عرض مشاركة واحدة
قديم 05-01-2010, 12:00 AM   رقم المشاركة : 7
الهادي الزغيدي
عضو





الهادي الزغيدي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: الأبعاد الفكريّة والعلميّة -التقنيّة للصراع العربي الصهيوني

الفصل الثالث: الأمن القومي العربي والتحدّي العلمي - التقني(*)
كان الأمن القومي وما يزال المسألة التي تشغل بال الأمم والحكومات مهما بلغ حجم القوّة التي تحت تصرّفها ونوعها. وتوفير الأمن على نسبيّته يشير إلى نجاح السياسة الخارجية للدولة وقدرة أجهزتها المختصّة على بلوغ الأهداف المرسومة، وذلك من منطلق أن الأهداف السياسية الخارجية تُحدّد وفقاً لاعتبارات الأمن القومي(1).‏
والحقيقة ما يزال الحديث عن "أمن قومي عربي" حديثاً عن أمن يفترض السعي إليه وإيجاده، ويناضل من أجله طلائعيون من أصحاب الوعي القومي، لذلك قد يكون الحديث مزيجاً من الواقع والأمل، وفيه الحقائق والأمنيات والمخاوف والطموحات.‏
ونحن هنا نعترف مع المختصيّن العرب(2) أنّ الأمن القومي العربي مازال مفهوماً مُتحرّكاً من حيث الاتفاق مع تعريفه وتحديده ورسم معالمه. وما زالت صلته بالأمن القطري ضبابية غائمة. فأين يبدأ القومي وينتهي، وأين أوّل القطري وأين آخره؟!.. وما هي معايير الخطر القومي، وما هي حدود السيادة القطرية في تجاوز مفهوم الأمن القومي؟!.. وأين هذه الحدود، هل رُسمت، ومن يرسمها؟! ما هي القوى القطرية التي يمكن احتسابها في خانة الأمن القومي، وكيف يمكن تحويل هذه القوى القطرية إلى قدرات قومية تنظمها وتعبئها وتطوّرها وتستخدمها قيادات قومية متخصّصة؟!. وما هي القيادات والمؤسّسات والأجهزة التي يجب أنْ تتولى شؤون الأمن القومي بجوانبه السياسيّة والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلميّة؟!.‏
كيف يمكن الانتقال من الأمن القومي كأمل منشود وجهد فكر مبذول إلى الأمن القومي كسياسات واستراتيجيات وخطط وبرامج؟!. ثمّة إشكاليات وتساؤلات كثيرة وهامّة مطروحة أمام الباحثين والمفكّرين والسياسيّين والمختصّين بشؤون الأمن القومي العربي. ولا تدّعي هذه الدراسة أنها ستجيب على جميع هذه التساؤلات، أو تقدّم حلولاً ناجزة لمسائل التحدّي العلمي التقني الذي يواجه الأمن العربي بوصفه أحد أشكال التحدّيات الضخمة في بداية القرن القادم. وكلّ ما تطمح الدراسة إليه، أن تساعد في عرض أبرز الرؤى والأطروحات والأفكار والمعطيات، التي من شأنها إعطاء تصوّر أقرب إلى الواقع، وتحفيز الأذهان للتفكير في مسألة تُعدّ من أخطر المسائل، التي تواجه الأمّة العربيّة في صراعها الاستراتيجي مع الصهيونية العالمية، وقاعدتها الإقليمية الاستيطانية -التوسّعية- "إسرائيل".‏
وإذا عدنا إلى بعض الوثائق الرسميّة مثل معاهدة "الدفاع المشترك" والتعاون الاقتصادي المبرمة في حزيران / يونيو عام 1950 في الإسكندرية، وميثاق التضامن العربي الذي تم التوصّل إليه في أيلول/ سبتمبر عام 1965 في الدار البيضاء، فإننا سنلاحظ أن مسألة الأمن القومي ليست بعيدة عن أذهان القادة العرب. بيد أن التساؤلات تنصرف إلى الممارسات العملية ومدى الجديّة في التطبيق.‏
ولكن ما هو المفهوم العربي للأمن القومي؟! وما نوع التحدّي العلمي التقني الذي يواجهه؟!.‏
أوّلاً: المفهوم العربي للأمن القومي‏
ما زال الفكر السياسي العربي بعيداً عن صياغة محدّدة لمفهوم الأمن القومي في الوقت الذي باتت مفاهيم كثيرة للأمن القومي في كثير من الدول واضحة ومحدّدة، كالأمن القومي الأمريكي والفرنسي والإسرائيلي. فقد تعدّدت الآراء في هذا الخصوص، ودون الدخول في التفصيلات نستطيع أن نحدّد ثلاثة اتجاهات متباينة. الأول يتجاهل فكرة الأمن القومي العربي، والثاني ينظر إلى المفهوم في إطار ما يجب أن يكون، في حين ينظر إليه الاتجاه الثالث كمرادف لمفهوم الأمن الإقليمي.‏
1- الأمن القومي كمرادف للأمن الوطني:‏
يركّز هذا الاتجاه على الأمن القومي، ويستخدم مصطلح الأمن القومي للإشارة إليه. ويبدو هذا المنهج واضحاً في عدد كبير من الكتابات وبخاصّة المصرية، كالحديث عن الأمن القومي المصري(3).‏
وقد أخذ أصحاب هذا الاتجاه مصطلح الأمن القومي عن الفكر الأمريكي، حيث وجد المفهوم صياغته الأولى في آراء عدد من الكتّاب ذوي الاتجاهات المختلفة. فقد رأى العسكريون أنّ الأمن القومي يعني القدرة العسكرية على حماية الدولة والدفاع عنها إزاء أي عدوان خارجي. ورأى السياسيون أنه مجموعة المبادئ التي تفرضها أبعاد التكامل القومي في نطاق التحرّك الخارجي. ورأى علماء الاجتماع أنه يمثّل قدرة الدولة على حماية قيمها الداخلية من أي تهديد خارجي. وبالتالي فإنّ مفهوم الأمن القومي بهذا التحديد يقترن بالدولة وجوداً وعدماً.‏
2-الأمن القومي كمطلب قومي:‏
يركز هذا الاتجاه على الفكرة القومية رغم غياب الدولة العربية الواحدة من جهة، ووجود الأقطار العربية وما يسودها من تناقضات من جهة أخرى. فالأمن القومي العربي يتمثّل هنا في: "قدرة الأمة العربية من خلال نظامها السياسي الواحد -المفترض- على حماية الكيان الذاتي العربي، ونظام القيم العربية التاريخية، المادية والمعنوية، من خلال منظومة الوسائل الاقتصادية والسياسية والعسكريّة، حمايتها من خطر التهديد المباشر أو غير المباشر خارج الحدود أي دولياً أو داخل الحدود بدءاً بالتخلف وحالات التبعية وانتهاءً بإسرائيل. وهو التهديد الذي سبّب ولا يزال حالة من الهزيمة والانكسار العربي تمثلت مظاهره في فقدان الإرادة العربية لاستقلاليتها وفي تعطيل عمليات التنمية، وبروز دور الشركات متعددة الجنسية، وفي تضخيم الظاهرة الصهيونية إلى حد الاعتراف بشرعيتها وهي المظاهر التي قد تنتهي بتهديد حق البقاء الإرادي للجسد العربي"(4).‏
وبهذا يصبح الأمن القومي تعبيراً عن ثلاثة مطالب لا بدّ للأمة العربية من تحقيقها، الأول فكرة "الضرورة" التي تعني حق الدفاع عن النفس وما يرتبط بها من حشد للقدرات العلمية والتقنية والعسكرية ذات مواصفات عالية.‏
والثاني "وحدة الإرادة" في مواجهة "قوة الخطر" ونقصد بها الوحدة العربية النابعة من خصائص الوجود القومي. والثالث حق التنمية وبناء الذات انطلاقاً من حقيقة التكامل بين مختلف أجزاء الوطن العربي، وبتفاعل هذه المطالب وتحويلها إلى متغيّرات إجرائية نكون أمام أوجه القوّة وأوجه الضعف في الجسد العربي5-.‏
3-الأمن القومي كبديل للأمن الإقليمي:‏
يركّز هذا الاتجاه على فكرة الأمن المشترك للأقطار العربية بحيث يصبح الأمن القومي مرادفاً للأمن الإقليمي. وهو أكثر شيوعاً، بين المهتمّين بقضايا الأمن القومي، من الاتجاهين السابقين.‏
فمثلاً يؤكّد الباحثان محمد عنتر وعفاف الباز أنّ "الأمن العربي ينطبق عليه مفهوم الأمن الإقليمي، فالمفهوم هنا يشمل أكثر من دولة واحدة في منطقة جغرافية معيّنة تربطها روابط وصلات مُعيّنة. وفي معناه العام ينصرف الأمن العربي إلى تلك الحالة من الاستقرار الذي يشمل المنطقة العربية كلها بعيداً عن أي نوع من أنواع التهديد سواء من الداخل أم من الخارج"(6).‏
ويرى باحثٌ عربيٌ متخصّص أنّ الأمن القومي ".. ما تقوم به الدولة أو مجموعة الدول التي يضمّها نظام جماعي واحد من إجراءات في حدود طاقتها، للحفاظ على كيانها ومصالحها في الحاضر والمستقبل مع مراعاة المتغيرات المحليّة والدوليّة". ويرى "أنّ الأمن الجماعي ضرورة حتمية لتحقيق الأمن العربي لما له من فوائد عديدة، على أن يتم الالتزام بقواعد وأصول العمل الجماعي"(7).‏
ومن خلال إدراك طبيعة الاختلاف بين مفهوم الأمن القومي كما عرفه الفكر الغربي ومفهوم الأمن القومي العربي وفقاً لخصائص الواقع العربي، يرى عددٌ من الباحثين العرب: "أنّه تأمين المناعة الإقليمية والاستقرار السياسي والتكامل الاقتصادي بين أجزاء الوطن العربي، وتعزيز آليات وقواعد العمل المشترك بما فيها القدرة الدفاعية لوقف الاختراقات الخارجية للجسم العربي... وتصليب العلاقة التي تبدو هلامية في الوقت الراهن بين وحدات النظام العربي وما يتطلّبه ذلك من اعتماد الحوار والتفاوض لإنهاء الخلافات والصراعات الدائرة بين هذه الوحدات"(8).‏
