عرض مشاركة واحدة
قديم 04-30-2010, 11:56 PM   رقم المشاركة : 5
الهادي الزغيدي
عضو





الهادي الزغيدي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: الأبعاد الفكريّة والعلميّة -التقنيّة للصراع العربي الصهيوني

الفصل الثاني: مراكز الأبحاث والمؤسّسات العاملة في خدمة التطبيع والاستراتيجية الصهيونية
(الأهداف- البرامج- الإشراف)*‏
يُمثّل التطبيع الثقافي الدعامة الرئيسة للتغلغل "الإسرائيلي" في المنطقة، لأنه أعمق وأكثر استقراراً من أيّ ترتيبات أمنية، مثل: المناطق منزوعة السلاح، ووضع قوات دولية، وأجهزة أنذار إلكترونية وغيرها من الترتيبات. فالتطبيع الثقافي يظلّ العامل الحاسم على المدى البعيد، لأنّ الصراع يترسّخ في وعي الشعوب وثقافاتها وفي ذاكرتها الجمعيّة ووجدانها القومي، فتصعب عمليّة هز القناعات وتدمير مقوّمات الذاكرة الوطنية، واختراق الثوابت التاريخية، والدينيّة والحضاريّة دون إقامة جسور للتواصل والتطبيع الثقافي. ومن هنا، فقد قامت الاستراتيجية الصهيونية وتجليّاتُها المعاصرة على محاولة نزع العداء من الوجدان والعقل والذاكرة العربيّة، استكمالاً لنزع الأسلحة المقاومة، وهي المهمّة التي تضمنُها الاتفاقات السياسيّة والأمنية، وضرورة استراتيجيّة انعقد حولها الإجماع الفكري في إسرائيل ويلتفُّ خلفها المخطّطون والمنفذون.. فقامت بتأصيلها والتنظير لها مراكز بحوث عمليّة وجامعات ومعاهد وهيئات أكاديميّة إسرائيلية "كالمراكز اليهودي العربي في جامعة حيفا" و "معهد العلاقات الإنسانية" (في جامعة حيفا) و "معهد الدراسات العربية" في جفعات حفيفا، و"قسم الدراسات الإسلاميّة والشرق أوسطيّة في الجامعة العبرية" و "مركز الدراسات الاستراتيجية في جامعة تل أبيب (باسم جافي/ يافيه فيما بعد" و"المركز الدولي للسلام في الشرق الأوسط" و"المركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة" وغيرها من المراكز والمؤسّسات البحثية المعروفة(1).‏
ومن المعروف أن الإجراءات والنشاطات التطبيعية من المسائل والنقاط الأساسية، التي نصّت عليها اتفاقيات كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو.‏
والتطبيع يعني الانتقال في العلاقات بين طرفين من مرحلة العداء إلى مرحلة طبيعية تقوم على أساس المصالح المتبادلة وحُسن الجوار والتعاون في الميادين والمجالات كافّة.‏
فعلى سبيل المثال نصّت "المادة الثالثة" من اتفاقيات كامب ديفيد تحت عنوان "العلاقات الثقافية" (بين مصر وإسرائيل) على مايلي(2):‏
1-يتّفق الطرفان على إقامة علاقات ثقافية عادية بعد إتمام الانسحاب المرحلي.‏
2-يتّفق الطرفان على أنّ التبادل الثقافي في كافّة الميادين أمر مرغوب فيه، وعلى أن يدخلا في مفاوضات في أقرب وقت ممكن، وفي موعد لا يتجاوز ستّة أشهر بعد الانسحاب المرحلي، بغية عقد اتفاق ثقافي.‏
كما نصّت "المادة الخامسة" من البند الثالث "على أن" "يعمل الطرفان على تشجيع التفاهم المتبادل والتسامح، ويمتنع كل طرف عن الدعاية تجاه الطرف الآخر..".‏
أما "البند السادس" من "الملحق رقم 3" (الفقرة و) فقد نصّ على الاتفاق التالي:‏
"مع استكمال الانسحاب المرحلي تقام بين الأطراف اتصالات عادية بريديّة وهاتفية وتلكس.. ومحطّات إرسال تلفزيوني بواسطة كابلات وراديو وأقمار صناعية، وفقاً للمعاهدات الدولية والقوانين الدولية ذات العلاقة بالأمر".‏
إنّ إصرار العدوّ الصهيوني على التطبيع، خصوصاً في الميدان الثقافي، إنّما ينبع من إدراكه أنّ هذا الميدان هو المؤهّل والقادر على تلويث الفكر العربي والثقافة الشعبية -الوطنية، وضخّ المفاهيم والتصوّرات المّشوّهة لقيمه ومبادئه و"الشخصية القومية". فالتطبيع في المجال الثقافي، كما تنطوي عليه المخطّطات الاستراتيجية الصهيونية، يستهدف في التطبيق العملي(3).‏
1-إعادة كتابة التاريخ الحضاري لمنطقتنا العربية، عبر تزييف العديد من الحقائق والبدهيات التاريخية المتعلقة بالطريقة الاستعمارية الاستيطانية، التي أقحمت الكيان الصهيوني في الوطن العربي، حيث أقامت دولته "إسرائيل" على الأرض العربية في فلسطين، مع تشريد أغلبية شعبها.‏
2-التوقّف عن تدريس الأدبيّات والوثائق والنصوص المعادية لليهود والصهيونية ودولة "إسرائيل" بما في ذلك الوارد منها في بعض الكتب المقدّسة كالقرآن الكريم، تطبيقاً "للمادة الخامسة" من مواد اتفاقيات كامب ديفيد (البند الثالث). حيث كثّفت إسرائيل جهودها العلمية لرصد وتسجيل وتحليل المفاهيم الإسلامية المؤثّرة في الصراع مع الصهيونية، كأحد أبرز وجوده العناصر البنائية للذهنية العربية. ففي أثناء زيارة بيغن لمصر في 25 آب /أغسطس 1981 أعرب عن استيائه البالغ من استمرار الطلبة في مصر بدراسة كتب التاريخ التي تتحدث عن "اغتصاب إسرائيل لفلسطين" وكتب التربية الإسلامية التي تحتوي على آيات من القرآن الكريم تندّد باليهود وتلعنهم كالآية:‏
"لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون" (المائدة: 75)، والآية التي تقول: "لتجدنّ أشدّ الناس عداوة للّذين آمنوا لليهود والذين أشركوا.." (الآية) (سورة المائدة: 82). وقد أشارت الصحف إلى أنّ السادات استجاب على الفور لطلب "صديقه بيغن"، فأصدر على الفور أوامره للمختصين في وزارة التربية لإعادة النظر في المناهج الدراسية بما يتلاءم مع طلبات بيغن واتفاقيات كامب ديفيد.‏
