العودة   منتديات المفتاح > المفتاح الثقافي و الأدبي > الرواية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 03-01-2010, 10:31 PM   #1
المفتاح
المدير العام
 
الصورة الرمزية المفتاح
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
المشاركات: 29,999
افتراضي ضاربة الطبل الصغيرة جون لو كارّيه ترجمة : بسام ديبان

ضاربة الطبل الصغيرة جون لو كارّيه
ترجمة : بسام ديبان

ضاربة الطبل الصغيرة: رواية ل جون لو كارية، نقلها عن الانكليزية ناتالي زيمرّمان و لوريس موراي منشورات روبير لافوّن باريس
يعود عنوان رواية جون لو كارّيه "ضاربة الطبل الصغيرة " إلى أهزوجة انكليزية عنوانها " ضارب الطبل الصغير " the little drummer boy " التي قام بأدائها جان بيز


- 1 -
قدّم البرهان على الأمر باعتداء / بادغود سبيرغ / حتى وإن لم يكن لدى السلطات الألمانية أية وسيلة على الإطلاق لمعرفة ذلك . فقبل اعتداء /بادغودسبيرغ / كانت الشبهات قد تكدست ؛ و من خلال تضافر عاملين هامين : مخطط كامل التحضير وقنبلة تافهة ، تحولت الشكوك إلى يقين . وعاجلاً أو آجلاً ، وكما يقال في مهنة التحقيق ، ينتهي التوقيع بالظهور . لكن أشق ما في الأمر ، الانتظار .
حدث الانفجار بعد تأخر لم يكن متوقّعاً ، بعد أكثر من اثنتي عشرة ساعة تقريباً،صباح يوم الإثنين الساعة الثامنة و ستاً وعشرين دقيقة أكد هذا الأمر .توافق عقارب ساعات اليد المتوقفة التي كانت تخص الضحايا . لم يكن هناك أي إنذار إلا أنّه ، وكما في اعتداءات الأشهر السابقة ، كان ذلك قد بدا استجابة لتكتيك متعمد . و لم يسبق أي انفجار للسيارة المفخخّة الخاصة بالمبعوث الإسرائيلي الذي قدم للتفاوض على عقود تسليح في /دوسلدورف / و لا انفجار الطرد المرسل إلى منظمي مؤتمر اليهود الأرثوذكسي لمدينة /آنفير / و الذي أودى على الأثر بحياة السكرتيرة الفخرية ، وتسبب بحروق مميتة لمساعدتها .و ما من إنذار أيضاً سبق انفجار برميلي القمامة المفخخ الذي أدى إلى إصابة شخصين بجروح خطيرة عندما كانا يمران من أمام مصرف إسرائيلي في / زيور/ . وحده اعتداء /ستوكلهم / كان قد أعلن عنه ،و لكن تكشّف عن أنه لم يكن جزءاً من سلسلة الاعتداءات التي كان يراد إلصاقها بمجموعة مختلفة كل الاختلاف .

حتى الساعة الثامنة و عشرين دقيقة في /بادغود سبيرغ / لم يكن حي /الدروسلستراس /، سوى واحد من الأحياء الدبلوماسية الآمنة الهادئة المزدانة بالخضرة ، والذي يعد تقريباً بعيداً عن صخب / بون / السياسي ، كما كان يؤمل ، خاصة إذا علمنا أنه يفصل بينه و بين /بون / مسافة خمس عشرة دقيقة بالسيارة على وجه الدقة .كان الدروسلستراس /، عبارة عن شارع حديث و محترم ،ذي حدائق غنّاء و مسوّرة، حيث تقع غرف الخدم فوق مرائب السيارات ،وكانت النوافذ بزجاجها الأخضر ،محمية بشباك من حديد على الطراز القوطي .ومناخ /الرون /يبعث حرارة رطبة وينشر خضيلة من الدغل ،خلال معظم أوقات السنة ، ونباتات هذه المنطقة مثل تجمعها الدبلوماسي تنمو سريعاً تقريباً مثلما يشيّد الألمان طرقاتهم وأسرع قليلاً من تسليم بطاقاتهم حسب النظام القائم . وهكذا فإن واجهات بعض المساكن كانت سابقاً تختفي حتى منتصفها خلف أنساق متراصة من الصنوبريات ، التي وإن كانت في وقت ما ليست أطول من قامة البالغ ، ستنتهي ذات يوم و دونما شك بتغطية الحي بكامله في غياهب جديرة بحكايات /غريم / الخرافية ، تكشفت هذه الأشجار عن فعالية ملحوظة ضد تطاير الشظايا و بعد الأيام التي تلت الانفجار جعل منها أحد المختصين بالصنوبريات المحلية اختصاصاً له .