ومن الطبيعي أنّ مأخذنا على الاتجاه الأوّل أنّه يقف عند الحدود السياسيّة، لكلّ قطر عربي باعتبارها الصورة المثالية للتطوّر السياسي المطلوب. ويبدو واضحاً أنَّ هذا الاتجاه يغفل:‏
أ- الوجود القومي وما يترتب عليه من تمييز بين أمن وطني خاص بكلّ قطر عربي وبين أمن قومي عربي شامل، وما يرتبط بذلك من تحديد للعلاقة بينهما على أساس التكامل الوظيفي، حيث إن تجاهل الوجود القومي لا بدّ أن يتضمن تهديداً للأمن الوطني بشكل أو بآخر(9).‏
ب- إنّ حركة المجتمع في أي قطر عربي تتم في ضوء حركة تطوّر الأمة العربية وليس بمعزل عنها. أي أنها حركة الجزء في الكل.‏
ج- إنّ الأخطار التي يتعرض لها أي قطر عربي تصيب بصورة مباشرة أو غير مباشرة الأقطار العربية الأخرى، لأنها تتجه في حقيقة الأمر إلى الأمة العربية ككل لتنال من الوجود القومي برمته. فالوجود الإسرائيلي القوي يشكّل تهديداً مباشراً لأمن الأقطار العربية وقدرتها على المواجهة العديد من التحدّيات. وليس هناك قطر عربي في منأى عن الأخطار التي قد تتعرّض لها أقطار عربية أخرى. والتحرك الإسرائيلي في المنطقة يؤكّد ذلك.‏
د- إنّه في إطار النظرة الضيّقة للأمن القومي لم يعد ممكناً تحقيق الأمن، ليس لأن العصر الذي نعيش فيه هو عصر التكتلات فقط، وإنما لأن العالم أضحى اليوم مترابطاً إلى الحد الذي لم تعد فيه أية دولة بمنأى عن تأثير التوترات الناجمة عن حركة الدول الأخرى في سعيها نحو بلوغ أهدافها وتأمين مصالحها.‏
أمّا النظر إلى الأمن القومي العربي على أنه أمن إقليمي ينطوي على خلط بين مفهومين مختلفين ليس من الناحية النظرية العامة فقط، وإنما فيما يخص الوضع العربي أيضاً. يؤكّد ذلك أكثر من مفكر عربي، فالدكتور حامد عبد الله ربيع يقول في هذا الخصوص: "... إنّ تصوّر الأمن العربي على أنه أساساً أمن إقليمي هو تعبير بعيد عن الصواب. إنّه البديل للأمن القومي وليس مجرد تطبيق لمفهوم الأمن القومي"(10). ويقول الدكتور عليّ الدين هلال: ".. الأمن القومي ليس مجرّد صورة من صور الأمن الإقليمي وحق الدفاع الشرعي الجماعي عن النفس وفقاً للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.. ففي هذه النظرة تهوين من حجم الروابط التي تجمع بين البلاد العربية وقصرها على رابطة الجوار الجغرافي. فالأمن القومي العربي يستند في الأساس إلى وحدة الأمة العربية وإلى وحدة الانتماء وإلى مفهومي الأمّة الواحدة والمصير الواحد، والأمن العربي كذلك ليس مجرّد حاصل جمع الأمن الوطني للبلاد العربية المختلفة، بل إنه مفهوم يأخذ في اعتباره الأخطار والتهديدات الموجّهة إلى هذه البلاد ويتخطّاها ويتجاوزها(11) إن أية صياغة لمفهوم الأمن القومي(12) ينبغي أن تأخذ في الحسبان الأمور التالية:‏
(أ) عدم الخلط بين مفهوم الأمن القومي ومفاهيم الأمن الأخرى.‏
(ب) إدراك حقيقة الوجود القومي من جهة ومتابعة تطوّر الفكرة القومية من جهة أخرى.‏
(ج) التصدّي للإجابة عن عدد من التساؤلات التي قد تثار في هذا الخصوص. من ذلك مثلاً: أين يقع مفهوم الأمن القومي في الفكر العربي؟ هل يدخل في إطار المبادئ فيكون متمشّياً مع المفهوم العربي للأمن القومي؟ أم أنّه في إطار القيم فيكون متمشّياً مع مفهوم المصلحة القومية؟.‏
يمكن القول بأن الأمن القومي العربي يعني تلك الحالة التي تكون فيها الأمّة العربية، ضمن الوعاء الجغرافي الذي يحتضن أبناءها، بعيداً عن أي تهديد داخلي أو خارجي، مباشر أو غير مباشر، لوجودها القومي أو لحركة تطوّرها وقدرتها على القيام بدورها الحضاري.‏
الأمن القومي يرتبط بحقيقة مزدوجة: الأوضاع الراهنة من جانب، والمستقبل من جانب آخر، الحاضر باعتباره إحدى مراحل التطور العربي، ممّا يعني النظر إلى الأمن القومي كتطبيق مؤقت للأمن القومي وليس كبديل له؛ والمستقبل باعتباره يتضمّن المراحل الأخرى ومن بينها الوحدة013).‏
يدور مفهوم الأمن القومي العربي في المرحلة الراهنة حول مجموعة المبادئ التي تضمن قدرة الدول العربية على حماية الكيان الذاتي للأمّة العربية من أية أخطار قائمة أو محتملة، وقدرتها على تحقيق الفكرة القومية. ولما كان هذا المفهوم يتضمّن تخطّي الأوضاع الراهنة، حيث التفسّخ والتجزئة والضعف، إلى وضع أفضل يلبّي احتياجات الطموح القومي، فإنّ الأمن القومي العربي يدخل في إطار ما ينبغي أن يكون. وهذا يعني أنّ ننظر إليه ضمن نطاق المصالح القومية الشاملة.‏
وبناءً على ما تقدم فإنّنا لا يمكن أن نفهم وجود أمن قومي للعراق مستقل عن الأمن القومي السوري أو الأردني، أو أمن قومي للسودان مستقل عن الأمن القومي المصري، وهكذا فإنه لا يمكن بأية صورة من الصور تحقيق الأمن القومي لأية دولة عربية بمعزل عن الدول العربية الأخرى، ويمكن أن نطلق على هذا المفهوم للأمن مصطلح "الأمن الجماعي المشترك"، الذي يشتمل على شقّين:‏
الأول وقائي: يتمثّل في الإجراءات الكفيلة بالحيلولة دون وقوع العدوان أو تهديد الأمن القومي.‏
والثاني يتضمّن التوازن والاستقرار: ويشمل الدول التي تواجه تهديداً مباشراً لوجودها، الأمر الذي يمكنها من توظيف مواردها وطاقاتها لتقوية قدرات الدول المجابهة (طموحات غير متحققة واقعياً).‏
إنّ النظر إلى كلّ قطر عربي بوصفه مكمِّلاً للقطر المجاور (أو الأقطار العربية المجاورة)، وساعياً نحو تحقيق التنسيق والتكامل معه ومع بقية الأقطار العربية يقودنا إلى تعريف الأمن القومي العربي "بأنّه قدرة الأمة العربية مجتمعة على التصدي لكلّ التحديات والأخطار الداخلية والخارجية التي تواجهها والتغلّب عليها، وصيانة استقلال ووحدة الأمة العربية، وزيادة متانتها العسكرية والاقتصادية والثقافية (والاجتماعية) في وجه التحدّيات التي قد تظهر في المستقبل"(14).‏
والواقع إنّ المعضلة الرئيسة التي تواجه العمل القومي العربي المشترك في الميادين والمجالات والهياكل كافة تتمثّل في التناقض الكبير القائم بين قومية التهديدات والتحدّيات والمهام المطروحة على العرب (جماعياً) من جهة، وبين انفرادية كل قطر عربي برسم سياسته الإقليمية والعربية والدولية وتنفيذها على مستواه الخاص، وقد أدّت هذه الازدواجية (التي بلغت درجة التناقض في أحيان كثيرة) إلى تراجع واضح في مكتسبات العمل القومي العربي على صعيد الممارسة الواقعية، حتى وصل الوضع إلى مرحلة مأسويّة تجسّدت (وما زالت للأسف) باستقواء أقطار عربيّة بالأجنبي على أقطار عربية شقيقة. وقد خلص تقريرٌ أنجزه فريق علمي عربي في إطار "مركز دراسات الوحدة العربية" إلى استشراف واقع مستقبلي خطير للعرب فيما لو استمرّت الأوضاع العربية الراهنة، وقال التقرير حرفياً: "إنّ كل الأقطار العربية، غنيّها وفقيرها، كبيرها وصغيرها، تواجه إما أزمة بقاء أو بقاء أزمة إذا استمرّ واقع التجزئة الراهن".‏
وقد أشار السيد الرئيس حافظ الأسد في كلمته أمام السادة أعضاء مجلس الشعب عند أدائه اليمين لولاية رئاسية خامسة في 11/ آذار من العام الحالي 1999 إلى وضع الأمة العربية المفكّك أمام التحدّيات الخطيرة، فقال: "إنّ ما يقلقنا اليوم هو حالة الأمّة العربية ومعاناتها من الوهن والضعف والانقسام والصراعات، وخوف البعض من البعض الآخر، وخوف الجميع من أخطار تهدّد الجميع وتسعى للسيطرة والهيمنة على الوطن كلّه إلى جانب العدوان الإسرائيلي.‏
لقد تجذّرت المصالح القطريّة الضيّقة، وغاب الأفق القومي الرحب، ممّا أتاح للقوى الأجنبية سهولة الهيمنة، ولإسرائيل سهولة الاستمرار بالعدوان، ممّا يكاد أن يفقد العرب جميعاً القدرة على النهوض والتقدّم.‏
في عقدي الأربعينات والخمسينات كان طموح العرب التحرّر من الأجنبي وتحقيق الوحدة العربية، في الستينات ومطلع السبعينات كان طموح العرب تحقيق التضامن العربي، وبعد ذلك إنّ الطموح اليوم هو وقف حالة الاقتتال والتنازع والصراع. [ويتساءل الرئيس الأسد مستنكراً]: "فأيّ عربي، مسؤولاً كان أو مواطناً عادياً، يستطيع القول إنّ هذه الحالة المؤلمة توفّرله الأمن والاستقرار والتمتع بالموارد والعيش الكريم...؟"(15).‏
