يشغل القصص القرآني مساحة واسعة من القرآن الكريم -تقارب ثلث القرآن؛ وهو يشمل ثلاثة أنواع من القصص:
1- قصص الأنبياء السابقين عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام.
2- قصص الأمم والأحداث الغابرة.
3- قصص السيرة النبوية المحمدية .
ولذلك فإن إلحاح القرآن الكريم على الأمر بالسير في الأرض، لا لمجرد التسلي والوقوف على مصارع الأقوام الغابرة، والنظر في عاقبة المكذبين على مدار التاريخ، ولكن للاعتبار، وتجنب أسباب الهلاك التي وقعوا فيها، واكتشاف سنن الله التي لا تتعطل ولا تنخرم في التاريخ حتى لا تسقط الأمة فيما سقطوا فيه وتحصدها عجلة السنن.
فالتاريخ يعيد نفسه، وتظهر فيه سنن الله جلية لاحبة. ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُون﴾(سورة التوبة: 70). فأحداث التاريخ تتكرر، وسنة الله ثابتة مطردة على مدار التاريخ.
إن قصص القرآن كنزٌ لا ينفد، ومَعين لا ينضب، في عبره ودروسه ، في الإيمان ، وفي العمل والدعوة، وفي الجهاد التربية، وفي المنطق والأسلوب، وفي الصبر والثبات، وفي الموازين والحقائق: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾( سورة يوسف: 111).
هذا علاوة على أن أفضل الفوائد والفرائد وأهم الدروس و العبر في القصص القرآني هو تنبيه الناس على سنن الله -تعالى- في نشوء المجتمعات واندثارها، وتأثير أعمال الخير والشر فيها، ومطالعة أمر الله في أحوال الكافرين وسنته المطردة التي -لا تتعطل- فيهم:﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾( سورة الرعد: 31).
هذا، إضافة إلى أن القصص القرآني سيق لأغراض شرعية بحتة كما أسلفت؛ وقد تناول –إضافة إلى ما ذكرت- عددا وفيرا من الأغراض؛ كإثبات الوحي والرسالة، وإثبات وحدانية الله، وأن الدين عند الله الإسلام منذ خلق آدم إلى يوم القيامة، وأن الأنبياء جميعا يدعون إلى دين واحد وغاية واحدة، وإثبات شناعة الشرك والمعاصي، ومعاقبة الله تعالى عليها، والإيمان بنصر الله تعالى وتأييده لعباده الصادقين المؤمنين به وبرسالته ورسله،...
وخلاصة القول: لقد عني القرآن الكريم عناية كبيرة بالقصص ونبه عقول الناس بلفت أنظارهم إلى ما حدث للأمم الغابرة، وأورد الكثير منها على وجه التفصيل، لا لمجرد التسلي والاطلاع على الأخبار، بل تعتبر تلك الأحداث التاريخية مرآة تتجلى فيها سنن الله في خلقه، ولهذا فإذا عرف الناس قصص الأنبياء والرسل مع أقوامهم، واعتبروا بها وأخذوا دروسها نجوا من الهلاك والخسران المبين
.