عرض مشاركة واحدة
قديم 04-30-2010, 11:52 PM   رقم المشاركة : 2
الهادي الزغيدي
عضو





الهادي الزغيدي غير متواجد حالياً


افتراضي رد: الأبعاد الفكريّة والعلميّة -التقنيّة للصراع العربي الصهيوني

مقدمة
قامت إسرائيل على العنصرية والاستيطان والإرهاب والإجلاء، واعتمدت في إنشائها وصيرورتها وتوسّعها وعدوانيتها على الدعم المباشر والمطلق من العالم الغربي عامّة والقوى الكبرى خاصّة. ولذلك فهي مُرتبطة عضويّاً واستراتيجياً راهناً ومصيراً بمصالح تلك الدول والقوى العالميّة. وقد يكفي هنا التذكير بآخر خطاب للسيّد ساندي بيرغر مستشار الرئيس الأمريكي للأمن القومي (الذي ألقاه في الحادي والعشرين من تشرين الأول /أكتوبر 1999 في "منبر السياسة الإسرائيلية" في واشنطن) حول الأهمية الاستراتيجية الكبرى لمنطقة الشرق الأوسط، والذي قال فيه بالحرف الواحد: "الشرق الأوسط هو أيضاً موطن إسرائيل، وهي من أقرب حلفائنا إلينا، ودولة تربطنا بها علاقة خاصّة تضرب بجذورها في التاريخ، وتتميز بمصالح مشتركة وتدعمها قيم مشتركة بيننا. إنّ حماية أمن إسرائيل هو بمثابة "حماية أمننا نحن".‏
وتشكيل العقدة الصهيونية بتيّاراتها وألوانها المختلفة، كالصهيونيّة الروحيّة، الصهيونية العمليّة، الصهيونيّة العمّالية، الصهيونيّة التوفيقيّة، الصهيونية التنقيحية، الصهيونية الدينيّة، الصهيونية الكولونياليّة، الصهيونيّة الإصلاحيّة والصهيونيّة السياسيّة.. الخ، تشكّل الأبعاد الفكرية- الثقافية والتاريخيّة الزائفة، أو الخلفية النظريّة والقاعدة الارتكازية لإسرائيل‏
(أو "الأساطير المؤسّسة للسياسة الإسرائيلية") تبعاً لتسمية المفكّر الفرنسي روجيه غارودي).‏
وقد كرسنا الفصل الأول من هذا الكتاب لتتبّع نشوء التيارات والاتجاهات الصهيونية، وأبرز مُنّظّريها و"آبائها الروحيّين" ودُعاتها، والأفكار والمكوّنات الفلسفيّة -اللاّهوتية الناظمة لأنشطتها وتحرّكاتها وأساليبها، بما في ذلك تنظيماتها وأعمالها الإرهابية ضد القرى والبلدات والمدنيّين الآمنين من عرب فلسطين، والتي نفّذتها بوحشية غير مسبوقة جماعات "الأرغون" وعصابات "الهاغاناه" و"شتيرن" حيث تفاخر بها قادتهم وزعماؤهم المعاصرون، مثل: بيغن وشامير وغولدامائير ودايان ورابين وغيرهم. مُظهرين التأثيرات الفكريّة للعنصريّة الصهيونيّة في تكوّن أنماط محدّدة من الشخصية العدوانية الإسرائيلية، التي تتسّم (وفق دراسات وأبحاث ميدانية أشرنا إلى مصادرها ونتائجها) بجملة من المآزق النفسيّة والاجتماعية والعصبيّة والأخلاقيّة، كمفرزات سلوكيّة للحركة الصهيونيّة، و"التربية" الإسرائيلية العدوانية على مدى حوالي قرن من الزمن. وهو ما دفع الباحث الأمريكي (اليهودي) باري بلخمان لوصف "الانتقامات الإسرائيلية بأنها "سلوك قومي إسرائيلي".‏