ويندرج في هذا الضغط عدد من الندوات واللقاءات، التي نُظّمت في تل أبيب والقاهرة تحت شعار "دعم علاقة السلام بين مصر وإسرائيل". وكان الصهاينة يعربون في محاضراتهم عن "خيبة أمل كبيرة" لعدم انتشار الكتب المؤلّفات التي تتحدث عن "تاريخ اليهود وحضارتهم وثقافتهم" (وكأن لهم حضارة وثقافة!!).‏
-كما صرّح بمرارة الدكتور حاييم بن شاهار في ندوة جامعة‏
تل أبيب - (19 كانون الأول، ديسمبر 1980).‏
أمّا الدكتور ساسون صوميخ أستاذ الأدب العربي بجامعة تل أبيب، فقال في السياق نفسه: لقد ساءني جداً خلال زيارتي لجامعة عين شمس، أن أجد مكتباتها مليئة بالكتب التي ألّفها متعصبون (كما يزعم!!) ضد اليهود، وهذه الكتب تباع في المكتبات وأكشاك الصحف بحريّة تامة، وإنني لا أعتب على أدباء مصر الذين "يعطفون" على "إسرائيل" كتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ، إذا لم يفعلا شيئاً لمنع هذه الكتب، ولكنني أعتب على المؤسّسات السياسية في مصر التي تستطيع "بجرّة قلم" أن تمنع كلّ هذه الكتب المناهضة "لإسرائيل" من التداول(4).‏
3-أن تصبح جامعات العدوّ ومراكز أبحاثه ودراساته مرجعية علمية للمنطقة بأسرها، بحيث تؤسّس للمشروع الصهيوني، الموجّه لتدمير الثقافية والهويّة الحضارية للمنطقة العربية بأكملها، بل إحداث التفكيك والفوضى في داخل كل قطر عربي.. عبر إذكاء روح التناحر بين المنتمين للأديان والطوائف والمذاهب والجماعات المختلفة من جهة، وعبر محاولة تحقيق السيطرة الثقافية والعلمية والتقنية من جهة أخرى.‏
وماعبّر عنه "بيريز" في كتابه "الشرق الأوسط الجديد" بأنّ "القوة في العقود القادمة في الجامعات وليس في الثكنات" يعد تلخيصاً مكثّفاً للاستراتيجية الصهيونية في هذا المجال، وتقوم هذه الاستراتيجية على "تجريد الأمّة من ثقافتها لكي تصبح شبيهة بثقافة الكيان القائم في قلبها، أي من دون ثقافة موحّدة"(5).‏
والتطبيع الثقافي يستهدف تدمير المقوّمات الذاتية للثقافة والحضارة العربية، ولهذا فهو في نظر خبراء العدوّ وباحثيه وقادته العنصر الأهم والأكثر إلحاحاً في فرض الهيمنة الصهيونية على العرب، وجعلهم يستسلمون نهائياً تعبيراً عن الهزيمة الحضارية والانهيار القومي والانتحار الجماعي.‏
وبالتالي فالمفهوم الصهيوني للتطبيع، هو المظلّة التي يُرتكب تحتها كلّ ما يضمن لها (أي للصهيونية) تحقيق أهدافها التوسّعيّة وأهدافها الاستراتيجية في نهب موارد الوطن العربي والسيطرة على مقدّراته وتفكيكه وإلغاء الهوية العربية، وتدمير تراثنا وتاريخنا ومستقبلنا.‏
أمّا الأساليب والوسائل والبرامج الصهيونية المتّبعة لتحقيق هذه الأهداف الخطيرة، فهي شديدة الإشعاع والتنوع والتداخل والتجدّد.‏
ويهمّنا في هذه الورقة كشف الحجاب عمّا تقوم به مراكز الأبحاث والمؤسّسات والهيئات الإسرائيلية والأمريكية في منطقتنا العربية تحت ستار البحث العلمي والتعاون الأكاديمي والتواصل الثقافي، وغير ذلك من الأقنعة والتمويهات.‏
من المعروف أن التطبيع يأتي ضمن مخطّط دولي تشارك فيه الصهيونية العالمية وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية ومؤسّسات وهيئات غربية كثيرة، عبر التركيز الشديد على تقويض حقائق ظلّت لعقود متتالية قاعدة للثقافة القومية العربية. ولا يمكن دراسة الظاهرة الطائفية التي تصاعدت في السنوات الأخيرة في الوطن العربي، بمعزل عن تأثيرات تلك الجهات والدوائر المشبوهة، التي نشرت مايمكن تسميته بـ "الثقافة الفتنة"، لدرجة أنها ساهمت مباشرة في التمهيد لعدد من عناصر الانهيار والتردّي التي تخترق أوصال الأمة. و"ثقافة الفتنة" تقوم على نبش الأحقاد والضغائن وعناصر التوتر في المجتمع، ثقافة تعميق التضاد والتناحر والاختلاف والتقاتل بين الجماعات المختلفة داخل الأمة.. التي يعدّها أكثر من كاتب عربي -من أبرز العناصر الميُسّرة أو الخادمة للتطبيع الثقافي، وركناً رئيساً من أركان ثقافة التطبيع، لأنّ التطبيع مع أعداء الأمّة لا يستقيم إلا بالفتنة داخل صفوف الأمّة ذاتها(6).‏
ويأخذ هذا الاختراق شكل الترويج لقيم وعلامات تصب مباشرة في تدمير المناعة الثقافية العربية، مثل مهاجمة "العقل العربي" و "الشخصية العربية" والتشكيك بالأمة العربية وهويّتها الحضارية، والترويج لمزاعم الصهيونية والتيّارات الشعوبية الحاقدة، التي تصرّ على مزاعم متجدّدة كالقول بأن "العرب نَقَلة للحضارة" أو "مترجمين" أو "لا يتمتعون بعقل علمي -تحليلي نقدي، أو الترويج لأطروحة "الشعوب والأقوام والقبائل الناطقة بالعربية.. وأنّ الثقافة العربية الواحدة والأمة العربية الواحدة مجرّد وهم وخرافة"(7).‏
فالعقل الصهيوني بات يدرك أنه إذا كانت الثقافة العربة صعبة الاختراق لعراقة جذرها ومتانة مقاومتها، لذلك لجأ إلى وسيلة أيسر وأسهل، تتمثّل في اختراق بعض المثقفين العرب، الذين يمكن استخدامهم كأدوات لتفكيك حصن الثقافة العربية ودكّ أساسها من الداخل. ويأخذ هذا الاختراق أشكال وأساليب متنوعة من التطبيع وتصفية مصادر أو منابع العداء في الفكر السياسي العربي، ومحاولة إلغاء مايسمى بـ "الطابع السلبي" السائد في الأيديولوجية القومية العربية تجاه إسرائيل والصهيونية، وخلْق قاعدة فكرية للتواصل والتعامل المباشر مع بعض القوى والهيئات والجماعات والنخب الفكرية والسياسية القائمة. لذلك لم يكن مُستغرباً أن يكون العمل الأوّل الذي قام به أول سفير إسرائيلي في مصر، عقب تسلّم مهام عمله في 17 شباط، فبراير 1980، أنْ قدم "شيكاً" لتوفيق الحكيم، على أنه قيمة حقوقه الماديّة من ترجمة كتبه وطبعها في الكيان الصهيوني.‏