بعض هذه الأبنية تحاكي بطرازها انتماءها الوطني ، فمقر إقامة السفير النرويجي ؛ الواقع في زاوية حي /الدروسلستراس / هو عبارة عن مزرعة صغيرة ، سطوح بنائها من الآجر الأحمر المقتلع من مقالع /هينترلاند/ التي استعادت اعتبارها من/أوسلو/ . في الطرف الآخر من الشارع يقبع القنصل المصري مغتماً في فيلا إسكندرانية فقدت أهميتها ، تنبعث منها ألحاناً عربية تدعو للكابة ، ومصاريع أبوابها مغلقة بصورة شبه دائمة على حرارة شمال إفريقية مضنية . كان ذلك النهار من منتصف شهر أيار /مايو / يبدو رائعاً ،الأزهار والأوراق الفتية تتمايل بإيقاع منسجم لأخف نسمة ،وإزهار /المانوليا /يقارب نهايته ،و بتلاتها الحزينة البيضاء المبعثرة الآن تلاقت في النهاية مختلطة بالنفايات .كان حجاب الخضرة يخفف من جلبة السير اليومية على الطريق العام . حتى لحظة الانفجار كان الصوت الأكثر تميزاً هو صوت زقزقة العصافير و من بينها بعض اليمامات البدينة التي أحست بالحنين إلى نباتات /الغلسين / التي هي مبعث فخر للملحق العسكري الأسترالي . و على بعد كيلومتر واحد جنوباً كانت صنادل الراين غير المرئية تطلق شخيراً قوياً و حاداً ، لم يعد سكان الضفة يحسون به على الأقل بسبب استمراريته .
باختصار حدث هذا صبيحة يوم كان كل شيء فيه يتآمر ، حتى لتعتقد رغم كل الكوارث التي تحملها صفحات الصحف الألمانية الاتحادية الرصينة والأصح ناشرة الرعب والقلق "تراجع انتاج تضخم نقدي إفلاسات بطالة وشرور أخرى مألوفة ، والتي وفقاً للظاهر مستعصية على اقتصاد رأسمالي مزدهر كلياً "- تعتقد بأن /بادغود سبيرغ / مكان هادىء و ممتع للعيش ، بينما /بون / بعيدة عن أن تكون مرعبة كما يقال .
كان بعض الأزواج قد خرجوا للعمل ، وفقاً للجنسية أو الوضع الاجتماعي ، لكن الدبلوماسيين غير معنين بالأمر- على الأقل من الصورة المأخوزة عنهم- وهكذا كان مستشار إسكندنافي كئيب لا يزال في فراشه متجمداً بوجهه الخشبي إثر نزاع زوجي ، شعره مشبوك بمشبك شعر يرتدي ثوب حمّام من حرير صيني ، من بكين كلقية نفيسة . وكان القائم بالأعمال الجنوب الأمريكي ينحني من النافذة طالباً من سائقه الفلبيني أن يجلب له بعض المشتريات . وكان المستشار الإيطالي عارياً يحلق لحيته ، فهو يحب أن يفعل ذلك بعد الحمّام ولكن قبل القيام بتمارينه البدنية اليومية ،و أما زوجته فقد استيقظت قبله و نزلت إلى الطابق الأرضي توبّخ فتاة صغيرة وقحة على رجوعها المتأخّر إلى البيت . ( المشهد المتكرر كل صباح تقريباً من الأسبوع )
كان مبعوث من ساحل العاج يحادث رؤساءه على الشبكة الهاتفية الدولية، يعلمهم بجهوده االهادفة لانتزاع مساعدة للتنمية من وزير المالية الألماني المتكتم أكثر فأكثر .عندما انقطع الخط واعتقدوا أنه أغلق الهاتف في وجههم، أرسلوا له برقية حادة اللهجة للغاية يسألونه فيها عما إ ذا كان يرغب بتقديم استقالته. كان الملحق لشؤون العمل الاسرائيلي قد خرج منذ أكثر من ساعة . لم يكن يحس إطلاقاً بحرية في /بون / ، و يجاهد قدر المستطاع لاحترام مواعيد / القدس / ، وهكذا كان من البديهي أن تجد العديد من الدعابات العنصرية مبرراتها في الوجود و في الموت أيضاً .