ولكن في المقابل بدأت في إسرائيل (بعد اتفاقات كامب ديفيد) تتبلور حركة جديدة للتغلغل السلمي (ثقافياً وعلمياً) في الجسد العربي، ضمن استراتيجية مدروسة لزعزعة ثوابت الوجدان القومي ومكوّنات الذاكرة الجماعيّة لأمّتنا، بغية هزّ قناعات الأجيال الجديدة، واختراق المرتكزات والقناعات التاريخية والدينية والقومية والحضارية لهذه الأجيال، ومن ثم تحطيم إرادتها في البقاء والوجود المستقل، تمهيداً للإجهاز النهائي على هويّتها وشخصيّتها ومستقبلها برمّته، فقامت بالتخطيط والتنفيذ الدقيق والمبرمج مجموعة كبيرة من مراكز البحوث العلميّة والمعاهد والهيئات والجامعات الإسرائيلية في البلدان العربية، التي وقعت اتفاقات سلام مع إسرائيل. وقد تحدّث الفصل الثاني حول الأنشطة التجسسيّة والتخريبية لمراكز الأبحاث والمؤسّسات الإسرائيلية، خدمة للتطبيع والاستراتيجية الصهيونية. حيث تناولنا بالتفصيل واستناداً إلى أدقّ الوثائق والمصادر ما قامت وتقوم به الهيئات والمؤسّسات الأكاديمية‏
الإسرائيلية، "كالمركز اليهودي- العربي في جامعة حيفا"، و"معهد العلاقات الإنسانية" (في جامعة حيفا)، و"قسم الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية في الجامعة العبرية" ومركز يافي للدراسات الاستراتيجية في جامعة تل أبيب" و"المركز الدولي للسلام في الشرق الأوسط" و"المركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة" وغيرها من المراكز والمؤسّسات البحثيّة -الاستخبارية الإسرائيلية.‏
والحقيقة فإنّ هذه الدراسة من حيث مصادرها ومراجعها وتوثيقها وأهدافها، وكذلك استنتاجاتها تتقاطع مع عدد من المؤلّفات الجادّة والنادرة، التي نشرها باحثون عرب نعتزّ بوطنيتهم وغيرتهم وعلمهم وموضوعيتهم.. ونخصّ منهم في هذا المجال: الأستاذ مدحت أبو بكر وكتابه "محاولات تهويد الإنسان المصري" (مصر العربيّة للنشر والتوزيع، 1987)، والأستاذ عرفة عبده علي وكتابه "تهويد عقل مصر" (دار سينا للنشر، 1989)، والدكتور رفعت سيّد أحمد وكتابه الهام "علماء وجواسيس: التغلغل الأمريكي- الإسرائيلي في مصر"، وكتابه الوثائقي للملفّات السريّة "للمركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة" والصادر تحت عنوان "وكر الجواسيس في مصر المحروسة" (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1995)، وغير ذلك من مصادر أشارت إليها الدراسة بالتفصيل.‏
أما الفصل الثالث فنناقش فيه تأثيرات التحدّي العلمي - التقني على الأمن القومي العربي، التي توظّفها إسرائيل في سياق استراتيجيتها العدوانيّة التوسّعية الشاملة في هذه المنطقة وما يتاخمها من أقاليم وبلدان ومناطق.‏
وقد توقّفت الدراسة عند تحليل الأرقام والإحصاءات المتصلة بمراكز الأبحاث والتطوير، وأعداد الباحثين وتخصّصاتهم وإنتاجهم العلمي في البلدان العربية، مع مقارنتها بالأرقام العالمية والإسرائيلية على وجه التحديد. كما عرّجنا على مسألة في غاية الأهمية والخطورة، وتتمثّل في هجرة الأدمغة العربية، وما يقابلها من استقطاب إسرائيلي لأعداد ضخمة من الكفاءات والخبراء وأفضل الباحثين في العالم، ولا سيّما من دول وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق. وحاولت الدراسة تقديم تصوّرات واقعية لمواجهة المخاطر والتحدّيات التي تواجه أمننا القومي في المجال العلمي- التقني.‏