وممّا يجدر ذكره أنّ جامعة تل أبيب وضعت "مشروعاً للسلام" جهّز لاتفاقيات كامب ديفيد مع مصر، أداره في بادئ الأمر البروفسور "أفيفي أفين" ثم تولاّه البروفسور "ديفيد هورن". وقد نشط مُعدّو "المشروع" في إجراء الاتصالات الشخصية بين أساتذة جامعة تل أبيب والمثقفين المصريين، كما أنشئ كرسي أستاذية لتاريخ مصر في جامعة تل أبيب، من وجهة نظر صهيونية.‏
وفي إطار هذا "المشروع" تبارى المفكّرون والباحثون الإسرائيليون في إجراء الدراسات والحوار، وعقد الندوات حول مجالات التعاون الثقافي والعلمي بين إسرائيل والعرب.‏
إذ أنّ المطلوب إسرائيلياً -تبديل مفاهيم العرب وقناعاتهم ومعتقداتهم ليتحولّوا إلى ما يطلق عليه الإسرائيليون "فهماً أفضل لحضارة وثقافة جيرانهم اليهود"‍‍!!.‏
وفي إطار الاستراتيجية الصهيونية -الأمريكية- الإسرائيلية الهادفة إلى خلق بؤرة تابعة ثقافياً وسياسياً في الوطن العربي، ضعيفة العقيدة والولاء للوطن، لاهثة خلف إغراءات المال والشهرة وتوهّم العالمية والانفتاح الحضاري "على الآخر" (الصهيوني).. في هذا الإطار أقيمت في مصر ستّ وثلاثون مؤسّسة علمية أمريكية، وثقافية "إسرائيلية"، مثّلت وتمثّل مظلّة رسميّة لاختراق الشخصية العربية، والتجسّس على قطاعات المجتمع كافّة. ومن ذلك -مثلاً- النشاط الذي يقوم به "مركز البحوث السياسية" في كلية الاقتصاد وجامعة القاهرة، الذي يجري كثيراً من الأبحاث بتمويل من "مؤسّسة فورد"، وكذلك نشاط "مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في الأهرام"، و"معهد التخطيط القومي" وغيرها من المؤسّسات العلمية والتي للأسف خدع بها كثيرون‏
عربيا(ً8).‏
وبغية اختراق العقل العربي وعناصر المجتمع العربي أُنشئ في مصر عام 1982 "المركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة"، الذي لعب ويلعب دوراً خطيراً في مجال التمهيد للتطبيع وزرع بذور الصهيونية التدميرية، من خلال شبكة أبحاثه ورجال المخابرات الإسرائيلية، الذين يحتلّون مواقع قيادية فيه منذ بداياتها الأولى. ويجمع الكتّاب والباحثون الوطنيون في مصر الشقيقة على أنه يلعب دوراً رئيساً في جمع المعلومات واصطياد العملاء والتجسّس السياسي والثقافي على مصر والعرب.‏
ونظراً لكون "المركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة" الأخطر في ميدان استراتيجية العدو على الأصعدة الأمنية والثقافية والعلمية، فقد توالى على إدارته عدد من أبرز المتخصصين في الدراسات الشرقية والعربية، الذين يرتبطون بعلاقات عضويّة مع أجهزة المخابرات الإسرائيلية(9)، ومع مراكز التخطيط الاستراتيجي في الكيان الصهيوني.‏
وللتمويه أعلنت مهامّه ضمن النقاط التالية:‏
- رعاية البحث والدراسة في التربية والعلوم والثقافة والتكنولوجيا والآثار والفنون والتاريخ.‏
- استضافة ومساعدة الباحثين الإسرائيلين، الذين يحصلون على منح دراسية، والعلماء الزائرين الذين يقيمون في مصر لأغراض الدراسة والبحث.‏
- اتخاذ الترتيبات اللازمة مع السلطات المصرية ذات الشأن، لتمكن العلماء والباحثين الإسرائيليين من متابعة بحوثهم في المؤسسات الأكاديمية ودور الوثائق والمكتبات والمتاحف.‏
- عقد دورات للعلماء والباحثين الزائرين، وإتاحة الفرصة لهم لمقابلة علماء وباحثين مصريين والتعاون معهم.‏
والحقيقة فإنّ أهداف هذا المركز الحقيقية ونوعية نشاطاته وممارساته في السنوات السابقة، تجعله -كما قلنا في فقرات ماضية- من أخطر المواقع الهجومية المتقدمة في استراتيجية الغزو الفكري -الثقافي الإسرائيلي ضد العقل العربي، وشبكة متطوّرة لمؤسّسة الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية (الموساد).. للتغلغل في مجالات البحث العلمي كافة، وفي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المصرية بوجه عام.‏
يقع هذا المركز، الذي يطلق عليه المصريون "المستوطنة الإسرائيلية" في البناية رقم 92 ش. النيل (شقة رقم 33) بالقرب من "شيراتون القاهرة".‏
-يضم المركز مكتبة وقاعة محاضرات صغيرة تكاد تستوعب خمسين شخصاً، ويعمل المركز بتنسيق كامل مع المستشار الثقافي والمستشار الإعلامي بالسفارة الإسرائيلية في القاهرة.‏
-تشرف عليه علمياً "الأكاديمية الإسرائيلية للعلوم والآداب" بالاشتراك مع "الجمعية الشرقية الإسرائيلية". وفيما يلي عرض مختصر لأنشطة المركز المعلنة والمعروفة(10):‏
أولاً: إصدار النشرات الدوريّة في مصر، ومنها نشرة دورية بالإنجليزية تحت عنوان "نشرة المركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة" Academik of the Israeli -((Bulletion Center Cairo)).‏
والتي أصبحت تصدر نسخة باللغة العربية، يغلب عليها الجانب الدعائي حول ما يسمّى بـ "التقدم العلمي والتكنولوجي" والأنشطة الجامعية في إسرائيل.‏
