أخر الاخبار
أنت هنا: الرئيسية 2 تربية وتعليم 2 استطاعت الإمارات أن تنهض بالقطاع الثقافي والفني..عين على التشكيل الإماراتي..- مشاركة: عز الدين بوركة

استطاعت الإمارات أن تنهض بالقطاع الثقافي والفني..عين على التشكيل الإماراتي..- مشاركة: عز الدين بوركة

عين على التشكيل الإماراتي

عين على التشكيل الإماراتي
19 فبراير 2020
عز الدين بوركة

استطاعت الإمارات أن تنهض بالقطاع الثقافي والفني في هذه الجغرافيا العربية الضاربة في القدم والعتيقة، جغرافيا حافلة بالأحداث والتجارب الإنسانية والحضارية التي مكنت لها أن تمتلك ماضياً ثقافياً وجمالياً غنياً، وإن كان الفن التشكيلي في الإمارات لم يتسن له أن يرى النور بالمعنى الأكاديمي والتطبيقي إلا في بدايات سنوات السبعينيات من القرن المنصرم، بالتحديد منذ عام 1972.
وساهم في إرساء دعائم الفنون الجميلة والممارسة التشكيلية بمختلف أنساقها، إلى جانب التجارب الفردية والجماعية، كل ما قامت به دولة الإمارات من تشييد لمؤسسات فنية وأخرى داعمة للفن ومساندة للتجارب، ما رسخ الممارسة التشكيلية. وقد توج هذا المسار الذي ناهجته الدولة بتدشين متحف «اللوفر أبوظبي»، سنة 2017، بالإضافة لمتاحف مهتمة بميادين تاريخية أو مختصة في توجه معين.

ساهم وعي الدولة بالدور المنوط بالفنون البصرية للرقي بالمجتمع وتقدم وتطوره، بشكل كبير في إرساء وترسيخ الفنون التشكيلية بشكلها الأكاديمي والمعاصر في الإمارات العربية المتحدة. وكما يؤكد الباحث محمد يوسف صاحب كتاب «الفن التشكيلي في الإمارات العربية المتحدة»، فالثورة الثقافية والفنية في البلاد بدأت «لا من الصفر ولكن من حيث انتهى الآخرون معتمدين على الإرث الذي خلفه الأجداد، ومكملين مع الأسلاف في شتى المجالات الثقافية والتشكيل في عهد المغفور له الشيخ زايد، طيب الله ثراه، وله نصيب بارز في التحرك الفني المحلي والعربي والدولي، وذلك من التشجيع والمشاركات الخارجية والدولية في انتشار الإمارات دولياً».
وعلى إثر هذا التوسع الفني والثقافي، شرعت دولة الإمارات في إنشاء منطقة الثقافة في جزيرة السعديات، وذلك عبر بناء متحف الشيخ زايد الوطني، ومتحف الشارقة الإسلامي، ومتحف الفن الحديث بأبوظبي، ومتحف اللوفر أبوظبي، والمتحف البحري، ومتحف الشارقة للتراث، وغيرها من الصروح العمرانية الكبرى التي تعكس تصاميمها، إلى جانب انفتاحها على العصرنة، الطابع العربي والإسلامي الذي تحافظ عليه الإمارات.
وكان لفترة السبعينيات من القرن الماضي دور مهم في إنعاش وبروز الفن البصري بالإمارات، حيث شهدت تلك الفترة حركة تشكيلية سريعة ونشطة، «إذ تعددت الجهات الحكومية والمحلية التي تهتم بالفن التشكيلي، وزاد عدد المعارض الفنية داخل الدولة، وانتشرت أسماء مجموعة من الفنانين الذين يمكن اعتبارهم الرعيل الأول في الحركة التشكيلية الإماراتية.. كما تم تأسيس جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، عام 1980. تم بعدها قبول الإمارات عضواً في اتحاد التشكيليين العرب، ثم عضواً في الرابطة الدولية للثقافة والفنون بباريس، وبعد عودة المبعوثين إلى الوطن نشطت الحركة التشكيلية على يد الفنانين الوطنيين والعرب المقيمين بالدولة».

