أخر الاخبار
أنت هنا: الرئيسية 2 فنون الأدب 2 يقدم الأديب المصري إبراهيم أصلان..روايته:مالك الحزين.التي تصور حياة المهمشين في القاهرة..وقد تحولت إلى فيلم سينمائي (الكيت كات) – داود عبد السيد عام 1991م.

يقدم الأديب المصري إبراهيم أصلان..روايته:مالك الحزين.التي تصور حياة المهمشين في القاهرة..وقد تحولت إلى فيلم سينمائي (الكيت كات) – داود عبد السيد عام 1991م.

مالك الحزين

316

مالك الحزين (رواية)

من ويكيبيديا

مالك الحزين إحدى أشهر وأهم الروايات العربية المعاصرة، ومؤلفها هو إبراهيم أصلان وهو أحد أهم الأدباء المصريين المعاصرين، كتب إبراهيم أصلان هذه الرواية في الفترة من ديسمبر 1972 وحتى أبريل 1981 أي في حوالي ثمانية أعوام ونصف تقريباً.[1] وتحتل المركز الحادي والأربعون في قائمة أفضل مئة رواية عربية. كما تم تحويل الرواية إلى فيلم سينمائي بعنوان الكيت كات على يد داود عبد السيد عام 1991.

أحداث الرواية

تدور أحداث الرواية في حي إمبابة في القاهرة تحديداً في منطقة الكيت كات، وتدور أحداثها حول عالم مغترب يتغير أبطاله ويعاني كل منهم من همه الخاص واغترابه الخاص، ومع الوقت ندرك أن البطل الحقيقي للرواية هو الحي.
شخصيات الرواية

رغم الحجم النسبي للرواية يمكن أن نصنف الشخصيات الأساسية إلى:

  • يوسف النجار.. شاب مثقف اغترب عن مجتمع الجامعة وأصبح وحيداً وحزيناً في امبابة.
  • فاطمة.. فتاة بسيطة فقيرة تحب يوسف النجار من طرف واحد وتحاول أن تغويه.
  • الشيخ حسني.. شيخ ضرير يعيش في المنطقة ويعاني من اغتراب ووحدة يحاول أن يتكيف معها بطرق طريفة ومضحكة.
  • المعلم صبحي.. التاجر الغني يحاول أن يشتري القهوة الرئيسية في المنطقة والتي تمثل معلماً بارزاً في حياة الأبطال ليقوم بهدمها وبناء عمارة محلها.
  • المعلم عطية.. صاحب المقهى .
  • عبد الله القهوجي.. الجرسون وصبي المقهى يرى عالمه (المقهى) يباع امام عينيه وهو لا يستطيع ان يفعل شيء.
  • الأسطى قدري الإنجليزي.. رجل كان عمله طوال حياته مع الإنجليز ثم بعد الجلاء أصبح مغترباً عن عالمه إذ يشعر انه ينتمي إلى المجتمع الإنجليزي الراقي على الرغم من فقره وسكنه أحد افقر احياء مصر
  • فاروق وشوقي.. شابان عاطلان عن العمل يحاولان في يأس البحث عن عمل ويحاولان مجاراة الواقع المر.
  • العم عمران.. طباخ عجوز كان طباخاً خصوصياً للملك فاروق.. انتهى عالمه بانتهاء الملكية.. وأصبح وحيداً لا يؤنس وحدته سوى العم مجاهد بائع الفول الذي مات في بداية الرواية.
  • الأمير عوض الله.. ابن باني المقهى الحاج عوض الله.. يرى المقهى الذي بناه والده يباع ليهدم امام عينيه ويتابع ولا يستطيع ان يفعل شيء.
  • الهرم.. بائع المخدرات في المنطقة.
  • سليمان الصائغ.. ابن صائغ وغني تهرب منه زوجته اللعوب.