في كل قنبلة تنفجر معجزة لنا نحن، و الحالة هذه ندين بهذا إلى الحافلة التي كانت تقل تلاميذ المدرسة الأمريكية و التي توقفت ، ثم انطلقت حاملة معظم الصغار الذين كانوا قد تجمعوا كعادتهم في ساحة مستديرة تتقاطع عندها الطرق على بعد خمسين متراً ـ تقريباًـ من مكان الانفجار . لحسن الحظ ما من طفل من التلاميذ ـ في يوم الإثنين ذاك ـ نسي أن يقوم بواجباته المدرسية أو أن يستيقظ ، و ما من أحد تمرد على قواعد التربية ، فأقلعت السيارة في وقتها المحدد . تحطم زجاج النوافذ الخلفية ، فانفلت زمام الأمر من السائق و غّير طريقه على ممر جانبيّ ، فقدت طفلة فرنسية عينها ، و لكنّ معظم الأولاد لم يصبوا بأذى ً من جراء ذلك ، وهكذا ماحرّّر له بعد فوات الأوان عزاء هائل . ما يزال المراد هنا هو طابع بعض التفجيرات ، أو على الأقل نتائجها الآنية : لأن ضرورة الاحتفال العامة والملحة بالأحياء خير من إضاعة الوقت في البكاء على الأموات . ففي مواقف كهذه ، لايظهر الألم الحقيقي إلاّ فيما بعد ، عندما يزول أثر الصدمة ، و هذا ما يستغرق عادة ساعات عدة ، و أحياناً أكثر من هذا .

لم يكن الانفجار الناجم عن القنبلة ـبحصر المعنى ـ بالأمر العارض ، إذ يمكن لأي كان

قريباً منه أن يتذكره . من الجهة الأخرى للنهر ، التقط سكان حي : / كونينسفينتر / لغطاً عن حرب ما تدور بين أجانب ، و تريثوا مزعزعين ، أنصاف أصمّاء ، و هم يتبادلون إيماءات متواطئة لناجين من خطر . و كانوا يتقاذفون الكلمات فيما بينهم : " دبلوماسيون ملعونون ، كان هذا متوقعاً سلفاً ، فليرسلوا جميعاً إلى / برلين /، لعلهم يدفعون ضرائبنا بسلام ! لكن و لوقت وجيز ، لم يسمعمن كان قريباً جداً أي شيء وكل ما استطاعوا وصفه عندما تمكنوا فقط من الكلام ، الطريق الذي ينشال عالياً ، والمدخنة التي تنخلع دونما ضجّة عن سطح المنزل المقابل ، أو رشقة الشظايا التي تخترق بيوتهم بلمح البصر ، خاطفةً لون بشرتهم ، صافعة إياهم ملقية بهم أرضاً ، شافطةًالأزهار من أوانيها ، ضاربةً الأواني بالجدران . تذكروا بوضوح رنين الزجاج المتشظي ، وحفيف أوراق الشجر الفتية الخجولة تصطدم بالطريق الرصوفة بالحصي و الرمل ، ( على طريقة ماك آدم ) . و تذكروا عويل الناس الرعوبين جداً لدرجة أنهم كانوا يزعقون . لم يكونوا حينها واعين للضجة ما داموا ضحايا اضطراب حواسهم. ذكر العديد من الشهود كذلك ضخامة صوت المذياع الذي كان يصدح في مطبخ المستشار الفرنسي بوصفة طبق اليوم . و سألت احدى ربات البيوت رجال الشرطة ، معتقدة أنها تطرح سؤالاً صائباً عما إذا كان من المكن لعصف الريح أن يضخم صوت المذياع . و بما أنهم كانوا يحملونها ملفعة بغطاء ، أجابها ضابط الشرطة بلطف إنه عند أي انفجار يكون كل شيء ممكناً ، إلا أن التفسير و الحال هذه هو تفسير آخر . فلقد انسحق زجاج نوافذ منزل المستشار الفرنسي ، و ما من أحد في الداخل وجد نفسه في حالة تسمح له بإغلاق الجهاز ، و هكذا لم يعد من شيء يمنع بث البرامج عن النثيال في الشراع . لكن المرأة لم تفهم شيئاً في الحقيقة .