- إبراز الميادين العلمية التي يمكن أن تشكّل ساحة للتعاون المشترك بين الباحثين المصريين والإسرائيليين وتقديم دراسات تاريخية متنوعة عن التأثيرات الثقافية بين مايزعم من "ثقافة يهودية" والثقافة العربية. ويتكون مجلس الإدارة الاستشاري من مناحيم بن ساسون، أفينوم دانين، يهودا فريد لاندر، شيمون شامبر وجبرائيل (كبرائيل) واربورغ.‏
- إصدار مجلّة ضخمة بعنوان "لقاء الثقافتين العربية واليهودية" وتصدر باللغتين العربية والعبرية، ويتركز اهتمامها حول الدراسات المتصلة بما يسمّى العناصر المشتركة بين الفكر العربي والفكر اليهودي، كما تنشر ترجمات للأدب العبري وأعمال أدبية لكتّاب مجهولين في الوطن العربي.‏
- ويقوم المركز بتوزيع مجلة بعنوان "التربية من أجل السلام".‏
ثانياً: خدمات مكتبية وتعليمية ورحلات، إذ تمثّل مكتبة المركز مصدر جذب واسع لطلاّب وباحثي أقسام اللغة العبرية وآدابها في الجامعات المصرية، فهي حافلة بالمراجع اليهودية في شتى المجالات، ومكتبة فيديو لأفلام دعائية لإسرائيل، ويساعد المركز الباحثين المتعاملين معه في تأمين المراجع العلمية المطلوبة لأبحاثهم من "إسرائيل"؟.‏
ثالثاً: تيسير مهمّة الباحثين الإسرائيليين في مصر، حيث يقوم المركز بتقديم العون والمساعدة للباحثين "الإسرائيليين" وإرشادهم إلى الأساتذة المصريين، الذين يقبلون التعاون في تقديم المعلومات وبحوث مشتركة في إطار مخطّط "مسح شامل" للمجتمع المصري، ورسم خارطة للاتجاهات السياسيّة والدينية والفكرية، ووضع تصور دقيق للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في البلاد.‏
رابعاً: ترتيب الندوات والمحاضرات، وهي إحدى وسائل الحرب الفكرية الصهيونية، حيث يقوم المركز بتنظيم المحاضرات للأكاديميين الإسرائيليين، وإتاحة الفرصة لهم للاحتكاك بنظرائهم المصريين، ويواظب على حضورها بعض أساتذة الجامعات وبعض العاملين في حقل الإعلام ومجموعة من الطلاّب والطالبات.‏
- من أبرز مديري "المركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة" شيمون شامير أوّل مدير للمركز، ولد في رومانيا في 15 كانون الأول/ ديسمبر 1933، هاجر مع أسرته إلى فلسطين عام 1940. درس الاستشراق في الجامعة العبرية بالقدس، وحاز درجة الدكتوراه من جامعة برنيستون الأمريكية.‏
- في أوائل عام 1967 ترأس شامير "معهد شيلواح SHILOAH للدراسات الشرق أوسطية والأفريقية"، الذي يتبع جامعة تل أبيب، وهو معهد يهتم بإجراء دراسات حول مايسمى بـ "أوضاع الشرق الأوسط"، وحول التطورات التي يشهدها الوطن العربي بشكل أساس، ويستعين لهذه الغاية بجميع الأعداد اليومية لأكثر من مائتي صحيفة تصدر في الأقطار العربية وبعض الدول المجاورة لها.‏
ويذكر أنّ "معهد شيلواح" حصل على كثير من الوثائق المهمّة، وصوّر غالبية المواد البحثية العائدة "لمركز الأبحاث الفلسطيني" (مركز أبحاث منظمة التحرير الفلسطينية) بعد أن اقتحمته القوات الإسرائيلية إبان غزو لبنان عام 1982، ونقلت موجوداته إلى فلسطين المحتلة.‏
وكان شيمون شامير يشرف على دائرة مصر في المعهد المذكور(11)، قبل انتدابه لرئاسة "المركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة"، حيث يعدّ من أبرز الخبراء الإسرائيليين بشؤون مصر، وهو مؤسّس قسم تاريخ مصر المعاصر بجامعة تل أبيب، إضافة إلى ارتباطه المعروف بدوائر الموساد(12).‏
- استمرت فترة إدارته للمركز ثلاث سنوات، انتهت في تشرين الأول، أكتوبر 1984 وعاونته في أداء مهمته قرينُته "دانييلا شامير".‏
- نُشرت له بحوث ودراسات كثيرة من بينها: تاريخ العرب الحديث في الشرق الأوسط، مصر تحت حكم السادات، رؤى الذات من منظور تاريخي لمصر وإسرائيل (بالاشتراك مع مجموعة باحثين إسرائيليين). وعمل أستاذاً زائراً في جامعات هارفارد وبنسلفانيا وكورنيل. وقد شارك في وضع التصوّر الإسرائيلي "لمعاهدة السلام" مع مصر وإخراجها من جبهة المواجهة المباشرة مع العدوّ.‏
وقد زار شامير مصر 8 مرات قبل توليه إدارة المركز، وكان له لقاء في كل زيارة بالسادات، وارتبط بصداقات قويّة مع من يطلق عليهم المصريون "لوبي التطبيع" في أوساط المثقفين المصريّين. وفي أثناء تلك الزيارات قام بمسح شامل لمعظم محافظات مصر، تمهيداً لعمله الرسمي اللاحق في هذا المجال. وقد اتسمت إدارته للمركز بنشاط مكثّف تمثّل في إعداد الدراسات وجمع المعلومات، وكان يفاخر بأنّ مركزه "ليس مركزاً ثقافياً عادياً كتلك المراكز التابعة للسفارات"(13).‏
وهذه بالفعل حقيقة المركز، المركز الجاسوسي الإسرائيلي الأول في مصر والمنطقة العربية.‏
-بعد اغتيال "صديقه أنور السادات"، قام بإعداد مجموعة دراسات حول احتمالات تطور الأوضاع في مصر ("أبحاث مركز شيلواح لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا في جامعة تل أبيب"- "أوراق السلام" 1982)، تركزت على أهمية الخط السياسي للسادات، وضرورة إجهاض أية تطورات من شأنها أن تعيد مصر إلى مكانتها الاستراتيجية في الصراع العربي -الصهيوني.‏
-كما شارك مع "جبرائيل فاربورغ" المدير الثاني للمركز في وضع دراسة عن "دور مصر في الصراع العربي الإسرائيلي"، ضمن سلسلة "أبحاث وحدة دراسات الشرق الأوسط التابعة لمعهد ترومان"، بالاشتراك مع "معهد شيلواح"، ركّزت على حقيقة أن مصر تشكّل عاملاً حاسماً في استمرار الصراع وتطوره، كما أوصت بضرورة الحد من فاعلية دور مصر المؤثّر في موازين القوى وعزلها عن دائرة الصراع.‏