كاتب الرواية

ولد الكاتب المصري إبراهيم أصلان سنة 1935 بقرية شبشير الحصة التابعة لمركز طنطا بمحافظة الغربية ونشأ وتربى في القاهرة وتحديدا في حي إمبابة والكيت كات، وقد ظل لهذين المكانين الحضور الأكبر والطاغي في كل أعمال الكاتب بداية من مجموعته القصصية الأولى «بحيرة المساء» مرورا بعمله وروايته الأشهر «مالك الحزين»، وحتى كتابه «حكايات فضل الله عثمان» وروايته «عصافير النيل» وكان يقطن في الكيت كات حتى وقت قريب ثم انتقل للوراق ثم المقطم.

لم يحقق أصلان تعليما منتظما منذ الصغر، فقد التحق بالكتّاب، ثم تنقل بين عدة مدارس حتى استقر في مدرسة لتعليم فنون السجاد لكنه تركها إلى الدراسة بمدرسة صناعية. التحق إبراهيم أصلان في بداية حياته بهيئة البريد وعمل لفترة كبوسطجى ثم في إحدى المكاتب المخصصه للبريد وهي التجربة التي ألهمته مجموعته القصصيه «ورديه ليل». ربطته علاقة جيدة بالأديب الراحل يحيى حقي ولازمه حتى فترات حياته الأخيرة ونشر الكثير من الأعمال في مجلة «المجلة» التي كان حقي رئيس تحريرها في ذلك الوقت. لاقت أعماله القصصية ترحيبا كبيرا عندما نشرت في أواخر السيتينات وكان أولها مجموعة «بحيرة المساء» وتوالت الأعمال بعد ذلك إلا أنها كانت شديدة الندرة، حتى كانت روايته «مالك الحزين» وهي أولى رواياته التي أدرجت ضمن أفضل مائة رواية في الأدب العربي وحققت له شهره أكبر بين الجمهور العادي وليس النخبة فقط. التحق في أوائل التسيعنيات كرئيس للقسم الأدبي بجريدة الحياة اللندنية إلى جانب رئاستة لتحرير إحدى السلاسل الأدبية بالهيئة العامة لقصور الثقافة إلا أنه استقال منها إثر ضجة رواية وليمة لأعشاب البحر للروائي السوري حيدر حيدر. توفي في السابع من يناير عام 2012 عن عمر يناهز 77 عاماً.[2]
الفيلم المقتبس من الرواية


ملصق فيلم الكيت كات

تم تحويل الرواية إلى فيلم سينمائي تحت مسمى الكيت كات على يد داود عبد السيد عام 1991 أنتجه حسين القلا، وقام ببطولته الفنان الكبير محمود عبد العزيز في واحد من أفلامه المتميزة حيث يحتل الفيلم المركز الرابع والعشرين في قائمة أفضل مئة فيلم في مئوية السينما المصرية حسب استفتاء النقاد عام 1996، كما حصل الفيلم على الجائزة الذهبية لأحسن فيلم من مهرجان دمشق السينمائي الدولي عام 1991. حظي الفيلم باهتمام نقدي وجماهيري فاق كل تصور، حيث استمر عرضه الجماهيري أكثر من عشرين أسبوعًا. هذا بالإضافة إلى الاحتفاء والقدير النقدي في الصحافة والمهرجانات.
الترجمة الإنجليزية

ترجم الرواية إلى الإنجليزية المترجم والأكاديمي الأمريكي إليوت كولا.
**************************
تحميل كتاب رواية مالك الحزين ل إبراهيم أصلان PDF

على نشر الكتاب الرجاء التواصل معنا


رواية مالك الحزين لـ إبراهيم أصلان

مؤلف: إبراهيم أصلان
قسم: الروايات والقصص الأدبية
اللغة: العربية
الناشر: مهرجان القراءة للجميع،مصر
الصفحات: 88
حجم الملف: 9.95 ميجا بايت
نوع الملف: PDF
تاريخ الإنشاء: 14 فبراير 2009
ترتيب الشهرة: 11,346 رقم 1 هو الأشهر !
رابط مختصر: نسخ
https://www.noor-book.com/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B2%D9%8A%D9%86-%D9%84%D9%80-%D8%A5%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%87%D9%8A%D9%85-%D8%A3%D8%B5%D9%84%D8%A7%D9%86-pdf
************************************