ثانياً: التحديات المُهدِّدة للأمن القومي العربي‏
ثمّة أخطار وتحدّيات داخليّة وخارجية عديدة تُهدّد الأمن القومي العربي وترتبط بالطاقات والثروات والخصائص الجيوبوليتيكية للوطن العربي، والتي جعلت منه منطقة هامّة جدّاً اقتصادياً وسياسياً واستراتيجياً وحضارياً، ومن هذه التحدّيات:‏
وجود الكيان الصهيوني: يُعدّ وجود إسرائيل في قلب الوطن العربي، وفي منطقة هامة وحيوية جداً تصل بين مشرق الوطن العربي ومغربه، من أشدّ ما يتهدّد الأمن القومي العربي من تحدّيات. وخطر إسرائيل لا يتوقّف عند احتلالها لأجزاء من الوطن العربي فحسب، بل في أهداف الحركة الصهيونية التوسعية والعدوانية، المهدّدة عملياً لأقطار الوطن العربي كافّة (بل لأقطار إسلامية كإيران وحتى باكستان). والمخطّطات الإسرائيلية لا تتوقف عند حدود إسرائيل الحالية، بل تتجاوزها لتشمل رقعة أوسع من ذلك بكثير. ويمكن أن نضيف إلى التهديدات العسكرية الإسرائيلية المباشرة، تلك المشاريع التي تقوم إسرائيل بتنفيذها من أجل تضييق الخناق على الأقطار العربية المحاذية لها مباشرة، مثل سورية ولبنان والأردن ومصر.‏
ونشير هنا إلى أطماعها بالمياه العربية، واستيلائها على منابع المياه كاستراتيجية بعيدة المدى، إضافة إلى تمتين علاقاتها مع تركيا وعقد اتفاقيات تعاون وتنسيق مشترك بينهما على الصُعد كافة: عسكرياً وأمنياً واقتصادياً وسياحياً (وهو موضوع يتطلب دراسة منفصلة لضخامته ومخاطره). وتدعم إسرائيل المشاريع المائية التركية الضخمة على نهري دجلة والفرات ضمن مشروع "الشرق أوسطيّة" المعروف، الأمر الذي يتهدّد كلاً من سورية والعراق بكوارث غذائية وزراعية واجتماعية. كما أنّها تعمل منذ فترة ليست قصيرة على تمتين علاقاتها مع إثيوبيا وتنفذ في هذا الإطار مشروعات مائية مشتركة.كالمساعدة في إقامة سدود مائية على النيل الأزرق لنقل المياه عبر قناة مغطاة أو على نهر وناقلات مائية تجتاز البحر الأحمر وصولاً إلى إيلات، مقابل تقديم مساعدات عسكرية ومالية إلى الحكومة الأثيوبية، كما قامت إسرائيل بتمتين علاقاتها العسكرية والأمنية مع أرتيريا، بغية التوغل في جنوب البحر الأحمر الذي يُعدّ ذا أهمية استراتيجية خطيرة.‏
ثمة أخطار وتحدّيات عديدة تُهدِّد الأمن القومي العربي ناشئة من الداخل، وهذا ما يجعلها أشدّ خطورة على المستقبل العربي، لأنها ستتحول إلى عوامل ضعف، من شأنها التهيئة البنيوية للانقضاض الخارجي على الوطن العربي بصورة جماعية أو عبر الاستفراد بكل قطر أو مجموعة على حدة.‏
أ- في المجال السياسي: تُعاني الأقطار العربية من مظاهر التوتر وعدم الاستقرار الداخلي، الناتج عن التجزئة الإقليمية والسياسيّة والبشريّة والاقتصادية التي فرضتها القوى الأجنبية، وكذلك بسبب انتشار أغلبية من الحكومات التابعة، وغياب الحسّ القومي لديها، إضافة إلى الخلافات العربيّة، التي أصبحت- بكل أسف - سمة ملازمة للواقع العربي الراهن.‏
وهو ما أشار إليه السيد الرئيس حافظ الأسد في كلمته المذكورة، حيث قال: "لقد وقعت أخطاء كبيرة من هذا الشقيق أو ذلك، وتركت آلاماً عميقة وهذا أمرٌ حدث بالفعل، ولكن إلى متى وإلى أين...؟ هل من مصلحة أي مسؤول عربي أن يورث الأجيال القادمة هذه الصراعات...؟ وما هو الثمن الذي دفعناه والذي ستدفعه الأجيال القادمة، هذا إنْ بقي لها شيءٌ تدفع منه...؟.‏
يتكلّم البعض عن السلام مع إسرائيل في الوقت الذي نرفض فيه السلام فيما بيننا، ولن يتحقّق السلام مع إسرائيل موضوعياً، إلا إذا تحقق السلام بين العرب أنفسهم (16).‏
ب- في المجال الاقتصادي: مازال الحديث عن اقتصاد عربي واحد أو حتى عن تكامل اقتصادي عربي(17) أمراً غير واقعي. فالوضع الاقتصادي السائد في الوطن العربي تسوده مظاهر القطرية المتخبطة، ويغيب عنه التخطيط القومي المتكامل الشامل، الذي نصّ عليه ميثاق جامعة الدول العربية والاتفاقيات الاقتصادية العربية. ودون الخوض في هذه المسألة يمكن إبراز العديد من الإشكاليات المتعلّقة بالجانب الاقتصادي للأمن القومي العربي، والتي تتمثّل في:‏
- التبعية العربيّة للاقتصاد العالمي، وبطء عملية التنمية الاقتصادية واتخاذها طابعاً قطرياً.‏
- غياب التطوّر الشامل، وغياب التنسيق التجاري والإنتاجي بين هذه الأقطار.‏
- توظيف رؤوس الأموال العربية وهروبها إلى خارج الوطن العربي، وتشير بعض الإحصاءات إلى أنّ ما يزيد عن 800 مليار دولار (من أموال العرب) موظفة في الخارج، وأنه مقابل كل دولار عربي يستثمر داخل الوطن العربي، يُستثمر 75 دولار عربي في الخارج، وهو ما يؤدي إلى حرمان الاقتصاد العربي من أموال هائلة يمكن الاستفادة منها لتدعيم البُنية الاقتصادية والعسكرية للأمن القومي العربي.‏
- يعاني الوطن العربي من أزمة حقيقية في مجال أمنه الغذائي، وتتضخّم هذه المشكلة يوماً بعد يوم نتيجة الازدياد الكبير في عدد سكان الوطن العربي، والذي يترافق بتناقص واضح في الإنتاج، ولا سيّما المواد الغذائية‏
الضروريّة(18).‏
حيث تبيّن الدراسات المتخصّصة أنّ الوطن العربي بجميع أقطاره شهد في العقود الثلاثة الأخيرة زيادة كبيرة في الهجرة من الأرياف إلى المدن، كما أنّ الأقطار العربية أصبحت مع أوائل السبعينات، من أكبر مناطق العالم استيراداً للمنتجات الزراعيّة، وأكثرها اعتماداً على الخارج في توفير احتياجات السكان من الغذاء (يُستثنى من ذلك القطر العربي السوري، الذي زاد إنتاجه الكلي للغذاء إلى أكثر من ثلاثة أمثال ما بين 1970 و 1993)(19). وقد جاء في دراسة "للمنظمة العربية للتنمية الزراعية" أنّ: الزراعة لا تزال تعاني من التخلف في كثير من جوانبها، ويعتبر العالم العربي منطقة العجز الغذائي الأوّل في العالم"(20).‏
وعموماً فقد لاحظ المجتمعون، المشاركون في الدورة التاسعة للمؤتمر القومي العربي، المنعقدة ما بين 15-18 آذار (مارس) 1999 في بيروت، لدى استعراض الأوضاع الاقتصادية العربيّة، لاحظوا تدهور مؤشّرات التنمية البشرية، الذي "يعود بشكل رئيس إلى السياسات الاقتصادية والمالية والاجتماعية، التي أدّت إلى زيادة الاستقطاب في المجتمع إلى درجة التشرذم الاجتماعي، واستبعاد أشدّ الفئات الاجتماعيّة حرماناً، واستمرار تهميش دور المرأة العربية، بل وتراجع مكانتها أحياناً. وقد لاحظ المؤتمر اتساع دائرة الفقر والحرمان وتزايد مؤشّرات البطالة، في الوقت الذي تؤكّد الإحصاءات تصاعد ثروات قلّة من المواطنين العرب.‏
كما لاحظ المؤتمرون لدى استعراض التحدّيات التي ستواجهها الاقتصادات العربيّة في القرن المقبل، وخاصة في مواجهة إخفاق عملية التنمية، ومأزق العمل العربي المشترك، والمشروعات الإقليمية المشبوهة وقضايا السكان والبيئة، وتحدّيات الأمن المائي والغذائي.. إلخ، أنّ مواجهة هذه التحدّيات لن يكتب لها النجاح ما لم تعمل الدول العربية على إحداث إصلاحات أساسيّة في القواعد الاجتماعية التي تحكم توزيع الدخل وتشكّل الاستهلاك وامتلاك قرار الاستثمار. مما يعني وجود مشروع اجتماعي- اقتصادي متناسق يقوم على أسس التنمية المستقلّة الشاملة والتكاملية ضمن خلفيات من الديمقراطية والشفافية، تضمن استخدام الشعوب العربية جميع وسائل الضغط الشعبي الذي يسمح بإقامة اقتصاد عربي قومي ومتين، يعزّز الموقف العربي التفاوضي تجاه التكتّلات الداخليّة والمؤسّسات الدولية، ويجعل الدول العربية قادرة على التعامل مع مختلف الجهات من موقع التكافؤ والنديّة(21).‏
ثالثاً: التحدّي العلمي- التقني‏
وتأثيراته على الأمن القومي العربي‏
إنّ التقدم العلمي والتقني في كل مجتمع مرتبط بشكل عضوي بالنهوض العام لهذا المجتمع، ولهذا نلاحظ تباطؤاً ملحوظاً في النهوض العلمي والتقني في الأقطار العربية، في الوقت التي تتسارع فيه مستجدّات العلم والتقانة في العالم بشكل انفجاري متصاعد وبوتيرة متسارعة.‏