بعد عودته إلى فلسطين المحتلة ألقى سلسلة محاضرات في جامعة تل أبيب عن الفترة التي قضاها في مصر (مديراً للمركز الأكاديمي الإسرائيلي ثم سفيراً لبلده في القاهرة لاحقاً)، ونشرت له الصحف الإسرائيلية مقالات تتضمن رؤيته ومقترحاته لإنجاح التطبيع مع مصر.‏
ومع ذلك، قال في إحدى محاضراته: "من ينظر إلى الشارع المصري يتّضح له على الفور أن السلام لم يصبح بارداً كما يقولون، بل أصبح في طيّ النسيان".‏
ثم تولّى البروفسور "جبرائيل واربورغ" (Gabriel Warburg) إدارة المركز في تشرين الأول/ أكتوبر 1984، وهو من الخبراء، الصهاينة المعروفين في شؤون المنطقة العربية، خاصة مصر والسودان. ولد في برلين 12/تموز/ يوليون عام 1927، ورحل مع أسرته في سنّ السادسة إلى فلسطين حيث استقرت في مدينة حيفا.‏
بعد إعلان قيام "دولة إسرائيل" عام 1948، التحق واربورغ بالجيش إلى سنة 1954، ثم عُيّن في جهاز الاستخبارات العسكرية "أمان"، وفي عام 1963 أصبح مسؤولاً عن "الشؤون المصرية" بقسم الأبحاث بهيئة الأركان العامّة.‏
-في عام 1965 التحق "بقسم الدراسات الشرقية" في جامعة لندن، حيث نال درجة الدكتوراه، وكان موضوع رسالته "الحركة الوطنية في السودان الحديث"، وفي عام 1986 عمل أستاذاً في "قسم تاريخ الشرق الأوسط" بجامعة حيفا، وساهم في تأسيس "مركز دراسات الشرق الأوسط" بالجامعة، بناء على توصية للجنرال "أهارون ياريف" رئيس الاستخبارات العسكرية السابق، والرئيس الحالي "للمعهد الإسرائيلي للدراسات الاستراتيجية" ورئيس وفد إسرائيل إلى مايسمّى بمؤتمرات "الطب النفسي في خدمة السلام" الثلاثية (التي تضمّ متخصّصين من الولايات المتحدة ومصر وإسرائيل).‏
و"مركز دراسات الشرق الأوسط"، بجامعة حيفا، يعمل بتنسيق كامل مع "عهد شيلواح لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا"، وكلاهما أنشئ بتوصية ودعم من الاستخبارات الإسرائيلية.‏
قام الدكتور واربورغ بإعداد سلسلة دراسات عن مصر، تناول فيها الأوضاع السياسية والاقتصادية بعد حرب حزيران /يونيو 1967، وحرب الاستنزاف، ودراسة عن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر والسياسة الخارجية لمصر إبان حكمه.‏
وواربورغ ذو تاريخ معروف في مجال جمع المعلومات لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، فقام فورتولّيه منصبه باستقدام عدد كبير من الباحثين الإسرائيليين إلى القاهرة لإعداد البحوث والدراسات، وهي إحدى الوسائل التي تلجأ إليها الاستخبارات الإسرائيلية للحصول على المعلومات غير العسكرية، وهؤلاء الباحثون يتبعون أقسام الأبحاث وجمع المعلومات في "الموساد" ووزارة الخارجية الإسرائيلية. وكانوا يقومون فور وصولهم إلى مصر بجمع المعلومات السياسية والاقتصادية والعلمية.‏
وفي هذا الإطار قام واربورغ بتكليف بعض الباحثين المصريين، بإعداد دراسات عن مصر تتعلق بالسياسة التعليمية والزراعية، والجوانب الاجتماعية والثقافية للتيارات السياسية والفكرية في مصرن خاصة عن التيار الديني والتيار الناصري.‏
عمل واربورغ على اكتساب أصدقاء للمركز، عن طريق توجيه الدعوات لهم لحضور حفلات وندوات المركز ولزيارة الكيان الصهيوني، وهي وسيلة للتعرّف على أفراد لديهم استعداد للعمل من أجل التطبيع أو حتى لصالح الاستخبارات الإسرائيلية، بعد توريطهم ثم تجنيدهم بإغراءات كثيرة، كالدعوات والاستضافة في "إسرائيل"، والإغراءات المادية تحت ستار "مكافأة" البحوث والدراسات والمحاضرات، كما أمكن استقطاب عدد من طلاب وباحثي أقسام اللغة العبرية بالجامعات المصرية، الذين خضعوا لعملية "غسيل دماغ جمعي" باتت آثاره واضحة في آرائهم وكتاباتهم وسلوكياتهم.‏
وقد عاونته في مهمته قرينته "راحيل ليفين واربورغ" وهي من مواليد الأرجنتين (18 أيلول، سبتمبر 1927).‏
أمّا المدير الثالث "للمركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة" فهو البروفيسور "أشير أوفاديا" الذي تولّى مهام منصبه في نيسان/أبريل 1987. وهو أساساً من مواليد 1937، يوناني الأصل، أمضى فترة طفولته في مقاطعة سالونيكا (باليونان) وهاجر إلى تل أبيب عام 1949، ودرس بالجامعة العبرية بالقدس، ثم عمل أستاذاً للعمارة الكلاسيكية وتاريخ الفن المسيحي القديم بجامعة تل أبيب.‏
-زار أوفاديا مصر قبل توليه إدارة المركز نحو 17 مرة حيث صال وجال في جميع محافظاتها، وهو على دراية علمية واسعة بالحضارات المصرية المتعاقبة، وشديد الاهتمام بفنون العمارة الإسلامية والمصرية القديمة.‏
-من مؤلّفاته: الكنيسة البيزنطية في الأراضي المقدّسة، النماذج الهندسية والنباتية في الفسيفساء القديمة. لديه ملكات الفنان، وسعى في فترة إدارته للمركز إلى اجتذاب الفنّانين التشكيليين المصريين، ونجح في تنظيم عدد من المعارض الخاصّة لبعضهم في فلسطين المحتلّة، ومعارض أخرى مشتركة مع فنانين "إسرائيليّين".‏
وقد شهد "المركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة" تطوراً كبيراً ونشاطاً واسعاً في أثناء إدارة أوفاديا (عوفاديا/ كما يطلق عليه أشقاؤنا المصريون)، وتجلّى هذا النشاط بعقد ندوة أسبوعية في مجال الترويج للتطبيع مساء كل يوم أربعاء. وكان من أبرز الوجوه الصهيونية المشاركة دائماً في هذه الندوات (التطبيعية):‏
*"يورام ميتال" من جامعة حيفا، وهو صاحب الدراسة الشهيرة بعنوان: "العلاقات الاقتصادية بين مصر وإسرائيل في مجالات الزراعة والسياحة وتجارة النفط".‏