بالطبع لم يتأخر الصحفيون عن التزاحم خلف رجال الشرطة ؛ قاتلين بمرح في تقاريرهم الأولية ثمانية أشخاص ،وجارحين ثلاثين شخصاً متهمين مجموعة ألمانية صغيرةهامشية من اليمين المتطرف تدعى / نبلوجن ـ5 ـ /بجريمة فظيعة ، و هذه المنظمة ما هي إلاّ بضعة أشخاص مختلين ، منهم شابان متخلفان عقلياً ، وعجوز لا يعرف كيف يفجر بالوناً . و عند الظهيرة أكرهوا على تقليص المحصلة إلى خمسة قتلى بينهم اسرائيلي ، و أربعة جرحى جراحهم خطيرة ، وزهاء اثني عشر شخصاً نقلوا إلى المستشفى لسبب أو لآخر ، و كانوا يقدمون اسم /الأ لوية الحمراء / التي ـ هنا أيضاً ـ لا يملكون بصددها طيف إثبات . و في اليوم التالي كانوا يميلون إلى / أيلول الأسود / مغّيرين من جديد فكرتهم . في اليوم الذي تلاه ، نسب الاعتداء إلى مجموعة كانت توقع اسمها ب / احتضار فلسطين / ، والتي تسند إلى نفسها أيضاً ـ وبشكل مقنع ـ التفجيرات السابقة . و على الرغم من أن الأمر يتعلق باسم أقل منه بتفسير الجريمة ، فقد شكل اسم / احتضار فلسطين / العناوين العريضة للعديد من المقالات الرئيسية في الصحافة .
كان من بين القتلى غير اليهود الصقلي لدى الإيطاليين و سائقهم الفلبيني ، و في عداد الجرحىالأربعة الخطرون ، كانت زوجة الملحق لشؤون العمل الإسرائيلي ، الذي انفجرت العبوة الناسفة في منزله . ففقدت ساقها . أما القتيل الإسرائيلي ، فكان ابنها الشاب / غبرييل / .و لكن كانت الشخصيّة الإسرائيلية الزائرة كما تّم التعرف عليها فيما بعد عامة ، هي في الواقع عم زوجة الملحق و الذي قدم حديثاً من / تل أبيب / : تلموديّ مشهور جداً بالمواقف الدموية التي تبناها تجاه الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة. باختصار ، لم يعترف لهم بأي حق من حقوقهم ، و لم يكن يتوانى عن التصريح بذلك و بصوت عال ليتحدى علانية ابنة أخيه التي تنتمي إلى حزب اليسار الاسرائيلي، و التي لم تجعلها طفولتها الماضية في / الكبوتزات / مهيّأة لصرامة الحياة الدبلوماسية الباذخة .