مالك الحزين.. كيف صوَّر إبراهيم أصلان حياة المهمشين في القاهرة؟

شريف مراد
19/1/2022

كيف يمكن أن تكتب نصا روائيا مقتضبا للغاية ويعج بالحياة والشخصيات والدراما والثراء الإنساني في الوقت نفسه؟ في عام 1972، قرَّر الروائي المصري الشاب حينذاك “إبراهيم أصلان” كتابة رواية عن المنطقة التي عاش فيها، وهي حي “إمبابة” ومنطقة “الكيت كات”، ذلك الحي الشعبي الذي عاش فيه أغلب سنين عمره. وقد استمر إبراهيم أصلان في كتابة روايته وتأمل الحياة والناس من حوله طيلة عشر سنوات كاملة، حتى خرجت روايته الأولى “مالك الحزين” إلى النور عام 1983، بعدد شخصيات تجاوز التسعين شخصية.

ينتمي إبراهيم أصلان إلى جيل من الروائيين المصريين الذين نشطوا في نهاية الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، وثمة سمات مشتركة تربط بينه وبين “عبد الحكيم قاسم” و”صنع الله إبراهيم” و”جمال الغيطاني”، الذين ينتمون إلى الجيل نفسه: الصدمة التي أصابتهم بها هزيمة الجيوش العربية أمام الاحتلال الإسرائيلي عام 1967، وتأثير ذلك على أدبهم ورؤيتهم للحياة. فقد كان أدب هؤلاء “الشبان الغاضبين” مُجدِّدا في عوالمه وأسلوبه، تجريبيا في بعض نواحيه، وشكَّل نوعا من “الثورة” على تقاليد الكتابة السائدة حتى ذلك الوقت. وتباينت أساليب “كُتَّاب الغضب” المصريين في التعبير الفني عن غضبهم، وكانت واحدة من أهم الروايات التي مَثَّلت هذا الغضب والثورة والتجديد هي رواية “مالك الحزين”.
إبراهيم أصلان
شكَّلت الرواية حدثا مفاجئا وقت صدورها مطلع الثمانينيات، إذ دارت أحداثها في أقل من يومين بمنطقة الكيت كات، ومن ثم اختلفت بذلك عن كل الأشكال السائدة للسرد القصصي حينها. لم يهتم أصلان بخلق حبكة روائية ما داخل الرواية، ولم يلتزم بأسلوب روائي واحد طوال النص، فضلا عن أنه حاول وصف عالم كامل داخل نص قصير، وبعبارات مقتضبة مع اقتصاد واضح في الوصف والجمل الحوارية. وقد وجد أصلان نفسه مضطرا للتوفيق بين نقيضين: كيف يصف واقعا شديد البؤس والضيق، داخل نص أدبي رحب غني بالحياة، دون أن يقع في فخ تجميل الفقر وتجميل حياة الفقراء والمهمشين بما ليس فيها، بحيث لا يتسامح القارئ مع الظروف التي تحيا فيها شخصيات الرواية، وفي الوقت نفسه لا يفقد تعاطفه وإحساسه بهؤلاء المدهوسين تحت رحى سوء الطالع وغياب العدل، ولربما هنا تحديدا تكمن أسباب عظمة “مالك الحزين” بوصفها عملا أدبيا استثنائيا في تاريخ الرواية المصرية.
ثراء النص وخواء العالم

“أن ننظر إلى العمق؟ وماذا لو لم يكن هناك عمق؟ ماذا لو أن قسوة الأشياء هي الجوهر الحقيقي؟”.

(فرناندو بيسوا)

نستطيع بعد صفحات قليلة من الرواية، ومع توالي ظهور الشخصيات المُكثَّف، أن ندرك أن “حي الكيت كات” هو البطل ومصدر الهوية لكل تلك الشخصيات التي نراها على مدار اليومين. “ومن ثم فأناس هذا المكان، والمُتحقِّق وجوده بهم، لا يختلفون عنه في شيء، أناس عاديون، يمارسون مِهَنا غاية في البساطة، يحضرون إلى النص، دون محاولة من الكاتب أن يُضفي سيمترية جمالية على سلوكهم، أو لغتهم، أو حتى ألقابهم (رمضان الفطاطري الهايف، وسيد طلب المسخرة، والهرم بائع الكيف والحشيش)، أو يسعى إلى مداراة قبح جمالهم وعاهاتهم بعبارات مُنمَّقة، أو أوصاف تبتعد عن المبتذل واليومي، بل على العكس من هذا كله، فالأشخاص حاضرون من الواقع بآدميتهم وأوصافهم، دون أن يعبأ أصلان ­عند نسجهم ­ بنظريات مقولبة”(3)، أي إن أصلان لم يحاول أن يجعل شخصياته في خدمة النص الأدبي، بل جعل النص في خدمة شخصياته.