*"يورام همزراحي" مراسل صحيفة "ها آرتس" الصهيونية في القاهرة، كان قائداً عسكرياً لمنطقة جنوب لبنان في عهد رئيس الأركان رفائيل إيتان، وقاد العديد من المذابح التي ارتكبت ضد الشعب العربي في لبنان وفلسطين، وهو يحمل الجنسية الأمريكية أيضاً، يقيم (همزراحي) في فندق (هيلتون -النيل)، ولكنه شبه مقيم في "المركز الأكاديمي الإسرائيلي"، ولم يترك في القاهرة حارة ولا شارعاً ولم يطرقه، من حلوان إلى عين شمس، يتحدّث مع كل من يقابله في كل شيء، ويجتمع بمن يوافق من الصحفيين والكتّاب.‏
وقد كان "للمركز الأكاديمي" باع طويل في ميدان سرقة الآثار المصرية القديمة على اختلاف مراحلها التاريخية (فرعونية، قبطية، مملوكية، إسلامية)، وتعد سرقة وثائق "الجينيزاه" نموذجاً حياً ودليلاً قاطعاً لهذا الاتجاه الصهيوني. وقد لعب أوفاديا (عوفاديا) دوراً رئيساً في سرقة وثائق "الجينيزاه"، بالإضافة إلى تهريب مئات القطع الأثرية المصرية إلى فلسطين المحتلة، ويؤكد خبراء الآثار المصريون أن لمصر 572 قطعة أثرية في متاحف تل أبيب، وأن إسرائيل قد سرقت مالا يقل عن 50 قطعة أثرية من سيناء بعد اتفاقيات كامب ديفيد بل استخدمت طائرات الهليكوبتر في نقل أعمدة بعض المعابد والتماثيل إلى متاحف تل أبيب(51).‏
ووسط تظاهرة صاخبة من الرقص والغناء من جانب حاخامات اليهود، افتتح نائب محافظ القاهرة والسفير الإسرائيلي شيمون شامير (الذي كان أول مدير للمركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة) ورئيس المركز الأكاديمي الإسرائيلي أوشير عوفاديا في كانون الثاني/ يناير 1989 "مكتبة للتراث اليهودي"، والتي أقيمت داخل المعبد اليهودي في شارع عدلي بوسط القاهرة.‏
وقال البيان الذي أصدره "المركز الأكاديمي الإسرائيلي"، وجرى توزيعه على الحاضرين، أنّ المشروع الذي تمّ بموافقة هيئة الآثار كان يهدف إلى جمع "60 ألف كتاب"، لكنه لم يتمكن من الحصول على أكثر من 9 آلاف كتاب تعبّر عن التراث اليهودي (وثائق ذات مضمون ديني بحت)، وكشف البيان عن استيلاء "مكتبة التراث اليهودي" على وثائق "الجينيزاه" القديمة، التي تعدّ جزءاً من التراث المصري، وقد استنكر بعض علماء التاريخ والآثار المصريين منح "المركز الأكاديمي الإسرائيلي" وما يتفرّع عنه من مكتبات وملاحق وأقسام حقّ جمع حزء من التراث التاريخي، والديني لمصرن وتأكيد المزاعم الصهيونية القائلة بأنّ إسرائيل هي ممثلة يهود العالم حديثاً وقديما(ً61).‏
وقبل أيام من افتتاح مكتبة "التراث اليهودي" تمّ افتتاح فرع "للمركز الأكاديمي الإسرائيلي" بحي الظاهر في محاولة واضحة للوصول إلى عمق الأحياء الشعبية المصرية (في القاهرة). والأخطر من هذا عملية السطو الواسع، الذي يقوم به "الإسرائيليون" على التراث الموسيقي والفولكلوري العربي في مصر وبلاد الشام ونسبته مع كثير من الحرف اليدوية إلى تاريخهم وتراثهم (كما فعل الباحث اليهودي روبرت لخمان مع الفولكلور الموسيقي لمنطقة سيناء في عام 1932).‏
وعلى سبيل المثال جمع الباحث "الإسرائيلي" دوف نيو 266 نموذجاً من موسيقى بدو سيناء، وتم تصنيفها زوراً ضمن مايُسمّى بـ "التراث اليهودي".‏
وفي هذا السياق قام العاملون بمكتبة "التراث اليهودي" بالقاهرة -كما صرّح عبد الوهاب حنفي رئيس إدارة الفنون الشعبية بالثقافة الجماهيرية -بأنشطة تزويرية كثيرة، مثل دسّ النجمة السداسية، في العلامات التي تزيّن أثواب العرب البدو بسيناء، وإعطاء أسماء يهودية للأعشاب الطبية هناك، وشراء كميات كبيرة من الألبسة العربية البدوية لنساء واحة سيوه، بل قاموا بدسّ النجمة الإسرائيلية في الوشم البدوي في بعض مناطق سيناء، ضمن استراتيجية تدمير الفلوكلور العربي والثقافة الجمعية العربية، وتأسيس استمرارية حضارية يهودية زائفة مكانها، وتكوين تصميمات ناتجة عن جمالية فولكلورية يهودية مصطنعة.‏
لقد أثبتت تقارير أجهزة الأمن المصرية، التي تذيع الصحف والمجلات بعض نتائجها وتحقيقاتها بين الفينة والأخرى، وجود صلة مباشرة بين "الموساد" و"المركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة"، الذي يقوم بإعداد نوعين من التقارير والبحوث والدراسات، أوّلهما يقدّم بصفة دورية إلى "الموساد"، في حين أنّ العلني والعادي يذاع وينشر على الملأ بغرض التمويه والتغطية.‏
وقد تفاخر "يوسف جينات" المدير الرابع "للمركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة" أمام وسائل الإعلام المختلفة بأنه نجح "باستقطاب" عدد لابأس به من المصريين العاملين بأجهزة حكومية "ذات طبيعة خاصة"، لتزويد "المركز" بمعلومات تتعلّق بالأبحاث العسكرية والاقتصادية بدعوى "الاسترشاد" بها عند إعداد تقارير "المركز" وأبحاثه العلميّة..‏
وممّا يجدر ذكره أن "المركز الأكاديمي الإسرائيلي" رتّب زيارات عديدة لوفود ضمت عدداً من أساتذة القسم العبري واللغات الشرقية بجامعتي القاهرة وعين شمس إلى "إسرائيل" بدءاً من عام 1993. وقد بحثت الوفود المصرية مع أساتذة أقسام الدراسات العربية والشرقية بجامعتي حيفا وتل أبيب وسائل تنسيق التعاون وتبادل الخبرات. علماً أن أعضاء الوفود المصرية يتم اختيارهم عن طريق "المركز الأكاديمي الإسرائيلي". من خلال معلومات يقدمها الباحثون "الإسرائيليون" في التخصّصات المشابهة عن الأساتذة المصريّين وخبراتهم ومؤلفاتهم التي يطلع عليها "الإسرائيليون" بانتظام.‏