لو كان / غبرييل/ استقل سيارة المدرسة لنجا ، و لكنه ذلك اليوم و كأغلب الأحيان ،لم يكن يشعر بأنه على ما يرام . لقد كان صبياً ضعيفاً و مفرط العصبيّة ، ويعتبر في الجوارحتى الوقت الحاضر عنصراً مثيراً للشغب، خاصة ساعة القيلولة . بيد أنه و كأنه يتمتع بموهبة موسيقية . و هكذا وبصورة مفاجئة، بدا الأكثر عفوية في العالم ، فلم يتذكر أحد في الشارع أنه عرف ولداً جديراً بالحب أكثر منه بمشاعر مفعمة با لولاء لإسرائيل و بلا تفاصيل من المحررين ، سمّته صحيفة ألمانية يمينية (الملاك جبريل )الذي كان مشهوراً في الديانتين ( اليهودية و المسيحية ) وتظهر كل اسبوع قصص خيالية تشهد على قداسته . و استحوذت المجلات على القضية ـ فالمسيحيةإذاً ـكما صرح معلق اذاعي مشهور منوّهاً هكذا دون أن يسميها / ديزرائيلي / كانت يهودية ناجحة و إلا لم تكن شيئاً. أصبح /غبرييل / إذاً شهيداً مسيحياً مثلما هو يهودي ، و الألمان مشغولو الفكر أحسّوا ـ في الحال ـ بالاطمئنان .و أرسل قرّاء دون أن يطلب منهم آلاف الماركات التي لا بد وأن تفعل شيئاً . حكي عن إصدار كتاب مذكرات عن /غبرييل/ و لكن قلما حكي عن بقية الضحايا . حسبما يقتضي العرف اليهودي رُحّل على الفور نعش /غبرييل / الصغير و المثير للمشاعر إلى اسرائيل ليدفن فيها ، والدة الصغير مريضة لدرجة أنها لاتقوى على السفر ، فبقيت في / بون /إلى أن يصبح بمقدور زوجها مرافقتها ليقدما الاحترام ل ( الشيفا ) معاً في / القدس /.
في يوم الانفجار ذاته ، عند الظهيرة ، وصل فريق من ستة خبراء اسرائيليين قادم من / تل أبيب / و بصورة غير واضحة كلّف بالتحقيق عن الجانب الألماني الدكتور / ألكسي / من وزارة الداخلية و الذي هو مثار جدل ، وآلت إليه قيادة الموكب المكلّف باستقبال الفريق الإسرائيلي في المطار . كان / ألكسي /رجلاً ذكياً ، ماكراً ، لكنه عانى على الدوام من كونه أقل بعشرة سنتمترات من أغلب إخوانه الآدميين . وربما كان أيضاً، من أجل أن يعوّض عن هذه الإعاقة ، يتظاهر غالباً بأنه المحرّك الفعلي للتحقيق : فعلى مخطط خاص بقدر ماهو مهني ، كانت علاقاته مع الآخرين صعبة دائماً . وفي كواليس السلطة ، كان واحداً من أولئك الرجال الذين هم ـ في آن معاً ـ رجال قانون و رجال أمن مثلما تنتجهم ألمانيا اليوم ، إنه ليبرالي ، لم تكن آراؤه الجريئة تعجب حزب الإئتلاف ، بيد أنه قلما ينزع لعرضها بحماس على شاشة التلفزيون .ومما يُعتقد أن والد / ألكسي / كان من المعارضين للنظام الهتلري، و لم يكن من اليسيرعلى الإبن أن يظهر بمظهر لائق في تلك الأوقات المضطربة . و بالتأكيد كان في / بون / أصحاب نفوذ و ذو أيد نظيفة لم يجدوه على مستوى من الرفعة ؛ فطلاقه الحديث و الإكتشاف المربك لوجود عشيقة له في العشرين من عمرها لم يحسّنا في شيء من الصورة التي أخذت عنه . وإذا ما كان الأمر يتعلق بأي شخص آخر فلن يكلّف الكسي / نفسه عناء