ويُلاحظ أنّ معظم مؤشّرات التقدّم العلمي والتقاني العملية وبشكل خاص في الإنتاج والخدمات راوحت مكانها تقريباً خلال العقد الماضي، وتكفي الإشارة إلى أنه لم يتم سوى تسجيل عدد نادر جداً من براءات الاختراع من مبدعين عرب، وعدد نادر جداً من سلع جديدة أو طرائق إنتاج جديدة في الأقطار العربية، كما لم يسجّل الإنفاق على البحث والتطوير سوى زيادة‏
طفيفة(22).‏
ويتبيّن من تتبع حجم المنشورات والأبحاث العلمية العربية الصادرة في دوريات عالميّة23- أنّ معظم الأقطار العربية استمرّ في أدائه الضئيل المخيّب للآمال. فمثلاً في عام 1984 وظّفت مراكز البحث والتطوير 3745 عالماً أو مهندساً من حملة الدكتوراه و 4378 من حملة الماجستير. وكان ذلك ما معدّله 1,7 باحث خارج الجامعات (و 2,7 إذا ما أضفنا باحثي الجامعات) لكن 10,000 قدرة بشرية اقتصادية متوفرة في الوطن العربي؛ وبالمقابل كانت الأرقام في بعض البلدان منتقاة كالتالي: 66 (الولايات المتحدة)، 39 (فرنسا)‏
(24). وقد تركّز نصف البحوث العربية على الزراعة والطب والعلوم النظرية والاقتصادية والصيدلة. وبالرغم من الجهود الشجاعة لعدد من العلماء إلاّ أن البحوث الأساسية مازالت في نطاق ضيّق إلى حد يمكن اعتبارها من الناحية العملية غير موجودة(25).‏
ففي أوائل الثمانينات بلغ عدد النشرات العلمية العالمية بحسب معطيات "معهد المعلومات العلميّة" (الولايات المتحدة الأمريكية) كالتالي (لكل مليون مواطن): 1020 (الولايات المتحدة)، 450 (فرنسا)، 18 (البرازيل)، 16 (الهند) و 15 (الوطن العربي).‏
ويُعدّ انتشار المعرفة العلمية والخبرات البحثية في أقطار الوطن العربي أبطأ مما هو في البرازيل والهند، وذلك بسبب الاتصالات الضعيفة في ما بين العلماء العرب، وكذلك بسبب غياب المجاميع العلمية الفاعلة والاعتماد الكبير على الاستيراد المباشر للتقانة. والحكومات العربية من أضعف الداعمين لبحوث الإنتاج وتطويره (معظم المعامل مستوردة على أساس وتسليم المفتاح) إذ هي تخصّص 0,2 بالمئة فقط من الناتج الوطني الإجمالي للبحث والتطوير، بالمقارنة، مع الهند التي تخصّص 0,7 بالمئة، والبرازيل 0,6 بالمئة، بينما تخصّص البلدان الصناعية من 2 إلى 3 بالمئة(26).‏
وتبدو الحكومات العربية عاجزة عن تطوير نظمها الخاصة ومؤسّساتها لجعلها قادرة على الإفادة من العلوم لخدمة المجتمع، إذ يتطلب إدخال العلوم والتقانة إلى الاقتصاد العربي تغييرات بنيوية وسياسية ومجتمعية كبيرة.‏
فالتحديّات الاقتصادية والعسكرية والسياسية التي تواجه الوطن العربي اليوم تتشابك مع معطيات العلوم والتقانة، وكلّها تنعكس على الأوضاع الاقتصادية- الاجتماعية والثقافية، وعلى صراعنا الوجودي مع العدوّ الصهيوني. وبالتالي فإنّ التحدّي اليوم ومستقبلاً سيتركز على مدى قدرة كل طرف على الاستفادة القصوى من العلوم والتقانة المعاصرة، ودمج نتائجها في عملية إعادة البناء وتحرير الأرض والتنمية الشاملة.‏
من زاوية كميّة، يوجد في الوطن العربي إلى الآن ما يقارب من مئتي جامعة، إضافة إلى عدد غير قليل من مراكز البحوث، وما يقرب من خمسين ألف عربي يعملون كأساتذة أو كأعضاء في معاهد أبحاث عربيّة أو أجنبية. أمّا من الزاوية النوعية وحتى الكميّة فإنّ إنتاج العلماء والمفكرين العرب مجتمعين يقل عن إنتاج الفئة نفسها في "إسرائيل" قبل "البريسترويكا" (التي حققت هجرة واسعة للعلماء السوفييت إلى الكيان الصهيوني، وهو ما سنتوقف عنده لاحقاً)، على رغم تساوي أعداد فئة الباحثين في "إسرائيل" ودولة عربية واحدة مثل مصر (في عام 1985). ولدى مقارنة عدد البحوث والدراسات المنشورة في العلوم الطبيعية في ثلاثة عشر قطراً عربياً (الأردن، تونس، الجزائر، ليبيا، السعودية، السودان، سوريّة، العراق، الكويت، لبنان، مصر، المغرب، اليمن)، و "إسرائيل" من عام 1967 إلى عام 1983، يتبيّن أنّ مجموع ما أنتجه الباحثون العرب في مجال العلوم الطبيعية 2616 بحثاً في تلك الفترة، في حين أن إجمالي ما أنتجه الإسرائيليون في المجال نفسه 4661 بحثا(ً27).‏
وقد ورد في منشورات "معهد المعلومات العلمية" (isi) أنّ إنتاجية الباحث العربي تعادل 10 بالمئة من المعدّل العادي لغيره من العلماء لغاية عام 1973. وممّا يعاب على حركة البحث العلمي في الوطن العربي ندرة البحوث ذات الطابع القومي في معالجة القضايا والمشكلات ذات الطبيعة المشتركة، والتي قد يساهم حلّها في إيجاد مؤسّسة علمية عربية تهدف إلى النهوض بالمستوى العلمي والتقني وتنمية المهارات والخبرات المشتركة وإنضاجها(28).‏
فالأزمة هنا تتجلّى في غياب منظومة عربية لنقل المعرفة واستغلالها في التنمية، ورفع القدرات الدفاعية، وتقليل الفجوة العلمية- التقنية بين العرب والعدو الصهيوني. وتكاد معظم الأدبيات تجمع في تحليلها الواقع الراهن لمشكلة البحث العلمي والتخلّف التقاني في الوطن العربي على الأمور أو التحديات التالية: انخفاض عدد الباحثين بالمقارنة مع البلدان المتقدمة ومع المعدّل الوسطي العالمي؛ ضعف البُنية المؤسسية العلميّة (قطرياً وقومياً)؛ نقص مردودية الباحثين العرب؛ هجرة الأدمغة العربية إلى الدول المتقدمة؛ وأخيراً غياب استراتيجية عربيّة قومية شاملة لمعالجة هذه المشكلات، ووضع تصورات واقعية لمجابهة هذه التحدّيات الكبيرة.‏
ففي دراسة نُشرت في العام 1998 (29)، قُدّر عدد الباحثين في مؤسسات البحث العلمي العربية عام 1984 بـ 31118 باحثاً. وإذا أضفنا إليهم عدد الباحثين من الجامعيين، الذي يقدّر عددهم بـ 10 بالمئة من عدد العاملين في سلك التعليم العالي، حصلنا على 81113، وهو ما يعطي نسبة 2,7 باحثاً لكل عشرة آلاف من اليد العاملة. وهي نسبة، ضئيلة إذا ما قوبلت بمثيلتها في الولايات المتحدة وهي 66 بالمئة، واليابان 58 بالمئة وبريطانيا 36 بالمئة. وهي تمثّل 44،6 باحثاً لكل مليون نسمة من السكان.‏
وبالنسبة لنوعية مؤسّسات البحث العلمي الموجودة في الأقطار العربية، فإنه على الرغم من المحاولات الجادة التي قامت بها البلدان العربية لإنشاء وتطوير مؤسسات مركزية ومراكز بحث علمية وتقانية حديثة، لا تزال هذه المؤسسات تواجه مشكلات كبيرة تمنعها من الانطلاق والعمل المنتج، وأبرزها غياب سياسة علمية واضحة ومتسقة، تحدّد أهداف واقعية وعلمية ومجدية للبحث العلمي، تصب في التنمية الاجتماعية- الاقتصادية، وفي تأسيس قاعدة علمية- تقانيّة قوميّة مستقلّة، لا تخضع لابتزاز القوى والشركات الدولية ولا تتأثر بالمتغيرات السياسيّة الإقليمية والعالمية، وبسبب جملة المشكلات التي تواجه البحث العلمي العربي يسود مراكز البحث العلمي العربيّة أجواء متشابهة من حيث التخبّط والتردّد، وتحكّم القوانين البيروقراطية، والافتقار للتراكم والتقدّم، والشعور بعدم الجدوى، وعدم توافر المناخ الملائم للعمل البحث، ناهيك عن "ضعف المجتمع العلمي والثقافي وأحياناً عزلته عن النشاط الوطني" و "ضعف مراكز المعلومات العلمية، وخدمات التوثيق والمكتبات، وقلّة الحوافز، والتبعية العلمية والتقانية للخارج، وضعف البُنيات الأساسية".‏
وينجم عن ذلك نقص كبير في الإنتاج العلمي العربي من حيث الكميّة والنوعيّة معاً. فمتوسط إنتاج العلماء العرب يتراوح حول 0.4 بحث في العام.‏
وفي ما يتعلّق بالإنتاجية العربية في هذا المجال مقارنة بإسرائيل والدول المتقدمة، فإنّ الناتج العربي لا يزيد عن 1 بالمئة من الناتج الإسرائيلي، وأقلّ من ذلك للدول المتقدّمة. وتشير أرقام اليونسكو إلى أنّ إنتاج الباحثين العرب قياساً لعددهم الرسمي لم يبلغ سوى أقل من 20 بالمئة من المعدّل الدولي. وهذا يعني أن هناك حاجة لعشرة باحثين عرب في المتوسط لإنتاج ما ينشره باحث واحد في المتوسط الدولي.‏
وفي مقابلة صحفية أُجريت مع الدكتور طه النعيمي الأمين العام لاتحاد مجالس البحث العلمي العربية في شهر شباط (فبراير) 1999 (30) ذكر أن ميزانية البحث العلمي في أمريكا حوالي 3,2 % من الناتج القومي الإجمالي، وفي أوروبا هناك معدل عام لميزانية البحث العلمي يقدّر بـ 2,5 من الناتج القومي الإجمالي، وفي اليابان 3% وفي كوريا الجنوبية 1,91 ومن المتوقع أن تصل إلى 5 % خلال السنوات القادمة.‏