وضمن استراتيجيّة صهيونية شاملة في مجال إرساء دعائم التطبيع والتجسّس وإفساد النخب العلمية والثقافية، عمل "المركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة" بدأب شديد على إقامة أوسع الاتصالات والعلاقات مع مراكز البحث العلمي في مصر (الرسميّة منها والأهلية)، مع التركيز على مسألة جمع المعلومات الدقيقة عن عناصر بنية المجتمع المصري، وتحويل تلك المعطيات والدراسات إلى "الموساد" وإلى دوائر صنع القرار في "إسرائيل" لاستخدامها في تخريب المجتمع المصري، وتدمير أسسه ومقومات وحدته الوطنية، ويترافق ذلك مع استدراج مئاتٍ من النخب السياسية والثقافية، بشراء ذممهم بآلاف الدولارات ثمناً لبحث يتكوّن من عدة صفحات، وليس شرطاً في بعض الأحيان مع ماتحويه هذه الصفحات من معلومات. ففي أحوال عديدة يبقى الهدف الرئيس هو الربط الوثيق للباحث بهذه الدوائر وإغراؤه بالدولارات حتى ينتقل انتماؤه من التمسك بلغة الوطن إلى الدفاع عن لغة الدولارات(17).‏
ومن خلال متابعة ماتنشره الصحف والمجلاّت المصريّة، يتبيّن لنا أن "المركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة" ركّز جهوده خلال العامين الماضيين للحصول على معلومات أكثر عن طلبة كلية العلوم والهندسة في جامعات مصر، لمعرفة آخر ما توصل إليه الطلبة النابغون من اختراعات جديدة، وهناك عشرة ملفات عن عشرة اختراعات وضعها "مدير المركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة" تحت الميكروسكوب، ووجّه بشأنها رسالة إلى السفير "الإسرائيلي" بالقاهرة كتب فيها(18):‏
"بناء على طلب تعليماتكم بإحضار ملفّات كاملة عن آخر اختراعات الشباب المصريين أرسلنا لكم عشرة ملفات عن اختراعات في مجال الزراعة وتحلية المياه والبلاستيك والكمبيوتر وإطارات العربات... ونودّ أن ننتبه أنّ معظم هذه الاختراعات قمنا بتجربتها وفحصها جيداً، وهي تعد من أنبغ ما توصل إليه العلم...".‏
وأرسل السفير الإسرائيلي بالموافقة على شراء أربعة اختراعات وبأسرع وقت، أحدهما تحلية مياه البحر لطالب في كلية الهندسة. وقد توجّه باختراعه إلى وزير الزراعة المصري، لكنه منع من مقابلة الوزير، وعندما عرف أن "المركز الأكاديمي الإسرائيلي" يعرض أسعاراَ خيالية لشراء الاختراعات الجديدة، بل وهناك منح سفر للدراسة إلى الخارج، توجّه المخترع إلى المركز عن طريق أحد الباحثين ممّن لهم علاقة قوية بالمركز، وبعد فترة قابل مدير "المركز الأكاديمي" وقدّم له صورة بحث اختراع، وقدّم التجربة أمامه عملياً، وبعد نجاحها قالله "مدير المركز" مداعباً: "لابدّ أن تسافر لأمريكا أم الدنيا لترى كيف يعاملون هناك العلماء بدلاً من مكاتب الطعمية!!".‏
وبعد ثلاثة أسابيع توجّه المخترع مباشرة إلى السفارة "الإسرائيلية" بالقاهرة وهناك باع اختراعه بمبلغ كبير.‏
والاختراع الثاني الذي وافق عليه السفير "الإسرائيلي" هو إنتاج سماد جديد لخصوبة الأرض، وتحويل الأرض المالحة إلى أرض صالحة للزراعة، وهو اختراع لخرّيج كلية الزراعة، وهو صديق لأحد أساتذة الجامعة ممّن لهم علاقة مباشرة وأبحاث لدى "المركز الأكاديمي الإسرائيلي"، وفور عرض الطالب الاختراع على أستاذه نصحه بالتوجه "للمركز الأكاديمي" لأنهم يدفعون مبالغ كبيرة في الاختراعات الحديثة، ورفض الطالب في بداية الأمر، وبعد شهرين من محاولة بيع اختراعه لإحدى الشركات الاستثمارية في مجال الزراعة والأسمدة، عاد مرة أخرى ووافق على بيعه للمركز، وهو الوحيد الذي قابل "السفير الإسرائيلي" في اليوم التالي لتقديمه الاختراع، وعرض عليه السفر وتجربة الاختراع ذاته بطريقة عملية، شاملة تكاليف الإقامة ومكافآت كل يوم يقضيه في "إسرائيل" إضافة إلى حق شراء الاختراع نفسه ومدة الإقامة ثلاث سنوات، وسافر بالفعل بعدما وضع ثمن الاختراع في "البنك الأمريكي المصري" وهو الآن يقضي الشهر السادس في إسرائيل!!.‏
أما الاختراع الثالث الذي وافقت عليه السفارة الإسرائيلية، فهو لمهندس ميكانيكي خرّيج كلية الهندسة بجامعة القاهرة، وكان يعمل معيداً بالكليّة، لكنه سافر في منحة إلى الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق "السفارة الإسرائيلية" بالقاهرة، حيث تقدم المهندس باختراعه لعمل "خلطة" جديدة من "كاوتشوك العربات" تساعد السيارة على عدم الانقلاب في الحوادث بسبب التصاقها بالإسفلت، وشمل اختراعه إضافة مادة جديدة للقار المستخدم في الإسفلت تتفاعل مع مادة المطاط الجديدة تجعل من الصعب انقلاب السيارة لشدة تماسك المادتين.‏
وعندما تقدم باختراعه هذا إلى "المركز الأكاديمي" كان شرطه الأول قبل المكافأة أن يسافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ويكمل دراسته هناك، وبعدما وافق السفير على الاختراع وشرائه وافق بالفعل على سفر المخترع إلى أميركا، وهناك التحق بجامعة "جورج واشنطن".‏
والاختراع الرابع والأخير الذي اشترته السفارة الأمريكية (بالتعاون والتنسيق المطلق مع السفارة الإسرائيلية)، كان من باحث خريج كلية التجارة، وله ميول واهتمامات بمجال "البلاستيك"، وقد قدّم له "المركز الأكاديمي" مكافآت كثيرة عن أبحاثه في مجالات مختلفة، وأرسل إليه قبل أن يتقدم باختراعه برسالة تقول: "شكراً على تعاونك معنا في مركزنا، ونتمنى لك تعاوناً أفضل في مجال الأبحاث المطلوبة منك في رسالتنا الأخيرة، مرفق طيّه مبلغ خمسة آلاف جنيه لمساعدتك في اختراعك الأخير الذي تقدمت بفكرته ووافقنا عليها".‏
