أخر الاخبار
أنت هنا: الرئيسية 2 تشكيل وتصوير 2 يوم كتب محمد الأصفر ..بأن المصوّر الليبي تحول من تصوير الترّهات إلى تصوير الثورات – السبت 2011/05/28م

يوم كتب محمد الأصفر ..بأن المصوّر الليبي تحول من تصوير الترّهات إلى تصوير الثورات – السبت 2011/05/28م

المصوّر الليبي من تصوير الترّهات إلى تصوير الثورات
السبت 2011/05/28
بقلم: محمد الأصفر
رفرفة علم تحرس المصلين بعدسة طارق الهوني

بينما كنت اتسكع في الشوارع الخلفية بمدينة بنغازي ودخلت فجأة إلى شارع رئيسي هو شارع العقيب الذي تنحدر منه السيارات من ميدان الحوت إلى شارع عمرو بن العاص، إذ بسيارة بيضاء تحاول ممازحتي بمنبه، وبمحاولة أن تصدمني وصديق يطل من نافذتها محمد محمد اركب.

ركبت إلى جانبه وسلمت عليه، إنه الفوتغرافي الشاب طارق الهوني، لم أسأله إلى أين، وواصل المسير بسيارته حتى بيته في منطقة بن يونس قرب بيت الصديق محمد سحيم، دخلنا المربوعة وقلت له أريد صورا، لدي مواد تحتاج إلى صور، فتح حاسوبه الشخصي وقال لي اختر. صور من بداية الثورة وحتى قبل ساعتين من لقائي بك. صور متنوعة ثابتة ومتحركة، جاء العصير والتمر، وأحضر سفرة بها غذاؤه وطلب مني مشاركته غير أني لا رغبة لي في الطعام.

قلت له: أكمل طعامك بسرعة ودعنا نعود إلى ميدان الحرية عند محكمة بنغازي والكورنيش، وسنتحدث في الطريق أو ندردش حول التصوير الذي فجأة ومن دون مقدمات أو تدريب مسبق أوجد المصورين الصحفيين الليبيين في أتون تجربة جديدة لم يخوضوا مثلها من قبل.

إنها تجربة المظاهرات المناوئة للسلطة وتجربة الحرب، وتجربة الجماهير المحتفلة والمعتصمة في ميادين الحرية في كل مدن ليبيا المحررة والمحتلة.

من قبل كان المصور الصحفي أسير تجارب نمطية، تصوير معرض تشكيلي، تصوير اجتماع لمسؤولين، تصوير ندوة، تصوير لمظاهرة مفتعلة مؤيدة للسلطة، تصوير مباراة رياضية الفتنة بها أكثر من الرياضة، تصوير ترهات إيدلوجية لا حد لها.

يقوم المصور بالحضور مبكرا، فيصور المنصة والبولستر المعلق خلفها، ويلتقط صورة للحضور ثم يغادر إلى أول مقهى، ممارسة التصوير كفن في عهد القذافي كان من الأشياء المشبوهة، لا يمكنك تصوير الشوارع أو الغدران أو تهتك البنية التحتية، من دون إذن مسبق من السلطات، وأحيانا حتى ومعك إذن التصوير يتم القبض عليك واحتجازك، وفي حالة نشر الصور على الإنتريت أو صحيفة غير ليبية أيضا تتعرض للمساءلة والتضييق، ولعل كل الصحفيين في مدينة بنغازي وغيرها قد تعرضوا إلى مثل هكذا مواقف.

أطفال اجدابيا وراس لانوف والبريقة في يوم ترفيهي

ذات يوم كنت في منطقة الفندق البلدي مع زوجتي، واشترينا آلة تصوير عادية غير إلكترونية والتي تعمل بواسطة الأفلام التي يجب أن تحميضها، والتقطنا صورة عامة للشارع، وبعد قليل اقترب منا شاب ونصحنا بالتوقف عن التقاط الصور لهذه المنطقة المكتظة والمهملة أيضا حيث تفيض فيها البالوعات وتتكاثر فيها الحفر والأوساخ ومغادرة المكان بوجه السرعة لأن التصوير في الأماكن العامة ممنوع بدون إذن.

كثير من الصحفيين تم القبض عليه وإيقافه على الرغم من أنه يعمل لصالح مؤسسات الدولة مثل المؤسسة العامة للصحافة أو مواقع إلكترونية تتبع لسيف الإسلام.

انتهى الآن التصوير النمطي العادي الجامد الذي لا يعشقه المصور نفسه، وبدأ عصر جديد من التصوير الحي. تصوير المعارك أثناء حدوثها، تصوير الدمار الذي خلفته، تصوير ضحايا القمع من دون خوف، تصوير فرحة الناس بانتصاراتهم، تصوير الشهداء والابتسامة على وجوههم، تصوير الأطفال الرائعين وعلى خدودهم أعلام الحرية مرتسمة بكل تألق.

قتال وعبادة
يحكي لي المصور الفوتغرافي طارق الهوني، منذ بداية ثورة 17 فبراير كنا فيها، نصور بحذر، لا يعلم الأمن أن المصورة التي معي تشتغل فيديو، كنت أترك الآلة تصور تلقائيا عشوائيا دون أن أوجهها لشيء معين، رصاص القناصين يوجه بشكل عشوائي وبشكل دقيق للناشطين وللصحفيين وغيرهم. لم تكن لي خبرة بالحروب، وجدتني في رأس لانوف مع مراسلي وكالات الأنباء، وفجأة بدأ القصف بالطيران والمدفعية وبكل شيء، زميلي الصحفي العربي قال لي انبطح أرضا، لا ترتفع بقامتك، صور وأنت نائم.