أمّا في الدول العربية فميزانية البحث العلمي تتراوح بين الصفر وبين 0,5% من الناتج القومي الإجمالي، وبعض الخبراء يصل بهذه النسبة إلى 0.7% وهي كلّها أرقام ضئيلة جداً إذا ما قورنت بميزانيات البحث العلمي في الدول المتقدمة. والمفترض أن تكون ميزانية البحث العلمي لدينا أكثر من الدول المتقدمة، لأنّنا نحتاج إلى دفعتين: الدفعة الأولى لتقليص الفجوة التي تفصلنا عن الدول المتقدمة، والثانية للإسراع بالتنمية واللحاق بكرب الدول المتقدمة.‏
وقد أشار الأمين العام لاتحاد مجالس البحث العلمي العربية (في المقابلة ذاتها) إلى الصلة المباشرة بين البحث العلمي والأمن القومي العربي، فقال: إنّ الحصار المفروض على العراق إذا كان معني به شيء فهو العلم والتقنية، لأنّ العراق نجح في عبور الخطوط الحمراء المرسومة للبلاد العربيّة، لأنّ الدول الغربيّة والقوى الكبرى رسمت خطوطاً لا يجوز للدول العربية أن تتجاوزها خاصة في مجالات التقنيات المتقدمة والبحوث التكنولوجية والبيولوجيّة والليزر والطاقة النووية، حتى كمجالات بحث أساسي وليست كصناعات معيّنة. فقد وصل الأمر بالقوى الكبرى إلى درجة منع حتى المجلة العلمية من الوصول إلى العراق، وكذلك منع وصول المعلومات والأجهزة المتقدمة من أجل القضاء على التطور والتقدم في مهده، والقوى الكبرى تخاف من العقل العربي سواء في العراق أو في سورية أو في مصر أو في الجزائر أو في غيرها. فالعقل العربي هو المحاصر وليس شعب العراق وحده(31).‏
من ناحية أخرى، نشير في هذا المجال إلى مشكلة خطيرة تتمثّل في تصاعد معدّلات هجرة الأدمغة العربية (32) إلى الغرب الصناعي، برغم الحاجة العربية الماسّة لهذه الكفاءات والطاقات العربية المتقدمة، التي يُفترض أنها هي التي تقود التنمية الشاملة، وتقلّص الفجوة العلمية- التقانية مع العدوّ الصهيوني.‏
فقد أشارت آخر الدراسات المنشورة(33) في هذه المسألة إلى أنّ عدد الأدمغة العربيّة المهاجرة إلى المجتمعات الغربية، وخاصة إلى الولايات المتحدة الأمريكية بلغ نحو 450 ألف نسمة. وهي خسارة فادحة لموارد بشرية عالية المستوى (حملة ماجستير ودكتوراه وهندسة واختصاصات نادرة أو المدرّبة تدريباً تقنياً رفيع المستوى)، والضرورية جدّاً لتحقيق النمو الاقتصادي ودفع عجلته إلى الأمام.‏
وهجرة الأدمغة مظهر من مظاهر الخلل الاجتماعي والثقافي الاقتصادي والسياسي والحضاري بشكل عام. وأسباب هجرة الكفاءات (الأدمغة) من أقطار الوطن العربي إلى خارج حدوده كثيرة ومتشعّبة، ولا مجال هنا للتفصيل فيها. ولكن يمكن الإشارة بصورة موجزة إلى مجموعتين من العوامل المؤثّرة، هما مجموعة العوامل أو القوى "الدامغة" أو "الطاردة"، ومجموعة العوامل أو القوى "الجاذبة" الموجودة أو المعروضة في البلدان المُضيفة، التي تسهم في خسائر بشريّة وخبرات يزيد حجمها عن مائتي مليار دولار. وأبرز العوامل "الدافعة" أو "الطاردة" تتجلّى في(34):‏
أ- المحيط السياسي.‏
ب- محيط العمل والوضع المعاشي.‏
ج- أنظمة التعليم العالي والبيروقراطية.‏
د- السياسات التقانية المختلفة.‏
أما العوامل "الجاذبة" فهي عكس العوامل "الدافعة" أو "الطاردة"، وأهمّها:‏
أ- المحيط العلمي المناسب.‏
ب- توافر المناخ الملائم فكرياً واجتماعياً وسياسياً.‏
ج- المستوى المعاشي اللائق لهذه الفئة المتخصّصة والشعور بالأمان والرفاه المادي والتسهيلات المختلفة.‏
وبشكل عام يمكن القول إنّ كثيراً من الدول العربيّة أهملت أدمغتها (علماءها وخبراءها وباحثيها) فلم تُخصّص لهم الرواتب الضرورية لتحقيق الحدّ الأدنى من المعيشة الكريمة- هذا إذا توفرت الوظيفة المناسبة للاختصاص والكفاءة- فرواتب ومستويات معيشة العلماء العرب في أقطارهم - باستثناء دول مجلس التعاون الخليجي حالياً- لا توفر الشعور بالرضى والاستقرار النفسي والضمان الاجتماعي والتفرغ للابتكار والإبداع (والدليل على ذلك أن العلماء والباحثين العرب يبدعون ويتفوقون في شتى الميادين في الغرب لتوفر الإمكانات والحوافز المادية والمعنوية والمناخ الاجتماعي المواتي للبروز والإنتاج والإبداع) وفي وقت تُقيّد فيه حرية الباحث العربي، وعدم تخصيص سنوات تفرّغ مدفوعة الأجر المجزي للبحث العلمي في الوطن العربي، نجد أن الباحث نفسه يحصل على كل هذه المزايا في الدول المتقدّمة.‏
وهكذا، فإنّ عوامل "الجذب" في البلدان الغربية مختلفة ومتنوعة، منها العلمية، والسياسيّة، والاجتماعية، والفكرية، (مناخ التسامح العام) وغيرها. وتبقى العوامل والمحفّزات الاقتصادية تحتل مكانة مؤثرة في هجرة الكفاءات العلمية- الفنية، والاختصاصية في الأقطار العربية الأكثر فقراً، والأشخاص الأكثر تأثراً بهذه العوامل هم الأفضل إعداداً وتأهيلاً، والأكثر خبرة في الإنتاج والتدريب والبحث في بلدانهم الأصلية.‏
ويرى دارسو هذه المشكلة أن الآثار المترتبة على "نزيف الأدمغة" أو "هجرة الأدمغة" كبيرة، وباهظة التكاليف بالنسبة للأقطار العربية حاضراً ومستقبلاً، ومنها:‏
1- إنّ خسارة الطاقات البشرية المتخصّصة تشلّ الجهود الوطنية (قطرياً وقوميّاً) لحلّ المشكلات التنموية المعقدة، وتفقد العرب مورداً خلاقاً وحيوياً وأساسياً بالنسبة إلى تطويرها علمياً وثقافياً وحضارياً.‏
2- إنّ تزايد البطالة في أوساط ذوي الطاقة العلمية الرفيعة، وحملة الإجازات الجامعية (والماجستير والدكتوراه أيضاً)، والتي بلغت 35 بالمئة أو اكثر (من حملة خريجي الجامعات العربية)، ستضاعف من حجم التوترات الاجتماعية والسياسية، وستدفع بقسم كبير من هؤلاء إلى العمل من أجل الهروب أو حتى للانخراط في جماعات وتيّارات معادية لبلدانهم الأصلية، الأمر الذي يزعزع الاستقرار الوطني ويهزّ الأمن القومي العربي عموماً.‏
3- ضياع الجهود والطاقات الإنتاجية والعلمية لهذه الكفاءات العربية التي تغذّي شرايين البلدان الغربية (وبعضها تعمل مباشرة في أجهزة ومؤسسات وشركات موجّهة ضدّ الأمن القومي العربي)، بينما تحتاج التنمية العربية وتطوير الإنتاج والصناعة الحديثة والزراعة المتقدّمة إلى مثل هذه الكفاءات في الميادين المختلفة، ولا سيّما في الاقتصاد والتعليم، والصحة، والتخطيط الحضري، والبحث العلمي، والتقانة، والصناعات العسكرية الذاتية.‏
4- تبديد الموارد والطاقات البشرية المتخصّصة والموارد المالية العربية الضخمة، التي أنفقت في تعليم هذه الكفاءات وتدريبها، والتي يحصل عليها البلدان الغربيّة من دون مقابل تقريباً.‏
ففي دراسة عربية قُدرت تكاليف إعداد المهندس بنحو 227 ألف دولار، و 198 ألف دولار لعالم الطبيعة، و 535 ألف دولار للطبيب. وبالإمكان أن تحسب وفق هذه المعطيات الحجم الهائل للخسائر العربيّة والنزيف السنوي المستمر لأفضل وأهم الطاقات والكفاءات العربية.‏
5- في وقت هاجر فيه أو "طُفِّشَ" قسرياً حوالي 500 ألف كفاءة عربية من حملة الشهادات العالية إلى الولايات المتحدة وأوروبا الغربيّة، تشير بعض الدراسات العربية إلى دفع الأقطار العربية أموالاً طائلة للخبرات الدوليّة، وهو ما يحمّل المشروعات الصناعية العربية تكاليف إضافية (للخدمات الاستشارية والعمولات والرشاوي) بنسبة تتراوح بين 200-300% مقارنة بالتكاليف الدولية، وأنّ قيمة الارتفاع في هذه التكاليف خلال المدة ما بين 1975- 1980 (خمس سنوات فقط) بلغت 25 مليار دولار، أي أكثر من إجمالي الإنفاق العربي في مجالات التعليم والبحوث والتقانة في المدّة من 1960 إلى 1984( 35).‏