أمّا الفصل الرابع والأخير فقد كرّس لمناقشة مسألة الخيار النووي، وبناء قاعدة عربية للبحث العلمي والتكنولوجيا. حيث استعرضنا عدداً من الآراء والاتجاهات العربيّة فيما يخصّ مسألة الخيار النووي. والتي يجمع معظمها على أنّ أمننا القومي لا يتحقق إلاّ عن طريق امتلاك القوّة الذاتية الرادعة، مع العمل الحثيث على نزع أسلحة الدمار الشامل من المنطقة. وإذا كنّا مع الاتجاه القائل بأنّ الاعتماد على الذات هو خيار استراتيجي لا نملك التخلّي عنه، إلا أنّنا في الوقت نفسه قمنا (في هذا الفصل) بتحليل واقعي وتفصيلي (استناداً إلى أحداث الأرقام والمعطيات المتوافرة) للقدرات الإسرائيلية والعربية، المستخدمة في ميدان العلم والتكنولوجيا. وفي هذا السياق جرى استعراض للمراحل والتطوّرات التي مرّت بها مؤسّسات الأبحاث الإسرائيلية بدءاً من عشرينيات هذا القرن (قبل قيام الدولة الصهيونية بأكثر من ربع قرن) وصولاً إلى الوضع الحالي، الذي يتميزّ بامتلاك إسرائيل للأسلحة النووية، والأسلحة الصاروخيّة. البالستية وأقمار التجسّس وأبحاث الفضاء، والصناعات الإلكترونية المعقدة وعالية التقانة. كما قدّمت الدراسة آخر الإحصاءات المتعلّقة بنفقات إسرائيل على البحث العلمي والتطوير في المجالات المختلفة، ومقارنة ذلك كلّه بما تخصّصه الأقطار العربية في هذا الميدان. ويتبيّن لنا من خلال هذه المقارنات حجم التحدّيات، التي سوف يحملها لنا القرن المقبل في حال تحقّق السلام مع إسرائيل. فالمواجهة العلميّة- التكنولوجية والاقتصادية لزمن السلم قد تكون أصعب بكثير من المواجهة في زمن الحرب. وإنه للوصول إلى هذه الغاية، لا بدّ من مراجعة شاملة وجدّية لإمكاناتنا وقدراتنا المبعثرة حالياً، والمفتقرة إلى التجميع والتنظيم العقلاني والتخطيط العلمي، والرؤية الاستراتيجية المستقبلية لأهمية وخطورة الأبعاد الفكريّة -الثقافية.. والعلميّة- التقنيّة في صراعنا المستمر مع الصهيونيّة وتجلّياتها العدوانيّة الإسرائيليّة.‏
علماً أنه لا يمكن لأي صورة من الصور تحقيق الأمن الوطني الكامل لأية دولة عربيّة بمعزل عن الأمن القومي للدول العربية الأخرى.‏
فلا خلاص لقطر عربي مهما كانت قوّته الاقتصادية أو العسكرية أو العلميّة بمعزل عن الأقطار الأخرى، وإن بلغ دخله السنوي مئات المليارات. لأنّ إقامة البُنية الاجتماعيّة -الاقتصادية والعلميّة والحضارية تحتاج إلى معونة وجهود وطاقات العرب كلّهم، الذين يشكّلون قوّة متكاملة -وإن كانت غير متحقّقة حالياً -ذات أبعاد جيو- استراتيجية شامية إقليمياً ودولياً وإنّ إعادة الاعتبار للعمل العربي المشترك (في المجالات كافة) من شأنه تمهيد الطريق لنهضة عربيّة كبيرة في الميادين الاقتصادية والعلميّة والتقنيّة، وبذلك نواجه التحدّيات العلميّة والعسكرية والتقنية الإسرائيلية كجزء من صراعنا الوجودي الشامل.‏
دمشق: أوائل تشرين الثاني/ نوفمبر 1999‏
خلف الجراد‏




التوقيع

إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بدّ أن يستجيب القــــدر
و لا بــــدّ لليــل أن ينجلــي
و لا بـــدّ للقيــد أن ينكسـر
رد مع اقتباس