صحفي عربي قال التقط لي صورة، أشعر أن النهاية قربت، ثوارنا متحمسين لكن لم يتعودوا على حروب الآلات الثقيلة، بعضهم أصابته حالة هيستيرية، أخذ يطلق النار من بندقيته إلى أعلى، صورت قصف الطائرات، صورت المذابح التي ارتكبها إرهابيو القذافي داخل كتيبة الفضيل بوعمر، وعندما سألته عن أهم الصور التي التقطها قال: صور ثوار بنغازي في ميدان الحرية وهو يقذفون القذافي بالأحذية أثناء خطابه، لقد تحولت الشاشة البيضاء بعد الخطاب إلى بقع كبيرة من الرماد مما اضطر الثوار إلى طلائها من جديد كي تكون الصورة واضحة.

المصور الصحفي الآخر هو فاتح مناع، مصور شجاع إلى حد التهور، لا يخاف القصف ولا الرصاص، والأماكن التي قد تكون قد لغمت بالألغام، يدخل الأتون ويصور، هو بالدرجة الأولى جندي في ثورة الشباب 17 فبراير، يحارب بكاميرته، ينقل الحقيقة من عين المكان، ويؤرشف للذاكرة البصرية الليبية والثورية من أجل أجيال حرة قادمة. يقول عنه طارق: بصراحة فاتح مناع شجاع وجرئ. أشعر بالأمان عندما أكون بصحبته. فبالإضافة إلى موهبته الفنية في فن التصوير يمكنني أن اكتشف فيه أشياء ومعالم جديدة، ما كنت أراها لو أن 17 فبراير لم تقم.

اشتون بعدسة الهوني

المصورون الآن فنانون كبار، في أرشيفهم الكثير من الصور التي سيشاركون بها في المسابقات العالمية وسيكسبون الجوائز، الثورة ستفتح لهم الأفق، والنجم الأوحد قد أفل الآن، كل إنسان يمكنه أن يتألق ويصنع أسطورته بجهده وعرقه وموهبته ومثابرته، الثورة جعلت الشعب الليبي مبدعا، التصوير ليس حكرا على المصورين المحترفين، يقول طارق إن هناك صورا مهمة التقطت بالموبايل من قبل أناس عاديين، بل أن تصوير الناس العاديين عبر هواتفهم هو من أسهم في إسماع صوتنا وعرض قضيتنا على الإعلام العالمي، لقد ساعدنا كوننا شبابا على ممارسة هوايتنا بكل نشاط ، مصورونا المحترفون الكبار اكتفوا بالبقاء في ساحة الاعتصام، نحن أصلا لا نسمح لهم بأن يرافقونا إلى الجبهة تقديرا واحتراما وحرصا منا على سلامتهم، فهم أساتذتنا في النهاية.

أم صابرة في انتظار النصر

استفدنا كثيرا من وجود هذا الكم الهائل من الصحفيين العالميين، استفدنا تقنيا وفنيا واحتككنا بالصحفيين المخضرمين، دائما نترافق في حافلة واحدة، ونتبادل الخبرات والتجارب والصور أيضا، ليس مهما أن أكون أنا أو أنت الذي التقط الصورة، المهم أن الصورة تصل رفقة الخبر للإعلام العالمي في أسرع وقت، وعندما سألته عن الذكريات الأليمة والحزينة التي عاشها في رحلته الإبداعية مع الصورة أجاب على الفور ودموعه تهطل، تألمت كثيرا لاستشهاد مصور الجزيرة على الجابر، لقد كان إنسانا رائعا، لم يبخل علينا بخبرته الكبيرة، كنا نقضي أوقات طويلة مع بعضنا البعض، وكان إنسانا بمعنى الكلمة، لقد ترك في صوري وفي فني فراغا كبيرا، لقد أحببناه كثيرا وصار واحدا منا، صرنا عائلة واحدة.

قلت له أوافقك يا صديقي طارق لقد كان دوره مهما في نجاح ثورتنا وتوصيل صوتنا ودمنا وعرقنا وصدقنا لأحرار العالم، وهو صحفي محايد ونزيه، لكن لو منحته بندقية وقلت له قاتل معنا أعرف أنه سيجبر بخاطرنا ويوافق، إنه يحب الحرية ويعشقها، أشعر أننا منه تعلمنا درسا لن ننساه، وهو لكل حقيقة ضريبة علينا أن ندفعها وإلا صرنا لصوصا للمجد.

أسماء صحفية أخرى برزت أثناء الثورة وسجلت بعدستها أروع الملاحم، سأتطرق لها قريبا فور لقائي بهم، هم الآن مشغولون بالعمل، ستهدأ الأمور قريبا ويتحقق النصر ونقدم لهم أعمالهم الإبداعية وذكرياتهم الحيّة مع الثورة، منهم من هو في مصراتة المحاصرة الآن ومنهم من هو في الزنتان وفي بقية المدن الليبية الجميلة، تحية لهم جميعهم ودعوات دائمة بالنصر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>