البنيان الصلب
لا يمكن لأي مؤرخ أو باحث يتناول تاريخ الفن التشكيلي في الإمارات ألا يتوقف عند تجربة أساسية دعمت أعمدة الأساس للفن التشكيلي. إذ كان للفنان التشكيلي حسن شريف (1951-2016) الدور الرئيس، بصفته فناناً رائداً، في تشييد البنيان الصلب للممارسة التشكيلية الحداثية والمعاصرة في الإمارات، بل إنه يعدّ أحد الذين أسسوا تجربة لافتة في الفن المفاهيمي عربياً وعالمياً، إذ يعدّ من الأسماء العربية الأولى التي انخرطت في فنون ما بعد الحداثة، بوعي كبير بما تتطلبه المرحلة وما يعرفه العالم من تغيير فكري وفني.
تجاوزت تجربة هذا الفنان المحلية، ليبلغ مبلغ الفنانين الذين كرسوا أسماءهم في الخانة العالمية. إذ عرضت أعماله سنة 2009 في بينالي إيطاليا باعتباره المؤسس لما بعد الحداثة في الفن التشكيلي في الإمارات، إلا أنه ورغم تبنيه الأساليب المعاصرة في الفن التشكيلي من أنستلايشن وغيرها، لم يتخل حسن شريف عن القماشة والصباغة، متنقلاً بين البراديغمين الحديث والمعاصر، دونما أن يُحدث أية قطيعة بينهما، جاعلاً من كل مجال مواضيعه وآلياته للاشتغال، والتي تتداخل في أحايين كثيرة. كل ذلك داخل مختبره/‏‏ ورشته، حيث يشتغل ككيميائي يتقن قياس معاييره ومواده، في محاولة للقبض على المستحيل وبلوغ حجر الفلاسفة الأسطوري. بل لم يكن حسن شريف يشتغل بالصباغة أو ترتيب الأغراض وإعادة تشكيلها فحسب، فاهتمامه بالفن قاده إلى التنظير في الفنون البصرية، وقد ألف في هذا الصدد العديد من المؤلفات المختصة. كل المواد قابلة لأن تكون عملاً فنياً… هكذا اشتغل حسن شريف على خاماته التي تعددت من كارتون ومعادن وأقمشة ومواد مختلطة ومختلفة… لكن كل ذلك ضمن نسق يبتغي إعلاء المعطى الفكري الذي يرتكز عليه الفن المفاهيمي، بالإضافة لإبراز البعد الرمزي والعلاماتي في لوحاته. ما منح منجزاته قوتها، إذ وهو يتنقل من سجل إلى آخر، يتنقل بين طرق ومجالات ومواضيع الاشتغال لكل واحدة خصوصيتها التي يستحضرها وهو يُنتج آثاره. ولم يكن ضد أي تيار أو اشتغال فني، إذ رأى في كل التيارات طريقة لاستحضار الواقع ومساءلته ومساءلة الأفكار، هذه العملية الأخيرة هي التي قادته إلى تبني الاشتغال ضمن النسق الفني المفاهيمي الذي يبرز قوة الفكرة المعالجة على السند ومواد الاشتغال التي ما هي إلا وسيلة من الوسائل اللامتناهية لإخراج الفكرة إلى الوجود.

الفن للمجتمع
لم تتوقف شهية حسن شريف الفنية عن الحفر عميقاً في التراث والبحث المستمر في تجديد أساليبه وتقنياته، مبتعداً كل البعد عن السائد والمُنطبع والمألوف، جاعلاً لنفسه بصمة فنية خالصة، ساعياً لجعل الفن حقل سجال وأرض حوار، حيث يطرح المجتمع أفكاره ورؤاه. مقترباً كثيراً في هذا الأمر من رؤى الفنان الألماني المفاهيمي جوزيف بويس، حيث اشتركا في الإيمان بأنه ليس دور الفنان البقاء في ورشته وإنتاج صباغات أو أعمال للعرض والبيع فحسب، بل عليه أن يتواصل مع المجتمع ويحتك به من حيث إن المجتمع فاعل حقيقي في العمل الفني.
تأسست نظرية حسن شريف حول الفن، انطلاقاً مما راكمه من تجربة خارج بلاده الأم، في بداية السبعينيات من القرن العشرين. تجربة قادته للاحتكاك بفنانين ومنجزات متمردة وثورية في زمنها، خاصة في بدايات العقد السادس من القرن الماضي، حيث بدأت أولى شرارات الفن المفاهيمي والفن ما بعد الحداثة تنتشر في هشيم الفن، وتحرق الأخضر واليابس، إعلاناً عن بزوغ نيران تحرق كل الحدود وتذيب كل الحواجز، وتكسر كل القواعد الجاهزة.
لم تكن أبداً أعمال حسن شريف قط مجالاً للمواضيع الكلاسيكية والطبيعية الرومانسية التي ظلت تسيطر على مجموعة كبيرة من الفنانين العرب، ولم يتجه إلى التجريد الذي كان موضة عربية في زمنه. بل اختار أن يحمل على عاتقه سؤال التجديد والاختراق، عبر أعماله ما بعد الحداثية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*