وبذلك يتحمّل الوطن العربي بسبب هذه الهجرة خسائر مزدوجة، تتمثّل في ضياع ما أنفقته من أموال وجهود في تعليم وتدريبات الكفاءات العربية (المهاجرة) وإعدادها من جهة، وفي نقص الكفاءات وسوء استغلالها والإفادة منها، بل واستيراد الكفاءات أو الخبرات الغربية المماثلة بتكاليف كبيرة. وفي هذا السياق يقول باحث عربي تعقيباً على هذا الهدر الهائل: "لا بدّ أنّ أصحاب القرار والبيروقراطيين المعاونين لهم يشعرون شعوراً عميقاً بالنشوة عندما يتمكنون بجرّة قلم واحد، من إجراء صفقات عن طريق عقود "تسليم المفتاح" أو "سلعة في اليد" لشراء معمل فوسفات بقيمة 400 مليون دولار، أو مرفأ بقيمة ملياري دولار، أو معمل للغاز الطبيعي السائل بمليار دولار.. إلخ. ويمكن لهؤلاء الذين يعقدون الصفقات جني ثروات هائلة وسريعة عن طريق تسهيل منح هذه العقود‏
الضخمة(36).‏
6- الظاهرة المستجدّة والتي تنعكس بشكل خطير على الأمن القومي العربي وعلى مستقبل الصراع العربي- الصهيوني، تتمثّل في أنه وفي وقت ازدياد معدّلات هجرة الكفاءات العربية من الاختصاصات العلمية الهامة والحساسة باتجاه البلدان الغربيّة، فإنّ "إسرائيل" تستقطب آلاف العلماء من الاتحاد السوفييتي السابق، والذي قدّرت دراسة عددهم بأكثر من 70 ألفاً من المهندسين، وقرابة 20 ألفاً من الأطباء والممرّضين والفنانين، وحوالي 40 ألفاً من المدرسين، وقسمٌ كبير من هؤلاء حملوا معهم كثيراً من أسرار التطوّر العلمي (37)، والأسرار الأخرى.‏
وإذا كان عدد المهاجرين من يهود روسيا (ودول الاتحاد السوفييتي السابق) إلى "إسرائيل" منذ أواسط سنة 1989 إلى نهاية عام 1998 قد بلغ حوالي 800 ألف مهاجر، فإنّها تخطّط لـ "استقبال" 1,2 مليون مهاجر جديد حتى عام 2002.‏
وطبقاً لمعلومات "عوزي غدور"، مدير قسم خدمات الاستيعاب في "وزارة الاستيعاب"، فإنّه منذ بداية الهجرة الواسعة (سنة 1989) إلى نهاية عام 1991، كان في "إسرائيل" بين المهاجرين الجدد: 10 آلاف عالم، 87 ألف مهندس، 45 ألف هندسي وتقاني، 38 ألف معلم، 21 ألف طبيب، 18 ألف من رجال الفن، 20 ألف أكاديمي في العلوم الاجتماعية(38). وبحسب البروفسور "يرمياهو برنوبر"، من جامعة تل أبيب ورئيس قسم الأبحاث الإسرائيلية، في مجال الطاقة، فإنّ 20 % من المهاجرين الجدد هم من حملة الشهادات العلمية في مجالات الهندسة والفيزياء والكيمياء والتكنولوجيا. وفي إمكان طاقة كهذه أن تحول إسرائيل إلى ما يشبه اليابان من الناحية التكنولوجية(39).‏
وفي ما يتعلق بتعرّض الأمن القومي لخطر مؤكّد نتيجة هذه الاستراتيجية من الهجرة في حال استكمالها، فإنّ الأمر لا يحتاج إلى شرح أو توضيح أو براهين.‏

7- لقد كتب الصحافي الأمريكي "توماس فريدمان" في مقال بعنوان: "ما الذي يحدث عندما تهيمن إسرائيل على أمن الإنترنت؟" (في صحيفة "نيويورك تايمز")(40)، قائلاً، إنّ إسرائيل تصنف الآن في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة من حيث عدد الشركات الجديدة ذات الصلة بالكمبيوتر، التي انتشرت في التسعينات (في بورصة نيويورك تم تداول أسهم أكثر من مائة شركة إسرائيلية عاملة في هذا المجال، ووحدها الشركات الأمريكية المسجّلة في البورصة هي التي تجاوزت هذا الرقم).‏
تساءل "فريدمان" بعد ذلك: ماذا سيحدث عندما تكون هناك شركة إسرائيلية بالقرب من طبريا الوحيدة في العالم التي تصنع رقاقة تحويل رئيسية للإنترنت؟ وماذا سيحدث عندما تبدأ الشركات الإسرائيلية في الهيمنة على قطاع تكنولوجي أساسي وحسّاس للغاية مثل الأدوات المخصصة لأمن الإنترنت؟.‏
في التعقيب قال: الذي سيحدث أنّ الكل سوف يخطب "ودّ إسرائيل" بغض النظر عن مصير عملية السلام، فاليابان التي كانت تبتعد دائماً عن إسرائيل وتتعامل معها بمنتهى الحذر، خشية ردّ الفعل العربي، هي الآن ثاني أكبر مستثمر لرأس المال في المشاريع الإسرائيلية بعد الولايات المتحدة، لذلك فإنها تبادر إلى التهام شركات برامج الكمبيوتر الإسرائيلية. ولدى الصين الآن 52 عالماً يقومون بأبحاثهم في "معهد وايزمان" المعروف بإسرائيل. وللهند 52 عالماً أيضاً ونقل الكاتب عن باحث اقتصادي إسرائيلي قوله: "إذا كنت تملك التكنولوجيا التي يحتاجها الآخرون، فمن يعبأ إذا كنت تقمع الفلسطينيين؟".‏
هذا الإدراك لمدى التفوق الإسرائيلي في مجال التقنية العالية تباهى به رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو في حديث أمام المؤتمر الاقتصادي الإسرائيلي السنوي، الذي عقد في شهر حزيران 1998، وقال فيه إنه لا يضع قضية السلام مع العرب في رأس سلّم اهتماماته. مسوغاً ذلك بقوله: إنّ إسرائيل في المرتبة (24) بين الدول المتقدمة، فهي في المرتبة الثانية في العالم بعد الولايات المتحدة، من حيث معاهد الأبحاث أو العلوم، وفي المرتبة الثانية بعد ألمانيا في عدد المهندسين قياساً إلى السكان، وفي المرتبة الرابعة بعد اليابان والولايات المتحدة وفنلندا من حيث استيعاب التطورات التكنولوجية والدخل القومي.‏
وخلص من ذلك إلى النتيجة التي تعزّز وجهة نظره، في أن مستقبل "إسرائيل" ليس مرهوناً بالوطن العربي، وإنما بتعميق علاقاتها مع الغرب ودول شرق آسيا(41).‏
8- تنفق الأقطار العربية على البحث والتطوير ما يعادل 0,2% من ناتجها الإجمالي (أي سُبع المتوسط العالمي الذي يفترض أن يعادل 1,4 %)، وفي المقابل يرتفع المؤشر في "إسرائيل" عن المتوسط العالمي، فيتجاوز 2% أي أكثر من عشرة أمثال العرب، وإذا أدخلنا في الحسبان التفاوت في عدد السكان وفي حجم الناتج سنوياً (لاحظوا أنّنا نتحدث عن المجالات المدنية فقط)، لارتفعت الفجوة بين العرب و "إسرائيل" في الإنفاق على البحث والتطوير إلى أكثر من ثلاثين‏
مثلا(ً42).‏
9- من الأرقام الدالة على إمكانات المعرفة والبحث، أنّ عدد وصلات شبكة الإنترنت في منطقة الشرق الأوسط في مطلع عام 1998 تجاوز نصف مليون وصلة، نصفها في إسرائيل، وبذلك تصبح حصّة إسرائيل نسبة إلى عدد السكان خمسين مثل حصة الوطن‏
العربي(43).‏
10- في مجال براءات الاختراع والعلاقات التجارية، فإنّ بيانات "مكتب العلامات التجارية الأمريكية" (هي الأدق في هذا المجال) تشير إلى أن المقيمين في البلدان العربية سجّلوا في العام الماضي 24 علامة تجارية، بمعدّل عُشْر علامة تقريباً لكل مليون نسمة من السكان، أي أنّ معدّل التسجيل في إسرائيل نسبة للسكان، يتعدّى ألف مثل لمجمل الأقطار العربية(44).‏
11- إذا أردنا أن نجمل مؤشرات تفوق "إسرائيل" على العرب، نسبة إلى عدد السكان، فسنجد أنّها تتفوّق بمعدّل عشر مرات في الأفراد العلميّين، وأكثر من ثلاثين مرّة في الإنفاق والبحث والتطوير، وأكثر من خمسين مرّة في وصلات الإنترنت، وأكثر من سبعين مرّة في النشر العلمي، وقرابة ألف مرّة في براءات الاختراع(45).‏
ونحن نتحدّث على التفوق العلمي والتقني الإسرائيلي لا نغفل طبعاً التمويل الغربي الهائل ودعم المنظمات والتجمّعات اليهودية في العالم، لكنّنا يجب أنّ نقرّ في الوقت نفسه أنّ ثقافة العلم ومراكز الأبحاث تمثّل مكوّناً جوهرياً لطبيعة الدولة والمجتمع في "إسرائيل"، مذكّرين بأنّ أوّل رئيس دولة في "إسرائيل" (حاييم وايزمان كان عالماً بارزاً في الكيمياء)، وأنّ جزءاً هاماً من المعاهد العلمية ومراكز الأبحاث جرى تأسيسه قبل قيام الكيان الصهيوني‏
سنة 1948 (46).‏
من اللافت للنظر في هذا السياق كم وتعدّد الآليات التي وفّرتها "إسرائيل" لدعم البحث والتطوير، فهناك لجنة دائمة للعلم والتقانة تتفرّع عن مجلس الوزراء، ويرأسها وزير العلم. وتتعاون في هذه المهمّة وزارة الصناعة والتجارة مع وزارة العلم، وثمة تنسيق بين الوزارتين وبين الجامعات ومراكز الأبحاث الصناعية والزراعية.‏
ومنذ عام 1968، أنشأت الحكومة منصب "كبير العلماء" في ستّ وزارات. والآن يوجد "كبير العلماء" في كل الوزارات تقريباً (باستثناء وزارتي الاستيعاب والخارجية)، وشاغل هذا المنصب يتولى صوغ السياسات وتحديد الأولويات وتوفير الدعم والتدريب اللازمين لجهود البحث والتطوير في كل وزارة، ويضم كبار العلماء والباحثين في الوزارات المختلفة منتدى خاص بهم يرأسه وزير العلم.‏
البحوث النووية والبيولوجية تابعة لرئيس الوزراء، بسبب وضعها الدقيق والخاص. أمّا المراكز البحثية المتخصّصة ومؤسسات التطوير، وتلك التي تعمل بدعم وتمويل دول أجنبية، تغطي مختلف المجالات وتعمل بالتنسيق الدقيق مع بقية أجهزة الدولة.‏