التحرك ، لم يكن على الحادث أن يغطى صحفياً ـ إلا أن مرور العلاقات بين اسرائيل و الجمهورية الألمانية الاتحادية بوضع حرج جعله يتنازل أمام إلحاح الوزير ، فذهب إلى المطار وضد رغبته ألحق به في آخر دقيقة شرطي كسول معروف بآرائه المحافظة و ببطئه السلحفاتي : سيليزي من /هامبورغ / ذاع صيته في مجال المراقبة الطلابية خلال السبعينات ، و يعتبر أخصائياً ممتازاً في المتفجرات . كانت الذريعة الثانية أنه يستطيع التفاهم مع الاسرائيليين على الرغم من أن / الكسي / ، كأي واحد يعرف تماماً أنه فرض عليه أساساً لموازنة القوى .ولكن بالأخذ بعين الإعتبارالجوالمتوتر هذه الأيام، فلعل الأكثرأهمية هو أن/الكسي/ مثل السيليزي غيرضليع بهذه المهمة ، أي أن لا هذا و لا ذاك له من السن ما يكفي لتحمل أدنى مسؤولية تجاه ما يدعوه الألمان ماضيهم الذي لا يقهر . ومهما يبذل اليوم من أجل اليهود ،وإذا لم تكن هذه الضمانات تكفي، فإن / الكسي / و زميله السيليزي غيرالمرغوب به لم يكونا مسؤولين في شيء عما كابدوه فيما مضى وكذلك /الكسي /و بناءً على أقواله لم تنس الصحف كشف كل ذلك .وحدها إحدى الصحف تجرأت على القول إنه منذ زمن طويل جداً و الإسرائيليون يقصفون ـ بلا تمييز ـ مخيمات و قرى الفلسطينيين و لا يقتلون طفلاً واحداً وحسب إنما العشرات دفعة واحدة و أنه سيكون عليهم أن يتوقعوا أعمالاً انتقامية من هذا القبيل . في اليوم التالي، نشر الملحق الصحفي في السفارة الإسرائيلية على جناح السرعة بياناً يرد فيه على من هم أكثر يقظة، رغم أنه كان مبهماً : منذ عام /1961 / و دولة اسرائيل هدف مستمر للإرهاب العربي . ما كان ليسقط أي فلسطيني قتيلاً في أي مكان لو استطاع الإسرائيليون العيش بسلام فقط ، لقد قتل / غبرييل / لم يكن وحده ضحية في هذه الحال. و إذا كانوا قد نسوا محرقة اليهود ، لربما يتذكرون الألعاب الأولمبية في / ميونيخ / قبل عشر سنوات ؟ أوقف رئيس التحرير تبادل الكلمات عند هذا الحد وأخذ لنفسه إجازة ليوم واحد .
حطّت الطائرة العسكرية المجهولة القادمة من تل أبيب على جهة في طرف المطار ، ضاربةً عرض الحائط الاعتبارات الشكلية المعتادة ، و بدأت العمالة كاملة و دونما توقف في الحال . و كان قد طلب منه بلجاجة ألايرفض شيئاً للإسرائيليين ، إلاّ أن توصيات كهذه كانت زائدة : فقد كان /الكسي / محباً للسامية و لا يختبيء من هذا . فكان قد وفى ما عليه بزيارة / تل أبيب / الضرورية للعلاقات الودية ،وأخذ صوراً فوتوغرافية للهواء المتجمع في متحف ( محرقة اليهود ) ! أما بالنسبة للسيليزي ـ لا بأس ـ فهذا البليد لم يكن يتعب من التكرار إلى كل من كان يريد سماعه ـ بأن كليهما يركضان خلف العدو ذاته ، أليس كذلك ؟ ( الألوية الحمراء ) بلا ريب . في اليوم الرابع و على الرغم من أن نتائج التحقيق المختلفة كانت ماتزال معلقة ، فقد أعد فريق العمل صورة مؤقتة مقتنعين بما حدث .