وبعد ثلاثة أشهر تقدّم المذكور باختراعه كاملاً عن تركيب مادة جديدة تنتج بلاستيكاً يشبه الفخار، قوي التحمل... وبعد موافقة السفارة عليه اشترت حق الاختراع بمبلغ مائة وخمسين ألف جنيه بعدما رفض المخترع مائة ألف فقط، وهدّد بسحب اختراعه، وتقاضى المبلغ على دفعات بشيكات من أحد البنوك بالجيزة!!.‏
من جهة ثالثة حصل "المركز الأكاديمي الإسرائيلي" على الملفات الكاملة لخمسة اختراعات مصرية جديدة، وقدّم للسفارة الإسرائيلية أسماء المخترعين الشباب، الذين تنقصهم الإمكانيات المادية والتكنولوجية لإتمام اختراعهم، حيث أن اختراعاتهم في مجال الماكينات الضخمة في المصانع والغزل والنسيج والحديد والصلب والقطارات.‏
وحصل "المركز" على أسماء هؤلاء المخترعين عن طريق باحث مصري، وردّ عليه "مدير المركز" برسالة، جاء فيها:‏
"السيّد/.. شكراً على حسن تعاونك معنا ومع مركزنا الموقّر، ونتمنى تعاوناً أفضل وأكثر في مجالات أخرى، مرفق طيّه مبلغ ألف جنيه مكافأة عن دورك الهام في إرشاد المخترعين الخمسة للجوء إلى المركز والتعاون معه، وشكراً".‏
وبالفعل قابل مدير "المركز الأكاديمي" المخترعين الخمسة، ومنهم اثنان خريجا الجامعة الأمريكية، وبعدها حدّد لهم موعداً لمقابلة السفير "الإسرائيلي"، الذي قدّم إليهم صوراً للمصانع والمكائن الحديثة التي يمكن أن تساعدهم على اختراعاتهم. وقد وافقوا على السفر إلى "إسرائيل" وسافروا باستثناء باحث واحد، توفيت والدته قبل السفر بأيام، فأجّل سفره لبعض الوقت!!.‏
وحول السؤال عن كيفية الوصول لهؤلاء المخترعين قال الدكتور رفعت سيّد أحمد "مدير مركز يافا للدراسات" (بالقاهرة): "المركز الأكاديمي الإسرائيلي منذ إنشائه في الثمانينات بعد معاهدة كامب ديفيد، وهو يعدّ بؤرة من بؤر التجسّس على مصر بطرق مباشرة أو غير مباشرة، والدليل على ذلك أنّ كلّ المتهمين بالتجسّس لصالح إسرائيل، الذين قبضت عليهم الأجهزة الأمنية المصرية كانت لهم صلة بالمركز الأكاديمي، وبعضهم كان يتلقى تعليماته من المركز نفسه، وبعضهم كان يزور المركز بشكل دائم ومنتظم، كما في قضية عزّام عزام الأخيرة.‏
فالمركز الأكاديمي الإسرائيلي يركّز تركيزاً كبيراً على الشباب المصري في جميع المجالات، وهو يعطيهم الضوء الأخضر عن طريق أساتذة مصريّين وفنّانين ورجال أعلام وإعلام وصحافة تجعل الأمر شيئاً طبيعياً في حالة السلم التي نمرّ بها مع إسرائيل"(19).‏
إن قراءة سريعة لعناوين المحاضرات التي ألقيت في "المركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة" تظهر بصورة جليّة ملامح الاستراتيجية الصهيونية وأهداف "إسرائيل" الحقيقية من التطبيع والعلاقات الثقافية. وفيما يلي قائمة مختصرة لعناوين المحاضرات والندوات، المنظمة في إطار "المركز" المذكور:‏
*"دور التواصل والتقليد في تشكيل مفاهيم المجتمعات الحديثة" للدكتور شوئيل أيزيشتاد أستاذ علم الاجتماع بالجامعة العبرية بالقدس وعضو الأكاديمية الإسرائيلية للعلوم والإنسانيات.‏
*"وثائق الجينيزاه بالقاهرة كمصدر للتاريخ المصري" للدكتور مارك كوهين أُستاذ دراسات الشرق الأدنى بجامعة برنيستون وأستاذ زائر بالجامعة العبرية بالقدس، مزدوج الجنسية إسرائيلي/أمريكي.‏
*"الآثار المسيحية القديمة في مصر" للدكتور آشير أوفاديا.‏
*"التعليم في مصر" للدكتور ميشيل وينتر أستاذ تاريخ الشرق الأوسط والدراسات الإسلامية بجامعة تل أبيب.‏
*"اليهودية والإسلام: علاقة بين الهالاخاة والشريعة الإسلامية" ألقتها هافا لازاروس يافيه، أستاذة الحضارة الإسلامية بالجامعة العبرية، لها دارسات معروفة عن التصوف الإسلامي، وفي بعض جوانب العقيدة الإسلامية، وأخرى في تاريخ العرب والإسلام.‏
*"التفاعل الثقافي بين العرب واليهود في العصور الوسطى" للدكتور إسحاق أفيشور أستاذ اللغة العبرية وآدابها بجامعة حيفا ومدير "مركز تراث يهود بابل".‏
*"حياة الطائفة اليهودية في الفسطاط: في العصور الوسطى" للدكتور مناحيم بن ساسون رئيس قسم تاريخ اليهودي بالجامعة العبرية، ونائب رئيس "معهد بن زفي لدراسات الطوائف اليهودية في الشرق".‏
*"القراؤّون في مصر وتاريخهم عبر ألف عام" للدكتور تسفي انكوري الأستاذ بقسم التاريخ اليهودي بجامعة تل أبيب.‏
*"يهود مصر في نهاية القرون الوسطى" للدكتور إبراهام دافيد الأستاذ بالجامعة العبرية.‏
*"الفولكلور اليهودي بين الشرق والغرب" للدكتور دوف نوي، أستاذ الفولكلور في الجامعة العبرية بالقدس.‏
*"اليهود في مصر" ليعقوب لنداو.‏
*"اليهود في مصر -مجتمع شرق أوسطي في العصر الحاضر" للدكتور شيمون شامير.‏
*"شخصيات يهودية في عالم الفكر والاقتصاد في العصر الحاضر" لموريس شمّاس.‏
* في الأصل محاضرة ألقيت في "المؤتمر العام العشرين" للاتحاد العام للأدباء والكتّاب العرب، المنعقد بدمشق من 18-21 كانون الأول/ ديسمبر 1997.‏




التوقيع

إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بدّ أن يستجيب القــــدر
و لا بــــدّ لليــل أن ينجلــي
و لا بـــدّ للقيــد أن ينكسـر
رد مع اقتباس