رابعاً: ما العمل؟!‏
حاولنا في ما مرّ من صفحات تشخيص أبرز ما يتعرّض له الأمن القومي العربي من مخاطر وتحدّيات في المجال العلمي- التقني (وإن كان بصورة مختصرة) لقناعتنا المؤكدة بأنّ مواجهة الحقائق مهما كانت مريرة وصادمة، تظلّ هي الأسلوب الأجدى والأمثل لتشخيص الأمراض ومواضع الخلل والأخطاء القائمة والمحتملة، وعندئذ تتجه الأنظار والعقول والقدرات للبحث عن الحلول والمعالجات الناجحة، فأمتنا تمتلك طاقات مادية وبشرية وفكرية هائلة، ينقصها التنسيق والعقلانية والتخطيط والحشد والتوجيه الصحيح، والإرادة القومية الجماعية الصادقة والحرّة.‏
إنّ مواجهة الأخطار والتحدّيات لن تكون مثمرة وقويّة وجذريّة إن بقيت على مستوى قطري أو إقليمي ضيق، وإنّ تسرّع بضع الأقطار العربية وتلهّفها لإقامة علاقات مع الكيان الصهيوني، الذي يعبر كلّ يوم عن عدوانيته المتأصّلة ويكشف عن مخططاته الاستراتيجية، التي تستهدف الوجود العربي برمته، عدا عن رفضه الصريح للسلام الحقيقي، ورفضه تطبيق قرارات الشرعية الدولية، وتـحوّله إلى ترسانة هائلة لأسلحة الدمار الشامل والتجسّس وللأسلحة التقليدية الأكثر تطوّراً.. كلّ ذلك يجعل التلهّف لإقامة علاقات معه يمثّل منتهى التخاذل واللا مسؤولية، ويلحق أفدح الأضرار بالتضامن العربي وبالأمن القومي العربي الجماعي. وإنّ ما يُسمّى بـ "السوق الشرق أوسطيّة" يعني غزواً اقتصادياً وسياسياً وثقافياً وعلمياً إسرائيلياً للمنطقة العربية، بعد الربط الثنائي بين كل دولة عربية على حدة بجملة من الاتفاقيات مع "إسرائيل"، وبذلك يجري تفتيت الفضاء (أو المجال) الاقتصادي العربي إلى مناطق منعزلة ومفصولة عن بعضها من خلال مجموعة من المشروعات العربية- الإسرائيلية المشتركة (وقد صدرت مؤلّفات ودراسات وأبحاث كثيرة حول السوق الشرق أوسطية ومخاطرها المستقبلية)، التي ستقود إلى تصفية ما تبقى من مؤسسات الدولة في الأقطار العربية، وتحميل العرب تكاليف سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية و "إسرائيل" عليهم، عبر نهب الأموال العربية، وهدر إمكانياتنا الماديّة، وتحطيم إرادتنا القومية المستقلّة، وإشعال النزاعات بيننا.‏
ويكفي القول إن "إسرائيل" تخطّط في إطار الشرق أوسطية لإنشاء عشر جامعات (إسرائيلية) متخصصة في ميادين الإنتاج والتكنولوجيا، لتكون المسيطرة علمياً وتقنياً على المنطقة(47).‏
ويجمع الباحثون والمختصون، أنّ العرب يمتلكون مخزوناً بشرياً ومالياً هائلاً في مواجهة التحدّي العلمي، التقني المعاصر، يؤهّلهم (عند الاستخدام العقلاني المدروس) للقضاء على الفقر ونقص الأغذية والتبعية الاقتصادية.‏
إنّ ما يسهم إسهاماً خطيراً في تبعيتنا الاقتصادية والعلمية والتقنيّة، إنما يتجلّى في الانقسام والفُرقة والتركيز على الناحية القطرية، وتجنّب العمل العربي المشترك، مع أنّ العالم المعاصر يتّجه كلّه للتقارب والتكتّل وإزالة الحواجز الاقتصادية والجمركية وحتى السياسية والحدوديّة (وهو ما حصل في الاتحاد الأوروبي). فلا خلاص لقطر عربي مهما كانت قوته الاقتصاديّة أو العسكرية أو العلميّة بمعزل عن الأقطار الأخرى، وإن بلغ دخله السنوي مئات المليارات، لأنّ إقامة البُنية الاجتماعية- الاقتصادية والعلميّة والحضاريّة تحتاج إلى معونة وجهود وطاقات كل العرب، الذين يشكّلون كتلة متكاملة ذات أبعاد جيو- استراتيجية شاملة وقادرة إقليمياً ودولياً. فالمشكلة ليست مشكلة علم وتقانة، بل هي قاعدة مجتمعية من شأنها استيعاب معطيات العلوم المعاصرة وإدخالها في نسيج المجتمع.‏
إنّ النهضة العلمية- التقنية لن تحصل في غياب الاستراتيجية القومية الشاملة لمواجهة أمراض البيئة المستوطنة، وإيقاف زحف التصحّر، وشحّ المياه الصالحة للشرب، واستيعاب الطاقات البشريّة النازحة إلى المدن، والبطالة المتفاقمة والنسبة العالية من الأميّة (رغم مئات الندوات و "الاحتفالات" العربية السنوية بمحو الأميّة!!).‏
أمّا بالنسبة إلى مواجهة سلبيات البحث العلمي العربي وهجرة الأدمغة والكفاءات العربية فيمكن القيام بالخطوات التالية:‏
أ- تخصيص 2,5-3% من ميزانية كل قطر عربي لصالح البحث العلمي، وتقديم الامتيازات المالية والاجتماعية للعلماء والباحثين كأفراد ومؤسسات، وهو اتجاه أخذت تنتهجه بنجاح ملحوظ دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية.‏
ب- الاستفادة النسبية من الكفاءات والأُطر العلمية المهاجرة، من خلال تنظيم مؤتمرات للمغتربين في الوطن الأم (وهو ما تقوم به سورية في العقد الأخير بصورة دوريّة وفعّالة)، وطلب مساعدتهم وخبراتهم، وتبادل المشورة معهم، سواء بصدد الإطلاع على أحدث وسائل المعالجات الطبية والدوائية، أو بشأن نقل الخبرات العلمية والتقانة، أو حتى بغرض المشاركة المالية والاقتصادية في تنفيذ المشاريع الحيوية.‏
ج- التعاون العربي- لإقامة مشروعات ومراكز أبحاث علميّة وجامعية تطبيقية، بغرض تكوين كفاءات عربية خبيرة للتخفيف من حدّة سلبيات هجرة الأدمغة والكفاءات العربيّة إلى البلدان الغربية، وكذلك لتبادل الخبرات واجتذاب الكفاءات المهاجرة للإشراف على البحوث وإنشاء المراكز العلمية وفق الأساليب العلمية المتطورة.‏
د- التركيز على توفير المتطلبات والظروف الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والسياسية اللازمة، لخلق بيئة ملائمة لربط العلم وأطره البشريّة المؤهّلة بسياسات تنموية شاملة، تقوم أساساً على الإفادة القصوى من الطاقات والكفاءات العربية، التي ما تزال موجودة بالوطن العربي، ومنحها الفرصة الكاملة للمشاركة الحقيقية في جهود التنمية كي لا تلحق بالكفاءات العربيّة التي هاجرت إلى البلدان الغربية، وبما أنه لا يمكن لأي قطر عربي أن يكون مكتفياً بذاته في ما يتعلّق بمتطلبات طاقته العلمية والاختصاصيّة والتقنية، فإنّ ذلك من شأنه أن يلزم البلدان العربيّة بالتنسيق والتعاون فيما بينها، ولا سيّما في ميدان البحث العلمي والإفادة القصوى من الكفاءات والقدرات العلميّة والعربيّة، التي تبحث عن عمل مناسب لاختصاصاتها وظروف معيشيّة وإنسانية مُلائمة. فالحلّ ليس بإنشاء مؤسسات بأبنية فخمة وتأثيث غال، أو تجهيزات تقنية حديثة، وليس في استيراد التكنولوجيا المتقدّمة، وإنّما في نهضة حضارية تنموية مدروسة على أساس قومي، انطلاقاً من وحدة التاريخ والجغرافيا والظروف الاجتماعية والاقتصادية والهوية المشتركة والتحدّيات الواحدة، الموجّهة ضد العرب جميعاً، فالبعد القومي للنهضة المجتمعيّة- الاقتصادية، والاستثمار العربي المشترك لمواردنا الضخمة، هما العاملان اللّذان يمهّدان الطريق لإبداع عربي كبير في مختلف المجالات الاقتصادية والعلمية والتقنية، دون تجاهل تجارب المجتمعات الأخرى. وبذلك نواجه التحدّي العلمي- التقني الراهن كجزء من التحدي الحضاري الشامل.‏
والضرورة تقتضي أن تنزع الأمّة نفسها من فكرة الهزيمة التي أصبحت وسيلة متعمدة لإخماد حيويّتها، وبحيث أصبح تخليد وترسيخ الهزيمة وسيلة لتبرير العجز والقعود، إنّ رجلاً يمكن أن ينهزم، وجيشاً يمكن أن يهزم، ونظاماً يمكن أن ينهزم، ومرحلة يمكن أن تنهزم، ولكنّ الأمم لا تنهزم إلا في انهزام إرادتها، وتلك هي العبرة الأهم والأكبر في كل صراعات التاريخ قديماً وحديثاً.‏
ولا شكّ أنّ استعادة ثقة الأمّة في نفسها وثقتها بمستقبلها المشترك، وإعادة الاعتبار للعمل القومي... هي في حدّ ذاتها المعادل السياسي للترسانة النووية الإسرائيليّة، ولقدرات العدوّ العلميّة والتقنية(49).‏
الحواشي‏
1. انظر على سبيل المثال: د. عطا محمد صالح زهرة، "الأمن القومي والعمل العربي المشترك"، "المستقبل العربي" السنة التاسعة، العدد 94 (كانون الأول/ ديسمبر 1968)، ص 16-35.‏
2. لمزيد من التفصيل، انظر: د. هيثم الكيلاني، "مفهوم الأمن القومي العربي- دراسة في جانبيه السياسي والعسكري"، ضمن كتاب - الأمن القومي: التحدّيات الراهنة والتطلعات المستقبلية (أعمال ندوة مركز الدراسات العربي الأوروبي. من 9 إلى 11/ 1/ 1996)، ص 53- 78.‏
