم تخصيص مبلغ 2,9 مليون شيكل إسرائيل جديد، لإنشاء احتياط استراتيجي من الأفكار التكنولوجية المبتكرة ولدراسة مدى قابلية هذه الأفكار للتطبيق.‏
أما في عام 1997 فإنّ الموازنة المُخصَّصة لبرنامج الأبحاث الاستراتيجية، فقد كانت تهدف إلى تسهيل تطبيق نشاطات الأبحاث وفق البنود التالية:‏
أ ـ تمديد مشاريع الأبحاث: تمويل استمرار مشاريع الأبحاث التي كانت بدأت في عامي 1995 و1996 ويُطبّق هذا النشاط تبعاً لما كان مخطّطاً.‏
ب ـ التوسّع: إضافة مشاريع أبحاث جديدة إلى مجالات موجودة أصلاً متفرّعة من ميادين الأبحاث الستّة المحدّدة بأنها "ذات أولوية وطنية" في عامي 1995 و1996.‏
جـ ـ الزيادة: إضافة مجالات جديدة متفرعة من الميادين الستة "ذات الأولوية الوطنية".‏
د ـ ميادين أبحاث جديدة: تعزيز نشاطات أبحاث جديدة في مواضيع بحث استراتيجية أساسية تتعلّق بمشكلات البيئة والموارد المائية.‏
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ "وزارة العلوم"، الإسرائيلية عقدت اتفاقات تعاون علمي مع 26 دولة في العالم(35). وتنص هذه الاتفاقات على تنفيذ برامج أبحاث مشتركة، بإنفاق سنوي يبلغ 78 مليون شيكل إسرائيلي جديد (مايعادل 3,22 مليون دولار تقريباً) مع كل من ألمانيا وفرنسا واليابان والهند والصين وكوريا الجنوبية. ويُستثمر نحو 58 مليون شيكل إسرائيلي جديد من هذه المبالغ في إسرائيل (أي نحو 5,16 مليون دولار)، ويجري استثمار 6 ملايين دولار في البلدان المشاركة الأخرى. بالإضافة إلى ذلك، تمكّن هذه الاتفاقات من تطبيق برامج ترتكز على تبادل الباحثين العلميين، وعلى عقد مؤتمرات وحلقات بحثية مشتركة.‏
وتبرز الاتفاقات المشار إليها بين "وزارة العلوم" الإسرائيلية والأطراف الأخرى التركيز على النقاط التالية:‏
ـ تشكيل علاقات علمية ثابتة مع البلدان المميزة والرائدة في مجالات علمية محدّدة.‏
ـ كسب إمكانية الوصول إلى معلومات خاصة (ثمينة للغاية)، غير متوافرة في إسرائيل.‏
ـ كسب إمكانية الوصول إلى مصادر تمويل أجنبية.‏
إضافة إلى ما تقدّم فإن إسرائيل عضو نشيط في منظمات علمية‏
عالمية(36)، وهو ما يشكّل اعترافاً بقدراتها العلمية. فمن وجهة النظر المهنيّة، تمكّن هذه العضوية الباحثين الإسرائيليين من استخدام تجهيزات متطورة وثمينة للأبحاث، هي غير متوافرة في إسرائيل، ومن المشاركة في عروض في الخارج، ومن الحصول على أحدث المعلومات فيما يتعلّق بالتطوّرات التي تطرأ على مجالات اهتمامهم، ومن التأثير على القرارات المتخذة على صعيد دولي (خصوصاً في ما يتصل بعلوم الحياة والعلوم الدقيقة)، ومن تعزيز موقع إسرائيل في المجتمع الدولي. ومن أبرز هذه المنظمات والهيئات العالمية: "منظمة البيولوجيا الجزيئية الأوربية"، و"مختبر البيولوجيا الجزيئية الأوروبي"، "المركز الأوروبي للأبحاث النووية"، "برنامج التعاون الأوروبي لشبكات الموارد الجينية في المحاصيل"، "منظمة اليونسكو" (فهي عضو في المجلس العلمي لبرنامج المعلوماتية، وعضو نشيط في مخطط الهيدرولوجيا الدولي، وفي برنامج الحفاظ على البيئة)، وغيرها من المنظمات.‏
(*) - في الأصل ورقة قُدمت إلى المؤتمر السنوي الرابع "لمركز دراسات المستقبل" التابع لجامعة أسيوط (في مصر)، المنعقد تحت عنوان " مستقبل الخيار النووي في الشرق الأوسط" في الفترة من 16 إلى 18 تشرين الثاني / نوفمبر 1999.‏




التوقيع

إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بدّ أن يستجيب القــــدر
و لا بــــدّ لليــل أن ينجلــي
و لا بـــدّ للقيــد أن ينكسـر
رد مع اقتباس