حضر الشيخ حسني بعاهته البصرية، التي لم تمنعه عن مواصلة الحياة، بل أقنع نفسه بأنه لم يخسر شيئا، وأقنع الجميع بأنه يرى بالفعل، ومن ثم ركب العجلة مثله مثل أي مُبصر، حتى سقط في الماء، ورغم سقوطه، فإنه كرَّر المحاولة مع ماكينة سليمان الصائغ دون خوف من النتيجة. أيضا هناك العم مجاهد بائع الفول، الذي مات في دكانه دون أن يحس به أحد، مثله مثل كل المنسيين والمقهورين في الرواية، الذين تعلَّقوا بذيل الحياة وأهدابها، فما أعطتهم نظرة عدل واحدة. لقد وضعنا أصلان أمام نوع شديد الواقعية والعادية من الشخصيات، شخصيات لا تضع حياتها موضع السؤال، رغم كل ما تكابده في حياتها اليومية الشاقة، ولا تأبه حتى بالمصير، بل هي شخصيات تقتنص لحظة حياتها ووجودها دون أن تعبأ بأي ثمن.

ثم ظهرت “فاطمة”، تلك الفتاة الجميلة متقدة الأنوثة، التي تتشابه مع الآلاف من مثيلاتها في قرى وأحياء مصر، فتتزوج بسائح عربي، أخذ ثمرتها وتركها دون أن يروي ظمأ جسدها ورغبتها في حياة كريمة، حتى يئست من إمكانية الحياة الكريمة، فسعت لتحقيق مطالب الجسد فحسب. وهناك قاسم الذي يجلس طول النهار والليل في انتظار نظارة لكي يُصلحها، دون أن يجود بها القدر، فيبقى على حاله، وكأننا إزاء ضرب من الكدح المستمر، دون أن يملك أحد من كل تلك الشخصيات حلًّا في مواجهة كل ذلك سوى الصبر.

أما قدري الإنجليزي النافر من الحياة الواقعية والهارب منها إلى نمط غربي يرتكن إليه منذ أن عمل مع الإنجليز في شركة ماركوني، فشرب من أسلوبهم ونمط حياتهم المنضبط، فإن الواقع يقهره رغم كل تعاليه عليه، وأما زوجته أم عبده فيساوره الشك نحوها، إذ يعتقد بوجود علاقة شائنة بينها وبين زغلول بائع السمين لمجرد أن نفسها تاقت إليه.

لم يهتم أصلان ولا مرة تقريبا بتقديم الوصف الجسماني أو النفسي لهذه الشخصيات، ولا نسمع مع كل تلك الشخصيات أي حوار داخلي أو تساؤل عن معنى وقيمة الحياة مع الفقر والظلم المحيط بها، بل تنهمك كل الشخصيات تماما في حياتها اليومية، وتراوغ الظروف العصيبة وغير الآدمية التي تحيا فيها دون التفات لأسئلة الخير والشر والعدل. وبدلا من أن يُركِّز أصلان على تقديم عدد معقول من الشخصيات الرئيسية ويدخل بنا إلى عالمها الداخلي، فإنه كثَّف تكثيفا ضخما، على طول الرواية تقريبا، عددا كبيرا من الشخصيات الهامشية التي تظهر مرة أو مرتين تقريبا، وهي شخصيات متعددة ذات حضور ضعيف دون فاعلية كبيرة في سير الأحداث أو تغيير دفة الرواية، تماما كما هي في الحياة الواقعية. هؤلاء الأشخاص، على تعدُّدهم واختلافهم وتنوُّعهم، استوعبتهم رواية “مالك الحزين”، ولكن لم يلتفت إليهم العالم، ولعل ذلك يعكس ثراء النص وخواء العالم في آنٍ واحد.
عالم بلا جذور