3. حسن نافعة، مصر والصراع العربي الإسرائيلي: من الصراع المحتوم إلى التسوية المستحيلة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1984)، ص 16، 17، 116، 117.‏
4. رفعت سيّد أحمد، "الأمن القومي بعد حرب لبنان"، - "شؤون عربيّة"، العدد 35 (كانون الثاني/ يناير 1984)، ص 82.‏
5. المصدر نفسه، ص 83.‏
6. حامد عبد الله ربيع، (مشرف)، المضمون السياسي للحوار العربي الأوروبي (القاهرة: معهد البحوث والدراسات العربيّة، 1979)، ص 220.‏
7. انظر: أمين هويدي: الأمن العربي في مواجهة الأمن الإسرائيلي (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر: 1975)؛ وله أيضاً: في السياسة والأمن (بيروت: معهد الإنماء العربي، 1982)، ص 27.‏
8. انظر: محمد صالحة، "مسألة الأمن العربي بين المفاهيم، الواقع، النصوص"، -"شؤون عربيّة"، العدد 35 (كانون الثاني/ يناير 1984)، ص 27.‏
9. انظر: "6 أكتوبر والأمن القومي"، إعداد وحدة البحوث الدولية بمركز الدراسات السياسيّة بالأهرام، - "الأهرام"، 8/ 10/ 1975.‏
10. انظر: حامد عبد الله ربيع (مشرف) المضمون السياسي للحوار العربي الأوروبي، ص 186.‏
11. علي الدين هلال، "الأمن القومي العربي: دراسة في الأحوال"، - "شؤون عربية"، العدد 35 (كانون الثاني/ يناير 1984)، ص 21.‏
12. انظر حامد عبد الله ربيع، "مفهوم الأمن القومي العربي والتعريف بمتغيّراته"، - "شؤون عربية"، العدد 2 (نيسان/ أبريل 1983)، ص 306- 309؛ سمير خيري، انظر: الأمن القومي العربي (بغداد: دار القادسيّة للطباعة، 1983)، ص 18 وما بعدها، وعبد المنعم المشاط "نحو صياغة عربيّة لنظرية الأمن القومي"، - "المستقبل العربي"، السنة 6، العدد 54 (آب/ أغسطس 1983)، ص 15 وما بعدها.‏
13. قارن: أسامة غزالي حرب، "أمن الخليج والأمن القومي العربي"، - "شؤون عربية"، العدد 35 (كانون الثاني/ يناير 1984)، ص 59- 60.‏
14. أيهم سهيل الملاذي، "الأمن القومي العربي وتحدّيات القرن الواحد والعشرون"، - "أوروبا والعرب"، العدد 173 (آذار/ مارس 1998)، ص 19.‏
15. انظر: نص الكلمة الخطيّة للسيّد الرئيس حافظ الأسد، التي وزّعت على السادة أعضاء مجلس الشعب عند أداء سيادته اليمين الدستورية أمام المجلس في 11/ آذار/ 1999 (المنشورة في الصحف السوريّة ووكالات الأنباء وللسادة أعضاء مجلس الشعب ومراسلي الصحف العربية والأجنبية في القطر العربي السوري).‏
16. المصدر نفسه.‏
17. عالجنا هذه المسألة بالتفصيل في دراسة بعنوان: "التكامل الاقتصادي العربي: طموح وعقبات" نشرت في كتاب لنا تحت عنوان: "معضلات التجزئة والتأخّر وآفاق التكامل والتطوّر" دمشق: منشورات اتحاد الكتاب العرب، 1998.‏
18. لمزيد من المعطيات المتعلقة باحتياجات العرب الغذائية، انظر: الدكتور محمد السيّد عبد السلام، الأمن الغذائي للوطن العربي، سلسلة "عالم المعرفة"، العدد 230 (الكويت: شوّال 1418 هـ - فبراير/ شباط 1998).‏
19. المصدر نفسه، ص 65.‏
20. المنظمة العربية للتنمية الزراعية (1990). "دراسة إنشاء الصندوق العربي للتنمية الزراعية"، الخرطوم، مايو.‏
21. انظر: النص الكامل لبيان المؤتمر القومي التاسع، المنشور في صحيفة "القدس العربي"، السنة العاشرة، العدد 3076، 30 آذار (مارس) 1999، ص 17.‏
22. المصدر نفسه.‏
23. انظر مفصّلاً للمنشورات العلمية العربية الصادر في دوريات عالمية (1989) في دراسة الخبير العربي الدكتور أنطوان زحلان، "التحدّي والاستجابة: مساهمة العلوم والتقانة العربية في تحديث الوطن العربي"، - "المستقبل العربي"، السنة الثالثة عشرة، العدد 146 (نيسان/ أبريل 1991)، ص 4- 17.‏
24. المنطقة العربية للتربية والثقافة والعلوم، لجنة استراتيجية تطوير العلوم والتقانة في الوطن العربي، استراتيجية تطوير العلوم والتقانة في الوطن العربي: التقرير العام والاستراتيجيات الفرعية.‏
25. المصدر نفسه.‏
26. أنطوان زحلان، "التحدّي والاستجابة: مساهمة العلوم والتقانة العربية في تحديث الوطن العربي"، مصدر سابق، ص 16.‏
27. أنطوان زحلان، "الإنتاج العلمي العربي"، ورقة قدّمت إلى تهيئة الإنسان العربي للعطاء العلمي: بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظّمها مركز دراسات الوحدة العربيّة بالتعاون مع مؤسسة عبد الحميد شومان (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية: 1985)، ص 119.‏
28. انظر: موسى النبهان وزيد ممدوح أبو حسّان، "البحث العلمي بين الضرورة الإنسانية والحصانة القومية"، - "المستقبل العربي"، السنة 19، العدد 212 (تشرين الأول/ أكتوبر 1996)، ص 102.‏
29. انظر: برهان غليون، "الوطن العربي أمام تحدّيات القرن الواحد والعشرين: تحدّيات كبيرة وهمم صغيرة"، - "المستقبل العربي"، السنة 19، العدد 232 (حزيران، يونيو 1998)، ص 22- 24.‏
30. انظر: نصّ المقابلة المنشور في صحيفة "البيان"، الصادرة في أبو ظبي، يوم الخميس 3 ذو القعدة 1419هـ/ فبراير (شباط) 1999، العدد 6819، ص 25.‏
31. المصدر نفسه.‏
32. عالجنا هذه المسألة في دراستنا المعنونة بـ "هجرة الأدمغة العربية إلى متى؟"- في مجلة "الفيصل"، العدد 240، جمادى الآخرة 1417هـ- أكتوبر/ نوفمبر (تشرين الأول/ تشرين الثاني) 1996، ص 46- 50.‏
33. انظر: الدكتور معين القدومي، "الأدمغة العربية بين الهجرة والتهجير"، - صحيفة "البيان" الصادرة في أبو ظبي، الخميس 8 ذو الحجة 1419هـ/ 25 مارس (آذار) 1999، العدد 6854، ص 10.‏
34. لمزيد من التفصيل، انظر، أنطوان زحلان، "هجرة الكفاءات العربيّة: السياق القومي والدولي"، - "المستقبل العربي"، السنة 15، العدد 150 (أيار/ مايو 1992)،‏
ص 4- 19.‏
35. د. محمد رضا محرّم، تعريب التكنولوجيا، "المستقبل العربي"، السنة 6، العدد 61 (آذار/ ماس 1984)، ص 77.‏
36. أنطوان زحلان، التحدي والاستجابة: مساهمة العلوم والتقانة العربية في تحديث الوطن العربي"، - "المستقبل العربي"، السنة 13، العدد 146 (نيسان/ أبريل 1999)، ص 17.‏
37. انظر: فهمي هويدي، "بلاغ لمن يهمّه الأمر" - "الأهرام"، الثلاثاء 4 ربيع الآخر 1419هـ- 28 يوليو (تموز) 1998، العدد 20776، ص 11.‏
38. نقلاً عن: أحمد سعد، "الهجرة اليهودية الراهنة في موازنة التطوّر الاقتصادي- الاجتماعي في إسرائيل"، "مجلة الدراسات الفلسطينية"، العدد 8، خريف 1991،‏
ص 296.‏
39. المصدر نفسه، ص 298.‏
40. نقلاً عن: فهمي هويدي، "بلاغ لمن يهمّه الأمر"- صحيفة "الأهرام"، 4 ربيع الآخر 1419هـ- 28 يوليو (تموز) 1998، العدد 20776، ص11.‏
41. المصدر نفسه.‏
42. المصدر نفسه.‏
43. المصدر نفسه.‏
44. المصدر نفسه.‏
45. المصدر نفسه.‏
46. عالج هذه المسألة بتفصيل دقيق وتوثيق كبير الباحث إبراهيم عبد الكريم في كتابه الهام: الاستشراق وأبحاث الصراع لدى إسرائيل (عمّان: دار الجليل، 1992).‏
47. انظر على سبيل المثال: كمال شاتيلا، "سوق شرق أوسطيّة.. أم سوق عربية مشتركة، التحدّي المصيري والحل العربي"، -بحث في ندوة "الأمن العربي: التحديات الراهنة والتطلعات المستقبلية"، الصادرة في كتاب تحت العنوان نفسه عن "مركز الدراسات العربي- الأوروبي"، طبعة أولى (باريس، 1996)، ص 313- 340.‏
48. المصدر نفسه، ص 322.‏
انظر: "تقرير حال الأمة 1998"، تقرير الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي التاسع، المنشور في مجلّة "المستقبل العربي"، السنة 21 العدد 242، (نيسان/ أبريل 1999)، ص 67- 147.‏
(*) نُشِرت هذه الدراسة في مجلة "الفكر السياسي"، الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق، السنة الثانية، العدد السابع، صيف 1999، ص: 32- 51.‏




التوقيع

إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بدّ أن يستجيب القــــدر
و لا بــــدّ لليــل أن ينجلــي
و لا بـــدّ للقيــد أن ينكسـر
رد مع اقتباس