اتّفق أولاً على القبول بأن البيت المستهدف لم يكن يتمتع بأية وسيلة للأمن الخاص ، و أن الترتيبات التي أبرمت بين السفارة و سلطات / بون / لم تكن تقدر مسبقاً هذا الأمر. فمكان إقامة السفير الإسرائيلي على بعد ثلاثة شوارع من هنا ، كان يراقب على مدار الأربع و العشرين ساعة ، و سيارة شرطة باللون الأصفر / الكاكي / تقوم بالحراسة خارجاً ، و يسيّج المحيط سور معدني ، و خفراء مسلحون بمسدسات رشاشة و صغار جداً على فهم السخرية من وجودهم يقومون بدورية في الحدائق . وللسفير الحق كذلك بسيارة ضد الرصاص و بمرافقة من الشرطة . فهو على كل حال السفير وليس مجرد يهودي . وهذا ما كان يضاعف الرهان . إنما بالنسبة لملحق بسيط لشؤون العمل فلم يعد الرهان نفسه ، و يجب ألا يكون أبداً كذلك . فمسكنه يقع تحت الحماية العامة للدورية الدبلوماسية المتحركة،وكل ما كان يمكن قوله هو أنه بيت اسرائيلي . والحيطة الإضافية أنه لم يكن تسجيل عناوين أعضاء هيئة الموظفين الإسرائيليين يغفل من اللوائح الدبلوماسية ، إلاّ خشية أن يشجع ذلك على القيام بأعمال تحريضية في لحظة ترى فيها اسرائيل نفسها عاجزة عن استغلالها ـ المفهوم هنا سياسي / بعد الثامنة بقليل من صباح الإثنين هذا ، فتح الملحق لشؤون العمل المرآب ، و فتًش زينة سيارته كالعادة ، ثم و بالاستعانة بمرآة مثبتة في طرف ذراع مكنسة محفوظة لهذه الغاية ، تفقد أسفل / شاسيه / السيارة . أكد ذلك عم زوجته الذي كان يرافقه .منذ بدأت سلسلةالإعتداءات، أضحت هذه الإحتياطات إلزامية على كل الطواقم الإسرائيلية المقيمة في الخارج . و كان يعلم مثل الجميع أن الأمر لا يحتاج لأكثر من أربعين ثانية حتى تحشى المتفجرات في أية أداة زينة عادية و أقل من ذلك لإلصاق عبوة ناسفة بلاستيكية أسفل خزان الوقود ، و كان يعلم كما الجميع - فقد غرسوا في رأسه منذ بداية تكوينه ـ أن ثلة من الناس ترغب في نسفه .كان يقرأ الصحف و البرقيات ، متيقناً برضى من أن كل شيء يبدو على ما يرام ، فودع زوجته و ابنه بعبارة إلى اللقاء ، ثم ذهب إلى عمله .
ثانياً إن الفتاة المقيمة لدى الأسرة لقاء خدماتها ، هي شابة / سويدية / حسنة السمعة تدعى /إليك / كانت سافرت ليلة البارحة إلى / وسترفيلد /لتمضي فيها أسبوع إجازة برفقة / وولف / صديقها الألماني الشاب وهو جندي لا غبار عليه في /البون سفيهر / الذي حصل بدوره على إجازة .و كان /وولف / قد جاء بعد ظهر الأحد ليصحب /إليك / في سيارة / الفولكسفاغن / المكشوفة ، وكل من يمر أمام البيت أو يراقبه سيكون بوسعه رؤية الفتاة الشابة مرتدية ملابس السفر تجتاز باب المدخل ...
جون لو كارّيه
ترجمة : بسام ديبان
المفتاح غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
صورة الطفلة الصغيرة ( المطربة نجاة الصغيرة ) وهي تغني مع الأطفال رحاب زين ونوس عمالقة آخرون 0 11-06-2013 10:21 PM
انثقاب أو تمزق غشاء الطبل الرضي Enana Zaffour منتدى الطب العــــــــــام 0 06-27-2013 06:12 AM
اليوم السابع: أبو الفتوح اللجنة اعادت شفيق ضاربة بالقانون زين العابدين منتدى الأخبار الأجتماعية 0 05-29-2012 12:23 AM
ترجمة عربية لمختارات من الشعر الهولندي - ترجمة الشاعر العراقي صلاح حسن المذيعة هدى الديب اللغات والترجمة 1 08-26-2011 04:31 PM


الساعة الآن 06:49 AM


Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2014 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved. alhotcenter