تظهر في الرواية شخصيتان أكثر من غيرهما، شخصية “عبد الله القهوجي”، وشخصية “يوسف النجار”. ارتبط عبد الله القهوجي بالمقهى الذي سيشتريه المعلم صبحي ضمن شرائه لكل البيوت والعقارات بالمنطقة، ليهدم المقهى والبنايات المحيطة بأكملها، بعد أن هدَّد المعلم عطية وطعنه بسكين طعنة خفيفة أسفل ظهره لإجباره على بيع المقهى. ومع كل الأشخاص العابرين في الرواية، يبقى المقهى هو المكان الجوهري، وقلب الكيت كات النابض، والعقد الناظم للعلاقات الاجتماعية والارتباطات العاطفية والنفسية، والمكان الوحيد الذي تشعر فيه الشخصيات بأنها ليست شخصيات عابرة وإنما ذوات مكتملة لها جذور وأرض.

يكسر إبراهيم أصلان تقنية السرد الرئيسية في الرواية، وينقلنا إلى وعي عبد الله القهوجي، فنسمع حواره الداخلي وهو يشعر بالضياع مع احتمالية هدم القهوة التي ظلَّ يعمل بها منذ أن كان طفلا صغيرا، فيقول أصلان في نص الرواية: “كيف يمكنه وهو يجلس الآن في المقهى أن يرى ما سرقته الأيام والشهور والسنوات؟ كيف؟ لقد جاء إلى المقهى في مطلع النهار حتى لا يفوته شيء لم يتركه. حاول أن يتذكَّر شكله عندما كان يأتي برفقة والده وهو صغير، وعرف أنه حاول المستحيل.. إن الحبل قد انقطع، المقهى ضاع، وعوض الله ضاع، واليوم فقط يموت أبوك.. صحيح، طول عمرك وأنت غلبان يا عبد الله”. في النهاية استغل عبد الله آخر أيامه في المقهى، واستولى على الإيراد اليومي بعد أن تشاجر بالأيدي مع المعلم عطية صاحب المقهى وخرج، دون أن يفكر في شيء أو يعرف أين يذهب.

أما الشخصية الثانية فهي شخصية يوسف النجار، ولربما تكون الشخصية الأكثر حضورا في الرواية. وبسبب الهزيمة والهامشية والاغتراب العميق الذي يشعر به يوسف، فإنه دائما ما يكون “منزويا منفردا.. تكلمه ويكلمك، وعينك في عينه، لكن روحه في مكان تاني”. لا يشعر يوسف بنفسه داخل إمبابة، ولا في القاهرة، ويغيب يوسف في زحام المظاهرات، ويغيب عن الكيت كات والمقهى، ولا يسهر مع أحد من شباب الكيت كات ولا عواجيزها، ويغيب كذلك بالخمر في أحد البارات العتيقة إذ يحتسي “الروم”، وكلما حاول أن يكتب رواية يُخرِج فيها ما بداخله ارتعش، ومن ثم يُصيبه كل هذا الاغتراب بالفشل.

في أحد تسكُّعاته العشوائية اصطدم يوسف بمظاهرة تتحرك في شوارع وسط البلد، وشاهد العساكر والضباط وهم يقتربون من المتظاهرين في ميدان التحرير، حيث “ضربوهم بالعصي، وسحبوهم من أيديهم وأرجلهم، وارتفعت صرخات البنات على الأسفلت، وألقوا بهم في العربات وانصرفوا”. ترك يوسف مظاهرة الطلبة والمصابين والمعتقلين وأكمل تسكُّعه في طريقه إلى الكيت كات، حيث رأى “الناس في المواصلات وآثار النوم الباقية في عيونهم”، فكتب في مذكراته عن ذلك (والكلام لأصلان في الأخير بالطبع) تلك الجملة الشهيرة: “ملعون أبو الناس، وملعون أبو النوم اللي في عيونهم، ملعون أبوها بلد، ملعون أبوكم كلكم”. في نهاية المطاف، ذهب يوسف إلى نهر النيل وألقى بنفسه داخل قارب، وخلع الحبل الذي ربط القارب بالمرسى، وتركه يتحرَّك به داخل النهر دون وجهة مُحدَّدة.

أحد الخطوط الرمزية المفتاحية في الرواية هو الخبر الذي ألقاه قاسم أفندي على مرأى الجميع في المقهى، عن خواجة إيطالي عاش في القاهرة إبان حقبة الثلاثينيات والأربعينيات، ويدَّعي أنه يملك حي الكيت كات كله، ولديه كل الأوراق الرسمية التي تُثبت ذلك، ويتقدَّم بها إلى مأمور قسم الكيت كات قائلا إنهم استولوا على الأراضي التي اشتراها عام 1944، وإنه حين عاد إلى مصر فوجئ باختفائها وظهور تلك البيوت والشوارع والمقاهي على أنقاضها.

“يعني أول ما يكسب القضية المستعجلة دي، قول على البيوت والقهاوي وبتوع البن والبرتقال والحديد السلام. كله كله. الجامع والأسطى بدوي والمكتبة والبحر والشاويش عبد الحميد والعصير والأكشاك بتاعة البيرة والكبدة كله.. مش حيخلي حاجة أبدا.. الله! هي أرضه ولا أرضنا؟”.

(قاسم أفندي، الكيت كات)

تكتمل الرمزية أثناء جنازة العم مجاهد، إذ يحكي العم عمران، أكبر الناس سِنًّا، عن حقيقة الخواجة الذي ملك الكيت كات كله يوما ما، وكيف كان الكيت كات عبارة عن قصور ونادٍ اجتماعي وملهى ليلي شهد بين جنباته حياة كاملة للأجانب والأرستقراطيين وحاشية الملك، عاشوا فيها حياة واسعة عريضة، حتى قام الجيش بالحركة المباركة وأغلق الكيت كات، ثم رويدا رويدا “الناس خرمته وفتحت فيه الدكاكين والقهوة والخمارة والمقلى والجامع والفرن والخرابة والبيوت وعشش الفراخ والحمام والبط ومخازن الدقيق، وبقى الكيت كات اللي أنتوا شايفينه دلوقتي”، هكذا يحكي العم عمران كل هذا التاريخ القديم، في الوقت الذي يشتري فيه المعلم صبحي المقهى وكل المنطقة المجاورة ليهدمها ويبني بنايات عالية على أنقاض هذا العالم.

نفهم هنا أشياء أخرى أكثر عن صمت إبراهيم أصلان وإحجامه عن التعمُّق في شخصيات الرواية، وتهميشها كلها بدلا من ذلك، ونفهم أسباب كتابته نصا روائيا دون أي شخصية رئيسية، ومعنى وجومه السردي في تلك الرواية، ونهاية الرواية التي تبدو مثل حلقات من حياة يومية صعبة تدور بلا نهاية في مكانها.

عندما نصل إلى نهاية الرواية، نعي لماذا كتب أصلان بتلك اللغة المقتضبة والغاضبة وغير العابئة، فقد أتت شخصيات الرواية كلها من اللا مكان إلى الكيت كات، بعد أن استولوا عليه من أصحابه القدامى، وسيذهبون مثلهم مثل العم مجاهد ويوسف النجار وعبد الله القهوجي إلى مكان آخر بعد أن يشتريه المعلم صبحي أو يستولي عليه الخواجة، ومن ثم فإن قصصهم -تماما مثل حيواتهم- هامشية وجزء من حياة شاقة ومؤقتة بلا جذور، ولا أثر يُذكر لها إلا في نفوس أصحابها.

____________________________________________

المصادر

  1. إبراهيم أصلان، “مالك الحزين”، دار الشروق.
  2. ممدوح فراج النابي، “مالك الحزين لإبراهيم أصلان: من الأيديولوجيا المحايثة للمكان إلى الأيديولوجيا المضادة للسلطة”، مجلة الكلمة.
  3. ضرير مالك الحزين يبصر، وكذلك قارئ إبراهيم أصلان – فن

المصدر : الجزيرة

اضف رد